موسوعة الفرق

المطلب الأول:  جمال الدين الأفغاني


اسمه: جمال الدين بن صفدر الحسيني الأفغاني،
وصفدر لفظ فارسي من ألقاب الإمام علي رضي الله عنه عند الشيعة ومعناه مقتحم الصف وقد حرف هذا الاسم من كتبوا ترجمته بالعربية فقالوا: - "صفتر" مصطفى عبدالرازق: في ترجمته لجمال الدين الأفغاني بصدر ((مجلة العروة الوثقى)) (ص: 17).
زعم تلميذه الشيخ محمد عبده أن نسبه ينتمي إلى السيد علي الترمذي المحدث المشهور ويرتقي إلى سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ((تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده)) للسيد محمد رشيد رضا (1/27). وقال بهذا الزعم أيضاً مصطفى عبدالرازق مصطفى عبدالرازق: في ترجمته لجمال الدين الأفغاني بصدر ((مجلة العروة الوثقى)) (ص: 17). ومن سمى نفسه بالمؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعي ((جمال الدين الأفغاني)) للمؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعي (ص 5). وقال به أيضاً تلميذه محمد المخزومي ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) للشيخ محمد المخزومي (ص 7). وغيرهم.
ولم أجد في كتب الحديث وعلومه من يسمى بـ "علي الترمذي" وينمي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب سواء كان هذا المحدث مشهوراً أو مغموراً.
ثم أي علاقة بين "الترمذي" وهو من خراسان وبين الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنهما وهو قرشي من مكة؟!
لذلك فلا عجب أن يكتب أبو الهدى الصيادي من الآستانة إلى السيد رشيد رضا قائلاً:-
"أني أرى جريدتك طافحة بشقاشق المتأفغن جمال الدين الملفقة وقد تدرجت به إلى الحسينية التي كان يزعمها زورا، وقد ثبت في دوائر الدولة رسميا أنه ما زندارني من أجلاف الشيعة.... " ((تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده)) للسيد محمد رشيد رضا (1/90).
ثم نقول بعد هذا أي فضل للرجل بهذا النسب عند من دينه إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13] وخوطب نبيه بقوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214]
مولده:
ولد سنة 1254 هـ - 1838م وأول ما يصادف المؤرخ لحياة هذا الرجل من غموض الخلاف في مكان مولده هل ولد في أسعد آباد قرية من قرى كير من أعمال كابل في أفغانستان أو في أسد آباد قرب همدان أحدى مقاطعات إيران فيكون إيرانياً لا أفغانياً وإنما آثر أن ينسب نفسه – كما قال بروكلمان – إلى أفغانستان لأسباب سياسية ((تاريخ الشعوب الإسلامية)) كارل بروكلمان (4/103). أو أن والده ضابط إيراني أوفدته حكومته إلى بلاد أفغان فتزوج هناك مصطفى عبدالرزاق: في ترجمته لجمال الدين الأفغاني بصدر ((مجلة العروة الوثقى)) (ص: 17).
ولا أحسب أن للبحث عن أصل الرجل أي رجل أهمية إذا ما حسنت عقيدته وصفت سريرته واستقامت سيرته، ولكن قد يلزم البحث عن هذا إذا كان ذلك الرجل هو الذي أراد تعمية أصله ونسبة نفسه إلى غيره مع غموض في اتصالاته وعلاقته وأنشطته فيجب على الباحث تحري هذه المعرفة السبب الدافع له إلى هذه التعمية فقد يكون وراء الأكمة ما وراءها.
إذن فهناك أمور ثلاثة نراها بارزة في نسبة الرجل وأصله:-
أولها: أن اسم والده "صفدر" وهو لفظ فارسي من ألقاب الإمام علي رضي الله عنه عند الشيعة ولا يوجد إلا بين الشيعة ((جمال الدين الأسد آبادي)) ميرزا لطف الله خان (ص 11).
ثانيها: أنه لا صحة لانتسابه إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما من طريق "علي الترمذي" وإنما انتحل هذا لإضفاء قداسة باطلة على شخصه.
ثالثها: أنه إيراني لا أفغاني كما ينسب نفسه وسيتضح لنا هذا فيما بعد – إن شاء الله – وإنما نسب نفسه إلى أفغانستان لأسباب غير ظاهرة.
جمال الدين في أفغانستان:
ولا نعرف مصدراً لتاريخ نشأة الرجل – هذا – إلا ما تحدث به عن نفسه إلى تلاميذه فقالوا أنه لما بلغ الثامنة من عمره أجلسه والده لطلب العلم وعني بتربيته فأيد العناية به إشراق في قريحته وذكاء في مدركته فتلقى علوماً جمة برع في جميعها فمنها العلوم العربية وعلوم الشريعة وعلوم عقلية من منطق وفلسفة وعلوم رياضية ونظريات الطب والتشريح ((تاريخ الأستاذ الإمام)) للسيد رشيد رضا (1/27-28).
واستكمل الغاية من دروسه في الثامنة عشرة من عمره ثم سافر إلى الهند فأقام بها سنة تعلم في خلالها شيئاً من العلوم الأوروبية وأساليبها ((العروة الوثقى)) مصطفى عبدالرازق (ص 19).
وعرض له وهو في الهند أن يؤدي فريضة الحج فاتجه إلى مكة المكرمة وقضى نحو سنة يتنقل في البلاد ويتعرف أحوالها وعادات أهلها حتى وافى إلى مكة المكرمة سنة 1273هـ 1857م وأدى الفريضة ((جمال الدين الأفغاني)) عبدالرحمن الرافعي (ص 6). ثم عاد إلى بلاده ودخل في سلك رجال الحكومة على عهد الأمير دوست محمد خان وبعد وفاته تنازل أولاده في الإمارة فانضم جمال الدين إلى محمد أعظم الذي أحله محل الوزير الأول ولكن النصر كان في النهاية حليف شير علي. لتأييد الإنكليز له فهرب محمد أعظم إلى إيران وبقي جمال الدين في أفغانستان لم يمسسه الأمير بسوء إلا أنه خشي الانتقام منه فاستأذن للحج فأذن له فرحل إلى الهند سنة 1285هـ 1869م ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص 9).
رحلاته:
في الهند:
كان يريد من رحلته إلى الهند الإقامة بها من غير ظهور وبكل بساطة وقد كانت الهند تحت الاستعمار البريطاني فكانت دهشته عظيمة عندما رأى الحكومية الهندية تستقبله على الحدود استقبالا رسمياً ليس له مبرر ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص10). ولكنهم لم يسمحوا له بالإقامة الطويلة في الهند فمكث فيها نحو شهر ثم سيرته على حسابها في أحد مراكبها إلى السويس 1286هـ - 1870م.
في مصر:
كانت تلك أول زيارة له إلى مصر فأقام بها أربعين يوماً تردد فيها على الأزهر واتصل به بعض طلبة العلم السوريين فقرأ لهم شرح كتاب الأظهار ثم سافر إلى الأستانة سنة 1287هـ 1870م.
في الآستانة:
لما وصل إلى الآستانة أقام بها مجهول المكان حتى أهدى إليه بعض أكابر الوزراء فعينه عضوا في مجلس المعارف ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/40). وفي رمضان سنة 1287هـ ألقى خطاباً في دار الفنون في الحث على الصناعات شبه فيه المعيشة الإنسانية ببدن حي وأن كل صناعة بمنزلة عضو منه فشبه الملك بالمخ والحدادة بالعضد والزراعة بالكبد والملاحة بالرجلين وغير ذلك ثم قال: "ولا حياة لجسم إلا بروح وروح هذا الجسم إما النبوة وإما الحكمة" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/30-31). مما أهاج عليه شيخ الإسلام حسن فهمي أفندي وعدداً من العلماء والوعاظ في المساجد محتجين على جمال الدين بأنه جعل النبوة صنعة وانتهى الأمر بأن أشير على جمال الدين بالجلاء عن الآستانة ريثما تسكن الخواطر فسافر إلى مصر في أول سنة 1288هـ 1871.
في مصر:
وصل إلى مصر فرحبت به الحكومة المصرية وأجرت له راتباً شهرياً بلا عمل. وكانت إقامته في مصر هذه المرة حافلة بالأنشطة العلمية والسياسية فألقى كثيراً من الدروس في الأدب والمنطق والتوحيد والفلسفة وعلم التصوف وأصول الفقه والفلك ((العروة الوثقى)) (ص21). حتى ذاع صيته واتصل بكبار القوم وانخرط في الماسونية وكان له تأثير في سياسة البلاد وكتب في الصحف التي ساهم في إنشائها تارة تحت اسم "مظهر بن وضاح؟ وباسمه الصريح تارة أخرى.
كانت سياسة البلاد الحالية آنذاك تحت الإدارة البريطانية فكانت كتابات السيد قد أوغرت عليه صدر مستر فيفيان قنصل إنجلترا وأوغرت صدر توفيق باشا لاعتقاده أن كتابات السيد تؤدي على زعزعة حكمه وبالإضافة إلى هذا فقد كان السيد منبوذاً من علماء الأزهر الذين رأوا في تعليمه الفلسفة وبعض آرائه فسقا فصدر الأمر بنفيه وجاء في القرار: "أنه رئيس جمعية سرية من الشبان ذوي الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا" ((جمال الدين الأفغاني)) لـعبدالرحمن الرافعي (ص 46). وعند نزوله إلى الباخرة أتاه قنصل إيران فعرض عليه بعض المال فرفضه ثم أبحر إلى الهند وأقام بحيدر آباد سنة 1296-1879م.
في الهند:
أقام في حيدر آباد عاما ألَّف خلاله رسالة في (الرد على الدهريين) بالفارسية ولما قامت الثورة العرابية في مصر نقل من حيدر آباد إلى كلكتا لاعتقاد الحكومة الإنجليزية أن له فيها يدا ثم أبيح له أن يسافر إلى حيث شاء فسافر إلى لوندرا "لندن" فأقام بها أياماً ثم سافر إلى باريز سنة "1300هـ - 1883م.
في باريس:
أقام في باريس ما يزيد عن ثلاث سنوات عهدت جمعية العروة الوثقى له فيها أن ينشئ جريدة (العروة الوثقى) فاستدعى الإمام محمد عبده الذي كان منفياً في سوريا فأصدرا الجريدة وكان جمال الدين مديراً لسياستها ومحمد عبده رئيسا لتحريرها سنة 1301هـ - 1884م ولكن الجريدة لم تلبث إلا سبعة أشهر وأيام لمحاربة الاستعمار البريطاني لها ثم توقفت وعاد محمد عبده إلى سوريا ثم إلى مصر معتزلاً السياسة ومكث السيد في باريس متردداً بينها وبين لندن والتقى في باريس بالفيلسوف الأوربي رينان ثم دعاه ناصر الدين شاه إيران إلى طهران فاتجه إليها سنة 1304هـ - 1887م.
في إيران:
وفوض إليه الشاة نظارة الحربية، وتزاحم حوله الأمراء والمجتهدون والكبراء وتمكن من نظم كثير منهم في سلك الماسونية ((العروة الوثقى)) (ص 25). لكن الشاه ناصر الدين أوجس منه خيفة وداخله ريب من حركاته ونشاطه فأدرك السيد ما في نفسه فاستأذن في السفر إلى روسيا فأذن له سنة 1887م.
في روسيا:
كان له في روسيا نشاط صحفي نشر كثيراً من المقالات عبر الصحف الروسية واجتمع في بطرسبرج "لنجراد" بكبار العلماء والسياسيين وقد مكن له نقده لسياسة الإنجليز مكانة في روسيا حتى أن القيصر دعاه إلى قصره وتحادث معه طويلاً فرابه منه ما راب ناصر الدين شاه فأوعز إلى موظفيه بطرده فاتجه إلى باريس سنة 1306هـ - 1889م.
في ميونخ:
وفي طريقه إلى باريس التقى في ميونخ عاصمة بافاريا "ألمانيا" بالشاه ناصر الدين الذي طلب منه العودة إلى إيران فاعتذر بذهابه إلى معرض باريس فألح عليه الشاة فذهب معه ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/55). سنة 1306هـ - 1889م.
في إيران:
لما وصل إلى إيران عاد الناس إلى الاجتماع به وتلقي مبادئه وأفكاره وعهد إليه الشاه أن يسن ما يراه موافقاً لروح العصر من القوانين فلما أطلع عليها الشاه  بعد ذلك رأى أن حكمه سيكون مقيداً ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص 31). فعاودته الشكوك والظنون في جمال الدين الذي شعر بهذا فاستأذن بالذهاب إلى شاه عبدالعظيم قرب طهران فأذن له فتبعه جم غفير من العلماء والوجهاء فخاف الشاه عاقبة ذلك فنافه إلى خارج الحدود إلى البصرة سنة 1308هـ - 1891م.
في البصرة:
أقام فيها سبعة أشهر والى الكتابة فيها إلى أنصاره في فارس وآثار فيهم الحمية لخلع الشاه ناصر الدين غادر بعدها البصرة إلى لندره "لندن" سنة 1309هـ - 1892م.
في لندن:
أقام فيها ثمانية أشهر موجهاً همته إلى محاربة الشاه ناصر الدين. وكان من المؤسسين لمجلة (ضياء الخافقين) وسلمه سفير تركيا في لوندرا كتابا من السلطان عبدالحميد يدعوه إلى الآستانة فسافر إليها سنة 1310هـ - 1892م.
إلى الآستانة:
وكانت المحطة الأخيرة في رحلاته هي الآستانة ولقي فيها كل ترحيب وتكريم إلا أنه منع من مغادرتها وأجرى له فيها السلطان راتباً شهرياً إلى أن توفي سنة 1314هـ-1897م.
نشاطه العلمي:
يعد من المميزات للسيد جمال الدين الأفغاني أنه أحدث نهضتين اجتماعيتين:
نهضة اجتماعية علمية ونهضة سياسية ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/74). وكان الغالب على نشاطه الثانية منهما ولم يقم أحد من تلاميذه من بعده بالأمرين. بل انشطروا إلى شطرين ذهبت طائفة إلى الأخذ بالنهضة العلمية ويقف على قمة هذا الفريق الإمام محمد عبده. وذهبت طائفة أخرى إلى الأخذ بأرائه السياسة وعلى رأسهم مصطفى كامل وفريد ثم سعد زغلول ((زعماء الإصلاح في العصر الحديث)) أحمد أمين (ص 115-116). وغيرهم.
وبدأ السيد نشاطه العلمي في أفغانستان وواصل دراسته في الهند. هذا من ناحية التلقي أما من ناحية التعليم فقد بدأ أول ما بدأ في الهند عند خروجه في المرة الثانية حيث ألقى بعض الدروس ولم تكن تلك الفترة من الكفاية بحيث يظهر أثرها واضحا إذ لم يلبث سوى شهر واحد غادر بعدها إلى مصر حيث وفد عليه بعض طلبة العلم في الأزهر من السوريين فشرح لهم كتاب (الإظهار) وهو كتاب في النحو وكانت تلك الفترة كسابقتها حيث غادر إلى الآستانة ثم عاد إلى مصر مرة ثانية حيث ازداد نشاطه العلمي وبلغ أوجه فبدأ التدريس في الأزهر وقد كان يلقي فيه من الدروس ما أحفظ عليه بعض علماء الأزهر فناظره أحدهم مناظرة أفضت إلى المنافرة فترك الأزهر وانقطع للتدريس في منزله ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/40). فقرأ من الكتب العالية في فنون الكلام الأعلى والحكمة النظرية طبيعية وعقلية وفي علم الهيئة الفلكية وعلم التصوف وعلم أصول الفقه الإسلامي ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/32). وقد وصف الإمام محمد عبده منزلة جمال الدين من العلم فقال:
"أما منزلته من العلم وغزارة المعارف فليس يحدها قلمي إلا بنوع من الإشارة إليها لهذا الرجل سلطة على دقائق المعاني وتحديها وإبرازها في صورها اللائقة بها كأن كل معنى قد خلق له وله قوة في حل ما يعضل منها كأنه سلطان شديد البطش فنظرة منه تفكك عقدها..." ثم يقول:-
"وله لسان في الجدل وحذق في صناعة الحجة لا يلحقه فيها أحد" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/34).
ثم سافر بعد مصر على الهند وكان له فيها حلقة للتدريس لكنها لا تماثل حلقته في مصر واشتغل فيها بالتأليف عن التدريس.
مؤلفاته:
لم يكن للسيد اهتمام كبير في التأليف بل كان همه أن يلقي كلماته وخطبه على تلاميذه القاءً فيبادر بعضهم إلى تسجيلها وتدوينها بل ذكر بعض تلاميذه أنه:- قضى ولم يدون إلا رسالة في إبطال مذهب الدهريين" ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص 43). وقال عنه أديب بك إسحاق "ولكنه لم يتم عملا ولا ألف كتابا غير تلك الرسالة" ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص 44). والحقيقة أنه دون غير رسالته (الرد على الدهريين) التي ألفها بالفارسية في حيدر آباد. فقد دون رسالة صغيرة له أسماها (تتمة البيان في تاريخ الأفغان) وقد طبعت في مصر وما عدا هاتين الرسالتين فمقالات نشرها في الصحف والمجلات طبع بعضها مستقلاً وكان لاشتراك الإمام محمد عبده معه في مجلة (العروة الوثقى) وعدم تسمية صاحب كل مقال فيها كان له أثر كبير في الخلط في نسبته إلى صاحبه فبحث (التعصب) نشر باسم الإمام مع أنه من إنشاء جمال الدين وهناك كتاب أكثر شهرة أعنى (الإسلام دين العلم والمدنية) من بين فصوله "الإسلام والنصرانية" وهو من تأليف الأفغاني ((الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني)) جمع محمد عمارة (ص 118-119). خاطرات جمال الدين الأفغاني محمد المخزومي ص 43. وقد ضم المخزومي في الخاطرات هذين المقالين على خاطرات جمال الدين الذي دون فيه المخزومي آراء وأفكار الأفغاني وقد طبع طباعة مستقلة بعض مقالاته مثل (الوحدة الإسلامية) و(القضاء والقدر) أما إذا رمت الإطلاع على معظم ما كتبه فعليك بـ (خاطرات جمال الدين الأفغاني) لتلميذه محمد المخزومي و (الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني) لمحمد عمارة و (العروة الوثقى) وإنما قلت معظم ما كتبه لأن هناك من كتاباته في بعض المجلات ما لم يدون أذكر مثالاً لذلك ما كتبه في الصحف الروسية.
تفسيره:
قلنا أن الغالب على نشاط السيد الأفغاني هو النشاط السياسي وأنه إنما يتناول ما يتناول من العلم في دروسه ما يدفع به عجلة السياسة خطوة نحو أغراضه وأهدافه وقد تعرض له في أثناء حديثه آية قرآنية يستشهد بها لتقوية رأيه ثم يذهب في تفسيرها تفسيراً يقتصر فيه على الجانب الذي يتكلم فيه من غير استقصاء لمعانيها.
ومن ثم فلم يكن له تفسير مستقل وإنما كان تفسيره آية هنا وآية هناك بين ثنايا مقالاته.
ويقلل السيد جمال الدين من شأن ما تراكم على القرآن الكريم وتجمع حوله من آراء المفسرين وما استنبطوه من أحكام فيقول "القرآن وحده سبب الهداية والعمدة في الدعاية أما ما تراكم عليه وتجمع حوله من آراء الرجال واستنباطهم ونظرياتهم فينبغي أن لا نعول عليه كوحي وإنما نستأنس به كرأي..." ويحذر من إضاعة الوقت في عرض ذلك فيقول "ولا نحمله على أكفنا مع القرآن في الدعوة إليه وإرشاد الأمم إلى تعاليمه لصعوبة ذلك وتعسره وإضاعة الوقت في عرضه" ((جمال الدين الأفغاني)) عبدالقادر المغربي (ص 62-63).
وهو لا يعني بهذا السنة المتواترة أو ما أجمع عليه العلماء حيث يقول "فالتواتر والإجماع وأعمال النبي المتواترة إلى اليوم هي السنة الصحيحة التي تدخل في مفهوم القرآن وحده والدعوة إلى القرآن وحده" ((جمال الدين الأفغاني)) عبدالقادر المغربي (ص 62).
وهو يدعو إلى دراسة القرآن والكشف عن كنوزه المدفونة فيقول:-
"القرآن القرآن وإني لآسف إذ دفن المسلمون بين دفتيه الكنوز وطفقوا في فيافي الجهل يفتشون على الفقر المدقع" ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص 99). ولكنه يتأسف على التعمق في تفسير باء البسملة ومخرج صاد الصراط "وكيف لا أقول وا أسفاه! وإذا نهض أحد لتفسير القرآن فلا أراده إلا يهيم بباء البسملة ويغوص! ولا يخرج من مخرج حرف صاد الصراط حتى يهوي هو ومن يقرأ ذلك التفسير في هوة عدم الانتفاع بما اشتمل عليه القرآن من المنافع الدنيوية والأخروية مع استكماله الأمرين على أتم وجوههما" ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص 99). ويرى أن القرآن بريء من مخالفة الحقائق العلمية الثابتة "فإذا لم نر في القرآن ما يوافق صريح العلم والكليات اكتفينا بما جاء فيه من الإشارة ورجعنا إلى التأويل" ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص100).
وهو مع حثه على التفسير ودعوته إلى تنقيحه مما علق به مقل فيه فلا يتناول من الآي إلا ما قل ولا يفسره إلا من جانب ما يؤيد به قوله من غير بيان للجوانب الأخرى.
وقد صدر السيد جمال الدين سبع عشرة مقالة من خمس وعشرين مقالة في (العروة الوثقى) بآية أو آيتين من القرآن الكريم اعتقدها بعضهم شرحاً وتفسيراً وليس كذلك فقل أن يعرض في المقالة للآية المصدرة.
أما الآيات التي تناولها بنوع من التفسير فقليل جداً كما ذكرنا توجد بين ثنايا بعض مقالاته فمن ذلك قوله:
"قرأت في القرآن أمراً تغلغلت في فهمه روحي وتنبهت إليه بكليتي وهو وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30] فاندهشت الملائكة لهذا النبأ ولهذه المشيئة الربانية إذ علمت أن ذلك الخليفة سيكون الإنسان وأن ذلك الإنسان – الخليفة – سيصدر منه موبقات وسيئات أعظمها وأهمها أنه "يسفك الدماء "فقالت بملء الحرية المتناسبة مع الملأ الأعلى وعالم الأنوار والأرواح الذي لا يصح أن يكون هناك شيء من رياء ونفاق أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء [البقرة: 30] ووقفت الملائكة عند هذا الحد من الطعن في الإنسان ولم تذكر باقي السيئات من أعماله إذ رأتها لغوا بالنسبة لهذين الوصمين الفساد وسفك الدماء" ثم يمضي في التفسير على هذا المنوال إلى أن يقول "وبأبسط المعاني أن الله تعالى أفهم الملائكة أنكم علمتم ما في خليفتي في الأرض وهو الإنسان من الاستعداد لعمل الفساد وسفك الدماء وجهلتم ما أعددته لصونه وصرفه عن الإتيان بالنقيصتين المذكورتين ألا وهو العلم فقال وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 31] " ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) (ص92-93).
ويفسر آيات أخرى فيقول "غضب سليمان عليه السلام على الهدهد إذ تفقده ولم يجده فلما حضر قال وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل: 22] – غير ملفق ولا مشوب بكذب كما تفعل أكثر الجواسيس مع الملوك والحكام إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: 23] دينهم ومعتقدهم وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ [النمل: 24] " ثم يقول بعد ذلك "فلما جاء الكتاب إلى ملكة سبأ جمعت فوراً مجلس الأمة قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ [النمل: 32] وبعد أن تداول مجلس الأمة – الوزراء اليوم مثلا – واستخرجوا إحصاءً من سجلاتهم بما عندهم من المعدات الحربية أعلنوا الملكة وأنبؤوها أنه من إمكانهم محاربة سليمان بما توفر لديهم من القوة إذا هي وافقت على إعلان الحرب قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ [النمل: 33] ، ثم يمضي بعد فيقول "فرد سليمان الهدية وتحفز لإخراج الملكة وقومها أذلة بالحرب وأراد أن يريها ما لديه من القوى وما تسخر له من رياح يمتطيها وتجري بأمره – طيارات مثلاً – وسرعة نقل الأخبار والأشياء بأسرع من البرق – التلغراف اللاسلكي مثلاً" ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) (ص100 – 101).
وكان يشطح في تفسيره فيفسر الربا المحرم في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً [آل عمران: 130] بـ "جواز الربا المعقول الذي لا يثقل كاهل المديون ولا يتجاوز في برهة من الزمن رأس المال ويصير أضعافاً مضاعفة" ((جمال الدين الأفغاني)) محمود أبو رية (ص 98).
ويفسر "جد" في قوله تعالى وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا [الجن: 3] أن جد معرب "كد" ومعناه العرش بالفارسية أو الهندية" ((جمال الدين الأفغاني)) عبدالقادر المغربي (ص 110).
ويفسر فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً [النساء: 3] بأنه "قيد من خاف أن لا يعدل "بالمرأة الواحدة" وترك لمن يخشى أن لا يعدل – حتى مع الواحدة – عدم الزواج وهذا ما يستنتجه العقل ما دام يحمله العاقل ويقول به الحق والعدل" ((جمال الدين الأفغاني)) محمود أبو رية (ص100).
ويفسر الأمور الغيبية من غير نص فيقول وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً [الكهف: 47] "أي خارجة عن محورها غير راضخة للنظام الشمسي وإذا ما حصل ذلك فلا شك يختلف ما عرف من الجهات اليوم فيصير الغرب شرقاً والجنوب شمالاً وبذلك الخروج عن النظام الشمسي وما يحدثه من الزلزال العظيم – لا شك تتبعثر أجزاء الأرض لبعدها عن المركز وتنسف الجبال نسفاً وتتحول براكين هائله وبالنتيجة تخرب الكرة الأرضية ويعمها الفناء بما فيها من حيوان وتقوم القيامة والله أعلم" ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص 104).
وقد وجدت من تفسيره غير ما ذكرت.
تفسيره لقوله تعالى وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ [الأنفال: 41] الآية في (الخاطرات) ص122.
وتفسيره لقوله تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ [الأنفال: 60] في (العروة الوثقى) ص129.
وتفسيره لقوله تعالى إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: 11] في (العروة الوثقى) في مقالته (سنن الله في الأمم).
وإنما أطلت في بيان تفسيره لأنه مرادنا منه ولأني لم أجد أحداً ممن أرخوا له أو كتبوا عنه أشار إلى تفسيره فضلاً عن جمعه وترتيبه له.
ونشاطه السياسي:
قلنا أن هذا النشاط هو الغالب على أعمال السيد الأفغاني وقد كان مقصده السياسي الذي وجه إليه أفكاره وأخذ على نفسه السعي إليه مدة حياته هو إنهاض دولة إسلامية من ضعفها وتنبيهها للقيام على شؤونها حتى تلحق الأمة بالأمم العزيزة والدولة بالدول القوية فيعود للإسلام شأنه" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) للسيد محمد رشيد رضا (1/34). وقد كانت الوسيلة لتحقيق غاياته "الثورة السياسية لاتفاقها مع مزاجه وقد ظن أنها أسرع الطرق للوصول على ما يبتغيه" ((جمال الدين الأفغاني)) محمود أبو رية (ص 52).
وقد خالفه في الأسلوب – هذا تلميذه محمد عبده الذي يرى أن الوسيلة هي إصلاح التعليم لا الثورة السياسية.
ومن أهم الآراء التي تنسب إلى الأفغاني وكان يدعو إليها: الدعوة إلى الوحدة الإسلامية وإقامة جامعة إسلامية تنضوي تحت لوائها دول العالم الإسلامي توحد كلمتها وأهدافها:
وإنما قلت تنسب إليه لأني أرى في مقالاته ومقالات تلاميذه ما يدل على أنه لا يريد الجامعة الإسلامية بل الجامعة الشرقية التي تجمع دول الشرق مسلمة وغير مسلمة ضد الاستعمار فهذا السيد رشيد رضا يعلق على كلمة لجمال الدين قائلا "هذا تنبيه لوجوب تأليف جامعة شرقية لمقاومة الاستعمار الغربي ولم يفكر فيه أحد قبله" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) محمد رشيد رضا (1/292). ويقول في موضع آخر "وقد اشتبه على بعض الناس أمر اللهجة الإسلامية في جريدة (العروة الوثقى) وظنوا أن خدمتها خاصة بالمسلمين فأزالا هذه الشبهة – يعني الأفغاني ومحمد عبده – بعبارة نشرت في العدد الثامن ((تاريخ الأستاذ الإمام)) محمد رشيد رضا (1/289). " من (العروة الوثقى) ويقول عثمان أمين "أن الجامعة التي كان ينشدها الأفغاني ومحمد عبده في أواخر القرن الماضي ليست هي الجامعة الإسلامية كما توهم بعض الكتاب الغربيين وإنما هي في صميمها "الجامعة الشرقية" عثمان أمين: مقال ((العروة الوثقى)) مجلة العربي الكويتية عدد 42 (ص 73). ".
وقد بدأ السيد الأفغاني نشاطه السياسي في أفغانستان حيث انضم على محمد أعظم ضد شير علي، على ما أشرنا إليه في أول الترجمة.
أما في مصر فقد وصلها الأفغاني في عهد الخديوي إسماعيل سنة 1871م وكان الحكم حينئذ – كما يقول المؤرخ عبدالرحمن الرافعي – حكما استبدادياً لا مجال فيه للحرية. حقاً إن إسماعيل أنشأ سنة 1866م مجلساً سمي مجلس شورى النواب ولكنه مجلس استشاري لا يملك سلطة" ((جمال الدين الأفغاني)) عبدالرحمن الرافعي (ص 21).
فبدأ الأفغاني أول ما بدأ ببث الوعي السياسي بين طلابه وكانوا يتناقلون ما يقول بينهم فاستيقظت مشاعر وانتبهت عقول وخف حجاب الغفلة في أطراف متعددة من البلاد وسرى هذا الشعور إلى بعض الجرائد واستحدثت أخرى فتنافس الكتاب وكثر أرباب الأقلام ((تاريخ الأستاذ الإمام)) للسيد محمد رشيد رضا (ص 37-38).
ومنذ ذلك الحين طارت الشرارة الأولى من شرارات الثورة العرابية ((تاريخ الأستاذ الإمام)) رشيد رضا (1/47). وقد بذل السيد جمال الدين كل ما في وسعه للقضاء على الخديوي إسماعيل لاتفاقه مع ولي عهده توفيق باشا على الإصلاح إذا صار الأمر إليه بل ووصل الأمر إلى تدبير خطة لاغتياله لم تنفذ – كما يقول محمد عبده – لعدم وجود الشخص الذي يتكفل بذلك "وأشار إلى هذا بلنت في تاريخه السري لاحتلال انجلترا كتب على غلاف هذا الكتاب (راجعه ووافق على ما فيه الشيخ محمد عبده). مصر ((التاريخ السري لاحتلال انجلترا مصر)) المستر بلنت وراجعه ووافق على ما فيه الشيخ محمد عبده. (ص 59). واعتراف بهذا الإمام نفسه.
وانتهى نشاط الأفغاني السياسي في مصر بعد أن تنازل الخديوي إسماعيل لتوفيق باشا الذي تنكر لجمال الدين وأمر بنفيه.
ثم ظهر نشاطه السياسي مرة أخرى في باريس التي أنشأ فيها مجلة (العروة الوثقى) فجعلها منبراً لمحاربة الاستعمار البريطاني بحماس شديد.
وفي الحقيقة أنه لم يتضح لي مع هذا حقيقة علاقته بالإنجليز فبينما كان يؤلب عليهم الناس في مصر حتى يقوموا بالثورة العرابية.. ويحرض مفتي إيران على تحريم الدخان لإبطال احتكار الإنجليز له في إيران تمهيداً لاحتلالها ويكتب في صحف روسيا وينشئ (العروة الوثقى) التي تحارب الإنجليز أينما حلوا وتشنع عليهم وهو مع هذا يسرح في بلادهم ويمرح ويتردد بين لندره وباريز بل وينشئ في لندن مجلة (ضياء الخافقين) بالعربية والإنكليزية فيحارب الإنجليز في بلادهم وبلغتهم ومع هذا يسكت عنه الإنجليز!! صحيح أنهم أدوا إلى تعطيل (العروة الوثقى) لكن صاحبها لا يجد مانعا من اللجوء إلى سفير بريطانيا في الآستانة ليساعده على الخروج منها ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/72). ولا تجد انجلترا مانعا قبل ذلك من عرضها له لتوليه السلطة في السودان ((جمال الدين الأفغاني)) محمود أبو رية (ص: 53). ويتساءل الدكتور محمد محمد حسين لماذا كانت عداوته الشديدة للاستعمار الإنجليزي دون الفرنسي والهولندي فلم ترد في صحيفة (العروة الوثقى) إشارة للاستعمار الفرنسي للجزائر كما لم ترد فيها إشارة للاحتلال الهولندي لإندونيسيا ولم تشر إلا إشارة عابرة لاحتلال الهند الصينية ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين دار الإرشاد بيروت الطبعة الأولى 1388هـ 1969م (ص 85).
أما نشاطه السياسي في إيران فقد أشرنا في رحلاته إلى بعضه ونذكر هنا مظاهر ثورته السياسية على نصر الدين شاه بعد أن رفض قانونه ونفاه من إيران إلى البصرة وقد تمثلت هذه المظاهر بـ:
أ) كتابته إلى مفتي إيران كتابا يثير فيه مشاعره ضد ناصر الدين شاه ويطلب منه بصفته مفتي البلاد أن يصدر تحريماً للدخان بسبب تعاقد الشاه مع انجلترا لاحتكاره فتحظى هذه الخطوة بالنجاح وتلغى الاتفاقية.
ب) ثم يكتب الأفغاني بعد هذا إلى علماء إيران مطالباً بخلع ناصر الدين شاه ولما لم ينجح بهذا.
ج) نسب إليه بأدلة قوية تدبيره قتل ناصر الدين شاه.
نشاطه الصحفي:
كان السيد جمال الدين يكره الكتابة ويتثاقلها فلم يكن له عناية بالتأليف ووجه عنايته فيما يريد تدوينه إلى الصحف فكانت معظم كتاباته في الصحف والمجلات فإذا رام إنشاء مقالة ألقى على كاتب مثل إبراهيم اللقاني إلقاء قل ما يراجعه ويصلحه ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/49).
وقد كان للسيد جمال الدين نشاط كبير في إنشاء عدد من الصحف في مصر وغيرها فكان أول عهد بالصحافة في مصر حيث كان له اليد الطولى في إنشاء صحيفة (مصر) الأسبوعية التي ظهرت سنة 1877م وعهد بإدارتها إلى أديب إسحاق ثم أوعز إلى أديب بنقلها من القاهرة إلى الإسكندرية لتكون أقرب لاصطياد الأخبار ثم أوعز لأديب إسحاق وسليم نقاش بإنشاء جريدة (التجارة) سنة 1878م وساهم الأفغاني بالكتابة في هاتين الصحيفتين باسمه الصريح تارة وباسم مظهر بن وضاح تارة أخرى وأمر تلاميذه بخدمة هاتين الصحيفتين قلماً وسعياً ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/45).
ثم ساهم في إنشاء صحيفة (مرآة الشرق) وقد تولاها سليم العنجوري فكانت هذه الصحف طوع إشارة الأفغاني ولعل سليم العنجوري أراد أن يتخلص من هذا الأسار فعزله الأفغاني وأسندها إلى إبراهيم اللقاني الذي أصدرها طوع إشارة الأفغاني ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/47).
ثم انتقل نشاطه بعد نفيه من مصر إلى فرنسا حيث أنشأ هناك (العروة الوثقى) بتكليف من جمعية بهذا الاسم وهي جمعية ذات فروع في مصر والهند وغيرهما من أقطار الشرق ((العروة الوثقى)) (ص 24). وتولى إدارة سياستها وأسند تحريرها إلى تلميذه محمد عبده وصدر أول عدد منها في يوم الخميس 15 جمادي الأول سنة 1301هـ الموافق 13 مارس 1884م وتوقفت بعد صدورها بسبعة أشهر فصدر آخر أعدادها العدد الثامن عشر في 26 ذي الحجة 1301هـ الموافق 26 أكتوبر 1884م بسبب محاصرة انجلترا لها ومنعها من دخول مصر والهند فنضبت مواردها فتوقفت.
وكانت له كتابات صحفية في جرائد موسكو تحتفظ مكتبة الدولة بالاتحاد السوفيتي المسماة "مكتبة لينين" بالصحف والمجلات التي صدرت ما بين سنة 1905م و 1917م ونشرت المقالات والمذكرات والأبحاث عن إقامة الأفغاني في روسيا ((مجلة العربي الكويتية)) العدد 226 (ص 24).
وبعد سفره إلى لوندره "لندن" سنة 1309هـ - 1892م ساهم في إنشاء صحيفة (ضياء الخافقين) وهي شهرية جعلها منبراً لحرب ناصر الدين شاه إيران.
نشاطه الماسوني:
ومن منا لا يعرف الماسونية صنيعة الصهيونية العالمية التي تسعى إلى القضاء على الأديان تحت شعارات براقة "حرية، مساواة، إخاء".
جاء في البروتوكول الثالث من (بروتوكولات حكماء صهيون): "ونحن على الدوام نتبنى الشيوعية ونحتضنها متظاهرين بأننا نساعد العمال طوعاً لمبدأ الأخوة والمصلحة العامة للإنسانية، وهذا ما تبشر به الماسونية الاجتماعية" ((الخطر اليهودي- بروتوكولات حكماء صهيون)) محمد خليفة التونسي (ص 127).
وفي البروتوكول الرابع "أن المحفل الماسوني المنتشر في ظل أنحاء العالم ليعمل في غفلة كقناع لأغراضنا. ولكن الفائدة التي نحن دائبون على تحقيقها من هذه القوة في خطة علمنا وفي مركز قيادتنا – ما تزال على الدوام غير معروفة للعالم كثيراً" ((الخطر اليهودي- بروتوكولات حكماء صهيون)) محمد خليفة التونسي (ص 131).
وفي البروتوكول التاسع "أن الكلمات التحريرية لشعارنا الماسوني هي الحرية والمساواة والإخاء وسوف لا نبدل كلمات شعارنا، بل نصوغها معبرة ببساطة عن فكره، وسوف نقول "حق الحرية، وواجب المساواة، وفكرة الإخاء" وبها سنمسك الثور من قرنيه وحينئذ نكون قد دمرنا في حقيقة الأمر كل القوى الحاكمة إلا قوتنا، وإن تكن هذه القوى الحاكمة نظريا  ما تزال قائمة" ((الخطر اليهودي- بروتوكولات حكماء صهيون)) محمد خليفة التونسي (ص 144).
وفي البروتوكول الخامس عشر "وإلى أن يأتي الوقت الذي نصل فيه إلى السلطة، سنحاول أن ننشئ ونضاعف خلايا الماسونيين الأحرار في جميع أنحاء العالم، وسنجذب إليها كل من يصير أو من يكون معروفاً بأنه ذو روح عامة وهذه الخلايا ستكون الأماكن الرئيسية التي سنحصل منها على ما نريد من أخبار كما أنها ستكون أفضل مراكز الدعاية" ((الخطر اليهودي- بروتوكولات حكماء صهيون)) محمد خليفة التونسي (ص 173-174).
وإذا كانت الماسونية صنيعة الصهيونية العالمية فإن أهداف الصهيونية – ولا أخالها تخفى – هدم الأديان والسيطرة على العالم بأكمله والتحكم في سياسته واقتصاده وشعوبه وفق مصالح اليهودية العالمية وتسخير كل القوى وسلوك كل الطرق مهما كانت ملتوية.
ولا شك أن الماسونية إحدى تلك السبل التي سلكوها إلى هذا الهدف وجعلوها ذراً للرماد في العيون تحت شعار "حرية، مساواة، إخاء" وهي في الحقيقة "قيدية، طبقية، عداء".
خدع كثير من الناس بهذا الشعار فدخلوها وما لبثوا أن أدركوا الغموض الذي يحيط بها فغادروها مسرعين.
إلا أن السيد الأفغاني قدم في 22 ربيع الثاني 1292هـ طلباً للانضمام إلى المحفل الماسوني هذا نصه:
يقول مدرس العلوم الفلسفية بمصر المحروسة جمال الدين الكابلي الذي مضى من عمره سبعة وثلاثون سنة بأني أرجو من إخوان الصفا وأستدعي من خلان الوفاء أعني أرباب المجمع المقدس الماسوني الذي هو عن الخلل والزلل مصون أن يمنوا علي ويتفضلوا علي بقبولي في ذلك المجمع المطهر وبإدخالي في سلك المنخرطين في ذلك المنتدى المفتخر ولكم الفضل.
ربيع الثاني يوم الخميس
22 سنة 1292هـ
التوقيع
ولم ينسحب من المحفل بل كان من الأعضاء البارزين ذوي النشاط فيه ولذا تم اختياره بعد سنوات ثلاث رئيسا للوج كوكب الشرق بتاريخ 7 مايو 1878م بأغلبية الآراء ووجهت له دعوة بهذا التاريخ لاستلام القادوم بعد إتمام ما يجب من التكريز الاعتيادي والحضور بالزي الرسمي الماسوني الأسود ورباط الرقبة والكفوف بيضاء.
ولم يكتف السيد الأفغاني بل ازداد نشاطه في ميدان الماسونية فاعتزل هذا المحفل الاسكتلندي وأنشأ محفلاً وطنياً تابعاً للشرف الفرنساوي وفي برهة وجيزة بلغ عدد أعضائه العاملين أكثر من ثلاثمائة" ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص 20).
ولم يزل يبذل جهوده في هذا الميدان حتى صدر الأمر بنفيه في 6 رمضان سنة 1296هـ 24 أغسطس 1879م وجاء في القرار "أنه رئيس جمعية سرية من الشبان ذوي الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا" ((جمال الدين الأفغاني)) عبدالرحمن الرافعي (ص 46). وانظر الصورة (رقم/ 1). وكتب إلى بعض الشخصيات من غير أن يذكر اسما يستنجد بها مما حل به ويزعم أنه مظلوم فيما نسب إليه.
ونفي من بعده تلميذه وأحد أعضاء محفله الشيخ محمد عبده ووجد في منزله كتاب (الماسون) بخط السيد الأفغاني كما اعترف بهذا الشيخ نفسه في خطاب منه إلى أستاذه الأفغاني.
ولم ينقطع نشاط السيد الأفغاني الماسوني بعد نفيه من مصر فإن التاريخ يحدثنا أنه في "جمادى الأولى سنة 1303هـ سافر السيد إلى البلاد الإيرانية بدعوة من الشاه ناصر الدين فنال مكانة سامية وتزاحم حوله الأمراء والمجتهدون والكبراء وتمكن من نظم كثير منهم في سلك الماسونية".
وكان له نشاط ماسوني في فرنسا أيضاً حيث قدم طلباً للعضوية في اللوج باريس وتم قبوله.
وإذا ثبت بما لا يقبل الشك انتماء السيد الأفغاني للماسونية، وثبت أن الماسونية وليدة الصهيونية العالمية وسبيل من سبلها لتحقيق أهدافها في هدم الأديان والسيطرة على العالم فإن الواجب تقصي الحقائق في سيرة الرجل الأفغاني والبحث عن حقيقة أهدافه.
أما الزعم بأن الأفغاني كان مخدوعاً بمبادئ الماسونية "الحرية، المساواة، الإخاء" ولم يعرف حقيقتها وصلتها بالصهيونية لأن بروتوكولات  حكماء صهيون لم تنشر إلا بعد وفاته فإنه زعم باطل.
ذلكم أن من الصحف من قامت بكشف حقيقة الماسونية آنذاك فقد تصدت جريدة (البشير الجزويتية) الصادرة في بيروت للماسونية ولم تغفل عن مهاجمتها وكشف أسرارها دواماً" ((الصحافة المصرية وموقفها من الاحتلال الإنجليزي)) سامي عزيز (ص 309).
وقد تصدت لهذه الجريدة صحف مصرية ماسونية مثل (اللطائف) و(المقتطف) و(البيان) و(الفلاح) و(النصوح) و(المقطم) بردود كثيرة ودفاع عن الماسونية ومبادئها ((الصحافة المصرية وموقفها من الاحتلال الإنجليزي)) سامي عزيز (ص 308-318). مما ثبت وقوع مناقشات حادة في الصحف عن الماسونية وهذا يدعو إلى التأكد من صحة أهدافها قبل الانضمام إليها من كل شخص فكيف بمن يريد الإصلاح وينتسب إليه.
فإن زعموا أن السيد لم يقرأ هذه الصحف أو لم تصل إليه أعدادها سلمنا – جدلا – وقلنا صدر من الكتب سنة 1891م أي قبل وفاة الأفغاني بست سنوات كتاب (الحقيقة الإسرائيلية) وجاء فيه "الروح الماسونية هي نفسها الروح اليهودية لا اختلاف في معتقداتها الأساسية فآراؤها متماثلة" ((الماسونية)) أحمد عبدالغفور عطار (ص 60). وقبل وفاة الأفغاني بإحدى وثلاثين سنة أي في سنة 1866م صدر كتاب (السر المكنون في شيعة الفرماسون) أو (ماهية الفرماسونية على ما يشهد به أهلها وتدل عليه قوانينها وتنبئ به أعمالها) صدر في بيروت وطبع كتاب مثله بالفرنسية في السنة ذاتها وهي لغة يجيدها الأفغاني، وفي سنة 1885م طبع كتاب (شيعة الماسونيين) بمطبعة الآباء المرسلين اليسوعيين وفي سنتي 1884-1885م نشر كتاب (الأدلة القاطعة على شرف الرهبانية اليسوعية وبيان كنه الشيعة الماسونية) في جزءين بمطبعة الآباء اليسوعيين انظر كتاب ((السر المصون في شيعة الفرماسون)) للأب لويس شيخو (ص 202). وفي سنة 1885م صدر كتاب (شيعة المسونيين) بلا ألف بعد الميم هو مجموع المقالات التي نشرتها البشير عن الماسونية ((الماسونية بلا قناع)) أبو صادق (ص: 234).
فإن زعموا أنه لم يقرأ هذا ولا ذاك سلمنا – جدلا – وقلنا ليس في وجود أعضاء في الماسونية يسعون لهدم أركان الدين وتشتيت الفضيلة ما يثير شكوكه في أهداف الماسونية فيحذرها فقد اعترف أحد الماسونيين وهو جورجي زيدان بوجود هؤلاء الأعضاء في المحافل الماسونية حيث يقول "فقد اتهم رجال الدين الماسونية بالكفر وأنها إنما تسعى لهدم أركان الدين وتشتيت الفضيلة، أما نحن فمع إجلالنا لهذه الجمعية عن هذه التهمة ومع يقيننا أنها براء منها لا يسعنا الإنكار أن بين أعضائها أفرادا قليلين ربما تصح عليها تلك التهمة" ((الصحافة المصرية وموقفها من الاحتلال الإنجليزي)) سامي عزيز (ص 308) عن ((تاريخ الماسونية)) جورجي زيدان (ص: 251-253).
فإن زعموا أن هذا كله لا تقوم به حجة ولا يستقيم به برهان – سلمنا جدلا – وقلنا خذوا القاضية القاصمة.
أي شيء أراد الأستاذ محمد المخزومي تلميذ الأفغاني أن يخفيه عنه حين قال" أما انخراط جمال الدين في الماسونية.. فنختصره على قدر ما تسمح به الطريقة الماسونية" ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص 17-18).
ثم إن أردتم أن نسير على منهج "من فمك أدينك" فإنا فاعلون.
بعد دخول الأفغاني إلى المحفل الماسوني تغيرت ثم لهجته في أحاديثه وأخذ يقرب منه العوام ((تاريخ الأستاذ الإمام)) رشيد رضا (1/46). لأي شيء يفعل هذا؟ أتظنون أنه فعل ذلك ليوضح لهم ما يجهلونه من أمور دينهم ولينزع الخرافات والمعتقدات الزائفة من أذهانهم والبدع والمنكرات من أفعالهم؟ كلا، إنه يقربهم ليقول لهم "إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد وربيتم بحجر الاستبداد وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك والرعاة حتى اليوم وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين وتعانون لوطأة الغزاة الظالمين" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/46-47), و((زعماء الإصلاح في العصر الحديث)) أحمد أمين (ص 78-79). إلى أن قال "تناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ثم العرب والأكراد والمماليك ثم الفرنسيس والمماليك والعلويين وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ويهيض عظامكم بأداة عسفة، وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/ 46-47), و((زعماء الإصلاح في العصر الحديث)) أحمد أمين (ص 78-79).
فعد السيد الأفغاني الفتح الإسلامي لمصر دخول العرب، وعد دخول العرب على حد تعبيره استعباداً واستبداداً وقرنه باستعباد اليونان والرومان والفرس والفرنسيس واستبدادهم ثم يسترسل في حديثه فيقول "انظروا أهرام مصر وهياكل منفيس وآثار تيبه ومشاهد سيوه وحصون دمياط شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم.


وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم




إن التشبه بالرشيد فلاح ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/46-47), و((زعماء الإصلاح في العصر الحديث)) أحمد أمين (ص 78-79).

أذاً فهو لا يدعو عوام المسلمين الذين قربهم إليه بعد انضمامه إلى الماسونية لا يدعوهم إلى الدين الإسلامي إذ هو يشق جلودهم بمبضع نهمه ويهيض عظامهم بأداة عسفه كاليونان والرومان والفرس والفرنسيس، لا يدعوهم إلى الدين الإسلامي وإنما إلى النظر إلى أهرام مصر وهياكل منفيس... الخ وكلها آثار فرعونية شاهدة على جاهلية تعبد الأشخاص والكواكب من دون الله، ولا شك أن دعوته إلى النظر فيها دعوة إلى الاقتداء بأصحابها.
وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم.. إن التشبه بالرشيد فلاح.
إذاً فهي دعوة إلى نبذ الدين الإسلامي – كما أفهمها – وهي جزء من أهداف الماسونية التي تحارب الأديان.
ثم ومما يزيد الأمر وضوحاً ذكر آثارا ميتة وجيفا منتنة ولم يذكر مصنع الرجال لكونه مأثرة إسلامية. أعني الجامع الأزهر ما الداعي إلى هذا التحامل ضد الإسلام ومآثره؟ وهل لهذا أيضاً صلة بانتمائه إلى الماسونية؟!
وبعد.. فلعلي أطلت الحديث هنا في هذا الموضوع لأنه الميزان الدقيق الذي نزن به الرجل هنا، ولأنه يكفي في بيان حقيقة الرجل أي رجل إبات انتمائه إلى الماسونية..
فإن كان فيما ذكرنا من أدلة ما يثبت انتماء الأفغاني إلى الماسونية وظهور أثرها في أحاديثه وأقواله فقد انجلت الحقيقة.. حقيقة الرجل. وإن كانت لا تكفي لإثبات ذلك فإنها ولا شك أصابع تشير إلى الأفغاني بالاتهام.
وفاته:
مكث جمال الدين في الآستانة زهاء أربعة أعوام حتى داهمه السرطان في فكه الأسفل وعملت له ثلاث عمليات جراحية بيد أشهر الأطباء ولم تنجح فمات في 7 شوال 1314هـ الموافق 9 مارس 1897م ودفن في نشان طاش في مقبرة "شيخلر مزارلغي" أي مقبرة المشائخ ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/92). وقال طبيبه الخاص إن شدة ولع جمال الدين بالسيجار الأفرنجي وكثرة شربه للشاي وتناوله الطعام مالحا كان من مسببات السرطان" ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) (ص 39-41). حتى قال بعض تلاميذه.


الملح والشاي والدخان




أودت بروح شيخنا الأفغاني ((جمال الدين الأفغاني)) عبدالقادر (ص121).

ومن المؤسف أن يتحامل بعض المؤرخين وينسب قتله إلى الخليفة المسلم السلطان عبدالحميد ويصف السلطان بأنه أكبر طغاة الملوك في عهده مما لا مجال للرد عليه هنا ونكتفي بنقل كلمة لمستشرق فرنسي حيدر بامات حيث يقول "ولكن من القحمة كما يظهر أن يذهب كما صنع بعض مترجميه إلى أنه سم بأمر من السلطان فالرواية التي تعزو موته المفاجئ سنة 1897م إلى سرطان ظهر في الشفة السفلى فاستولى على جميع وجهه بالتدريج أقرب إلى الحق كما يقوم وقد نقل جلود زيهر هذه الرواية فوكدها لنا الأمير شكيب أرسلان الذي كان من تلاميذ جمال الدين وعاشره في السنين الأخيرة من حياته" ((مجالي الإسلام)) تأليف حيدر بامات ترجمة عادل زعيتر دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة 1956م (ص 499).
بل إن ابن أخت جمال الدين يعترف ويقول "فلما رفضت الدولة العثمانية تسليم السيد يعني لإيران لاتهامه بالاشتراك في قتل ناصر الدين شاه – اتفق سفير إيران ومندوبها فوق العادة الذي كان قد أوفد من إيران لهذه الغاية في سنة 1314هـ على أن يسموا ذلك السيد.. وقد حدث ذلك واستشهد جمال الدين" ((جمال الدين الأسد آبادي)) ميرزا لطف الله خان (ص 118).
ونزيد – أيضاً – لو كان للسلطان نية في قتله لسلمه لحكومة إيران التي اتهمته بالاشتراك في قتل ناصر الدين شاه فطلبته من تركيا مع اثنين من شركائه سلمتهما تركيا فأعدما ورفضت تسليم الأفغاني.
حقيقته والمآخذ عليه:
مما لا شك فيه أن حياة هذا الرجل مليئة بالأسرار ويحيطها الغموض ((العروة الوثقى)) (ص 18). وتلتبس فيها الحقائق بالأكاذيب ومما يزيد الأمر سوءاً أنه لم يؤرخ للرجل مؤرخ معتدل فأغلب من أرخ له إما معجب به بالغ الإعجاب مبالغاً في الثناء عليه متجاوزاً عن كثير من أخطائه، تكل عينه من كل عيب فيه أعمته عين الرضا عن الحقيقة وإما رجل حاقد كاره بالغ في قدحه وذمه يحمل منه كل شاردة ووارده ما لا تحتمله أعمته عين السخط عن الحقيقة.
وزاد بعض تلاميذه الأمر سوءاً فأخفى بعض أعماله زاعما أن الطريقة الماسونية لا تسمح بذكره ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) (ص 18).
ويزيد الأمر حينما نعلم أن أكثر نشاطه كان سرياً ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين (ص 65). ولكن مع هذا الغموض فإنا نجد في بعض أفعاله وأقواله مآخذ لا نراها إلا خطيرة توجب إعادة النظر في تقويم بعض الرجال كما قال الدكتور محمد محمد حسين ونحن حين ندعو إلى ذلك لا نريد أن ننقص من قدر أحد ولكننا لا نريد أن تقوم في مجتمعنا أصنام جديدة معبودة لأناس يزعمون أنهم معصومون من كل خطأ" ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين (ص 49).
وقد سبق لنا أن ذكرنا بعض هذه المآخذ في نشاطه الماسوني وفي تفسيره وفي الجامعة التي يدعو إليها وغير ذلك مما لا داعي لإعادته هنا.
وأول ما يصادفنا في حياته من غموض الاختلاف في أصله أهو إيراني أم أفغاني وهو يذكر أنه أفغاني في كثير من أقواله ورسائله وأحياناً يسمي نفسه "الكابلي" أو "الحسيني" وكلها ألقاب يعرف بها الرجل ويشك في صحة هذا كثير من المؤرخين ويزيد الأمر شكا أن التاريخ لا يحدثنا عن عودته أو محاولته الاتصال بأهله وعشيرته في أفغانستان بعد خروجه منها بينما يذكر عودته المتكررة إلى إيران ويذكر أن معظم من يتصل به في تركيا إيرانيون وقنصل إيران قدم له العون عند نفيه من مصر والذي يقوم بدور الترجمة له في العروة الوثقى إيراني. ونحن لا يهمنا معرفة أصله أإيراني هو أم أفغاني بقدر ما يهمنا معرفة الدافع له إلى التنكر ولا يقنعنا وحدة القول بأنه إنما تنكر حتى يستطيع الخلاص من رقابة الحكومة الإيرانية لرعاياها في الخارج.
ومع أنه كان يدعو إلى تنقية الدين الإسلامي مما علق به من الخرافات كتقديس الأموات والتبرك بهم ونحو ذلك إلا أنا نراه يستغل هذه النقطة أبشع استغلال فيلجأ إلى مقام عبدالعظيم خوفاً من ناصر الدين شاه ويثير فيهم الحمية لهذا المعتقد الباطل بالانتقام من ناصر الدين شاه فيقول "وأما قصتي وما فعله هذا الكنود الظلوم معي فمما يفتت أكباد أهل الإيمان ويقطع قلوب ذوي الإيقان ويقضي بالدهشة على أهل الكفر وعباد الأوثان إن ذلك اللئيم أمر بسجني وأنا متحصن بحضرة عبدالعظيم عبدالسلام" ((نابغة الشرق السيد جمال الدين الأفغاني)) سعيد الأفغاني (ص 77). ويصف هذا المقام بأنه "حرم من دخله كان آمنا" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/55).
بل ويحاول أن يظهر بالقداسة أمام العوام ولو كان بالكذب والخداع حكى عنه سعد زغلول أنه ذكر لهم أنه كان في سفينة خيف عليها الغرق فرأى في الركاب خوفاً فأكد لهم أن السفينة لن تغرق ثم قال "لو غرقت السفينة لم أجد منهم أحدا يكذبني وإن سلمت ظهرت بالقداسة من أقرب سبيل" ((نابغة الشرق جمال الدين الأفغاني)) (ص 91-92), و((جمال الدين الأفغاني)) عبدالقادر المغربي (ص 50-51).
ومن المآخذ عليه اتخاذه الاغتيال سبيلاً لتحقيق مآربه فقد قال مره في حديث له مع الأستاذ براون لا أمل في الإصلاح قبل قطع ستة أو سبعة رؤوس وسمي بالاسم شاه العجم وكبير وزرائه وكلاهما قتل بعد ذلك ((الإسلام والتجديد في مصر)) تشارلزم آدمز ترجمة عباس محمود لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية (ص 15). وحينما طلب من السيد أن يكف عن مقاومة الشاه مقابل ما يشاء ويتمنى أجاب "لا أتمنى إلا أن تزهق روح الشاه ويشق بطنه ويوضع في القبور" قال عبدالقادر المغربي كل هذا سمعته من فم شيخنا الأفغاني الذي كان يرويه بطلاقة لسان وتوقد جنان" ((جمال الدين الأفغاني)) عبدالقادر المغربي (ص 49). وقد أمر فعلا بالقتل حينما قال رضا آقاخان يوما أنه حاضر أن يفدي نفسه لتخليص أمته فقال له جمال الدين "أن كان كذلك فاذهب وافعل" من بحث للأمير شكيب أرسلان في حاضر العالم الإسلامي لوثروب ستودارد (2/295). وأمر السيد رجاله الأفغانيين أنهم إذا رأوا ميرزا في حيهم يقتلونه ((جمال الدين الأفغاني)) عبدالقادر المغربي (ص 57). ، وهذا ميرزا حسين خان دانش يصف زيارته لجمال الدين فيقول "وما أن قربت منه حتى وجدته محدقاً بنظره إلى الأرض يزرع البهو من أقصاه إلى أقصاه يروح وغدو غاضباً رافعاً صوته كالمجانين وهو يقول "لا نجاة إلا في القتل لا خلاص إلا في القتل لا سلامة إلا في القتل".. فاشتد عجبي لهذه الحالة الجنونية التي وجدته عليها.. وعدت من حيث أتيت وتركته وشأنه وبعد انقضاء 25 يوماً أو شهر على ذلك وردت الأخبار من طهران باغتيال "ناصر الدين شاه" بمسدس "ميرزا رضا الكرماني" ((جمال الدين الأسد آبادي)) ميرزا لطف الله خان (ص 134). بل إن قاتل ناصر الدين شاه قال عندما أنفذ فيه خنجره:- خذها من يد جمال الدين ((جمال الدين الأفغاني)) محمود أبو ريه (ص 31). ولما بلغ الأفغاني ذلك قال كلمات تدل على الإعجاب بالقاتل ((زعماء الإصلاح في العصر الحديث)) أحمد أمين (ص 112). وذكر محمد عبده أن الأفغاني أمره بقتل الخديوي إسماعيل ((التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر)) (ص 354).
وعاب أحمد أمين على الأفغاني هجاءه لناصر الدين شاه فقال "هذه زلة كبيرة من السيد دعاه إليها حدته وحبه للانتقام إذ كيف أجاز لنفسه التشهير بحكومة شرقية إسلامية في بلاد أجنبيه تتخذ من أقواله حجة للتدخل الذي طالما حاربه في العروة الوثقى وكيف استباح أن يفضح هذه العيوب ثم قارن بينه وبين مدحت باشا الذي نفاه عبدالحميد بلا مال ولا ثياب ولا أهل فلم ينطق بكلمة في ذم عبدالحميد بل تكلم الكلام الكثير في فضل الأتراك على أوروبة ثم قال الحق أنها غلطة من غلطات السيد دعا إليها حدة مزاجه ((زعماء الإصلاح في العصر الحديث)) أحمد أمين (ص 104-105).
وقد نسب إليه بعضهم القول بنظرية داروين والحق أنه لم يقل بذلك بل رد عليها بما يبطلها انظر ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) (ص 114-118). مع تعاطفه على من أيدها وحمده لهم الجهر بمعتقدهم ولو خالف الجمهور ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) (ص 116).
ومما يؤخذ عليه كثرة لحنه، ولا نعيب عليه اللحن بقدر ما نعيب عليه إباحته ذلك فقد قال في هجاء رجال "هذا رجل من نسل البقروت" فعابوا عليه استعمال بقروت فقالوا: إن بقروت لم ترد في كلام العرب فقال وهل تريدون مني أن أنكر نفسي ((جمال الدين الأفغاني)) لعبدالقادر المغربي (ص 110).
ومن أحسن الردود على هذا قول الأب انستاس الكرملي "أجل إننا لا نريد أن نسير برأي أهل البادية في لغتنا لكننا نريد أن نسير على المناحي والمنازع التي تلقيناها من السلف جيلا بعد جيل وأصلهم من البادية ولا نقبل أن ندخل في لغتنا مثل البقروت بحجة أن جمال الدين نطق بها" ((مجلة المجمع العلمي العربي)) بدمشق (10/626). وقد عرف من رأي السيد أنه يجوز استعمال الدخيل واللفظ الأعجمي ويقول إذا أردتم استعمال كلمة غير عربية فما عليكم إلا أن تلبسوها كوفية وعقالا فتصبح عربية وقد كنى بالكوفية والعقال عن التعريب" ((جمال الدين الأفغاني)) عبدالقادر المغربي (ص 109). وكان يقول "كان المقصود في النحو أن يكون آلة فصيره جمود النحاة غاية" ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص 278).
ومما يثير الريبة والشكوك في الأفغاني هذا الخليط من اليهود والنصارى الذي يحيط به، سليم نقاش من نصارى الشام وهو ماسوني ووضع كتابا تبدو فيه أهداف الماسونية بارزة في عنوانه (مصر للمصريين) وهو يذكرنا بدعوة الأفغاني للمصريين بالنظر ليس إلى الآثار الإسلامية بل إلى الآثار الفرعونية المصرية، وفي هذا فصل لمصر عن المسلمين والإسلام.
وأديب إسحاق من أكثر الدعاة إلى الماسونية حماسا وقف نشاطه الصحفي على هذا وهو أيضاً من نصارى الشام انتظم في سلك الماسونية سنة 1873م في محفل أنشأه الماسون في بيروت ذلك العام ثم وقف نشاطه على الدعوة إلى الماسونية في بعض الصحف ولم يكتف بهذا بل قام بطبع مقالاته تلك في كتاب ضخم ((الماسونية بلا قناع)) أبو صادق (ص: 233-234). ومع هذا فقد كان الأفغاني لآخر نسمة من حياته – كما يقول تلميذه المخزومي – عند ذكر أديب بك إسحاق يسترجع يقول: كان طراز العرب وزهرة الأدب، قضى نحبه في شرخ الشبوبة وعنفوان الفتوة وترك لنا قلوباً آسفة وشجوناً فائضة إنا لله وإنا إليه راجعون" ((خاطرات جمال الدين الأفغاني)) محمد المخزومي (ص 22) الهامش.
ومع هذا أيضاً فقد أسند الأفغاني إدارة أول صحيفة أنشأها (مصر) الأسبوعية سنة 1877م إلى أديب إسحاق هذا؟! ثم ساهم في إنشاء جريدة (التجارة) وتولى رئاستها أديب إسحاق وسليم نقاش وكان الأفغاني يساهم بالكتابة فيها ويوصي تلاميذه بخدمة هاتين الصحيفتين قلماً وسعياً ((تاريخ الأستاذ الإمام)) للسيد محمد رشيد رضا (1/45).
وهكذا نرى الأفغاني يمكن النصارى من أجهزة الإعلام ويصرف النقود ويفتح المطابع ويحصل على الامتيازات ليسلمها لهم.
وكان من المحيطين به من النصارى جورج كوتجي وطبيبه الخاص هارون يهودي ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين (ص 69). ولم يحضر وفاته إلا كوتجي النصراني وهارون اليهودي وعند قدومه إلى مصر يسكن في حارة اليهود ((تاريخ الأستاذ الإمام)) محمد رشيد رضا (1/44).
ومن المآخذ عليه صلته بالإنجليز المريبة ورجال الإنجليز، وفي الحقيقة أنه لم تتضح لي حقيقة علاقة الرجل بالإنجليز فهو معهم أحد رجلين لا محالة: إما عدو ساذج مغفل اتخذوه مطية لهم لتحقيق مآربهم، وإما صديق مخلص ذو مكر ودهاء.
وحسب ما نعرف من تاريخ الرجل فإن أول صلة بين وبين الإنجليز حينما انضم إلى محمد أعظم في أفغانستان ضد شير علي وانتصر الثاني لتأييد الإنجليز له ولم يجد الأفغاني بدا من الهرب.
وفي مصر كان يؤلب عليهم الناس حتى يقوموا بالثورة العرابية، وفي إيران يحرض مفتي إيران على تحريم الدخان لإبطال احتكار الإنجليز له في إيران تمهيداً لاحتلالها وفي باريس ينشئ مجلة العروة الوثقى التي تحارب الإنجليز أينما حلوا وتشنع عليهم وهو مع هذا يسرح في بلادهم ويمرح ويتردد بين لندره وباريز ولا يلقى سوى الترحيب.
صحيح أنهم أدوا إلى تعطيل (العروة الوثقى) لكن صاحبها لا يجد مانعا من اللجوء إلى سفير بريطانيا في الآستانة ليساعده على الخروج منها ((تاريخ الأستاذ الإمام)) محمد رشيد رضا (1/72) وحاضر العالم الإسلامي شكيب أرسلان (2/ 296). ولا تجد إنجلترا مانعاً قبل ذلك من عرضها له توليه السلطة في السودان ((جمال الدين الأفغاني)) محمود أبو رية (ص 53). وقبل هذا وذاك لا يجد السيد الأفغاني مانعاً من دخول المحفل الماسوني والاسكتلندي ولا يجدون هم أنفسهم مانعا من تعيينه رئيساً للمحفل.
ولا يجد مانعا من التعاون مع الإنجليز! ضد من؟ ضد الخلافة الإسلامية؟!! قال السلطان المهضوم عبدالحميد في مذاكراته التي نشرت مؤخراً "وقعت في يدي خطة أعدها في وزارة الخارجية الإنجليزية كل من مُهرج اسمه جمال الدين الأفغاني وإنجليزي يدعي بلند، قالا فيها بإقصاء الخلافة عن الأتراك واقتراحا على الإنجليز إعلان الشريف حسين أمير مكة خليفة على المسلمين" ((مذكرات السلطان عبدالحميد)) ترجمة محمد حرب عبدالحميد (ص 67).
ولهذا فلا عجب أن يصفه السلطان عبدالحميد بقوله "كان رجل الإنجليز ومن المحتمل جدا أن يكون الإنجليز قد أعدوا هذا الرجل لاختباري" ((مذكرات السلطان عبدالحميد)) ترجمة محمد حرب عبدالحميد (ص 68).
أما بلنت هذا الذي أشار إليه السلطان عبدالحميد فهو وزوجته من أصدقاء الأفغاني الإنجليز وهو وزوجته ذوي نشاط مريب في بلاد العرب ويكفي نشاطهما ريبة دعوتهما إلى إنشاء دولة عربية حليفة لإنجلترا تصبح مقراً للخلافة الإسلامية ويكتب بلنت في ذلك كتابه المشهور المسمى (مستقبل الإسلام) ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين (ص 68).
وصلة الأفغاني ببلنت هذا وزوجته أيضاً صلة مريبة فهي التي تفاوض باسمه الحكومة البريطانية وتبدي رأيها له في بعض المسائل وتطلب منه توجيهاته بعد هذا وتسعى لعقد الاجتماعات بينه وبين كبار الشخصيات حتى الإيرانية فتنظم له لقاء مع مالكوم خان سفير إيران لدى جميع الدول الأوروبية وهو نصراني ذو ميول أوربية وتفاوض باسمه بريطانيا في مسألة مصر ومسألة السودان وتكتب إليه بجواب الوزراء الإنجليز.
ومن يقرأ بتمعن تأريخ بلنت وزوجته يدرك أنهما يحاولان الظهور بمظهر التعلاطف مع قضايا "العرب" حتى ضد الإنجليز ولكن حقيقتهما إنهما من رجال الإنجليز وأكبر هذا دعوتهما لفصل العرب عن الخلافة الإسلامية وإنشاء دولة عربية حليفة لانجلترا تصبح مقراً للخلافة الإسلامية وفي هذا وحده ما يكشف حقيقتهما.
فما علاقة الأفغاني بهما وكيف يسمح لنفسه أن يتعاون مع الإنجليز لهدم الإسلام والخلافة الإسلامية وهو يسعى بزعمه وزعم المخدوعين به إلى الوحدة الإسلامية؟!
ومن المآخذ على الأفغاني تلك العبارة الخطيرة والألفاظ المنحرفة وهي وإن كانت غير صادرة منه ولكنها من تلاميذه وموجهة إليه ولو لم يكن بها راضياً لردع تلاميذه عنها ولعرفوا كراهيته لذلك فارتدعوا ولكنه لم يفعل فلم يفعلوا.
فمن ذلك ما كتبه إليه تلميذه إبراهيم اللقاني:-
"لو أذن لي سيدي وأستاذي ورب روحي ومعدل مزاجي ومقوم خلائقي ومحور خلقي ومحرر فطرتي".
ويكتب إليه السيد رشيد رضا مصلياً ومسلماً عليه بعد رسول الله وآله فيقول:- "الحمد لله على أفضاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وعلى سيدي بل السيد المطلق، ذي القدح المعلى والجواد المصلى الاسبق، سدرة منتهى العرفان، وجنة مأوى المحاسن والإحسان الذي له في كل جو متنفس، ومن كل نار مقتبس، الإمام المفرد والعقل المجرد "إلى أن قال" مهبط الفيض مصعد الكلم الطيب مجلى سر الجمال الأكمل" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) للسيد محمد رشيا رضا (ص 85).
ويكتب إليه الأستاذ الإمام محمد عبده ما هو أشد وأفظع وأخطر على عقيدة المسلم وسنذكره عند الحديث عن محمد عبده – إن شاء الله -.
ومن المآخذ على الأفغاني أن السلطان عبدالحميد استشاره في إرسال بعثة من العلماء لنشر الإسلام في اليابان حسب طلب إمبراطور اليابان فأرجعه عن عزمه وقال له "إن العلماء نفروا المسلمين من الإسلام فأجدر أن ينفروا الكافرين" ((نابغة الشرق جمال الدين الأفغاني)) سعيد الأفغاني (ص 116) و((جمال الدين الأفغاني)) عبدالقادر المغربي (ص 32).
ومنها تعليله عدم زواجه بخشيته عدم العدل، ومنها قسمه الذي يقسم به وعز الحق وسر العدل، ومنها أنه يشرب "قليلاً من الكونياك" ((تاريخ الأستاذ الإمام)) السيد محمد رشيد رضا (1/49).
ويطول بنا الحديث لو أردنا استقصاء ذلك، ولعل فيما ذكرنا إشارة لمؤسس هذه المدرسة العقلية الحديثة والباعث لها وهو وإن كان الغالب على نشاطه السياسة لا الدروس العلمية التي هي مرادنا لكنه هو الذي وجه الإمام محمد عبده وتلاميذه إلى هذه الطريقة وأخذ بيدي حتى سلكته وحمدت له ذلك واعترفت له.المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص 75

انظر أيضا: