trial

موسوعة الفرق

المبحث الخامس: إبطال مزاعم الشيعة والمستشرقين حول نسبة المعتزلة إلى الصحابة


ومن الشبهات التي أثيرت في العصر الحديث محاولة جملة من المستشرقين الربط بين اعتزال جملة من الصحابة لأحداث الفتنة الأولى، ومسمى المعتزلة الذي ظهر في أول القرن الثاني الهجري، واتخذوا من عبارات المؤرخين دليلاً على قدم مذهب الاعتزال، وأن اعتزال واصل هو امتداد لاعتزال الصحابة للفتنة، ومن هذه النصوص التي اعتمدوا عليها ما ذكره الطبري على لسان المغيرة بن شعبة، عندما سأل عمرو بن العاص، فقال له: "يا أبا عبدالله، أخبرني عما أسالك عنه: كيف ترانا، معشر المعتزلة؟ فإنا قد شككنا في الأمر الذي تبين لكم من هذا القتال، ورأينا أن نتأنى، ونثبت، حتى تجتمع الأمة، قال أراكم، معشر المعتزلة، خلف الأبرار، وأمام الفجار" الطبري، (( تاريخ الأمم )) ، ( 3/106 ). .
ولفظ الاعتزال هنا تعني معناها اللغوي المعروف؛ من الكف، وعدم المشاركة في القتال، ولم تكن تشير إلى فئة معينة لها تميز فكري، أو عقدي، ولم يصرح المؤرخون بهذا المعنى: لا الطبري، ولا ابن كثير، ولا غيرهم من مؤرخي أهل السنة، ولكن كتاب المقالات من الشيعة زعموا أن أصل الاعتزال يرجع لاعتزال الصحابة للفتنة؛ فقال القمي "ت (302هـ)"، والنوبختي، وعند الذهبي, النوبختي من نفس طبقة القمي، ولم يذكر سنة وفاته (( سير أعلام النبلاء )) ، ( 15/327 ). ، يقول النوبختي بعد أن يعدد مواقف الصحابة من خلافة علي رضي الله عنه: "وفرقة اعتزلت مع سعد بن مالك، وهو سعد بن أبي وقاص "ت (55هـ)"، وعبدالله بن عمر "ت (73هـ)"، ومحمد بن مسلمة الأنصاري "ت (هـ43)"، وأسامة بن زيد "ت (54هـ)"، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن هؤلاء اعتزلوا عن علي رضي الله عنه، وامتنعوا عن محاربته، والمحاربة معه، بعد دخولهم في بيعته، والرضاء به؛ فسموا المعتزلة؛ وصاروا أسلاف المعتزلة للأبد، وقالوا: لا يحل قتال علي، ولا القتال معه، وذكر بعض أهل العلم أن الأحنف بن قيس التميمي "ت (هـ67)" اعتزل بعد ذلك في خاصة قومه من بني تميم، لا على التدين بالاعتزال، لكن على طلب السلامة من القتل، وذهاب المال؛ قال لقومه: اعتزلوا الفتنة أصلح لكم" النوبختي، (( فرق الشيعة )) ، ( ص5 ) ، والقمي، (( المقالات والفرق )) ، ( ص4 ). .
وقال الناشئ الأكبر "ت (292هـ)" أحد مؤرخي الشيعة: "وفرقة اعتزلوا الحرب؛ وهم صنفان: صنف اعتزلوا الحرب، ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل، والمقتول في النار)) رواه البخاري (31), ومسلم (2888), من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. ، ومن هؤلاء القوم الذين اعتزلوا الحرب على هذه الجهة عبدالله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن سلمة، وأسامة بن زيد، وخلق كثير من الصحابة، والتابعين، ممن رأى القعود عن الحرب فضلاً، وديناً، والدخول فيها فتنة، وهؤلاء هم أصحاب الحديث، وهم الذين يأتمون في كل عصر بمن غلب، والصنف الثاني: فهم الذين اعتزلوا الحرب لأنهم لا يعلمون من في الطائفتين أولى بالحق؛ ومن هؤلاء القوم أبو موسى الأشعري "ت (44هـ)"، وأبو سعيد الخدري "ت (64هـ)"، وأبو مسعود الأنصاري "ت (40هـ)"، والأحنف بن قيس التميمي "ت (67هـ)" في قبائل بني تميم، وقد جاءت الأخبار عنهم بذلك؛ فهذا الصنف الذين اعتزلوا الحرب على هذه الجهة، وكانوا يسمون في ذلك العصر المعتزلة، وإلى قولهم في حرب علي "ت (40هـ)"، وطلحة " ت ( 36هـ)"، والزبير "ت (36هـ)"، يذهب واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وهما رئيسا المعتزلة" الناشئ الأكبر، (( مسائل الإمامة )) ، تحقيق فان إس، ( ص 16-17) بتصرف. .
ويذهب الملطي إلى أن هذا الاسم برز بعد مبايعة الحسن بن علي لمعاوية؛ حيث قال: "وهم سموا أنفسهم معتزلة؛ وذلك عندما بايع الحسن بن علي – عليه السلام – معاوية، وسلم إليه الأمر، اعتزلوا الحسن، ومعاوية، وجميع الناس؛ وذلك أنهم كانوا من أصحاب علي، ولزموا منازلهم، ومساجدهم، وقالوا نشتغل بالعلم، والعبادة فسموا بذلك معتزلة" الملطي: (( التنبيه والرد )) ، ( ص36)  ت، الكوثري. .
وقد بنى المستشرقون على هذه المزاعم أن ربطوا المعتزلين عن الحروب، والفتن، باعتزال واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد؛ ليصلوا إلى هدفهم؛ وهو نسبة هذا الابتداع الضال إلى الصحابة – رضوان الله عليهم -؛ حيث حشد المستشرق نلينلوا مثل هذه النصوص؛ ليخلص إلى القول: "فعندئذ الدليل الحاسم على استعمال لفظ الاعتزال بهذا المعنى السياسي، طوال هذا الزمان الذي عاش فيه مؤسساً مذهب المعتزلة، ونستطيع أن نلاحظ أخيراً في كثير من الاحتمال أن الحديث الموضوع الذي طبقه المعتزلة المتكلمون، من بعد على أنفسهم، كان يشير في الأصل إلى المعتزلة السياسيين، وأعني بهم هؤلاء الذين امتنعوا عن الاشتراك في المنازعات الداخلية في القرن الأول، وأوائل القرن الثاني" د. عبدالرحمن بدوي، (( التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية )) ( ص190 )  بتصرف. ، ثم يعقب الدكتور بدوي بعد النص السابق، فيقول: "من كل هذا الذي سبق يبدو لي أنه ما دامت هذه المسألة قد أخذت حظها من الأهمية؛ بسبب المنازعات السياسية، والحروب الأهلية في القرن الأول، فمن الطبيعي أن يكون اسم المعتزلة قد أخذ عن لغة السياسة في ذلك العصر؛ فكان المعتزلة الجدد، المتكلمون في الأصل، استمراراً في ميدان الفكر، والنظر، للمعتزلة السياسية، أو العملية" د. عبدالرحمن بدوي، (( التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية )) ( ص190 ) بتصرف. .
وللرد على هذه المزاعم المعروفة الهدف؛ وهو الربط بين معتزلة الابتداع المتأخرين، واعتزال الصحابة للفتنة، وأحداثها، فهذا الربط باطل، ولا صحة له؛ فإن الصحابة المعتزلين لأحداث الفتنة لم يؤثر عنهم أي خوض في مسائل عقدية مشابهة للتي ابتدعها المتأخرون، بل كان اعتزالهم لحقن دماء الأمة فقط، ولم يتعد ذلك إلى أي مقولة فكرية، أو عقدية، تشق صف الأمة، وتخالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم إن المعتزلة المتأخرين، لا يعتبرون معتزلة الحرب سلفاً لهم، بل الذي حملهم هذا هم مؤرخو الشيعة، والمستشرقون، ومن تابعهم، بل الثابت أن موقف واصل، وعمرو بن عبيد، من أحداث الفتنة ليس موقفاً وسطاً؛ كما فعل الصحابة المعتزلون، ولكنه موقف يطعن في المقتتلين؛ حيث قال واصل: "إن فرقة من الفريقين فسقة بأعيانهم، وإنه لا يعرف الفسقة منهما، وأجازوا أن يكون الفسقة في الفريقين علياًّ، وأتباعه؛ كالحسن، والحسين، وابن عباس، وعمار بن ياسر، وأبي أيوب الأنصاري، وسائر من كان مع علي يوم الجمل، وأجاز كون الفسقة من الفريقين عائشة، وطلحة، والزبير، وسائر أصحاب الجمل، ثم قال في تحقيق شكه: لو شهد علي وطلحة، أو علي والزبير، أو رجل من أصحاب علي، ورجل من أصحاب الجمل، عندي على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق، لا بعينه" عبدالقاهر البغدادي، (( الفرق بين الفرق )) ( ص119-121 ) بتصرف. .
وزاد عمرو بن عبيد على قرينة واصل؛ فقال بفسق كلتا الفرقتين المتقاتلتين يوم الجمل؛ وذلك أن واصلاً إنما رد شهادة رجلين من أصحاب الجمل، والآخر من أصحاب علي رضي الله عنه، وقبل شهادة رجلين كلاهما من أحد الفريقين، وزعم عمرو بأن شهادتهما مردودة، وإن كان من فريق واحد؛ لأنه قال بفسق الفريقين جميعاً" عبدالقاهر البغدادي، (( الفرق بين الفرق )) ( ص119-121 ) بتصرف. .
فأين هو الاعتزال الذي قال به الشيعة، والمستشرقون؟ وهل الذي يقول مثل هذا في الصحابة يكون الصحابة المعتزلون للفتنة سلفاً له، وهم الذين كان عندهم عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يخوضوا في الفتنة؟ لكن واصلاً، وعمراً، انطلقت ألسنتهم العليلة بتفسيق جمهور الصحابة، الذين رضي الله عنهم، ورضوا عنه.
أما ما قاله الملطي "ت (377هـ)" عن حدوث هذا الاسم بعد بيعة الحسن لمعاوية، فهذا الرأي يكاد قد ينفرد به وحده، ولم يقل به غيره، ولو صح، لاشتهر هذا الاسم اشتهاراً واسعاً، ثم إن الحقائق تنقضه؛ فإن الناس بعد بيعة الحسن لمعاوية – رضي الله عنهما –، قد دخل أغلبهم في بيعة معاوية، وسمي ذلك العام عام الجماعة، فقد بايعه كبار الصحابة، وأعيان الأمصار في كل أرض الخلافة، إلا بقايا من الشيعة السبئية، والخوارج الذين اختاروا سراديب الظلام، وعلى فرض صحة ما قاله الملطي، فإن اعتزال هؤلاء للعلم، والعبادة، وليس لتأسيس نحلة ضالة تخالف منهاج السلف في الكتاب، والسنة.
وقد حاول الشيعة المعتزلة من الزيدية الذين خلطوا بين الاعتزال، والتشيع، نفي ما قاله واصل وعمرو في الصحابة، بلا دليل يصح؛ حيث يقول نشوان الحميري: ""ومن الناس" من يقول سموا معتزلة لاعتزالهم علي بن أبي طالب – عليه السلام – في حروبه، وليس كذلك؛ لأن جمهور المعتزلة، وأكثرهم، إلا القليل الشاذ منهم، يقولون: إن عليا كان على الصواب، وإن من حاربه فهو ضال" الحميري، (( الحور العين )) ( ص 259 ). .
ولو كان هذا صحيحاً لاهتبله مؤرخو الشيعة، وذكروه؛ ليعززوا مواقفهم التي هي من جنس ما يردده المعتزلة؛ من إلقاء الكلام على عواهنه، بلا دليل إلا التهويش، وجلب الأتباع اعتباطاً، لا حقيقة.
ولكن الأكاذيب التي لا تحتمل هي التي أتى بها ابن المرتضى عندما عدد طبقات المعتزلة، ووضع في الطبقة الأولى: الخلفاء الأربعة، وعبدالله بن العباس "ت (68هـ)"، وابن مسعود "ت (32هـ)"، وغيرهم، ثم زعم أن علياً كان يصرح بالعدل؛ أي يقول بالقدر، وكذلك أبو بكر، وابن مسعود، وساق الأخبار الملفقة عن عمر، وعثمان، وابن عباس، وأبي بن كعب رضي الله عنهم ابن المرتضى، (( المنية والأمل )) ( ص127-130 ) بتصرف. وزعم أن هؤلاء أسلاف مذهب المعتزلة، والقدرية؛ لترويج أفكارهم الرديئة، والتي كان يبرأ منها ابن عمر، وابن عباس، وكان التابعون يلعنون القدرية، وانحرافهم، ثم يأتي كاتب مغمور في القرن التاسع الهجري ليكذب هكذا، وكأنه اعتقد أن أهل السنة لم يبق فيهم من يدافع عن السلف – رضوان الله عليهم –، من غير دليل، ولا حجة، عن طريق جمع نصوص مبتورة، لا تمت معانيها إلى الواقع بصلة، وتكون عليها فكرة جديدة، يريدون أن تصبح هي الحقيقة المطلقة، أما ممارسات المعتزلة المشينة، وابتداعاتها الواضحة، فإنها تصبح بطولات، ومناداة بمذهب الإرادة الحرة المزعومة، على حساب عقيدة الأمة، التي توجهت كل السهام للطعن بها، وبعلمائها الأبرار، ووصفهم بأشنع الأوصاف؛ لأنهم عارضوا القدرية، وأبانوا عن عورات المعتزلة، وغيرهم من فرق الابتداعالعقيدة الإسلامية لعطا الله المعايطة - ص 617


انظر أيضا: