موسوعة الفرق

المطلب الثاني: معاني معمر ومناقشتها


يقول معمر ((فرقة المعمرية)) (63) من الرسالة. : "كل عرض قام بمحل فإنما يقوم به لمعنى أوجب القيام به...  فالحركة مثلا إنما خالفت السكون، لا بذاتها؛ بل بمعنى أوجب المخالفة، وكذلك مغايرة المثل المثل ومماثلته، وتضاد الضد الضد؛ كل ذلك عنده بمعنى" ((الملل والنحل)) (1/65).
وكان يرى أن كل نوع من الأعراض في كل جسم لا يتناهى أبدا في العدد ((الفرق بين الفرق)) (152). ، ولذا قال: "إذا كان المتحرك متحركا بحركة قامت به، فتلك الحركة اختصت بمحلها لمعنى سواها؛ وذلك المعنى أيضا يختص بمحله لمعنى سواه.. وهكذا إلى ما لا نهاية" ((الفرق بين الفرق)) (153).
ويقول الخياط – وهو يشرح رأي معمر هذا - : "لما وجد معمر جسمين ساكنين أحدهما يلي الآخر، ثم وجد أحدهما قد تحرك دون صاحبه كان لا بد عنده من معنى حله دون صاحبه من أجله تحرك؛ وإلا لم يكن بالتحرك أولى من صاحبه، فإذا كان هذا حكما صحيحا، فلا بد أيضا من معنى حدث له حلت من أجله الحركة في أحدهما دون صاحبه؛ وإلا لم يكن حلولها في أحدهما أولى من حلولها في الآخر، وكذلك إن سئل عن ذلك المعنى لم كان علة لحلول الحركة في أحدهما دون صاحبه؟ قال لمعنى آخر، وكذلك أيضا إن سئل عن ذلك المعنى الآخر، كان جوابه فيه كجوابه  فيما قبله" ((الانتصار)) (55).
وضرب زهدي جار الله مثلا يوضح رأي معمر هنا، فقال: "إذا نظرنا إلى طاولة فوجدناها حمراء اللون كان ذلك لمعنى خاص، فإذا كانت سوداء كان ذلك لمعنى آخر، وكذلك إذا كانت كبيرة أو صغيرة يابسة أو لينة حديدية أو خشبية؛ كان كل ذلك لمعان خاصة حلت بها، ثم يقول: ويؤخذ من هذا أن الأساس في الطاولة هو ذاتها، لا ما يتعلق بها من الصفات، فالطاولتان لا تختلفان عن بعضهما بالذات؛ لأن ذاتهما واحدة، بل تختلفان  فيما يتعلق بهما من الصفات كالحركة والسكون، واللون والحجم، وغير ذلك وهي أمور عرضية لا أهمية لها، وقد فضل معمر أن يدعوها معاني بدل الصفات؛ لأنه ظن أن في هذا ما يخفف من جوهرية الصفات، ويقلل من أهميتها" ((المعتزلة)) (68).
ولذا دعي هو وأتباعه أصحاب المعاني ((الملل والنحل)) (1/66).
وعلى هذا الأساس بنى معمر قوله في صفات الباري عز وجل، فقال: "إن الله عالم يعلم وأن علمه كان لمعنى والمعنى كان لمعنى، لا إلى غاية، وكذلك في سائر الصفات" ((المقالات)) (1/228). أي: أنه جعل ذات الله تعالى واحدة قديمة، وأراد أن يثبت أن الصفات ما هي إلا معان ثانوية لا أهمية لها، فكان بذلك مشتركا في الغاية مع المعتزلة الذين نفوا الصفات وقالوا: إن الله عالم قادر بالذات ومع أبي الهذيل الذي يثبت الصفات، ولكنه يقول إنها هي الذات. غير أن معمرا، وإن اتفق معهم في الغاية، فقد خالفهم في الطريقة لإثبات تلك الغاية، فاهتدى إلى المعاني ((المعتزلة)) (68).
مناقشة معمر ومن معه من مثبتي المعاني:
أولا: يقال لهم أخبرونا عن المعاني التي تدعونها في حركة واحدة أيما أكثر هي أم المعاني التي تدعونها في حركتين؟ فإن أثبتوا قلة وكثرة؛ تركوا مذهبهم وأوجبوا النهاية في المعاني التي نفوا النهاية عنها، وإن قالوا: لا قلة ولا كثرة ههنا، كابروا وأتوا بالمحال الناقض لأقوالهم؛ لأنهم إذا أوجبوا للحركة معنى أوجبوا للحركتين معنيين، وهكذا أبدا فوجبت الكثرة والقلة ضرورة لا محيد عنها.
وقد اعترض بعضهم فقال: أخبرونا أليس الله تعالى قادر على أن يخلق في جسم واحد حركات لا نهاية لها، فكان جواب أهل الإسلام لهم بـ "نعم" فتمادوا في السؤال، فقالوا: أخبرونا أيما أكثر ما يقدر الله تعالى عليه من خلق الحركات في جسمين أو ما يقدر عليه من خلق الحركات في جسم واحد؟ فأجاب أهل الحق على ذلك بأنه لا يقع عدد على معدوم، وإنما يقع العدد على الموجود المعدود، والذي يقدر الله تعالى عليه ولم يفعله فليس هو بعد شيئا، ولا له عدد، ولا هو معود، ولا نهاية لقدرة الله تعالى. وأما ما يقدر عليه تعالى ولم يفعله، فلا يقال فيه أن له نهاية، ولا أنه لا نهاية له، وأما كل ما خلق الله تعالى، فله نهاية، وكذا كل ما يخلق إذا خلقه حدثت له نهاية؛ حينئذ لا قبل ذلك، وأما المعاني التي تدعونها فإنكم تدعون أنها موجودة قائمة فوجب أن يكون لها نهاية، فإن نفيتم النهاية عنها لحقتم بأهل الدهر، وكلمناكم بما كلمناهم به.. " ((الفصل)) (5/47).
وإذا ثبت لها نهاية ثبت لها بداية فأصبحت حوادث والله منزه عن حلول الحوادث فيه، فبطل قولكم. والله أعلم.
ثانيا: يقول البغدادي – بعد أن عرض رأي معمر في المعاني - : "وفي هذا القول إلحاد من وجهين:
أحدهما: قوله بحوادث لا نهاية لها، وهذا يوجب وجود حوادث لا يحصيها الله تعالى؛ وذلك عناد لقوله تعالى: وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [ الجن: 28]
ثانيهما: أن قوله بحدوث أعراض لا نهاية لها يؤديه إلى القول بأن الجسم أقدر من الله تعالى، لأن الله عنده ما خلق غير الأجسام، وهي محصورة عندنا وعنده، والجسم إذا فعل عرضا: فقد فعل معه ما لا نهاية له من الأعراض، ومن خلق ما لا نهاية له ينبغي أن يكون أقدر ممن لا يخلق إلا متناهيا في العدد. ثم قال: وقد اعتذر الكعبي ((فرقة الكعبية)) (74) من الرسالة. عنه بأن قال: أن معمرا كان يقول: إن الإنسان لا فعل له غير الإرادة، وأما سائر الأعراض، فهي أفعال الأجسام بالطباع. يقول البغدادي: فإن صحت هذه الرواية عنه؛ لزمه أن يكون الطبع الذي نسب إليه فعل الأعراض أقوى من الله – عز وجل -؛ لأن أفعال الله أجسام محصورة، وأفعال الطباع أصناف من الأعراض، كل صنف منها غير محصور العدد.. " ((الفرق بين الفرق)) (153).
والقول بأن شيئا من مخلوقاته تعالى أقدر منه كفر فما يؤدي إليه أو ينبني عليه مثله. وقد سبق أن بينا أن رأيهم في صفات الباري – عز وجل – إنما بنوه على قولهم فيما سواها من الأعراض الموجودة في الأجسام، وقد بطل الأصل وببطلانه يبطل الفرع، والله أعلم. المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص 94 
المطلب الثالث: أحوال أبي هاشم
لقد تخلص أبو هاشم كسابقه من استعمال لفظة الصفات ودعاها أحوالا فقال: إذا قلنا: إن الله عالم أثبتنا لله حالة خاصة هي العلم، وهي وراء كونه ذاتا، وإذا قلنا: إن الله قادر أثبتنا لله حالة خاصة هي القدرة، وهي وراء كونه ذاتا، وهكذا في سائر الصفات، وتأتي فوق هذه الأحوال حال أخرى عامة توجبها كلها ((الملل والنحل)) (1/75)، ((نهاية الإقدام)) (180).
ويقول في موضع آخر: "إن العالم له في كل معلوم حال لا يقال فيها أنها حالة مع المعلوم الآخر، ولأجل هذا زعم أن أحوال الباري – عز وجل -  في معلوماته لا نهاية لها، وكذلك أحواله في مقدوراته لا نهاية لها، كما أن مقدوراته لا نهاية لها" ((الفرق بين الفرق)) (196).
ويرى أبو هاشم – أيضا – أن هذه الأحوال لا تعرف على انفراد، فهي على حيالها لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة ولا قديمة ولا محدثة، ولكنها توجد مع الذات وتعرف بعلاقتها بها فقط، فقد يعلم الشيء مع غيره، ولا يعلم على حياله كالجوهر الفرد لا يعلم فيه تأليف ولا مماسة ما لم ينضم إليه جوهر آخر ((الفرق بين الفرق)) (195)، ((الملل والنحل)) (1/75)، ((نهاية الإقدام)) (137).
وتعليل كونها لا موجودة ولا معدومة أن أبا هاشم كان يرى أن المعدوم شيء، فإذا قال: إن الأحوال موجودة أو معدومة أثبتها أشياء أو ذواتا.
وتعليل كونها لا معلومة ولا مجهولة: أن أبا هاشم لو قال ذلك للزمه أن يثبتها أشياء أيضا، لأن من رأيه أنه لا يعلم إلا ما يكون شيئا، ولا قال إنها متغايرة؛ لأن التغير لا يقع إلا على الأشياء والذوات ((الفرق بين الفرق)) (182). ؛ أما تعليل كونها لا قديمة ولا محدثة، أنها لو كانت قديمة لشاركت الذات الإلهية في القدم، ولو كانت محدثة، لكان الله تعالى محلا للحوادث ((المعتزلة)) (70).
ويقول البغدادي: "إنما ألجأ أبا هاشم إلى القول بالأحوال سؤال ورد من قدماء المعتزلة عن العالم منا هل فارق الجاهل بما علمه لنفسه أو لعله؟، وأبطلوا مفارقته إياه لنفسه مع كونهما من جنس واحد وبطل أن تكون مفارقته إياه لا لنفسه ولا لعلة؛ لأنه لا يكون حينئذ بمفارقته له أولى من آخر سواء فثبت أنه إنما فارقه في كونه عالما لمعنى ما، ووجب أيضا أن يكون لله تعالى في مفارقة الجاهل معنى أو صفة فارقة بها فزعم أنه إنما فارقه لحال كان عليها ((الفرق بين الفرق)) (181).
ويتضح من عرضنا لأحوال أبي هاشم أن غايته كغاية معمر وسائر المعتزلة، وهي التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها، ولذلك رفض استعمال لفظ الصفات واستعاض عنها بالأحوال. فقال: إن الصفات على حيالها ليست أشياء وذواتا وأنها لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة، وأنها لا توجد إلا إذا تعلقت بالذات ظانا أنه بذلك يخفف من جوهرية الصفات ويقلل من أهميتها، فجاءت أحواله شبيهة من وجوه عديدة بمعاني معمر، وكانت محاولته مماثلة لمحاولة معمر ((المعتزلة)) (71).
المناقشة: لقد رفض أهل السنة والجماعة أحوال أبي هاشم لذلك رد عليه كثير من العلماء كابن حزم والباقلاني ((الأعلام)) (7/46)، ((وفيات الأعيان)) (1/481)، ((معجم المؤلفين)) (10/109). والشهرستاني والبغدادي ونشير إلى بعض ردودهم عليه، فنقول وبالله التوفيق.
أولا: يقول ابن حزم – رحمه الله - في جملة رده على مثبتي الأحوال: "أخبرونا عن هذه الأحوال، هل هي معان ومسميات.. محدودة، أم ليست معاني.. ؟".
إن قالوا ليست معانيا ولا محدودة ومتميز بعضها عن بعض، ولا لها مسميات؛ قيل لهم: فهذا هو معنى العدم حقا، فلم قلتم أنها ليست معدومة؟!، فإن قالوا: هي معان.. ولها مسميات محدودة متميز بعضها عن بعض: قيل لهم: هذه صفة الموجود، فلم قلتم أنها ليست موجودة؟! وبذلك يبطل قولهم: إنها ليست موجودة ولا معدومة، ويقال لها أيضا : هذه الأحوال أتقولون أنها معقولة أم لا؟.
إن قالوا: إنها معقولة كانوا قد أثبتوا لها معاني وحقائق من أجلها عقلت؛ فهي موجودة لأن المعدوم ليس معقولا، ويقال لهم: هل الأحوال في اللغة وفي المعقول إلا صفات لدى حال؟ وهل الحال في اللغة إلا بمعنى التحول من صفة إلى أخرى؟ يقال: هذه حال فلان اليوم، وكيف كانت حالك بالأمس، فإذا كان الأمر هكذا ولا بد فهذه الأحوال موجودة حقا مخلوقة ولا بد، فظهر فساد قولهم أنها غير مخلوقة، ثم قال: ونقول لهم: قلتم: أنها لا حق ولا باطل، وكل ذي حس سليم يعلم أن كل ما لم يكن حقا فهو باطل، وما لم يكن باطلا فهو حق، هذا الذي لا يعقل غيره. قوله تعالى: فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [ يونس : 32]
وقوله تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ[ الأنفال: 8] وقوله تعالى:   قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ الزمر: 9]    وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [ الفرقان : 2]
فقد قطع الله تعالى أنه ليس إلا حق أو باطل، وليس إلا علم أو جهل، وهو عدم العلم، وليس إلا وجود أو عدم، وليس إلا شيء مخلوق أو الخالق أو لفظة العدم التي لا تقع على شيء..  فقد أكذبهم الله في دعواهم ولا يشك ذو حس سليم أن ما لم يكن باطلا فهو حق، وما لم يكن حقا فهو باطل، وما لم يكن معلوما فهو مجهول، وما لم يكن مجهولا فهو معلوم، وما لم يكن شيئا فهو لا شيء، والعكس كذلك وما لم يكن موجودا فهو معدوم، وما لم يكن معدوما فهو موجود.. هذا كله معلوم بالضرورة ولا يعقل غيره.. ثم قال: ولا فرق بين ما قالوه في هذه القضية، وبين القول اللازم لهم ضرورة، وهو أن تلك الأحوال معدومة موجودة معا معلومة مجهولة معا. وهذا هو نفس قولهم ومقتضاه؛ لأنهم إذا قالوا: ليست حقا فقد أوجبوا أنها باطل، وإذا قالوا: ولا هي باطل فقد أوجبوا أنها حق، وهكذا في سائر ما قالوا.. " ((الفصل)) (5/51)، بتصرف، ((الفرق بين الفرق)) (196)، ((نهاية الإقدام)) (134).
واجتماع المتضادين معلوم بالضرورة بطلانه فما يؤدي إليه مثله.
ثانيا: يقال لهم: هذه الأحوال لا تخلو إما أن تكون غير معلومة أو معلومة.
إن كانت غير معلومة فلا سبيل إلى معرفتها والدلالة عليها، والعلم بأنها لزيد دون عمرو؛ لأن ما ليس بمعلوم لا يصح قيام دليل عليه، ولا أن يعلم اضطرارا، ولا أن يعلم أنه لزيد دون عمرو؛ لأن العلم بأن الحال حال لفلان فرع عن العلم بالحال.
وكذلك العلم بأنها معلومة بالاستدلال دون الاضطرار فرع للعلم بها جملة، فإذا استحال العلم بها جملة، استحال العلم بأنها لفلان دون فلان، وأنها معلومة بالاستدلال دون الاضطرار.
ومما يدل على فساد قولكم أنها غير معلومة، أنه لا يخلو العلم بأن النفس على الحال من أن يكون علما بالنفس فقط دون الحال أو علما بالحال فقط دون النفس أو علم بهما جميعا أو علما لا بالنفس ولا بالحال.
فإذا كان علما لا بالنفس ولا بالحال فذلك محال من قولنا وقولكم جميعا. وإن كان علما بالنفس دون الحال فذلك محال وموجب لأن يكون العلم بالنفس أنها نفس علما بالحال وأن يكون كل من علم ذات من له الحال ووجوده، علم اختصاصه بتلك الحال؛ وذلك محال.
وإن كان العلم بأن النفس على الحال علما بالحال فقط فقد ثبت أن الحال معلومة وإن كان العلم بذلك علما بالنفس والحال، فقد وجب أن يكونا معلومين جميعا، وأن تكون الحال معلومة كما أن النفس معلومة وهذا يبطل قولكم أن الحال غير معلومة.
وإن كانت هذه الحال معلومة وجب أن تكون إما موجودة أو معدومة، فإن كانت معدومة استحال أن توجب حكما وأن تتعلق بزيد دون عمرو وبالقديم دون المحدث، وإن كانت موجودة، وجب أن تكون شيئا وصفة متعلقة بالعالم، وهذا قولنا الذي نذهب إليه، وإنما يحصل الخلاف في العبارة، وفي تسمية هذا الشيء علما أو حالا، وليس هذا بخلاف في المعنى فوجب صحة ما نذهب إليه من إثبات الصفات، وبطلان قولكم أنها أحوال انظر ((التمهيد)) (ص 201) بتصرف.
ومما يدل على بطلان هذه الأحوال التي تزعمونها أن كل حال يحتاج إلى حال أخرى، وهكذا فيتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية وهو باطل فما يؤدي إليه مثله انظر ((التمهيد)) (ص 202). وبذلك تبطل أحوال أبي هاشم. والله أعلم.
ويحسن قبل أن نختم الكلام على موقف المعتزلة من الصفات أن نشير إلى أن أهم ما ظهر لنا من ذلك أن المعتزلة سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات، فأغلبيتهم وعلى رأسهم النظام نفاها فقال: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات. وبعضهم أثبتها اسما ونفاها فعلا فقال: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته، وهكذا في بقية الصفات، فكان مجتمعا مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات والمقصود بنفي الصفات نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها انظر ((فلسفة المعتزلة)) (ص 46,48). وذلك أنهم – كما ذكرنا – يجعلونها عين الذات، فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه ذاته، ثم قلنا: أنه خرج لهم بعد ذلك آراء أخرى أهمها معاني معمر وأحوال أبي هاشم، وهذان الرأيان يجتمعان في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات، ومتميزة عنها.المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص 97 
 

انظر أيضا: