موسوعة الفرق

تمهيد


بعد أن قررت المعتزلة عقائدها عن طريق مناهجها العقلية، كان لابد لهم من استحداث طرق لرد تلك الآيات والأحاديث الصريحة الصحيحة التي تخالف ما وصلوا إليه ببدعهم حرصا على مقرراتهم العقلية.
أما الأحاديث؛ فقد رأينا كيف تعاملوا معها - في الصفحات السابقة – وردوا صحيحها بدعاوى متهافتة فزاغوا في العقيدة والشريعة معا، وكان تمويههم بأنها أخبار آحاد طريقا سهلا للتخلص منها.
وأما الآيات القرآنية فقد تعذرت تلك الدعوى عليهم بشأنها إذ هي قطعية الثبوت والمخالف لذلك كافر لا محالة، فلجؤوا إلى طرق أخبث، وهو التأويل الذي فتحوا بابه – واتبعهم فيه من بعد ذلك طوائف من المتكلمين – فحرفوا الكلم عن مواضعه بغيا وعدوانا.
قالت المعتزلة : إن الله سبحانه لم يستو على عرشه كما أخبر، بل استولى عليه، فأولوا الاستواء بالاستيلاء، وأن معنى اليد المنسوبة لله سبحانه هي النعمة، والعين تأولوها بمعنى العلم ((مقالات الإسلاميين)) للأشعري (195، 217). ، وفي قوله تعالى: أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: 56] فأولوا الجنب بمعنى الأمر؛ فقالوا: أمر الله.
  كذلك فعلوا في صفات المحبة والرضى والغضب والسخط فأولوها جميعا، قالوا: محبة الله ورضاه هي إرادته للثواب، وسخطه وغضبه هو إرادته للعقاب.
وسنحاول بيان منهج أهل السنة في هذا الأمر في السطور التالية.
أولا: معنى التأويل:
أوضح الإمام ابن تيمية معاني كلمة التأويل، وأنها تستعمل في ثلاث معاني:
الأول: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن، كالطبري حيث يقول: تأويل آية كذا، بمعنى تفسيرها ((فتاوى ابن تيمية)) (3/55).  
الثاني: التأويل يأتي بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام كما في قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: 53] فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله به فيه مما يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك كما في قوله تعالى في سورة يوسف:   يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ [ يوسف: 100] فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا.
ومن ذلك قول عائشة: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي. يتأول القرآن)) رواه البخاري (4968), ومسلم (484). يعني قوله فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا" [النصر: 3]
وكقول سفيان بن عيينة: السنة هي تأويل الأمر والنهي أي عمله والقيام به في الحقيقة ((الفتاوى)) (3/2056).  
وقال ابن فارس في (فقه اللغة العربية): التأويل آخر الأمر وعاقبته يقال مآل هذا الأمر: مصيره ((إرشاد الفحول)) للشوكاني (30176).  
والثالث: وهو قد ورد عند المتأخرين من المتكلمين والأصوليين وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله لوجود دليل يقترن به يمنع من إجراء ظاهر اللفظ. وهذا النوع هو الذي استخدمته المعتزلة – بمعناه - في صرف آيات الصفات واستعمله أكثر المتأخرين في تأويل نفس الآيات ((الفتاوى)) (3/2056).  
وهذا المعنى للتأويل – وإن لم يرد اصطلاحا في كتابات المعتزلة – إلا أنهم قد جروا عليه في تأويل آيات الصفات وصرفها عن ظاهرها زاعمين أن قرينة التنزيه هي التي توجب عدم أخذ تلك الآيات على ظاهرها وإلا وقعنا في التشبيه!.
وقد رأينا أن هذا المعنى للتأويل لم يستخدمه السلف بل قد استعملت كلمة التأويل في المعنيين الأولين فقط – أي التفسير والمآل أو المصير – فتطبيق هذا المصطلح بهذا المعنى على آيات الصفات بدعة ليس لها أصل في أقوال السلف.
والتأويل – بالمصطلح الأخير – قد يستعمل في آيات الأحكام الشرعية ويكون بمعنى تخصيص العام في مثل قوله تعالى: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ[ الطلاق: 4] وقوله تعالى:  وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [ البقرة : 234]  فظاهر كل آية يتعارض مع ظاهر الأخرى، إذ الأولى تجعل عدة الحامل وضع المولود، والثانية ظاهرها أن العدة للمرأة عامة أربعة أشهر وعشر. فيتصرف ظاهرها إلى المرأة غير الحامل حسب الآية الأولى ويسمى تخصيصا. وهو من أبواب التأويل الظاهرة في الفقه. وكذلك تقييد المطلق كما في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ [ المائدة: 3] ، وقوله تعالى: قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ الأنعام : 145]  فالدم الذي أطلق في الآية الأولى قد قيد في الثانية بأن يكون مسفوحا وهو صرف لظاهر اللفظ المطلق إلى المقيد. ((أصول الفقه)) أبو زهرة (137).  
وهذا التأويل – الذي هو صرف الظاهر -  في الأحكام الفقهية هو من التأويل الصحيح المطلوب لكي نتوصل إلى الحكم الشرعي السليم، وإنما يجب أن تكون شروطه مستوفاة حتى لا يكون تأويلا فاسدا وينتج عنه حكم خاطئ ومثال ذلك ما في قوله صلى الله عليه وسلم : ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) (رواه الخمسة إلا النسائي) رواه أبو داود(2083) والترمذي(1102) وابن ماجه (1879) وأحمد (6/66) سكت عنه أبو داود, وقد قال في ((رسالته لأهل مكة)) كل ما سكت عنه فهو صالح. وقال الترمذي: حسن. وصححه الألباني. فقد ذهبت طائفة من الفقهاء إلى أن المقصود هو المرأة الصغيرة أو المرأة المكاتبة، وهذا تأويل لا يمكن القول به لصرف هذا العموم القوي المقارب للقطع عن ظاهره ((الإحكام للآمدي)) (3/81).  
ونرى مما سبق أن التأويل – بهذا المعنى الأخير – هو قسيم للظاهر، والقاعدة العامة في الشريعة هي العمل بالظاهر وتقديمه، بل إنها كلية الشريعة وعمدة التكليف - على حسب تعبير الشاطبي – ولا يصح صرف الظاهر إلا بقرينة قاطعة مع عدم أي إمكانية لفهم الدليل حسب ظاهره بأي وجه من الأوجه.
ويشترط لذلك أن يكون المعنى الجديد محتملا، وأن يكون اللفظ المؤول قابلا لاحتمال هذا المعنى فمثلا من التأويلات الفاسدة قول بيان بن سمعان ((الفرق بين الفرق)) (255). أنه هو المقصود في قوله تعالى:هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 138] وكذلك من قال في قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [النساء: 125] أي فقيرا لعدم صحة المعنى بهذا الشكل.
وبناء على ما ذكرناه فقد بنى أهل السنة وسلف الأمة قولهم في الصفات: فأثبتوا الصفات بلا تمثيل، ونزهوا الله سبحانه بلا تعطيل لصفاته، وحملوا الآيات والأحاديث على ظاهرها ولكن بلا كيف ولا مشابهة بينها وبين صفات المخلوقات، وهو المذهب الحق الذي عليه إجماع التابعين والأئمة في أسمائه وصفاته سبحانه، نثبت ظاهرها بلا كيف ولا مشابهة إذ أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء، وليس فيه شيء يشتبه بما في المخلوق لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11] وإنما قد خالطت أذهان هؤلاء المعطلة المؤولة أنجاس التشبيه، فحاولوا صرفها بكل وسيلة فلجئوا إلى التأويل هروبا مما اعتقدوه تشبيها فوقعوا في ما هو أشد منه وأنكى!
وعلى ذلك كان اعتقاد مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والأوزاعي والثوري والحسن وجماهير العلماء، كما سبق أن أشرنا.
قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88] وقال تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: 10] وقال تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ [هود: 37]
وأخرج مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها)) رواه مسلم (2759), من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
وروى مسلم عن أبي موسى قال: ((قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه – زاد عبد الله – كل شيء أدركه بصره)) رواه مسلم (179) من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار)) رواه البخاري (7419), ومسلم (993) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وروى البخاري: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع عز وجل رجله – أو قدمه – فيها فتقول قط قط)) رواه البخاري (4848), ومسلم (2848).
قال الأشعري: : قال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله عز وجل أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف" ((مقالات الإسلاميين)) للأشعري (217).
ونقل الحافظ اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال:  "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه" ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة )) لللالكائي (3/432)، وكذلك ((الفتاوى)) لابن تيمية (3/2) وبعدها. المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص 91

انظر أيضا: