موسوعة الفرق

المطلب الثاني: مسألة الصلاح والأصلح


يحسن قبل البدء في الكلام عن الصلاح والأصلح أن نعرفهما: الصلاح: ضد الفساد، وكل ما عرى من الفساد؛ فهو صلاح؛ وهو الفعل المتوجه إلى الخير من قوام العالم وبقاء النوع في العاجلة، والمؤدي إلى السعادة السرمدية في الآخرة.
أما الأصلح: فهو ما إذا كان هناك صلاحان وخيران، وكان أحدهما أقرب إلى الخير المطلق، فإنه يكون الأصلح ((نهاية الإقدام)) (ص406).
الفرع الأول: رأي المعتزلة في الصلاح والأصلح:
لمعرفة رأي المعتزلة في الصلاح والأصلح؛ لابد أن نسوق شيئاً من أقوالهم أو أقوال من نقل عنهم، فنقول وبالله التوفيق.
يقول النظام: "إن الله لا يقدر على أن يفعل بعباده خلاف ما فيه صلاحهم، ولا يقدر أن ينقص من نعيم أهل الجنة ذرة، لأن نعيمهم صلاح لهم، ونقصان ما فيه صلاحهم ظلم" ((الانتصار)) للخياط (ص21، 22، 25)، والبغدادي (ص115)، و((الملل)) (1 /59).
ويقول الشهرستاني – وهو يبين رأي المعتزلة في الصلاح والأصلح-: "واتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، وأما الأصلح... ففي وجوبه خلاف عندهم" ((الملل والنحل)) (1 /45).
ويقول في موضع آخر: "وقالت المعتزلة: الحكيم لا يفعل فعلاً إلا لحكمة وغرض، والفعل من غير غرض سفه وعبث، والحكيم من يفعل لأحد أمرين؛ إما أن ينتفع أو ينتفع غيره، ولما تقدس الرب تعالى عن الانتفاع تعين أنه إنما يفعل لينفع غيره، فلا يخلو فعل من أفعاله من صلاح، ثم الأصلح هل تجب رعايته، قال بعضهم: تجب كرعاية الصلاح، وقال بعضهم: لا تجب؛ إذا الأصلح لا نهاية له، فلا أصلح إلا وقوفه ما هو أصلح منه..." ((نهاية الإقدام)) (ص397، 398).
ويقول في موضع ثالث – وهو يحكي رأي جمهور المعتزلة في الأصلح -: "وقال جمهور المعتزلة... إن الله لا يفعل بالعباد كلهم إلا ما هو أصلح لهم في دينهم وأدعى لهم إلى العمل بما أمرهم به، وأنه لا يدخر عنهم شيئاً يعلم أنهم يحتاجون إليه في أداء ما كلفهم به... ثم يقول: وقالوا في الجواب عن مسألة من سألهم "هل يقدر الله تعالى أن يفعل بعباده أصلح مما فعله بهم؟". قالوا: إن أردت أنه يقدر على أمثال الذي هو أصلح، فالله يقدر على أمثاله إلى ما لا غاية له ولا نهاية، وإن أردت يقدر على شيء أصلح من هذا، أي: يفوقه في الصلاح قد ادخره عن عباده، فلم يفعله بهم؛ مع علمه بحاجتهم إليه في أداء ما كلفهم به، فإن أصلح الأشياء هو الغاية، ولا شيء يتوهم وراء الغاية فيقدر عليه أو يعجز عنه" ((المقالات)) (1 /288).
من هذه النصوص؛ يظهر لنا أن المعتزلة قد اتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير؛ بل ويجب عليه ذلك.
وأما الأصلح: فقد اختلفوا فيه. فجمهورهم: يرون وجوبه على الله لأن أصلح الأشياء – عندهم – هو الغاية، وقد فعله الله بعباده، ولا شيء يتوهم وراء الغاية، فيجب أو لا يجب.
وبعضهم: ذهب إلى أنه لا يجب على الله رعاية الأصلح لعباده، كبشر ابن المعتمر ((المقالات)) (1 /287). ، لأن الأصلح لا غاية ولا نهاية له ((نهاية الإقدام)) (ص397، 398)، و((المقالات)) (1 /287، 288).
والخلاصة: أن المعتزلة يقولون بوجوب الصلاح والأصلح؛ ما عدا بشر بن المعتمر ومن تابعه، فإنهم خالفوا في وجوب الأصلح فقط.
الفرع الثاني: مناقشة رأي المعتزلة في الصلاح والأصلح:
ذكرت عند عرضي لرأي المعتزلة في الصلاح والأصلح؛ أن المعتزلة يرون وجوب الصلاح والأصلح على الله لعباده.
ونقول: إن الله تعالى أمر العباد بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، وأنه تعالى يفعل بالعباد ما فيه انظر ((منهاج السنة)) (1 /325). صلاحهم؛ لكن لا على سبيل الوجوب، وذلك لأن الوجوب منفي عن الله تعالى؛ إذ المفهوم منه ما ينال تاركه ضرر عاجلاً أو آجلاً أو ما يكون نقيضه محال. وهذا كلها يتنزه الله عنها، فإنه تعالى لا ينتفع بعمل ولا يتضرر بتركه، ولا يلزم من ذلك محال ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص175، 184)، وانظر ((الإحياء)) (1 /111، 112). بل إن الواجب على الله محال، لاستحالة موجب فوقه، يوجب عليه شيئاً.
يقول ابن تيمية – رحمه الله – في معرض درء على من يقول بالوجوب على الله: "وأما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى والتحريم بالقياس على خلقه فهذا قول القدرية، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول، وصريح المعقول. وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئاً؛ ولهذا كان من قال أهل السنة بالوجوب قال: إنه كتب على نفسه الرحمة وحرم الظلم على نفسه، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئاً كما يكون للمخلوق على المخلوق. فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، وهو الخالق لهم، وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم بالإيمان والعمل الصالح، ومن توهم من القدرية والمعتزلة، ونحوهم: أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على المستأجر، فهو جاهل في ذلك. وإذا كان كذلك لم تكن الوسيلة إليه إلا بما من به من فضله وإحسانه، والحق الذي لعباده: هو من فضله وإحسانه ليس من باب المعاوضة، ولا من باب ما أوجبه غيره عليه، فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك" ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (ص409- 410).
من كلام ابن تيمية وما قبله يظهر أنه لا واجب على الله، فكل نعمة من الله على خلقه تعتبر من باب التفضل حتى ما أوجبه سبحانه وتعالى على نفسه من باب التفضل؛ لأنه لم يوجبه أحد عليه. وبذلك يبطل الوجوب على الله؛ وإذا بطل الوجوب عليه سبحانه وتعالى؛ بطل قول المعتزلة بوجوب الصلاح والأصلح على الله لعباده.
كذلك رد الغزالي على المعتزلة قولهم: وجوب الصلاح والأصلح على الله، فقال: "ومما يدل على بطلان قول المعتزلة بوجوب الصلاح والأصلح المشاهدة والوجود، ثم قال: فإننا نريهم من أفعال الله تعالى ما يلزمهم الاعتراف بأنه لا صلاح فيها للعبد؛ فإنا نفرض ثلاثة أطفال مات أحدهم وهو مسلم في الصبا، وبلغ الآخر وأسلم ومات مسلماً بالغاً، وبلغ الثالث كافراً ومات على الكفر، فإن العدل عندهم أن يخلد الكافر البالغ في النار، وأن يكون للبالغ المسلم في الجنة رتبة فوق رتبة الصبي المسلم، فإذا قال الصبي: يا رب: لم حططت رتبتي عن رتبته؟ فيقول: لأنه بلغ فأطاعني، وأنت لم تطعني بالعبادات بعد البلوغ، فيقول: يا رب لأنك أمتني قبل البلوغ فكان صلاحي في أن تمدني بالحياة حتى أبلغ فأطيع فأنال رتبته، فلم حرمتني هذه الرتبة أبد الآبدين وكنت قادراً على أن تؤهلني لها؟ فلا يكون له جواباً إلا أن يقول: علمت أنك لو بلغت لعصيت، وما أطعت وتعرضت لعقابي وسخطي، فرأيت هذه الرتبة النازلة أولى بك وأصلح لك من العقوبة، فينادي الكافر البالغ من الهاوية، ويقول: يا رب أو ما علمت أني إذا بلغت كفرت؟ فلو أمتني في الصبا وأنزلتني في تلك المنزلة النازلة لكان أحب إلي من التخليد في النار وأصلح لي، فلم أحييتني؟... ثم قال ومعلوم أن هذه الأقسام موجودة وبها يظهر على القطع لأن الأصلح ليس بواجب ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص184- 185).
كذلك رد عليهم الإسفراييني فقال – في جملة رده-: "... وكل عاقل يعلم أن الكافر لا صلاح له في كفره ولا ما يحل به من تبعات فعله، فعلى هذا يجب أن تكون حجة الله منقطعة حتى لا يكون له على عبيده حجة، ويصور ذلك في ثلاثة ولدوا دفعة واحدة أمات الله أحدهم في حال الطفولة وبلغ الاثنان، أسلم أحدهما، وبقي الآخر كافراً.." ((التبصير في الدين)) (ص68). ثم أتى برد الغزالي. وبما ذكرت يتضح بطلان قول المعتزلة يجب على الله أن يفعل بالعباد ما فيه صلاحهم. والله أعلم.المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها- عواد المعتق ص 197

انظر أيضا: