موسوعة الفرق

المبحث السادس: الحماس الديني


يرى بعض العلماء أن سبب خروج الخوارج كان رد فعل لتمسكهم الشديد بالقرآن والسنة، وهو ما ذكره الطالبي بقوله:  " فالتقوى والتمسك بالقرآن والسنة تمسكا شديدا من أسباب الخروج ودواعي الإنكار، إنكار جميع الأوضاع من أساسها ونبذ الفريقين المتقاتلين جميعا، فالتقوى والتمسك بالعقيدة في أصلها أدى بالخوارج إلى الثورة العنيفة على كل شيء "   ((آراء الخوارج)) (ص84).
وهو أيضا رأي لفلهوزن حيث يذكر أن الباعث على خروج الخوارج إنما كان ناتجا عن تقوى شديدة ورغبة  في التوبة الفعلية من خطئهم في صفين حين قبلوا التحكيم، ولهذا فقد طالبوا الإمام عليا أن يتوب توبة فعلية ليرجعوا إلى طاعته، بل يرى أن التشدد في مبادئ الإسلام يفضي بهم إلى أن يتجاوزوا بنقدهم إلى النبي نفسه   ((الخوارج والشيعة)) (ص37).
ويقول أحمد أمين:  " وقد حملهم شديد إيمانهم أن ينتهزوا كل فرصة للدعوة إلى مبادئهم جهرا، ويرسلوا الرسل إلى خلفاء بني أمية يدعونهم ولم يضنوا بأي نوع من أنواع التضحية   ((فجر الإسلام)) (ص263).
ويرى الأستاذ أبو زهرة كذلك أن تلك العاطفة الدينية الجياشة التي جعلتهم يندفعون إلى الخروج إنما كانت نابعة من حياتهم البدوية الساذجة فيقول:  " كان أكثرهم من عرب البادية وقليل منهم من كان من عرب القرى، وهؤلاء كانوا في فقر شديد قبل الإسلام ، ولما جاء الإسلام لم تزد حالهم المادية حسنا؛ لأنهم استمروا في باديتهم بشدتها وصعوبة الحياة فيها وأصاب الإسلام شغاف قلوبهم مع سذاجة  في التفكير وضيق في التصور وبعد عن العلوم، فتكون من مجموع ذلك نفوس مؤمنة متعصبة بضيق نطاق العقول ومتهورة مندفعة؛ لأنها نابعة من الصحراء، وزاهدة لأنها لم تجد "   ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (1/68).
وبغض النظر عن مدى صحة ما علل به الأستاذ أبو زهرة عاطفتهم الدينية المتعصبة من الفقر والبداوة في أكثر الخوارج ؛ فإن الذي يعنينا هنا هو التأكيد على أن هذه العاطفة الدينية كانت بالفعل من الأسباب القوية المحركة لكثير من الخوارج  في خروجهم، كما ينبئ عن ذلك غلوهم في العبادة وهو من أهم خصائصهم, وإن لم يمنعنا ذلك من أن نأخذ عليهم أن عاطفتهم الدينية المتحمسة قد دفعتهم إلى أعمال كثيرة خارجة عما يقتضيه التدين الصحيح المتسم بالتروي وعدم التعصب في معاملة الآخرين.
هذه هي أهم الأسباب التي عرضت في تعليل خروج الخوارج على الإمام علي وعلى الخلفاء من بعده، ولعل  فيما قدمناه في هذا الفصل توضيحا لمدى أثر كل سبب من تلك الأسباب، سواء منها ما كان مباشراً أو غير مباشر.الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص121

انظر أيضا: