موسوعة الفرق

المطلب الأول: نماذج من تأويلات المعتزلة لنصوص الصفات والقدر


على ركائز الأصول الخمسة وضع المعتزلة منهجهم في التأويل، والذي تقدم بيانه، وترتب على ذلك أن أولوا من نصوص القرآن والسنة الشيء الكثير، وفيما يلي نضرب أمثلة على ذلك، ونعقب على كل مثال ببيان تهافت تأويلهم له والله المستعان:
- قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164] زعموا أن المتكلم هو فاعل الكلام، انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص 535). ومرة قالوا: معناه من الكلم، أي: "وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن" الزمخشري: ((الكشاف)) (1/314)/ الرياض/ مكتبة المعارف.
وهذا التأويل البارد من أفسد ما يكون لما يأتي:
1- أن هذا الفعل المؤكد بالمصدر غير قابل للتأويل كما تقدم، ولا محتمل للمجاز عند القائلين به انظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص 111).
2- أن الله تعالى خص موسى عليه السلام بالكلام، كما خص إبراهيم بالخلة، فلو كان كلامه مجرد أصوات وحروف أوجدها وخلقها في الشجرة فلا يكون هناك خصوصية لموسى؛ لأن هذه الأصوات والحروف يسمعها الجميع حتى المشرك الذي قال الله فيه: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ [التوبة: 6] ولو كان المراد الابتلاء والامتحان لم تكن هناك خصوصية أيضاً كما لا يخفى، ثم لو أراد الله سبحانه وتعالى أن يخبرنا بأنه فتن موسى وابتلاه بالمحن هل يستقيم أن يعبر عن ذلك بقوله وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى؟ إنه لو فعل ذلك لم يكن في هذا الكلام بيان، ومعلوم أن القرآن ميسر لحفظ آياته، وفهم معانيه، وامتثال أوامره.
قال ابن قتيبة عن هذا التأويل الفاسد: "فخرجوا بهذا التأويل من اللغة ومن المعقول؛ لأن معنى تكلم الله أتى بالكلام من عنده، وترحم الله أتى بالرحمة من عنده، كما يقال: تخشع فلان أتى بالخشوع من نفسه" ((الاختلاف في اللفظ)) (ص 25-26).
هذا في مسألة الكلام، أما مسألة رؤية الباري على ما يليق بجلاله فقد أولوا جميع النصوص الدالة عليها.
- من ذلك قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: 22-23] قالوا: المراد بـ نَاظِرَةٌ الانتظار، "ويراد به التفكر بالقلب طلباً للمعرفة" القاضي عبد الجبار: ((متشابه القرآن)) (2/674)/ القاهرة/ دار التراث/ ت: عدنان زرزور، وانظر ((الكشاف)) (4/165).
وهذا باطل؛ فإن "نظر" في لغة العرب إما أن يتعدى بنفسه، وإما يتعدى بحرف، فإن تعدى بنفسه كان بمعنى الانتظار، كقوله تعالى: انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ [الحديد: 13] أي انتظرونا، وقال حطيئة:


وقد نظرتكم إيناء صادرة




للخمس طال بها حوزي وتنساسي ((ديوان الحطيئة)) (ص)53/ القاهرة/ مطبعة التقدم/ 1325هـ والإيناء: الانتظار، والصادرة: الإبل الراجعة على الماء، والحوز: السوق قليلاً قليلاً، والتنساس: السوق الشديد، والمعنى: انتظرناكم كما تنتظر الإبل الصادرة الإبل الخوامس لتشرب معها. انظر ((لسان العرب)) مادة (ن ط ر).

وإن تعدى بالحرف إما أن يكون الحرف هو اللام، وإما أن يكون هو إلى، فإذا تعدى باللام كان المعنى الانتظار أيضاً، فنقول: أنا لك ناظر، أي منتظر.
وأما إذا تعدى بإلى – كما في هذه الآية – فيكون بمعنى نظر العين لا غير، فيقال: أنا إليك ناظر، أي بالعين الباصرة، ولا يقال ذلك ويراد منتظر، انظر ((الاختلاف في اللفظ)) (ص 22-33) و ((تأويل مشكل القرآن)) (ص 376). قال في (اللسان): "وإذا قلت: نظرت إليه لم يكن إلا بالعين" (5/217).
ثم أي معرفة يطلبها أهل الجنة، حتى يقال: التفكر بالقلب طلباً للمعرفة؟
- ومن آيات الصفات التي أولوها أينما وردت آيات العلم، والقدرة، ونحوها حيث يرون أن الله عالم بلا علم، وقادر بلا قدرة، وهكذا، فيقول القاضي عبدالجبار: "أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء: 166] أي: وهو عالم به، فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ [الأعراف: 7] أي: ونحو عالمون به، وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ [البقرة: 255] أي: معلوماته" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص 212).
وهذا كسابقه تأويل فاسد؛ إذ لا يوجد دليل ملجئ يحتم المصير إلى هذا النحو من التأويل، ومن السخف ورقة الدين أن يستنكف المرء عن وصف ربه بالعلم؛ لأن انتفاءه صفة نقص لا يليق بالمولى عز وجل.
وأما نصوص القدر فنصيبها من التأويل في فكر المعتزلة أكثر من غيره نظراً لكثرتها.
- ومن ذلك قولهم في قوله تعالى: فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء [إبراهيم: 4] فقالوا: ينسبهم إلى الضلالة، والهداية، أو يقال:
"يضل من يشاء بأن يعاقبه، ويهلكه جزاء له على كفره، ويهدي من يشاء إلى الثواب وطريق الجنة، جزاء له على إيمانه" ((متشابه القرآن)) (2/413).
وهذا باطل، قال ابن قتيبة: "لو أراد النسبة لقال: يظللهم كما يقال: يخوفهم، ويفسقهم، أي: ينسبهم إلى ذلك" ((الاختلاف في اللفظ)) (ص 16).
ثم إن المثير في هذه القضية أن المعتزلة جعلوا جميع النصوص التي تصادم مقرراتهم من المتشابه، ولا حجة لهم في ذلك سوى ركوب صهوة عقل الاعتزال.
قال ابن القيم – بعد أن ذكر جملة من الآيات الدالة على خلق الله لأفعال العباد -: "والقدرية ترد هذا كله إلى المتشابه، وتجعله من متشابه القرآن وتتأوله على غير تأويله، بل تتأوله بما يقطع ببطلانه، وعدم إرادة المتكلم له" ((شفاء العليل)) (ص174)/ القاهرة/ دار التراث/ ت: حسن عبدالله الحساني.
وفي ذلك يقول القاضي عبدالجبار: "فأقوى ما يعلم به الفرق بين المحكم والمتشابه أدلة  العقول ((متشابه القرآن)) (1/8). " ويقول: "ونحن نبين الآن في جمل المتشابه أن ظاهره لا يدل على ما يقوله المخالف ألبتة" ((متشابه القرآن)) (1/38). هكذا حكم هؤلاء عقولهم وقرروا مذهبهم ثم هجموا على النصوص الشرعية بلا هوادة، فما وجدوه يدل على ما يحتمل وجهاً – ولو بعيداً – فيه إقرار بما قرروا جعلوه محكماً،، ونصاً فيما اعتقدوه، وما ألفوه يخالف مقرراتهم السابقة جعلوه متشابهاً وأولوه حتى لا يتفق مع ما يذهب إليه "المخالف"، وكان عبدالجبار هذا من أبرزهم في هذا المجال، يقول د. فاروق الدسوقي: "والملاحظ أن القاضي يقتطع الآية من سياقها، بل يقتطع جزءً من الآية ليستدل به على مذهبه، ويغفل ذكر السياق، أو بقية الآية، كما أنه يترك الكثير من الآيات الصريحة المحكمة التي تدل على خلاف مذهبه، أو تثبت مذهب الخصوم في هذه القضية" ((القضاء والقدر في الإسلام)) (2/282)/ بيروت/ المكتب الإسلامي/ 1406هـ.
قلت: لو كان يترك مثل هذه الآيات لكان الخطب أهون، لكنه يجعلها من المتشابه، ويشتغل بتأويلها ما وجد إلى ذلك سبيلاً، فنجده يقول – مؤولاً قوله تعالى: لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء [البقرة: 272] -: "ويريد بذلك أنه ليس عليه إثابتهم، والأخذ بأيديهم في طرق الجنة، وأنه تعالى هو المختص بذلك" ((متشابه القرآن)) (1/137).
وهذا تأويل ساقط؛ فإن هذه الآية واضحة الدلالة في أن الله تعالى هو الموفق من يشاء إلى الإيمان، حيث نفى الهداية عن النبي صلى الله عليه وسلم فتبين أنه لا يقصد هداية الإرشاد الثابتة له، في قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] بل أراد هداية أقصى من هذه، وهي خلق المشيئة والإرادة المستلزمة لفعل ما يحبه الله تعالى، قال ابن القيم – رحمه الله -: "وهذه المرتبة تستلزم أمرين: أحدهما: فعل الرب تعالى، وهو الهدي، والثاني: فعل العبد، وهو الاهتداء وهو أثر فعله تعالى فهو الهادي، والعبد المهتدي قال تعالى: وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ [الإسراء: 97] ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد، ولهذا قال تعالى: إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ [النحل: 37] وهذا صريح في أن هذا الهدي ليس له صلى الله عليه وسلم ولو حرص عليه، ولا إلى أحد غير الله، وأن الله سبحانه إذا أصل عبداً لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته، كما قال تعالى: مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ [الأعراف: 186] " ((شفاء العليل)) (ص 170).
ثم إن الله تعالى لو أراد ذلك لقال لنبيه: ليس عليك إثابتهم والأخذ بأيديهم يوم القيامة على الجنة، ويبدو أن الرجل أخذه إحساس بأن هذا التأويل لا يقنعه هو فضلاً عن غيره فراح يبحث عن تأويل آخر فتخبط وفضح نفسه بقوله: "أو يريد بذلك ليس عليك إلا الدعاء يعني الدعوة فأما القبول فإليهم." ((متشابه القرآن)) (1/137). وهذا التأويل لا يتناسب إطلاقاً مع آخر الآية وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء [البقرة: 272] بل كان المناسب أن يقول: ولكنهم يهدون أنفسهم.
- قال تعالى: خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: 7] قال أهل اللغة والتفسير: "ختم على القلوب أقفالها، فلم تسع خيراً" ابن القطاع: ((كتاب الأفعال)) (1/295)/ حيدر آباد الدكن/ دائرة المعارف العثمانية/ 1360هـ.
لقد "بين الله تعالى المانع لهم من الإيمان بقوله: خَتَمَ اللّهُ والختم: مصدر ختمت ختماً، فهو مختوم، ومختم، شدد للمبالغة، ومعناه: التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء، ومنه ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه" القرطبي: ((الجامع لأحكام القرآن)) (1/186).
ومما يؤكد معنى هذه الآية ودلالته أن الله تبارك وتعالى قرره بألفاظ كثيرة في آيات عديدة، فورد بلفظ "الطبع" كقوله تعالى: كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ [يونس: 74] والطبع كالختم، قال ابن فارس: "الطاء، والباء، والعين، أصل صحيح، مثل على نهاية ينتهي إليها الشيء حتى يختم عندها، يقال: طبعت على الشيء طابعاً، ثم يقال: على هذا طبع الإنسان وسجيته، ومن ذلك طبع الله على قلب الكافر، كأنه ختم عليه حتى لا يصل إليه هدى ولا نور، ولا يوفق لخير" ((معجم مقاييس اللغة)) مادة (ط ب ع). وورد بلفظ "أكنه" كقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف: 57]
"والأكنة: الأغطية، جمع كنان، مثل الأسنة والسنان، والأعنة والعنان، كننت الشيء في كنه إذا سننه فيه، وأكننت الشيء: أخفيته" القرطبي: ((الجامع لأحكام القرآن)) (6/404).
هذا كله صريح في أن الله تعالى خالق لأفعال العباد، فهو سبحانه وتعالى خالق لهذا الضلال، والختم والوقر، فتحول بين العبد وبين الإيمان، إلا أنه سبحانه وتعالى لا يفعل ذلك بعبده ابتداء لأول وهلة، بل يفعله لحكمة ولسبب، حيث يأمره بالإيمان، ويبينه له، فإذا تكررت الدعوة وتأكد البيان، والإرشاد، وأقيمت الحجة، ثم تكرر الإعراض والمبالغة في العناد، والكفر، فحينئذ يطبع على القلب، ويختم عليه، فلا يقبل الهدى بعد ذلك؛ إذ من المعلوم أن الكفر الأول لم يكن بختم وطبع، بل كان باختيار منه، فلو كان كل كافر مختوم القلب لم يهتد كافر قط، ويدل على هذا قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ [البقرة: 26] وقوله: وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء: 55] وقوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: 5] وقوله: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: 14] وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ [الكهف: 57] قال السعدي: "يخبر تعالى أنه لا أعظم ظلماً، ولا أكثر جرماً، من عبد ذكر بآيات الله وبين له الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وخوف ورهب، ورعب، فأعرض عنها، فلم يتذكر بما ذكر به، ولم يرجع عما كان عليه، ونسي ما قدمت يداه من الذنوب، ولم يراقب علام الغيوب... ولكن الله تعالى عاقبه بسبب إعراضه عن آياته، ونسيانه لذنوبه، ورضاه لنفسه حالة الشر، مع علمه بها أن سد عليه أبواب الهداية، بأن جعل على قلبه أكنة، أي: أغطية محكمة تمنعه أن يفقه الآيات، وإن يسمعها فليس في إمكانه الفقه الذي يصل إلى القلب... إلى قوله: وأما هؤلاء الذين أبصروا ثم عموا، ورأوا طريق الحق فتركوه، وطريق الضلال فسلكوه، وعاقبهم الله بإقفال القلوب، والطبع عليها، فليس في هدايتهم حيلة ولا طريق" ((تيسير الكريم الرحمن في تفسير الكلام المنان)) (5/52-53). قلت: وهذا الختم هو الانتقام الذي ذكره تعالى في قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة: 22] والختم والطبع من الأمور الواضحة المحكمة، لكن المعتزلة لما وجدوه يقرر ما يخالف معتقدهم في القدر راحوا يؤولونه تأويلات بعيدة فاسدة، يقول القاضي عبدالجبار: "وقد يراد به الحكم عليه بأنه لا ينتفع بما سمعه، كما يقال فيمن نوظر وبين له طويلاً: ختمت عليك، أي: لا تفهم.. إلى أن قال: ويجب أن يحمل على أن المراد أنه علَّم على قلوبهم بعلامة تعرف بها الملائكة أنهم من أهل الذم، كما كتب في القلوب الإيمان لكي تعلم الملائكة أنهم من أهل المدح" ((متشابه القرآن)) (1/51، 52). وقال غيره: "لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز" ((الكشاف)) (1/26).
أما هذا القول فقد تولى الإجابة عليه أهل العلم فقال القرطبي: "في هذه الآية أدل دليل، وأوضح سبيل على أن الله سبحانه خالق الهدى والضلال، والكفر والإيمان، فاعتبروا أيها السامعون، وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم، وهداهم؛ فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم الإيمان ولو جهدوا، وقد طبع على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة فمتى يهتدون؟ ومن يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم، وأعمى أبصارهم وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر: 33] وكان فعل الله ذلك عدلاً فيمن أضله وخذله؛ إذ لم يمنعه حقاً وجب له فنزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم، فإن قالوا: إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسمية والحكم والإخبار بأنهم لا يؤمنون لا الفعل. قلنا: هذا فاسد؛ لأن حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعاً مختوماً، لا يجوز أن تكون حقيقته التسمية والحكم، ألا ترى أنه إذا قيل: فلان طبع الكتاب وختمه، كان حقيقته أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعاً مختوماً، لا التسمية والحكم، هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة، ولأن الأمة مجمعة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم، كما قال تعالى: بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء: 155] وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي عليه السلام والملائكة والمؤمنين ممتنع، فلو كان الختم والطبع هو التسمية والحكم لما امتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون؛ لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم وأنهم مختوم عليها، وأنهم في ضلال لا يؤمنون، ويحكمون عليهم بذلك، فثبت أن الختم والطبع هو معنى غير التسمية والحكم، وإنما هو معنى يخلقه الله في القلب يمنع من الإيمان به" ((الكشاف)) (1/186-187).
ثم ما فائدة أن يخبرنا الله بعلم الملائكة بأن هؤلاء من أهل الذم؟ ونحن نعلم من القرآن والسنة أن الكفار من أهل الذم، فعلم الملائكة بذلك من باب أولى؛ لأنهم هم الذين يكتبون أعمالهم، قال ابن القيم: "وأنه لا يقال في لغة من لغات الأمم لمن أخبر عن غيره بأنه مطبوع على قلبه، وأن عليه ختماً أنه قد طبع على قلبه، وختم عليه، هذا كذب على اللغات وعلى القرآن" ((شفاء العليل)) (ص 191).
هذه نماذج قليلة بالنسبة لما عند المعتزلة من تحريف وتأويل فاسد لنصوص الصفات والقدر، ونكتفي بها؛ لأن المقصود ذكر منهجهم وضرب الأمثلة على تطبيقاتهم، وقبل إقفال هذا المبحث لابد من التنبيه على أن هؤلاء المعتزلة لا يقولون بمجرد حرية الاختيار والفعل، بل يعترفون بأنهم خالقون لأفعالهم، وليس هذا تقولا من أهل السنة كما يزعم البعض، وقد يأخذك الفزع عندما تقف على قول القاضي عبدالجبار في قوله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: 14] أنه "يدل على أن غير الله يصح منه الفعل والخلق." ((متشابه القرآن)) (2/515). وهذا بطلانه واضح، قال الراغب: "وليس الخلق الذي هو الإبداع إلا الله تعالى، ولهذا قال في الفصل بينه وبينه غيره: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل: 17] وأما الذي كون بالاستحالة فقد جعله الله تعالى لغيره في بعض الأحوال كعيسى حيث قال: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي [المائدة: 110] والخلق لا يستعمل في كافة الناس إلا على وجهين: أحدهما: في معنى التقدير، كقول الشاعر:


فلأنت تفري ما خلقت وبعـ




ض القوم يخلق ثم لا يفري

والثاني: في الكذب، نحو قوله: وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا [العنكبوت: 17] إن قيل: قوله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: 14] يدل على أنه يصح أن يوصف غيره بالخلق، قيل: إن ذلك معناه: أحسن المقدرين، أو يكون على تقدير ما كانوا يعتقدون ويزعمون أن غير الله يبدع، فكأنه قيل: فاحسب أن ههنا مبدعين وموجدين فالله أحسنهم إيجاداً على ما يعتقدون" ((المفردات في غريب القرآن)) (ص 157)، والبيت المذكور في النص لزهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان.
وقال الآلوسي: "ولا يصح تفسيره بالإيجاد عندنا إذ لا خالق بذلك المعنى غيره تعالى إلا أن يكون على الفرض والتقدير، والمعتزلة يفسرونه بذلك لقولهم بأن العبد خالق لأفعاله وموجد لها استقلال، فالخالق الموجد متعدد عندهم" ((روح المعاني)) (18/16).
وبهذا تعلم أن الخلق في اللغة له ثلاثة معان: 1- الإبداع والإيجاد الخاص بالله تعالى. 2- التقدير والصنع الذي يكون بتركيب المواد، 3- الخلق بمعنى الكذب، وأن المعنى يتحدد بحسب من يضاف إليه الخلق، وبحسب السياق والقرائن.جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية لمحمد أحمد لوح - ص 222

انظر أيضا: