موسوعة الفرق

المَبحَثُ الثَّاني: النَّشاطُ الاعتِزاليُّ المُعاصِرُ والمتأثِّرون به


إنَّ مرادَنا بالنَّشاطِ الاعتِزاليِّ المُعاصِرِ: المدرَسةُ الاعتِزاليَّةُ أصالةً، والمُتأثِّرون بها، والمُوَظِّفون لأصولِهم ومبادِئِهم.
لذا يُفَرَّقُ هنا بَينَ ثلاثِ مدارِسَ:
1- المَدرَسةُ الاعتِزاليَّةُ الحديثةُ.
2- المَدرَسةُ العقلانيَّةُ المتأثِّرةُ بالاعتزالِ.
وهي المَدرَسةُ العقلانيَّةُ التي تشتَمِلُ على بعضِ المبادئِ والأصولِ الاعتِزاليَّةِ، ومنها تقديمُ العقلِ على النَّقلِ، ومحاولةُ توظيفِ الأفكارِ الاعتِزاليَّةِ المتعَلِّقةِ بالعَقلِ والرَّأيِ في أفكارٍ مُعاصِرةٍ مخالِفةٍ لنُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ تحتَ دعوى العَقلِ، وتجديدِ الخِطابِ الدِّيني، والاستفادةِ ممَّا طرحه المُعتَزِلةُ في هذه الجوانِبِ.
3- المَدرَسةُ العَلمانيَّةُ الموظِّفةُ للأصولِ والمبادِئِ الاعتِزاليَّةِ في أفكارٍ عَلمانيَّةٍ وليبراليَّةٍ وحَداثيَّةٍ.
وهذه يُعنى بها العَلمانيُّون والحَداثيُّون المُشتَغِلون بالتُّراثِ عَبْرَ قراءةٍ انتقائيَّةٍ لكتُبِ التُّراثِ الاعتِزاليِّ، وما ذُكِر في كتُبِ أصولِ الفِرَقِ؛ فيَنتَقون منها ما يُوَظِّفونه في أفكارِهم ويخدُمُها، ومن ذلك مثلًا دعوى استِقلالِ العقلِ وتقديمِه على النَّقلِ.
فهي تعني الاعتمادَ على العقلِ فيما ليس للعقلِ فيه دَرَكٌ، وهي مراتِبُ؛ فتاريخُها يبدأُ من غُلُوِّ المُعتَزِلةِ في مقولتِهم الشَّهيرةِ في التَّحسينِ والتَّقبيحِ العَقليَّينِ، ثمَّ بتقديمِ العقلِ على النَّقلِ، ثمَّ يتطوَّرُ هذا الانحرافُ ليصِلَ مع بعضِ المُعاصِرين إلى حدودِ ما كان يدورُ في خَلَدِ المُعتَزِلةِ وزعمِهم أنَّ العقلَ قادِرٌ على كَشفِ المجهولِ بنفسِه، ويجِبُ أن يكونَ مُستَقِلًّا بنفسِه؛ لأنَّه لا يحتاجُ لوِصايةٍ من أحدٍ ولو كان من السَّماءِ! فالمُتكَلِّمون لَمَّا قالوا بأسبقيَّةِ العقلِ فلأجْلِ أن يُثبِتوا الوَحيَ والنُّبوَّةَ، ثمَّ تنتهي هذه الأسبقيَّةُ، ويُصبِحُ العقلُ تابعًا للنَّقلِ، وأمَّا هؤلاء فيَرَون أنَّ العقلَ مُستَمِرٌّ دائمًا متبوعًا، وهو ما جعَل العَلمانيِّين يتَّهِمون المُسَلِّمين للنَّصِّ بأنَّهم نصوصيُّون أو حَرْفيُّون أو ظَلاميُّون، حتى أصبح العقلُ قادرًا على الاستقلالِ بنفسِه لحدِّ أن يُقالَ: هو غنيٌّ عن الوحيِ وعن وِصايةِ السَّماءِ، وليس بحاجةٍ لمصدَرٍ للمعرفةِ خارِجٍ عن ذاتِه؛ فقد بلَغ (تطَوُّرُ الزَّمانِ وبلغ العَقلُ الكمالَ، فما عاد بحاجةٍ إلى وصايةٍ من أحدٍ).
وهذا شُؤمُ الانحرافِ عن منهَجِ السَّلَفِ الصَّالحِ من الصَّحابةِ والتَّابعين ومَن سار على نهجِهم في تعظيمِ النُّصوص، والتَّسليمِ للهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيها؛ فتجَرَّأ المُعتَزِلةُ في مخالفتِهم وتسليمِ القِيادِ للعقلِ في بعضِ القضايا، فأصبح هذا مَزلَقًا هلَك فيه أقوامٌ كُثُرٌ ممَّن أتى بَعدَهم [1663] يُنظر: ((العلمانيون والقرآن الكريم)) للطعان (ص: 233)، ((ظاهرة التأويل الحديثة في الفكر العربي المعاصر)) للسيف (ص: 254)، ((التسليم للنص الشرعي والمعارضات الفكرية المعاصرة)) للعجلان (ص: 43). .
ويُنَبَّهُ هنا إلى أمرٍ بالغِ الأهميَّةِ، وهو أنَّ المَدرَسةَ الاعتِزاليَّةَ -كما مرَّ معنا بالتَّعريفِ بها وبأُصولها الخَمسةِ، وأفكارِها- مَدرَسةٌ متشَدِّدةٌ جِدًّا، وهم إذ يُنادون بالعَقلِ فهم يرَونَ الشَّرائِعَ إنَّما جاءت مؤكِّدةً لِما يراه العَقلُ حَسَنًا وقَبيحًا، فهم لا يُلغُون الشَّرائعَ، ولا يُبَدِّلونها في الجملةِ، على الأقَلِّ من وِجهةِ نَظَرِهم، وإن كان من أخطائِهم الكُبرى جَعْلُهم العَقلَ أصلًا والشَّرعَ فرعًا وتابعًا.
أمَّا المَدرَسةُ العقلانيَّةُ الحديثةُ فهي أخذَت منهم جانِبَ العقلِ، وأعمَلوه في جوانِبَ كثيرةٍ تُضادُّ الشَّرائعَ، كما قَدَّموا المصالحَ على النَّصِّ، وذَمُّوا المُتمَسِّكين بالنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ، ووَصَموهم بالنُّصوصيَّةِ والرَّجعيَّةِ والجُمودِ.

انظر أيضا: