موسوعة الفرق

المبحث التاسع: فرق المعتزلة


لابد من الإشارة إلى أن هذه الفرق يجمعها مبادئ وتختلف في مبادئ أخرى:
أولا: ما تتفق فيه : إن المعتزلة بفرقها المتعددة تجمع على أمور يسمونها الأصول الخمسة، وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول الخياط ((الفرق بين الفرق)) (179)، ((التبصير في أمور الدين)) (78). – في كتابه (الانتصار) – : "فلسنا ندفع أن يكون بشر كثير يوافقونا في التوحيد، ويقولون بالجبر، وبشر كثير يوافقونا في التوحيد والعدل، ويخالفونا في الوعد والأسماء والأحكام، لكن ليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كملت في الإنسان هذه الخصال الخمس، فهو معتزلي ((الانتصار)) (126).
ثانيا: ما تختلف فيه : إن المعتزلة كغيرها من الفرق – عند نشوئها – قد بدأت محدودة مقتصرة على الأصول الخمسة التي سبق ذكرها آنفا. ولكن سرعان ما تعمق المعتزلة  في بحث تلك الأصول، وتوسعوا في شرحها، فنشأ لذلك مسائل فرعية من هذه الأصول ومن غيرها، وأسباب ذلك كثيرة، منها:
أولا – المبالغة في الاعتماد على العقل، وعدم التقيد بالنصوص من الكتاب والسنة، مما كان له الأثر العظيم في نشوء الخلافات بينهم.
ثانيا: انغماسهم في الفلسفة اليونانية التي أخذوا يدرسونها ويستمدون منها بعض الأفكار ويمزجونها بعقيدة المسلمين.
بسبب ذلك دب الخلاف بينهم، وتشعبت آراؤهم واشتد بينهم الحوار والجدل، فانقسموا إلى اثنتين وعشرين فرقة لكل واحدة منها أفكارها وآراؤها الخاصة، وتتبع كل فرقة أحد رؤوس الاعتزال البارزين.
الفرقة الأولى:
الواصلية: أتباع أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال مولى بني ضبة، ولد سنة (80هـ)، ونشأ على الرق، وتتلمذ على الحسن البصري، ولم يفارقه إلى أن أظهر مقالته في المنزلة بين المنزلتين، وهو مؤسس فرقة الاعتزال، وتوفي سنة (131هـ) ((الفرق بين الفرق)) (54)، ((المعتزلة)) (113)، بتصرف. وهو الذي وضع الأصول الخمسة التي يرتكز عليها الاعتزال.
يقول الشهرستاني: إن اعتزال هذه الفرقة يدور على أربع قواعد، وهي:
القاعدة الأولى: القول بنفي الصفات الثابتة لله في الكتاب والسنة، والحجة في ذلك أنه يستحيل وجود إلهين قديمين أزليين، ومن أثبت معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين ((الملل والنحل)) (1/51).
القاعدة الثانية: القول بالقدر، وهو أن العبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر، وهو المجازى على فعله، والرب تعالى أقدره على ذلك، لأنه تعالى حكيم عادل، لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من عباده خلاف ما يأمر. ويحتم عليها شيئا ثم يجازيهم عليه ويستحيل أن يخاطب العبد بأفعال وهو لا يمكنه أن يفعل ((الملل والنحل)) (1/51).
القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين، وهو أن صاحب الكبيرة في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، لا مؤمن ولا كافر، وحجته أن الإيمان عبارة عن خصال إذا اجتمعت سمي صاحبها مؤمنا، والفاسق مرتكب الكبيرة لم تجتمع فيه. لذا لا يسمى مؤمنا. وهذا القول هو أول أقواله التي جهر بها، وبسببه فارق الحسن البصري ((الملل والنحل)) (1/52)، بتصرف.
القاعدة الرابعة: قوله في الفريقين من أصحاب الجمل، وأصحاب صفين أن أحدهما فاسق لا بعينه ((الملل والنحل)) (1/52).
الفرقة الثانية:
العمروية: أتباع عمرو بن عبيد بن باب، مولى بني تميم، ولد سنة (80هـ)، وتوفي سنة (144هـ)، كان جده من سبي كابل ((المنية والأمل لابن المرتضي)) (22). عاش في البصرة، وعاصر واصل بن عطاء، وكان تربا له، فلما قام واصل بحركته انضم إليه وآزره، فأعجب واصل به، وزوجه أخته وقال: زوجتك برجل ما يصلح إلا أن يكون خليفة، كذلك كان عمرو معجبا بأستاذه، وقد أصبح شيخ المعتزلة بعد واصل ((ميزان الاعتزال)) (295). ، وشاركه في جميع أقواله وزاد عليه بما يلي:
1- قوله بفسق كلا الفريقين من أصحاب الجمل وصفين، وأنهم خالدون في النار، بخلاف واصل، فإنه يفسق أحد الفريقين لا بعينه، وقد ترتب على هذا: عدم قبول عمرو شهادة رجلين من أحد الفريقين ((التبصير في الدين)) (66)، ((الفرق بين الفرق)) (120).
2- خالف عمرو واصلا في رده الأحاديث النبوية ((ميزان الاعتزال)) (296).
الفرقة الثالثة:
الهذلية: أتباع أبي الهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله البصري العلاف، ولد سنة (135هـ)، وتوفي سنة (226، وقيل: سنة 235، وقيل: سنة 237هـ) في خلافة المتوكل عن مائة سنة، مولى عبد القيس، وشيخ المعتزلة البصريين، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل أحد أصحاب واصل بن عطاء ((التبصير في الدين)) (66)، ((الفرق بين الفرق)) (121). وقد اطلع على الفلسفة اليونانية فجاءت أقواله متأثرة بها ((المعتزلة)) (115).
وقد انفرد عن أصحابه بمسائل، منها:
الأولى: قوله: إن علم الله سبحانه وتعالى هو الله وقدرته هي هو ((الفرق بين الفرق)) (127).
الثانية: أنه أثبت إرادات لا محل لها يكون الباري تعالى مريدا بها، وهو أول من أحدث هذه المقالة، وتابعه عليها المتأخرون من المعتزلة ((الملل والنحل)) (1/54)، ((فرق وطبقات المعتزلة)) (192).
الثالثة: قوله في كلام الباري تعالى أن بعضه لا في محل، وهو قول "كن" وبعضه في محل كالأمر والنهي، والخير والاستخبار، وكأن أمر التكوين عنده غير أمر التكليف ((الملل والنحل)) (1/54)، ((فرق وطبقات المعتزلة)) (192).
الرابعة: قوله في القدر مثل ما قاله أصحابه؛ إلا أنه قدري الأولى جبري الآخرة، فإن مذهبه في حركات الخالدين في الآخرة أنها كانت ضرورية، لا قدرة للعباد فيها، وكلها مخلوقة للباري تعالى؛ إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا مكلفين بها ((الملل والنحل)) (1/54)، ((فرق وطبقات المعتزلة)) (192).
الخامسة: قوله في حركات أهل الخلدين، أنها تنقطع، وأنهم يصيرون إلى سكون دائم خمودا، وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار، ومذهبه هذا قريب من مذهب جهم؛ إذ حكم بفناء الجنة والنار، وقد التزم أبو الهذيل هذا المذهب؛ لأنه لما ألزم في مسألة حدوث العالم، أن الحوادث التي لا أول لها كالحوادث التي لا آخر لها؛ إذ كل واحدة لا تتناهى. قال: إني لا أقول بحركات لا تتناهى آخرا، كما لا أقول بحركات لا تتناهى أولا، بل يصيرون إلى سكون دائم. وكأنه ظن أن ما يلزمه بالحركة لا يلزمه بالسكون ((الملل والنحل)) (1/54).
السادسة: قوله في الاستطاعة أنها عرض من الأعراض غير السلامة والصحة، وفرق بين أفعال القلوب، وأفعال الجوارح، فقال: لا يصح وجود أفعال القلوب منه مع عدم القدرة عليها، ولا مع موته، وجوز وجود أفعال الجوارح من الفاعل مع عدم قدرته عليها إن كان حيا وبعد موته، وزعم أن الميت والعاجز يجوز أن يكونا فاعلين لأفعال الجوارح بالقدرة التي كانت موجودة فيهما قبل الموت والعجز ((الفرق بين الفرق)) (128)، ((فرق وطبقات المعتزلة)) (193)، بتصرف.
السابعة: قوله في المكلف قبل ورود السمع؛ أنه يجب عليه أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة أبدا، ويعلم أيضا حسن الحسن، وقبح القبيح، فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل، والإعراض عن القبيح كالكذب والفجور ((الملل والنحل)) (1/55).
الثامنة: قوله في الآجال والأرزاق: إن الرجل إذا لم يقتل مات في ذلك الوقت، ولا يزداد في العمر أو ينقص، والأرزاق على وجهين:
أحدهما: ما خلقه الله تعالى من الأمور المنتفع بها يجوز أن يقال: خلقها رزقا للعباد.
ثانيهما: ما حكم الله به من هذه الأرزاق للعباد، فما أحل منها فهو رزقه، وما حرم فليس رزقا، أي: ليس مأمورا بتناوله ((فرق وطبقات المعتزلة)) (194)، ((الملل والنحل)) (1/55).
التاسعة: حكي عنه أنه قال: إرادة الله غير المراد، فإرادته لما خلقه هي خلقه له، وخلق الشيء عنده غير الشيء، بل الخلق عنده قول لا في محل. وقال: إنه تعالى لم يزل سميعا بصيرا بمعنى سيسمع وسيبصر، وكذلك لم يزل غفورا رحيما محسنا خالقا رازقا مثيبا معاقبا مواليا معاديا آمرا ناهيا بمعنى أن ذلك سيكون منه ((الملل والنحل)) (1/55)، ((فرق وطبقات المعتزلة)) (194).
العاشرة: قوله في الحجة في الأخبار: قال: إن الحجة في الأخبار الماضية الغائبة عن الحواس لا تثبت بأقل من عشرين رجلا فيهم واحد أو أكثر من أهل الجنة.
وزعم أن خبر ما دون الأربعة لا يوجب حكما، وخبر ما فوق الأربعة إلى العشرين يصح وقوع العلم به، وقد لا يصح؛ ذلك أن الحجة لا تجب بأخبار الفاسقين والكافرين، فلا بد من معصومين لا يجوز عليهم الكذب والزلل في شيء من الأفعال تجب الحجة بأخبارهم في كل زمان، وأهل الجنة هم أولياء الله المعصومون عن الخطايا، فلا يكذبون ولا يرتكبون الكبائر، والأمة في كل عصر لا تخلو من عشرين منهم واحد من أهل الجنة على أقل تقدير.
ويرى البغدادي أن أبا الهذيل أراد بهذا القول تعطيل الأخبار الواردة في الأحكام الشرعية عن فوائدها؛ لأن نقلة الأخبار ينبغي أن يكون فيهم واحد من أهل الجنة، أي: واحد على رأيه في الاعتزال، لأن من لم يكن كذلك لا يكون عنده مؤمنا ولا من أهل الجنة ((فرق وطبقات المعتزلة)) (194)، ((الفرق بين الفرق)) (127)، ((الفرق بين الفرق)) (119).
الفرقة الرابعة:
النظامية: أتباع أبي إسحاق إبراهيم بن سيار بن هانئ المعروف بالنظام، سمي بهذا الاسم لأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة، ولد سنة (185هـ)، وتوفي سنة (231هـ)، عاشر في شبابه قوما من الثانوية والسمنية القائلين بتكافؤ الأدلة، وخالط بعد كبره قوما من ملحدة الفلاسفة، ثم اتصل بـ هشام بن الحكم الرافضي فأخذ عنه وعن ملحدة الفلاسفة قوله بإبطال الجزء الذي لا يتجزأ، ثم بنى عليه قوله بالطفرة التي لم يسبق إليها، وأخذ عن الثنوية قوله: بأن فاعل العدل لا يقدر على فعل الجور والظلم. وأخذ أيضا عن هشام قوله: إن الألوان والروائح أجسام، وبنى على هذا قوله بتداخل الأجسام في حيز واحد.
وأعجب بقول البراهمة بإبطال النبوات؛ ولذلك أنكر إعجاز القرآن وما روي من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم ليتوصل بذلك إلى إنكار نبوته صلى الله عليه وسلم ، ثم إنه استثقل أحكام الشريعة، فأبطل الطرق الدالة عليها، ومن ثم أبطل حجية الإجماع والقياس في الفروع، وأنكر الحجة من الأخبار التي لا توجب العلم الضروري، وطعن في فتاوى الصحابة، وجميع فرق الأمة من فريقي الرأي والحديث مع الخوارج والشيعة، والنجارية، وأكثر المعتزلة متفقون على تكفير النظام، ولم يتبعه في ضلالته إلا شرذمة قليلة من القدرية كالأسواري، وابن حائط والجاحظ مع مخالفة كل واحد منهم له في بعض ضلالاته.
وممن قال بتكفيره من شيوخ المعتزلة أبو الهذيل والجبائي والأسكافي، وجعفر بن حرب وكتب أهل السنة في تكفيره تكاد لا تحصى ((التبصير في الدين)) (67)، ((الفرق بين الفرق)) (131)، ((تاريخ الفرق الإسلامية)) (187).
وقد انفرد عن أصحابه بمسائل، منها:
الأولى: قوله في القدر، قال: إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة له خلافا لأصحابه، فإنهم قضوا بأنه قادر عليها، لكنه لا يفعلها؛ لأنها قبيحة، وقال أيضا : إن الله لا يقدر أن يفعل بعباده إلا ما فيه صلاحهم هذا فيما يتعلق بقدرته في أمور الدنيا.
وأما أمور الآخرة، فقال: لا يوصف الباري تعالى بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا، ولا على أن ينقص منه شيئا، وكذلك لا ينقص من نعيم أهل الجنة أو يخرج أحدا من أهلها، وليس ذلك مقدورا له ((الفرق بين الفرق)) (133)، ((الملل والنحل)) (1/56)، بتصرف.
الثانية: قوله في الإرادة، إن الباري تعالى ليس موصوفا بها على الحقيقة، فإذا وصف بها شرعا في أفعاله، فالمراد بذلك أنه خالقها ومنشئها حسب ما علم، وإذا وصف بكونه مريدا لأفعال العباد، فالمعنى أنه آمر بها وناه عنها ((الملل والنحل)) (1/57).
الثالثة: زعم أن لا عرض في الدنيا إلا الحركة، وأن السكون حركة اعتماد، والعلوم والإرادات من جملة الحركات؛ لأنها حركات النفس، وكان يقول: إن الإنسان لا يقدر إلا على الأعراض، وبما أنه قال: لا عرض في الدنيا إلا الحركة، لذا فإنه ينتج عن ذلك أن أفعال الإنسان، وسائر الحيوان جنس واحد، وأنها كلها حركات ((الفرق بين الفرق)) (138)، ((مقالات الإسلاميين)) (1/36)، ((المعتزلة)) (126) ((نقلا عن المقالات)) (2/351)، بتصرف.
الرابعة: قال: إن الجواهر مؤلفة من أعراض اجتمعت، ووافق هشام بن الحكم،  في قوله: إن الألوان والطعوم والروائح أجسام، فتارة يقضي بكون الأجسام أعراضا، وتارة يقضي بكون الأعراض أجساما لا غير ((الملل والنحل)) (1/58).
الخامسة: قوله في الإجماع: إنه ليس بحجة في الشرع، وكذلك القياس في الأحكام الشرعية لا يجوز أن يكون حجة، وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم ((الملل والنحل)) (1/58).
السادسة: قوله في إعجاز القرآن : إنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية والآتية، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما ((الملل والنحل)) (1/58).
السابعة:  قوله في الكمون: وهو أن الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن معادنا ونباتا، وحيوانا وإنسانا، ولم يتقدم خلق آدم عليه السلام على خلق أولاده، غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض، فالتقدم والتأخر، إنما يقع في ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها، وإنما أخذ هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة، وأكثر ميله إلى تقرير مذهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين ((الملل والنحل)) (1/58)، ((الفرق بين الفرق)) (142).
الثامنة: حكى الكعبي ((الملل والنحل)) (1/73)، ((التبصير في أمور الدين)) (79). عنه أنه قال: إن كل ما جاوز الحديث القدرة من الفعل، فهو من فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة، أي أن الله تعالى طبع الحجر طبعا، وخلقه خلقة إذا دفعته اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه طبعا ((الملل والنحل)) (1/57).
التاسعة: الإنسان في الحقيقة ليس البدن، وإنما هو الروح أو النفس، والبدن آلتها، ومال إلى قوة الفلاسفة الطبيعيين، وهو أن الروح جسم لطيف مشابك للبدن، مداخل للقالب بأجزائه، مداخلة المائية في الورد، وقال: إن الروح هي التي لها قوة واستطاعة وحياة ومشيئة ((الملل والنحل)) (1/57)، بتصرف. وهي الحاسة المدركة، ولذلك كان يقول: إن النفس هي التي تدرك المحسوسات من هذه الخروق التي هي الأذن والأنف والفم والعين لا أن للإنسان سمعا أو بصرا هو غيره ((مقالات الإسلاميين)) (2/31).
العاشرة: قوله في الفكر قبل ورود السمع أنه إذا كان عاقلا متمكنا من النظر يجب عليه تحصيل معرفة الباري تعالى بالنظر والاستدلال، وقال بتحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف فيه من أفعاله، وقال: لابد من خاطرين: أحدهما: يأمر بالإقدام، والآخر: بالكف ليصح الاختيار ((الملل والنحل)) (1/60).
الحادية عشر: وافق الفلاسفة في نفي الجزء الذي لا يتجزأ، وقال بأن الجزء يمكن تجزئته إلى ما لا نهاية، فلا بعض إلا وله بعض، ولا نصف إلا وله نصف، وفي قوله هذا إنكار أن يكون تعالى محيطا بآخر العالم عالما به ((الملل والنحل)) (1/57)، ((الفرق بين الفرق)) (139)، ((المقالات)) (2/6). ؛ وذلك في قوله تعالى وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [ الجن: 28]
الثانية عشر: قوله بالطفرة: إن قول النظام بنفي الجزء الذي لا يتجزأ جره إلى القول بالطفرة، وهي دعواه أن الجسم قد يكون في المكان الأول ثم يصير منه إلى المكان العاشر من غير المرور بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر، ومن غير أن يصير معدوما في الأول، ومعادا في العاشر ((الفرق بين الفرق)) (140).
ويرى ابن حزم أن هذا القول لا ينطبق إلا على حاسة البصر، فإذا أطبق الإنسان بصره ثم فتح لاقى المرئيات من غير أن يمر بالمسافة التي بين العين وبين المبصر ((الفصل)) (5/64). وابن حزم معذور في هذا، لأنه يجهل ما اكتشفه العلم الحديث من أن النور يقطع المسافة في زمن، وأن سرعته عظيمة بحيث إذا أطبق الإنسان بصره ثم فتحه لاقى الأجرام السماوية في مدة قصيرة، فينخدع الرائي ويظن أن البصر لم يقطع بمسافة، ولم يمض زمن ((المعتزلة)) (123)، بتصرف.
الثالثة عشر: تكلم في مسائل الوعد والوعيد، فزعم أن من خان في مائة وتسعة وتسعين درهما بالسرقة أو الظلم لم يفسق بذلك حتى يكون ما سرقه أو غصبه وخان فيه مائتي درهم ((الملل والنحل)) (1/60).
وقد اعترض البغدادي على هذا القول، فقال: إن كان النظام بنى قوله هذا على ما تقطع به اليد في السرقة، فإنه لم يجعل أحد نصاب القطع في السرقة مائتي درهم، بل قال قوم في نصاب القطع أنه ربع دينار أو قيمته، وبه قال الشافعي وأصحابه، وقال مالك: بربع دينار أو ثلاثة دراهم، وقال أبو حنيفة: بوجوب القطع في عشرة دراهم فصاعدا، واعتبره قوم بأربعين درهما أو قيمتها.. وما اعتبر أحد نصاب القطع مائتي درهم، ولو كان التفسيق معتبرا بنصاب القطع لما فسق الغاصب لألوف الدنانير؛ لأنه لا قطع على الغاصب المجاهر، ولوجب أن لا يفسق من سرق الألوف من غير حرز أو من الإبل، لأنه لا قطع في هذين الوجهين، وإن كان إنما بنى تحديد المائتين في الفسق على أنها نصاب الزكاة، لزمه تفسيق من سرق أربعين شاة لوجوب الزكاة فيها، وإن كانت قيمتها دون المائتي درهم، وإذا لم يكن للقياس في تحديده مجال ولم يدل عليه نص من القرآن والسنة الصحيحة لم يكن مأخوذا إلا من وسوسة شيطانه الذي دعاه إلى ضلالته ((الفرق بين الفرق)) (144).
الرابعة عشر: ميله إلى الرفض ووقيعته في كبار الصحابة، قال: لا إمامة إلا بالنص والتعيين ظاهرا مكشوفا، وقد نص النبي على علي – رضي الله عنه – إلا أن عمر كتم ذلك، وتولى بيعة أبي بكر يوم السقيفة، ونسبه إلى الشك يوم الحديبية حين سأل الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟.. وقال: إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وأنه كان يصيح: أحرقوا دارها، ولم يكن في الدار إلا علي والحسن والحسين. وعاب عليه أيضا تغريبه نصر بن الحجاج من المدينة إلى البصرة وأمره بالتراويح ونهيه عن متعة الحج.
ثم أوقع في عثمان – رضي الله عنه – وذكر أحداثه من رده الحكم بن أمية إلى المدينة وهو طريد الرسول صلى الله عليه وسلم ونفيه أبا ذر إلى الربذة، وهو صديق الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقليده الوليد بن عقبة الكوفة، وضربه عبد الله بن مسعود على إحضار المصحف، وعلى القول الذي شاقه فيه.
ثم عاب عليا وابن مسعود لقولهما في بعض المسائل. أقول فيها برأيي: وكذب ابن مسعود في روايته "انشقاق القمر".. وفي روايته"الجن ليلة الجن" إلى غير ذلك من الوقيعة الفاحشة في كبار الصحابة ((الفرق بين الفرق)) (147)، ((الملل والنحل)) (1/59). – رضي الله عنهم – الذين قال الله تعالى فيهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [ الفتح : 18] ومن غضب على من رضي الله عنهم فهو المغضوب عليه دونهم.
الخامسة عشر: قوله في باب المعاد، قال: إن العقارب والحيات والخنافس والذباب والجعلان والكلاب والخنازير وسائر السباع والحشرات تحشر إلى الجنة، وزعم أن كل من تفضل الله عليه بالجنة لا يكون لبعضهم على بعض درجة في التفضيل.. وزعم أنه لا يتفضل على الأنبياء عليهم السلام إلا بمثل ما يتفضل به على البهائم؛ لأن باب التفضيل عنده لا يختلف فيه العالمون وغيرهم، وإنما يختلفون في الثواب والجزاء لاختلاف مراتبهم في الأعمال ((الفرق بين الفرق)) (145).
السادسة عشر: قوله في المتضادات والمستحيل: يرى النظام في قهر المتضادات على الاجتماع دليل على وجود الخالق سبحانه وتعالى؛ قال: وجدت الحر مضادا للبرد، ووجدت أن الضدين لا يجتمعان من ذات أنفسهما، فعلمت بوجودي لهما مجتمعين أن لهما جامعا جمعهما، وقاهرا قهرهما على خلاف شأنهما، وما جرى عليه القهر ضعيف، وضعفه دليل على حدوثه، وعلى أن له محدثا أحدثه لا يشبهه، وليس الإنسان هو الذي جمعهما؛ لأنه ضعف مثلهما يجري عليه القهر الذي يجري عليهما، فيكون الذي أوجدهما وقهرهما على الاجتماع، وأوجد الإنسان هو الله تعالى الذي لا يشبهه شيء ((المعتزلة)) (127) نقلا عن الانتصار (46).
ويروى أنه كان يحيل أن يكون الله قادرا على فعل المستحيل، كأن يجعل المبرد مسخنا أو العكس، لأن الجوهر محال أن يعمل ما ليس في طباعه، ولكن الخياط ينكر أن يكون النظام قال ذلك ((المعتزلة)) (127) نقلا عن الانتصار (47).
السابعة عشر: الجسم والعرض: الجسم: هو الطويل العريض العميق وليس لأجزائه عدد يوقف عليه ((المقالات)) (2/60). وكل شيء في هذا العالم سوى الحركة فإنه جسم؛ لأنه لا يثبت عرضا إلا الحركة ((المقالات)) (2/60)، ((المعتزلة)) (120).
وللأعراض صفات منها ما يلي:
1- الأعراض فانية، لأنه لا بقاء للأجسام ((المقالات)) (2/44).
2- الأعراض لا ترى بالعين، لأن الإنسان محال أن يرى منها إلا الألوان والألوان عند النظام أجسام لطاف ((المقالات)) (2/47). كذلك محال أن تدرك الأعراض بالحواس الباقية؛ لأنها حركات، والحركات ليست أجساما، ولا يدرك بالحواس إلا الأجسام ((المقالات)) (2/66).
3- سميت الأعراض أعراضا، لأنها تعترض في الأجسام وتقوم فيها، وأنكر أن يكون العرض لا في مكان أو أن يحدث عرض لا في جسم ((المقالات)) (2/53).
4- الأعراض لا تتضاد، وإنما التضاد يكون بين الأجسام كالحرارة والبرودة ((المقالات)) (2/58).
5- الأعراض جنس واحد؛ لأنها جميعا حركات ((الفرق بين الفرق)) (138).
6- يجوز أن يقدر الله عباده على فعل الأعراض، فأما الألوان والحرارة والبرودة والأصوات، فإنه أحال أن يقدر عباده عليها، لأنها أجسام عنده، وليس بجائز أن يقدر الله الخلق إلا على الحركات ((المقالات)) (2/60).
الفرقة الخامسة:
الثمامية: أتباع أبي معن ثمامة بن أشرس النميري، وكان من مواليهم لا من نسبهم، وهو زعيم القدرية في أيام المأمون والمعتصم والواثق، توفي سنة (213هـ)، وذكره ابن المرتضي في أوائل من ذكر من رجال الطبقة السابعة. يقول الأسفراييني: إن هذا المبتدع يظهر البدعة ويخفي الإلحاد ((التبصير في أمور الدين)) (74)، ((الفرق بين الفرق)) (172).
وقد انفرد عن أصحابه بأمور، منها:
الأولى: بالغ في الوعيد، فجعل من مات من المسلمين مصرا على كبيرة واحدة مخلدا في النار مع فرعون وأبي لهب، وكان المعتزلة قبله يرون أنه يخفف عنه العذاب ((المعتزلة)) (129).
الثانية: لا فعل للإنسان إلا الإرادة، وما عداها فهو حدث لا محدث له، وحكي عنه أنه قال: العالم فعل الله تعالى بطبعه، أي أن الكون نتيجة قوة طبيعة كامنة في الله سبحانه وتعالى، وليس نتيجة مشيئته واختياره.
ويرى الشهرستاني: أن ثمامة أراد بذلك ما أرادته الفلاسفة الطبيعيون من الإيجاد بالذات دون الإيجاد على مقتضى الإرادة ((الملل والنحل)) (1/69)، ((المعتزلة)) (130).
الثالثة: أن من لم يعرف الله سبحانه وتعالى ضرورة ليس عليه أمر ولا نهي، وأن الله خلقه للسخرة والاعتبار، لا التكليف كما خلق البهائم لذلك، ثم ركب على هذا فقال: عوام الدهرية والزنادقة في الآخرة لا يكونون في جنة ولا نار، بل إن الله يجعلهم ترابا ((التبصير في أمور الدين)) (74).
الرابعة: قوله: إن الأفعال المتولدة لا فاعل لها. وهذا يؤدي إلى القول بنفي الصانع، إذ لو جاز أن يكون فعل بلا فاعل لجاز أن يكون كل فعل بلا فاعل كما لو جاز أن تكون كتابة بلا كاتب جاز أن تكون كل كتابة بلا كاتب ((الملل والنحل)) (1/69)، ((التبصير في أمور الدين)) (74).
الخامسة: قوله: إن دار الإسلام دار شرك، ويحرم السبي لأن المسبي – عنده – ما عصى ربه إذ لم يعرفه، وإنما العاصي – عنده – من عرف ربه بالضرورة ثم جحده أو عصاه ((الفرق بين الفرق)) (173).
الفرقة السادسة:
المعمرية: أتباع معمر بن عباد السلمي، كان رأسا من رؤوس الضلال، ومن أعظم القدرية فرية في تدقيق القول بنفي الصفات، ونفي القدر خيره وشره عن الله تعالى، وهو من طبقة أبي الهذيل، توفي سنة (220هـ)، وانفرد عن أصحابه بمسائل، منها:
الأولى: قوله: إن الله سبحانه وتعالى لم يخلق شيئا من الأعراض، وإنما خلق الأجسام فقط، والأعراض من خلق الأجسام، إما طباعا كالنار التي تحدث الإحراق، والشمس التي تحدث الحرارة، وإما اختيارا كالحيوان الذي يحدث الحركة والسكون، وقوله هذا يخالف قوله سبحانه وتعالى: قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [ الرعد: 16] ((الملل والنحل)) (1/65).
الثانية: إنكاره أن يقال: إن الله تعالى قديم، لأنه يشعر بالتقادم الزمني، ووجود الباري ليس بزماني ((الملل والنحل)) (1/66).
الثالثة: قوله: إن الإنسان ليس الصورة التي نشاهدها، وإنما هو شيء في هذه الصورة يتصف بالعلم والحياة والقدرة والإرادة، ثم لا متحرك ولا ساكن، ولا يحل موضعا دون موضع، ولا يحصره زمان، ومع ذلك فهو المدبر للجسد، وإذا فعلاقته بالجسد علاقة تدبير وتصريف، وليست علاقة حلول وتمكن ((التبصير في أمور الدين)) (70).
ويلزم على هذا القول أن لا يكون إنسان رأى إنسانا قط، وهذا لا يقوله عاقل ((التبصير في أمور الدين)) (70).
الرابعة: قوله في المعجزات: إنها ليست من فعل الله، لأنها أعراض، والله سبحانه على رأيه لا يخلق الأعراض، وإنما تخلقها الأجسام. ويرى البغدادي: أن  في قول معمر هذا إبطال للشريعة، لأنه يؤدي إلى القول بأن القرآن ليس من عند الله ((المعتزلة)) (133) نقلا عن ((أصول الدين)) (177).
 الفرقة السابعة:
البشرية: أتباع بشر بن المعتمر الهلالي من أهل بغداد، وقيل: من أهل الكوفة. ولعله كان كوفيا ثم انتقل إلى بغداد، وهو رئيس معتزلة بغداد ومن تلامذة ثمامة بن الأشرس، توفي في حدود سنة (210هـ) ((الفرق بين الفرق)) (156)، نقلا عن ((طبقات المعتزلة لابن المرتضي)) (52).
من أقواله التي انفرد بها عن أصحابه، ما يلي:
الأولى: إفراطه في باب التولد حتى قال: إن الإنسان يخلق اللون والرائحة والسمع والبصر، وجميع الإدراكات على سبيل التولد، وكذلك يخلق الحرارة والبرودة، وهو في هذا القول مخالف لإجماع المسلمين، لأن أهل السنة لا يقولون بالتولد أصلا، والمعتزلة الذين يقولون بالتولد، لا يفرطون فيه، بل يقصرون التولد على الحركات والاعتمادات ((التبصير في أمور الدين)) (71).
الثانية: أن حركة الجسم توجد في المكان الأول، لا في مكان ثان، ولا واسطة بينهما، وإذا لم يكن بين المكانين واسطة لم يكن هذا الكلام الذي يقوله معقولا، ولم يكن له حقيقة بحال ((التبصير في أمور الدين)) (71).
الثالثة: قال: من تاب عن كبيرة ثم راجعها عاد استحقاقه العقوبة الأولى، وقوله هذا مخالف لإجماع المسلمين، لأن المعتزلة، وإن قالوا: أن الفاسق يخلد في النار، فإنهم لا يقولون: إنه يعاقب في النار على ما تاب منه من الذنوب ((الملل والنحل)) (1/65).
الرابعة: قوله: إن الله قادر على لطف لو فعله في الكافر، لآمن طوعا، وهذا القول تكفره فيه القدرية، لكن الأمر بالعكس، فإنه مصيب في هذا القول، وهم الكفرة دونه ((الفرق بين الفرق)) (156).
الفرقة الثامنة:
الهشامية: أتباع هشام بن عمرو الشيباني الفوطي، توفي سنة (226هـ)، ذكره ابن المرتضي في آخر من ذكر من الطبقة السادسة ((الفرق بين الفرق)) (159) الحاشية، ((المعتزلة)) (135). كان مبالغا في القدر أشد من مبالغة أصحابه، وكان يمتنع من إضافة أفعال إلى الباري سبحانه وتعالى مثل: نفي إضافة الختم على قلوب الكفار إلى الله، وقد قال تعالى:
  خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ [ البقرة: 7] ((الملل والنحل)) (1/70).
من أقواله التي اشتهر بها:
الأولى: قوله: إن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين، بل هم المؤتلفون باختيارهم، والله سبحانه وتعالى يقول:
  وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] ((الملل والنحل)) (1/70).
الثانية: قوله: إن الله لا يحبب الإيمان إلى المؤمنين، ولا يزينه في قلوبهم، والله سبحانه يقول:
وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ[الحجرات:7] ((الملل والنحل)) (1/70).
الثالثة: الموافاة: من كان مؤمنا إلا أنه في علم الله يموت كافرا، فهو الآن عند الله كافر، وكذلك العكس، فمن كان كافرا إلا أنه في علم الله يموت مؤمنا فهو الآن مؤمن ((المعتزلة)) (137).
الرابعة: قوله: أن الأعراض لا تدل على كون الباري خالقا، ولا تصلح دلالات بل الأجسام هي التي تدل على كونه خالقا ((الملل والنحل)) (1/70).
الخامسة: قوله: إن الإمامة لا تنعقد في أيام الفتنة واختلاف الناس، وإنما يجوز عقدها في حال الاتفاق والسلامة، وقصد بهذا: الطعن في إمامة علي – رضي الله عنه – إذ كانت بيعته في أيام الفتنة من غير اتفاق جميع الصحابة، إذ بقي في كل طرف طائفة على خلافه ((الملل والنحل)) (1/70).
السادسة: قوله: إن الجنة والنار غير مخلوقتين الآن، إذ لا فائدة في وجودهما جميعا خاليتان مما ينتفع أو يتضرر به، ويكفر من قال: إنهما مخلوقتان الآن، وقوله هذا زيادة على مذهب المعتزلة في الجنة والنار، إذ أنهم لا يكفرون من قال بذلك، بل يقتصرون على القول الأول فقط ((التبصير في أمور الدين)) (72).
ومن أصحابه: عباد بن سليمان الضمري، وقد وافقه على ضلالاته، وزاد فقال: أنه لا يقال: إن الله خلق الكافر، لأن الكافر اسم لشيئين: الإنسان وكفره، وهو غير خالق لكفره، ويلزمه على هذا القياس أن لا يقال: إن أحدا قتل كافرا لأن الكافر اسم للإنسان وكفره، والكفر لا يكون مقتولا. وخالف بعض النصوص القرآنية كقوله تعالى: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ.. الآية [ المجادلة: 7]، فأنكر أن يقال: إن الله رابع كل ثلاثة، أو سادس كل خمسة ((التبصير في أمور الدين)) (72)، ((الفرق بين الفرق)) (161).
الفرقة التاسعة: المردارية: أصحاب عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى والملقب بالمردار، أخذ الاعتزال عن بشر بن المعتمر، توفي في حدود سنة (226هـ)، ويسمى راهب المعتزلة، وهو تلميذ الجعفرين، ومن معتزلة بغداد ((التبصير في أمور الدين)) (73) الحاشية، ((المعتزلة)) (138).
وقد انفرد عن أصحابه بمسائل، منها ما يلي:
الأولى: قوله في القدر: إن الله قادر على أن يكذب ويظلم ولو كذب وظلم كان إلها كاذبا ظالما – تعالى الله عن قوله علوا كبيرا– ((التبصير في أمور الدين)) (73). 
الثانية: قوله في التولد: مثل قول أستاذه بشر بن المعتمر، وزاد عليه بأن جوَّز وقوع فعل واحد من فاعلين على سبيل التولد ((الملل والنحل)) (1/67).
الثالثة: قوله في القرآن : إن الناس على مثل القرآن فصاحة ونظما وبلاغة، وبالغ في القول بخلق القرآن فكفر من قال بقدمه بحجة أنه أثبت قديمين، وكفر أيضا من لابس السلطان، وزعم أنه لا يرث ولا يورث، وكفر أيضا من قال: إن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، ومن قال أنه يرى بالأبصار ((الملل والنحل)) (1/68). 
الرابعة: قال في عثمان وقاتليه: إنهم جميعا في النار، لأن عثمان كان قد فسق، وكذلك قاتلوه؛ لأن فسقه لا يستوجب قتله، فاستحقوا جميعا بفسقهم الخلود في النار ((المعتزلة)) (139) نقلا عن ((الانتصار)) (96). .. وقد كفر أكثر شيوخه كأبي الهذيل، والنظام وبشر بن المعتمر، وقالوا هم بتكفيره، وكلا الفريقين محق في تكفير صاحبه ((الفرق بين الفرق)) (166).
الفرقة العاشرة:
الجعفرية: أتباع جعفر بن مبشر الثقفي المتوفى سنة (234هـ)، وجعفر بن حرب الهمذاني المتوفى سنة (236هـ)، وكلاهما من معتزلة بغداد ((المعتزلة)) (139). أتيا بمسائل، منها ما يلي:
الأولى: قالا: إن الله تعالى خلق القرآن في اللوح المحفوظ، فلا يجوز أن ينتقل منه؛ لأنه يستحيل أن يكون الشيء الواحد في مكانين في آن واحد، وعلى ذلك، فإن الناس لم يسمعوا القرآن على الحقيقة، والقرآن الذي في المصاحف ليس بكلام الله إلا على المجاز، أي هو: عبارة عن حكاية عن المكتوب الأول في اللوح المحفوظ ((الملل والنحل)) (1/68).
الثانية: قال جعفر بن مبشر: إن فساق هذه الأمة هم شر من اليهود والمجوس والزنادقة؛ مع أنه يرى أن الفاسق موحد، وليس بمؤمن ولا كافر، فجعل الموحد شرا من الكافر الثانوي ((التبصير في أمور الدين)) (73). 
الثالثة: كان لجعفر بن مبشر تطرف في بعض المسائل الفقهية، فمثلا: قال: من سرق حبة واحدة وهو ذاكر لتحريمها فهو منسلخ من الإيمان والإسلام مخلد في النار، فخالف بذلك أسلافه الذين قالوا بغفران الصغائر عند اجتناب الكبائر ((الفرق بين الفرق)) (168). وزعم أيضا : أن تأييد المذنبين في النار من موجبات العقل، فخالف بذلك أسلافه الذين قالوا: إن ذلك معلوم بالشرع دون العقل ((الفرق بين الفرق)) (168).
الفرقة الحادية عشرة:
الأسوارية: أتباع علي الأسواري، توفي سنة (240هـ)، وكان من أتباع النظام، موافقا له في جميع ضلالاته، وزاد عليه بقوله: إن ما علم الله أنه لا يكون لم يكن مقدورا له تعالى، وهذا القول منه يوجب أن تكون قدرته تعالى متناهية، ومن كانت قدرته متناهية كانت ذاته متناهية، والقول به كفر، فما يؤدي إليه مثله ((التبصير في أمور الدين)) (70). 
الفرقة الثانية عشر:
الإسكافية: أتباع محمد بن عبد الله الإسكافي، ذكره ابن المرتضي في رجال الطبقة السابعة، تتلمذ على جعفر بن حرب، وتوفي سنة (240هـ) ((التبصير في أمور الدين)) (74)، ((الفرق بين الفرق)) (169) الحاشية. 
أتى بمسائل انفرد بها، منها ما يلي:
الأولى:  في الجسم. قال: معنى الجسم أنه مؤتلف، وأقل الأجسام جزآن، والجزء الواحد يحتمل جميع الأعراض إلا التركيب ((المعتزلة)) (141).
الثانية:  في الصفات. قال:  لا يجوز أن نقول أن الله يتكلم مع العباد، بل نسميه تعالى (مكلما) لأن المتكلم يقتضي قيام الكلام به، كما أن المتحرك يقتضي قيام الحركة به؛ أما إذا قلنا: مكلما، فلا يقتضي ذلك ((التبصير في أمور الدين)) (74).
الثالثة: قال: إن الله تعالى قادر على ظلم الأطفال والمجانين، وليس بقادر على ظلم العقلاء البالغين ((التبصير في أمور الدين)) (74).
الفرقة الثالثة عشر:
الخابطية والحدثية: أتباع أحمد بن خابط، توفي سنة (232هـ)، وفضل الحدثي المتوفى سنة (257هـ)، وهما فرقة واحدة، تطرفت في أقوالها؛ لذلك اعتبرها البغدادي من فرق الغلاة، ففصلها عن سائر فرق المعتزلة ((الفرق بين الفرق)) (114)، ((المعتزلة)) (142). واعتبرها من الفرق المنتسبة إلى الإسلام وليست منه ((المعتزلة)) (142) نقلا عن ((الفرق بين الفرق)) (222).
يقول الخياط: إن هذه الفرقة كانت من جملة فرق المعتزلة، ولكنها حينما تطرفت في أقوالها نفاها المعتزلة وتبرأوا من رئيسها ((المعتزلة)) (142) نقلا عن ((الانتصار)) (149). وقد سماها بعض الكتاب المعاصرين كزهدي جار الله الحائطية، ولعل الصحيح ما ذكرناه، وهو أنها الخابطية حاشية ((الفرق بين الفرق)) (228).
ويقول الشهرستاني: أن ابن خابط والحدثي كانا من أصحاب النظام، وطالعا كتب الفلسفة أيضا، وضما إلى مذهب النظام مسائل ((الملل والنحل)) (1/61). ، منها ما يلي:
الأولى: زعما أن للخلق ربين وخالقين: الأول: قديم وهو الله؛ والآخر: حديث. وهو المسيح عليه السلام؛ وبذلك فقد أثبتا حكما من أحكام الإلهية في المسيح موافقة للنصارى على اعتقادهم أنه هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة.. وقالا أيضا : إن المسيح تدرع جسدا، ونزل إلى الدنيا، وكان قبل التدرع عقلا. والشهرستاني – كما بينا – يرى: أنهما قالا هذا القول موافقة للنصارى؛ أما البغدادي فيرى: أنهما قالاه موافقة للثنوية في إثبات خالقين ((الفرق بين الفرق)) (227)، ((الملل والنحل)) (1/61)، بتصرف.
الثانية: القول بالتناسخ: زعما أن الله تعالى أبدع خلقه أصحاء سالمين عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم، وخلق فيهم معرفته، والعلم به، وأسبغ عليهم نعمه، ولا يجوز أن يكون أول ما يخلقه إلا عاقلا ناظرا معتبرا، وابتدأهم بتكليف شكره، فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به وعصاه بعضهم في جميع ذلك، وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض، فمن أطاعه في الكل أقره في دار النعيم التي ابتدأهم فيها، ومن عصاه في الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب وهي النار، ومن أطاعه في البعض دون البعض أخرجه إلى دار الدنيا، ويسميها دار الابتلاء، فألبسه هذه الأجسام الكثيفة وابتلاه بالبأساء والضراء والشدة والرخاء والآلام واللذات على صور مختلفة من صور الإنسان والحيوان على قدر ذنوبهم، فمن كانت طاعته أكثر كانت صورته أحسن وآلامه أقل، ومن كانت ذنوبه أكثر، كانت صورته أقبح وآلامه أكثر، ثم لا يزال يموت ويرجع ما دامت معه ذنوبه وطاعاته حتى يمتلئ المكيالان، مكيال الخير، ومكيال الشر، فإذا امتلأ مكيال الخير صار العمل كله طاعة والمطيع خيرا خالصا، فينقل إلى الجنة، وإذا امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصية، والعاصي شريرا، فينقل إلى النار، ولأجل ذلك زعم أن جميع أنواع الحيوان أمم وأن لها رسل، لأنها ممسوخة عن الإنسان العاصي في دار النعيم التي خلق فيها.
الفرقة الرابعة عشر:  
المويسية: أتباع مويس المتوفى سنة (246هـ)، يكاد لا يرد عن هذه الفرقة في كتب العقائد شيء، ولم تشر كتب التاريخ إلى رئيسها، لذا أكتفي بذكر اسمها ((المعتزلة)) (145).
الفرقة الخامسة عشر:
الصالحية: أتباع صالح قبة، المتوفى سنة (246هـ) ((المعتزلة)) (145). ، يقول أبو الحسن الأشعري ((الأعلام)) (5/69). : إن صالح قبة كان ممن يثبتون الجزء الذي لا يتجزأ، وأنه جوز أن يحل الجزء وهو منفرد جميع الأعراض، إلا التركيب ((المقالات)) (2/317). كذلك يرى أن الرؤيا حق، وأن ما يراه النائم في نومه صحيح، كما أن ما يراه اليقظان في يقظته صحيح ((المقالات)) (2/433)، بتصرف.
ويقول أيضا: أن ما يراه الرائي في المرآة إنما هو إنسان مثله اخترعه الله تعالى في المرآة ((المقالات)) (2/434).
الفرقة السادسة عشر:
الجاحظية: أصحاب أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، كان من فضلاء المعتزلة والمصنفين لهم، وقد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة، وخلط وروج كثيرا من مقالاتهم بعباراته البليغة، وله منزلة سامية عند أهل الأدب على زيغه، يثق ابن حزم بنقله، ويقول عنه أبو الحسين الملطي أنه كان صاحب تصانيف، ولم يكن صاحب جدل، أخذ عن ثمامة بن الأشرس وعن أبي إسحاق النظام، وتوفي سنة (250هـ، وقيل سنة 255هـ، وقيل سنة 256هـ)، وله من العمر ما يقارب تسعين سنة ((الملل والنحل)) (1/71)، ((التبصير في أمور الدين)) (76)، ((الفرق بين الفرق)) (96). وقد اشتهر بمسائل، منها ما يلي:
الأولى: قال: الجوهر يستحيل أن ينعدم أو يفنى، لذلك فالأجسام المؤلفة من الجواهر يستحيل أيضا أن تنعدم أو تفنى، ولا يقدر الله على إفنائها، ولكنه يقدر على تفريق أجزائها، وإعادة تركيبها فقط، فالأجسام إذا ثابتة لا تفنى، وإنما يمكن أن تتغير من حال إلى حال. وهو بقوله هذا: متأثر بالفلاسفة اليونانيين الطبيعيين الذين يذهبون إلى القول بقدم العالم واستحالة فناء المادة، ويرون أن الخلق عبارة عن تجمع أجزاء المادة في أجسام منتظمة، وأن الفناء هو تفرق أجزاء تلك الأجسام ((الفرق بين الفرق)) (176)، ((المعتزلة)) (146)، بتصرف.
الثانية: أثبتت الطبائع للأجسام، وأوجب لها أفعالا مخصوصة، فقال: إن العباد ليس لهم فعل إلا الإرادة، أما سائر الأفعال، فتقع طباعا لا اختيارا. وبسبب إثباته الطبائع للأجسام قال: إن الله لا يدخل النار أحدا، وإنما النار تجذب أهلها إلى نفسها بطبيعتها، ثم تمسكهم فيها خالدين. وقد اعترض الأسفراييني على هذا فقال: وأما قوله: إن العبد لا يفعل إلا الإرادة فيوجب أن لا يكون العبد فعل صلاة ولا حجا، وأن لا يكون فعل شيئا من موجبات الحدود كالزنا والسرقة، ثم قال: وأما قوله: إن الله لا يدخل أحدا النار، وإنما النار تجذب أهلها إلى نفسها بطبعها، قال: إنه يلزمه على هذا القول أن يقول في الجنة أنها تجذب أهلها إلى نفسها بطبعها، وأن الله لا يدخل أحدا الجنة، فإن قال بذلك قطع الرغبة إلى الله في الثواب، وأبطل فائدة الدعاء، وإن قال: إن الله تعالى هو يدخل أهل الجنة الجنة لزمه القول بأن الله يدخل في النار أهلها ((التبصير في أمور الدين)) (76).
الثالثة: قوله في عصمة الأنبياء: لما كان الجاحظ يرى أن المعارف ضرورية فلا يعصي الله أحد إلا بعد العلم بما نهاه عنه؛ فقد قال: إن الأنبياء اعتمدوا المعاصي مع العلم بأن الله قد نهى عنها، ومعنى ذلك؛ أنه نفى العصمة عن الأنبياء فخالف أكثر المعتزلة الذين يقولون: إنه لا يجوز على الأنبياء أن يفعلوا قصدا ما علموا أنه ذنب ((الفرق بين الفرق)) (176).
الرابعة: حكي عنه أنه قال في القرآن الكريم أنه جسم يجوز أن ينقلب مرة رجلا ومرة حيوانا ((الملل والنحل)) (1/72).
يقول زهدي جار الله: إنه لا يعقل أن يقول الجاحظ هذا القول؛ بل الأرجح أن يكون ابن الراوندي ((فرق وطبقات المعتزلة)) (97). الحاشية  (8). نسبه إليه للحط من قدره، وإن كان قاله فعلا فإنه إما أن يدل على الدرجة البعيدة في السخف التي وصلت إليها المحاجات الفلسفية في زمنه، وإما أن يكون الجاحظ – كما قال ماكدونالد قصد بهذا القول التهكم على المجادلين في وقته ((المعتزلة)) (148).
الفرقة السابعة عشر:
الشحامية: أتباع أبي يعقوب يوسف بن عبد الله بن إسحاق الشحام من صغار أصحاب أبي الهذيل، وهو أستاذ الجبائي، ورئيس معتزلة البصرة في عصره، توفي سنة (267هـ)، وقد جوز هو والعلاف مقدورا بين قادرين، ويكون كل واحد منهما منفردا بخلقه، فخالف بذلك أهل السنة وأهل القدر ((التبصير في أمور الدين)) (78)، ((الملل والنحل)) (1/60)، ((الوفيات)) (1/685).
الفرقة الثامنة عشر:
الخياطية: أتباع أبي الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط من أصحاب جعفر بن مبشر، توفي حوالي سنة (290هـ)، وهو أستاذ الكعبي في ضلالاته، وشارك أكثر القدرية في ضلالاتها، وانفرد عنها بقول لم يسبق إليه في المعدوم مخالفا فيه جميع المعتزلة وسائر فرق الأمة، فزعم أن الجسم في حال عدمه يكون جسما؛ لأنه يجوز أن يكون في حال حدوثه جسما ولم يجز أن يكون المعدوم متحركا؛ لأن الجسم في حال حدوثه لا يصح أن يكون متحركا عنده، فقال: كل وصف يجوز ثبوته في حال الحدوث فهو ثابت له في حال عدمه. ويلزمه على هذا الاعتلال أن يكون الإنسان قبل حدوثه إنسانا، لأن الله تعالى لو أحدثه على صورة الإنسان بكمالها من غير نقل له في الأصلاب والأرحام ومن غير تغيير له من صورة إلى صورة أخرى يصح ذلك.
وقد لقبت هذه الفرقة بالمعدومية لإفراطهم في وصفهم المعدوم بأكثر أوصاف الموجودات، وقد نقض الجبائي على الخياط قوله: بأن الجسم جسم قبل حدوثه في كتاب مفرد. وذكر أن قوله بذلك يؤدي إلى القول بقدم الأجسام. كذلك كان الخياط ينكر الحجة في أخبار الآحاد. يقول البغدادي: وما أراد بقوله هذا إلا إنكار أكثر الأحكام الشرعية؛ وذلك لأن أكثر فروض الفقه مبنية على أخبار الآحاد ((الفرق بين الفرق)) (179)، ((التبصير في أمور الدين)) (78).
الفرقة التاسعة عشر:
الجبائية: أتباع أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي نسبة إلى جبي، وهي بلد من أعمال خورستان في طرف من البصرة والأهواز، وهو شيخ المعتزلة في البصرة، تلقى الاعتزال عن أبي يعقوب الشحام، وكان مع حداثة سنه معروفا بقوة الجدل، توفي سنة (303هـ) ((التبصير في أمور الدين)) (79).
انفرد بأقوال، منها ما يلي:
الأول: قال: إن حقيقة الطاعة هي موافقة الإرادة، وقد قيل له إن قولك هذا يوجب أن يكون الله مطيعا لعبده إذا أعطاه مراده، فقال: نعم. يكون مطيعا له، فخالف بذلك الإجماع؛ لأن المسلمين قبله أجمعوا على أن من قال: إن الباري سبحانه وتعالى مطيع لعبده كان موصوفا بالكفر. وأيضا: لو جاز أن يقال: أنه لعبده مطيع لجاز أن يكون له خاضعا وهذا غير جائز، فدل على بطلان هذا القول ((التبصير في أمور الدين)) (80).
الثاني: قال في الصفات: إن الله لم يزل سميعا بصيرا، ويمتنع من أن يقال: لم يزل سامعا مبصرا، فالله عنده في الأزل سميعا، ولم يكن سامعا إلا عند وجود المسموع، ولم يكن مبصرا إلا عند وجود المرئي؛ وذلك لأن سامعا ومبصرا متعديان بخلاف سميعا وبصيرا، فلما لم يجز أن تكون المسموعات والمرئيات لم تزل موجودات لم يجز أن يكون سامعا ومبصرا ((المعتزلة)) (153).
 وقال في أسماء الله تعالى: إنها يجوز أن تؤخذ قياسا، ويجوز أن يشتق من أفعاله اسم لم يرد به السمع، ولم يأذن به الشرع ((التبصير في أمور الدين)) (80).
الثالث: قوله: إن العرض الواحد يجوز أن يكون في محال كثيرة، ويعلل ذلك بقوله: إن الكلام يكتب في محل، فيكون عرضا موجودا فيه، ثم يكتب في محل ثاني فيصير أيضا موجودا فيه من غير أن ينتقل من المحل الأول أو يعدم فيه ((التبصير في أمور الدين)) (80).
الرابع: قوله: إن الله سبحانه وتعالى ليس بقادر أن يفني شيئا من أجسام العالم بانفراده، ولكنه إن شاء أفنى العالم بفناء يخلقه لا في محل، فيفنى به جميع العالم ((الفرق بين الفرق)) (184).
الخامس: اعتقاده استحالة بعث الأجسام بعد تفرقها بالموت، ولذلك فإنه يتأول الآيتين الكريمتين، وهما قوله تعالى: يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى.. الآية [ البقرة: 73]  و قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [ الحـج: 7]  على معنى أن الله يحيي أرواح الموتى، ويبعث أرواح من في القبور ((المعتزلة)) (156) نقلا عن ((الصواعق المرسلة)) (2/101).
الفرقة العشرون:
الكعبية: أتباع عبد الله بن أحمد بن محمد البلخي المعروف بأبي القاسم الكعبي تلميذ الخياط وأحد المعتزلة البغداديين، توفي سنة (319هـ)، أخذ من كل علم بطرف ((الملل والنحل)) (1/73).
وقد خالف قدرية البصرة في أشياء منها:
أولا: قوله: إن الله تعالى لا يرى نفسه، ولا يراه غيره ((التبصير في أمور الدين)) (79).
ثانيا: قوله: إن الله سبحانه وتعالى لا يسمع ولا يبصر، وكان يزعم أن معنى وصفه بالسميع والبصير بمعنى أنه عالم بالمسموع والمرئي ((الملل والنحل)) (1/73).
ثالثا: نفي الإرادة عن الله سبحانه وتعالى، وقال: إن الله سبحانه إذا أراد شيئا من فعله فالمقصود أنه فعله، وإذا قيل: أنه أراد من عنده فعلا أنه أمر به، وقال: إن وصفه بالإرادة على الوجهين مجاز ((الفرق بين الفرق)) (182). كما أن وصف الجدار بالإرادة مجاز في قوله تعالى: جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [ الكهف: 77]
رابعا: أنه كان يقول بإيجاب الأصلح للعبد على الله تعالى، والإيجاب على الله تعالى محال لاستحالة موجب فوقه يوجب عليه شيئا ((التبصير في أمور الدين)) (79).
خامسا: زعم أن المقتول ليس بميت، فخالف قوله سبحانه وتعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [ العنكبوت : 57] ((الفرق بين الفرق)) (182).
سادسا: قال: إن الاستطاعة ليست غير الصحة والسلامة ((الفرق بين الفرق)) (182).
الفرقة الواحدة والعشرون:
البهشمية: هم أتباع أبي هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي رئيس معتزلة البصرة بعد أبيه قدم ابن المرتضي ذكره على جميع رجال الطبقة التاسعة لزعمه أنه متقدم عليهم في العلم، وقد خالف أباه في جملة من المسائل، وتوفي في بغداد في شهر شعبان من سنة (321هـ) ((الفرق بين الفرق)) (184) الحاشية، ((المعتزلة)) (153).
من أقواله التي اشتهر بها ما يلي:
الأول: قوله في التوبة: لقد ذكر عدة حالات لا تصح فيها التوبة، منها: التوبة عن الذنب عند العجز عن مثله، فإنها لا تصح، فمثلا: لا تقبل توبة الكاذب بعد خرس لسانه عن الكذب. ومنها التوبة عن الذنب مع الإصرار على قبيح آخر يعلمه الإنسان أو يعتقده قبيحا، وإن كان في الحديث ذاته حسنا، ويعلل قوله هذا، بقوله: إنما وجب عليه ترك القبيح لقبحه، فإذا أصر على قبح آخر لم يكن تاركا للقبيح المتروك من أجل قبحه ((التبصير في أمور الدين)) (81)، ((المعتزلة)) (154).
الثاني: قوله في الإرادة المشروطة، وهو أنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد مرادا من وجه مكروها من وجه آخر، بل يجب أن يكون مرادا من جميع الوجوه، فلا يكره من وجه من وجوهه.
ويرى البغدادي أن في هذا القول هدما لأصول المعتزلة في الحسن والقبح؛ لأنه يلزمه أن يكون من القبائح ما لا يكرهه الله، فمثلا: يريد تعالى السجود له عبادة، فعلى هذا الأصل لا يجوز أن يكره السجود للصنم عبادة ((الفرق بين الفرق)) (192).
الثالث: قوله بنفي جملة من الأعراض التي أثبتها أكثر مثبتي الأعراض كالبقاء والإدراك والألم والشك، وقد زعم أن الألم الذي يلحق الإنسان عند المصيبة ليس بمعنى أكثر من إدراك ما ينفر عنه الطبع، والإدراك ليس بمعنى عنده، وكذلك اللذات عنده ليست بمعنى، ولا هي أكثر من إدراك المشتهى، والإدراك ليس بمعنى. وقال في الألم الذي يحدث عند الوباء أنه معنى كالألم الذي يحدث عن الضرب، لأنه واقع تحت الحس ((الفرق بين الفرق)) (196).
الرابع: الثواب والعقاب: قال أبو هاشم باستحقاق الشكر والذم على فعل الغير، فلو أن زيدا أمر عمرا بفعل طاعة استحق زيد شكرين: شكر على الأمر الذي هو فعله، وشكر على فعل الطاعة التي هي فعل عمرو فخالف الأمة بذلك، وكذلك لو أمره بمعصية؛ استحق ذميين على الأمر وعلى فعل عمرو ((الفرق بين الفرق)) (189).
وكذلك قال: باستحقاق الذم والعقاب لا على فعل، فالإنسان القادر المكلف إذا مات ولم يرتكب معصية، ولكنه لم يفعل بقدرته طاعة لله تعالى استحق الذم والعقاب الدائم لا على فعل، بل من أجل أنه لم يفعل ما أمر به مع قدرته عليه، وارتفاع الموانع عنه؛ ولذلك اعتبر من لم يفعل ما أمر به عاصيا، وإن لم يفعل معصية، ولم يعد طائعا إلا من فعل طاعة فحتى يكون الإنسان مطيعا فيتخلص من العقاب، ويستحق الثواب يجب عليه ليس أن يمتنع عن فعل ما نهي عنه فحسب، بل أن يفعل أيضا ما أمر به ((الفرق بين الفرق)) (186)، ((المعتزلة)) (155).
الفرقة الثانية والعشرون:
الحمارية: هم قوم من معتزلة عسكر مكرم اختاروا من بدع أصناف القدرية ضلالات مخصوصة، ولم يذكر لهم رئيس بعينه، فأخذوا من ابن خابط قوله بتناسخ الأرواح في الأجساد والقوالب، وأخذوا عن الجعد بن درهم قوله: بأن النظر الذي يوجب المعرفة تكون تلك المعرفة فعلا لا فاعل لها، وقالوا أيضا : أن الخمر ليست من فعل الله وإنما من فعل الخمار، لأن الله لا يفعل ما يكون سببه المعصية. وزعموا أن الإنسان قد يخلق بعض الحيوانات كالديدان من اللحم إذا وضعه في الشمس ((الفرق بين الفرق)) (278). المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص 51

انظر أيضا: