موسوعة الفرق

المطلب الثاني : مقارنة بين منهج المعتزلة ومنهج الجهمية في التأويل


بادئ ذي بدء نرى أن ننبه هنا إلى أن لفظة "الجهمية" سمي بها كل من الجهمية المحضة، والمعتزلة، والأشاعرة؛ لأن التجهم درجات، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية فأفاد ما يأتي ملخصه: الدرجة الأولى: الجهمية الغلاة، وهم الذين ينفون الأسماء والصفات، ويجعلون الإطلاقات الواردة في ذلك من باب المجاز، وهؤلاء الجهمية المحضة.
الدرجة الثانية: الجهمية الذين يثبتون أسماء الله الحسنى في الجملة، ويجعلون كثيراً منها على المجاز، وينفون الصفات وهذا النوع هو تجهم المعتزلة ومن قلدهم.
الدرجة الثالثة: طائفة من الصفاتية المثبتين لبعض الصفات، وأطلق عليهم "الجهمية" لاشتراكهم في رد بعض الصفات وتأويلها انظر ((التسعينية)) ضمن ((الفتاوى الكبرى)) (5/48-51) الطبعة القديمة، أو (6/370-372) الطبعة الجديدة/ ت: محمد عبدالقادر عطا.
ولذا نجد أن كثيراً من السلف تناولوا المعتزلة وردوا على أقوالهم في كتب الرد على الجهمية، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن السلف يسمون كل من نفى الصفات، وقال: إن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة جهمياً؟" ((مجموعة الرسائل والمسائل)) (3/427).
ويقول: "لكن المعتزلة إن وافقوا جهماً في بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك"؟ ((مجموعة الرسائل والمسائل)) (3/428)، وانظر ((تاريخ الجهمية والمعتزلة)) للقاسمي (ص 45).
وفي هذا المبحث نحدد أوجه الاتفاق والاختلاف بين الجهمية والمعتزلة، فنقول:
1- بعد اتفاق الطائفتين في الأصول المذكورة في الفصل الأول اتفقا أيضاً في موقفهما من ظاهر النص، فهم لا يعتقدون أن للنص ظاهراً وباطناً كما يقول الباطنية والصوفية، والفلاسفة، بل يقولون: إن له معنى ظاهراً غير مراد، ومعنى آخر مراد فيحمل عليه، وذلك لقرينة – عندهم – مانعة من إرادة المعنى الأول، دالة على المعنى الثاني.
2- اتفقوا في القول بأن القرآن مخلوق. 3- اتفقوا في نفي رؤية الله في الآخرة.
4- اختلفوا في باب الأسماء والصفات، فبينما تنفي الجهمية الأسماء والصفات ولم يقروا بشيء منها نرى المعتزلة يثبتون الأسماء شريطة ألا يترتب على هذا الإثبات إثبات صفة، فهو تعالى قادر، عالم، لكن بذاته لا يعلم، ولا بقدرة.
5- اختلفوا في أفعال العباد، فالجهمية يقولون بالجبر، وحقيقته أنه لا اختيار للعبد في أفعاله ولا قدرة له في ذلك، بل هو – على حد قولهم – كالحجر الملقى في اليم تحركه الأمواج أينما اتجهت ، وإنما تنسب إليه الأفعال على سبيل المجاز، بينما يمثل موقف المعتزلة الاتجاه المعاكس فيثبتون الحرية الإنسانية المطلقة تحقيقاً لمفهوم العدل الإلهي عندهم، ولكنهم في سبيل ذلك هدموا قاعدة من أهم قواعد الدين، فأنكروا القضاء الأزلي، وأنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وعلى مذهبهم يلزم أن يقع في ملك الله ما لا يريد انظر الجليند: ((تاريخ الجهمية والمعتزلة)) (ص 419 – 420).
وقد أخطأ هنا الدكتور مصطفى علي الغرابي حيث قال عن المعتزلة: "أما خصومهم فإنهم يعبرون عنهم تارة بالقدرية لقولهم بقول جهم في إنكار القدر" الغرابي ((تاريخ الفرق الإسلامية)) (ص 53). نعم هم قدرية لأنهم ينكرون قدر الله وقضاءه، لكن قولهم في هذا الباب وقول جهم على طرفي نقيض، وقد يعترض على هذه التسمية بأن غير المعتزلة أولى بها؛ إذ كيف ينسب إليهم شيء ينكرون ثبوته لله؟
والجواب: أن يقال: بل هم أولى بها؛ لأنهم يضيفون القدر على أنفسهم، وغيرهم يجعله لله، ومدعي الشيء لنفسه أولى بأن ينسب إليه ممن جعله لغيره انظر ابن قتيبة: ((تأويل مشكل القرآن)) (ص 131-132).
6- واختلفوا في باب الإيمان، حيث يرى جهم ومن معه أن الإيمان معرفة بالقلب فقط، وأن القول والعمل ليسا من الأركان، فهم مرجئة من هذه الجهة، والمعتزلة يخالفونهم في ذلك.
7- اختلفوا في الجنة والنار: فتقول الجهمية: إنهما تفنيان وتبيدان بمن فيهما ليبقى الله ولا شيء معه، والمعتزلة يخالفونهم في ذلك، إلا أن العلاف منهم ذهب إلى قول قريب من قول الجهمية، فزعم أنه يأتي على الجنة والنار زمان تسكن حركات أهلهما.
8- أنكر المعتزلة عذاب القبر، فيقول القاضي عبدالجبار: "وأنكر مشايخنا عذاب القبر في كل حال." ((فضل الاعتزال)) (ص 202). وإلى الآن لم يقع لي قول للجهمية في الموضوع.جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية لمحمد أحمد لوح - ص 220

انظر أيضا: