موسوعة الفرق

المطلب الخامس: بيان تناقض المعتزلة في إثباتهم الأسماء ونفيهم الصفات


من الطرق التي رد بها أئمة أهل السنة والجماعة على المعتزلة مذهبهم الباطل، بيان تناقضهم حيث أنهم أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات وقد سبق النقل عن ابن المرتضى المعتزلي إجماع المعتزلة على قولهم في الصفات، فقال: "وأما ما أجمعت عليه المعتزلة، فقد أجمعوا على أن للعالم محدثا، قديما، قادرا، عالما، حيا، لا لمعان.." ((المنية والأمل في شرح الملل والنحل)) (56).
ولهم في نفي المعاني القائمة بالأسماء مسلكان:
الأول: من قال: العليم والقدير ونحو ذلك أعلام محضة مترادفة، وليست دالة على أوصاف أو معاني قائمة بالله تعالى، وذلك مثل تسميتك ذاتا واحدة يزيد، ومحمد، وعلي، فهذه أعلام خالصة لا تدل على صفة لهذه الذات المسماة بها ((التدمرية)) (18)، ((التحفة المهدية)) (55)، ((الفصل)) (2/108)، ((شرح العقيدة الأصفهانية)) (106).
الثاني: من قال: إن كل علم منها مستقل، فالله يسمى عليما، وقديرا، وليست هذه الأسماء مترادفة، ولكن كل اسم لا يدل على صفة عندهم، فالعليم لا يدل على صفة العلم، والقدير لا يدل على صفة القدرة، وهكذا.. ، فهو في الحقيقة مرادف للقول الأول ((التدمرية)) (18)، ((التحفة المهدية)) (55).
وقد كشف أبو الحسن الأشعري – وهو الخبير بهم – حقيقة قولهم هذا فقال: "وزعمت الجهمية – يعني المعتزلة – أن الله تعالى لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أن الله تعالى عالم قادر حي سميع بصير؛ فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه؛ لأنهم إذا قالوا: لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر ووجب ذلك عليهم، وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل؛ لأن الزنادقة قد قال كثير منهم: إن الله تعالى ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه، وقالت: إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية، من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر" ((الإبانة عن أصول الديانة)) (143)، ((النبوات)) (1/262).
وقد بين أهل العلم وجه تناقضهم في مذهبهم هذا، فقال شيخ الإسلام رحمه الله: "والمقصود هنا أن المعتزلة لما رأوا الجهمية قد نفوا أسماء الله الحسنى، استعظموا ذلك، وأقروا بالأسماء، ولما رأوا هذه الطريق توجب نفي الصفات: نفوا الصفات؛ فصاروا متناقضين؛ فإن إثبات حي، عليم، حكيم، سميع، بصير، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا حكمة، ولا سمع، ولا بصر، مكابرة للعقل؛ كإثبات مصل بلا صلاة، وصائم بلا صيام، وقائم بلا قيام، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة، كأسماء الفاعلين، والصفات المعدولة عنها" ((النبوات)) (1/265).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "إن نفاة الصفات يلزمهم نفي الأسماء من جهة أخرى، فإن العليم والقدير، والسميع، والبصير، أسماء تتضمن ثبوت الصفات في اللغة فيمن وصف بها، فاستعمالها لغير من وصف بها استعمال للاسم في غير ما وضع له، فكما انتفت عنه حقائقها فإنه تنتفي عنه أسماؤها، فإن الاسم المشتق تابع للمشتق منه في النفي والإثبات، فإذا انتفت حقيقة الرحمة والعلم والقدرة والسمع والبصر، انتفت الأسماء المشتقة منها عقلا ولغة، فيلزم من نفي الحقيقة أن تنفي الصفات والاسم جميعا، فالمعتزلة لا تقر بأن الأسماء الحقيقية تستلزم الصفات، ثم ينفون الصفات ويثبتون الأسماء بطريق الحقيقة كما قالوا في المتكلم والمريد" ((مختصر الصواعق)) (2/343).
وهناك أوجه أخرى للرد عليهم ذكرها أهل العلم، أذكر منها ما يلي:
-"وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات، ويقر بالأسماء، كالمعتزلي الذي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة.
قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات؛ فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيها أو تجسيما؛ لأنا لا نجد في الشاهد متصفا بالصفات إلا ما هو جسم.
قيل لك: ولا تجد في الشاهد ما هو مسمى بأنه: حي عليم قدير، إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم، فانف الأسماء؛ بل وكل شيء؛ لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم.
فكل ما يحتج به من نفي الصفات، يحتج به نافي الأسماء الحسنى فما كان جوابا لذلك، كان جوابا لمثبتي الصفات" ((التدمرية)) (35)، ((التحفة المهدية)) (89)، ((تقريب التدمرية)) (29).
- "أن الله تعالى وصف أسماءه بأنها حسنى، وأمرنا بدعائه بها، فقال:   وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] ، وهذا يقتضي أن تكون دالة على معاني عظيمة، تكون وسيلة لنا في دعائنا، ولا يصح خلوها عنها، ولو كانت أعلاما محضة، لكانت غير دالة على معنى سوى تعيين المسمى، فضلا عن أن تكون حسنى ووسيلة في الدعاء" ((تقريب التدمرية)) (29).
-"أن القول بأن أسماء الله أعلام محضة مترادفة لا تدل إلا على ذات الله فقط: قول باطل.. ألا ترى أن الله تعالى يسمي نفسه باسمين أو أكثر في موضع واحد، كقوله: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الحشر:23]، فلو كانت الأسماء مترادفة ترادفا محضا؛ لكان ذكرها مجتمعة لغوا من القول عديم الفائدة ((تقريب التدمرية)) (30)، ((شرح العقيدة الأصفهانية)) (107)، ((جلاء الأفهام)) (92)، ((الصواعق المرسلة)) (3/938). النفي في باب صفات الله عز وجل بين أهل السنة والجماعة والمعطلة لأزرقي سعيداني – ص 579

انظر أيضا: