موسوعة الفرق

المطلب الثاني: المعتزلة في العصر العباسي


يعتبر العصر العباسي الأول عصر ازدهار المعتزلة وعنفوانها، إذ عاش فيه معظم شيوخ مدرسة البصرة وبغداد.
وقد عاصر عمرو بن عبيد أبا جعفر المنصور العباسي وكان على صلة به حتى إنه لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية على أبي جعفر المنصور، بعث برسالة إلى عمرو بن عبيد ليستعين به على قتال المنصور فأبى واستوثق المنصور بنفسه من عدم مساندة عمرو للنفس الزكية في حركته.
أما في عهد الرشيد فقد لقي المعتزلة متاعب جمة نظرا لكراهية الرشيد لمبادئهم، فقد نهى عن الكلام وأمر بحبس المتكلمين، وحبس العتابي الشاعر وثمامة بن أشرس المعتزلي، ثم اتخذه بعد ذلك نديما له وإن لم يتأثر بمذهبه، كما توعد بشرا المريسي فظل مختفيا طوال خلافة الرشيد||hamish||7282||/hamish||، كذلك فقد كان يقتل من يقول بخلق القرآن جهارا ((البداية والنهاية)) (10/215).
 ثم لما انتهى الأمر إلى المأمون العباسي زين له بشر المريسي الاعتزال فاعتنقه ((البداية والنهاية)) (10/275). ، كما قرب منه ثمامة بن أشرس حتى أصبح لا يبرم أمرا دونه، بل إنه أصبح يرشح له وزراءه، فرشح له أحمد بن أبي خالد ثم من بعده يحيى بن أكثم، وعن طريقه تعرف المأمون بأحمد بن أبي دؤاد أحد رؤوس بدعة الاعتزال في عصره، وقد صار أحمد هذا رأسا في فتنة خلق القرآن وقاضيا للقضاة في عهد المعتصم ((البداية والنهاية)) (10/249).
وكان المأمون في أول أمره بين اتجاهين: أولهما إظهار الاعتزال علنا، وكان يشجعه على ذلك ثمامة وأحمد بن أبي دؤاد حتى إنه كاد أن يأمر بلعن معاوية على المنابر إلا أن يحيى بن أكثم قاضيه ويزيد بن هارون وزيره كانا يمنعانه من هذا حتى مات يزيد بن هارون، وعزل يحيى بن أكثم عن منصبه، فخلا الجو لثمامة وأحمد بن أبي دؤاد، فأظهر المأمون بدعة الاعتزال، وحمل الناس عليها، فكانت المحنة التي أطلق عليها محنة خلق القرآن.
ويظهر أن المأمون كان سريع التقلب والتغير في آرائه، فهو قد نادى – قبل ذلك – بتفضيل علي على أبي بكر وعمر، بل بايع من بعده لإمام أهل البيت في عصره وهو علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، وخلع السواد شعار العباسيين ولبس الخضرة لباس العلويين وذلك في عام 201هـ، ثم لما مات علي الرضا رجع عن البيعة لآل البيت ((البداية والنهاية)) (10/273). ، يقول ابن كثير عنه: "كان فيه تشيع واعتزال وجهل بالسنة الصحيحة" ((البداية والنهاية)) (10/273). والصلة بين التشيع والاعتزال وثيقة كما سيتبين بعد، وقد سار على منهج الاعتزال بعد المأمون المعتصم ثم الواثق من بعده، وقد بدأت فتنة خلق القرآن في عهد المأمون عام 218هـ.
فتنة خلق القرآن
قرر الخليفة المأمون في تلك السنة الإعلان عن عقيدته في خلق القرآن وحمل الناس على القول بذلك، وبدأ في امتحان الفقهاء والقضاة والعلماء بشأنها، وأن يجعلهم يصرحون باعتقادها، فأمر نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم أن يمتحن من عنده فمن أقر تركه في منصبه ومن خالف عزله وقطع عنه راتبه من بيت المال، وقد امتنع إمام أهل السنة أحمد بن حنبل من الخضوع لهذا التهديد وآثر حمل أمانة الحق والاستعلاء بها، ففي مثل هذه المواقف تكون العزيمة هي الأولى، ويكون الاستعلاء بالحق هو شيمة الرجال الذين يتخذهم الله سبحانه شهداء على الناس، وحجة قائمة على البشر ونورا وهداية للمسلمين.
بعث المأمون إلى بغداد لإحضار من امتنع من العلماء من الإقرار ببدعته وكانوا ثلاثة غير الإمام أحمد بن حنبل هم محمد بن نوح والحسن بن حماد وعبيد الله بن عمرو القواريري.
وقد استجاب للتهديد بعد ذلك الحسن بن حماد وعبيد الله بن عمرو، ولم يصمد إلا الإمام أحمد ومحمد بن نوح فحملا معا إلى بغداد. وفي الطريق بلغهم موت المأمون وتولى المعتصم من بعده، فعادوا إلى بغداد، وفي الطريق مات محمد بن نوح، وصلى عليه الإمام أحمد ثم أودع السجن عند بلوغه بغداد، وبقي فيه لمدة عامين ونصف.
ومازال أحمد بن أبي دؤاد يؤلب المعتصم على الإمام أحمد حتى أمر بإحضاره إليه، وناظره أحمد بن أبي دؤاد فأفحمه الإمام، ولكن الهوى والبدعة تغلبا بالباطل، فالتجئوا إلى إغراء الخليفة بأن مركزه سيتزعزع أمام العامة إن عرف أن الإمام هزم خليفتين، وعندها أمر المعتصم بضربه ثمانين سوطا حتى تمزق لحمه ثم أعيد إلى منزله حيث أقام فيه لا يفارقه طيلة خلافة المعتصم ثم ابنه الواثق حتى انتقلت الخلافة إلى المتوكل ابن المعتصم.
وممن ابتلي واستشهد في سبيل الحق في عهد الواثق أحمد بن نصر المروزي وكان من رجال العلم والدين وذوي المروءة والأخلاق، وكان على السنة في القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق فامتحنه الواثق بعد أن دبر أحمد بن نصر الثورة عليه بسبب بدعته وضلالته ولكنه فشل وأخذوه إلى الواثق حيث قتله بيده عام 231هـ ((البداية والنهاية)) (10/303)، (( في أخبار المحنة)) (10/330).

انظر أيضا: