موسوعة الفرق

المبحث الثاني: سلامة الصحابة رضي الله عنهم من الفرقة


لقد اختار الله عز وجل الصحابة رضي الله عنهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتبليغ دينه إلى الناس كافة، وما ذاك إلا لما علم ما في قلوبهم من محبة الحق، والعمل على نصرته، والاجتماع عليه، وبذل الأموال والأنفس في سبيل ذلك، يقول الحسن البصري رحمه الله واصفا الصحابة: "أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه وإقامة دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" انظر كتاب ((الشريعة)) للآجري (4/1686).
وقد تقدم معنا شيئا عن فضل الصحابة وعن فقههم، ولعله بان لنا موقفهم من الفرقة من خلال الفصول السابقة، وكيف أنهم ذموها وعابوها، فهم أعرف الناس بخطرها وضررها، وكانوا كذلك أبعد الناس عنها وأسلمهم منها، ولا يعني ذلك أنهم رضي الله عنهم لم يختلفوا؛ بل اختلفوا ولكنهم لم يفترقوا، وهذا شأن أهل الرحمة الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: 118 -119] ، فهم يختلفون اختلافا لا يضرهم انظر ((الاعتصام)) للشاطبي (ص442).
يقول ابن تيمية رحمه الله: "وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء: 59] وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين" ((الفتاوى)) (42/95).
ويقول الإمام إسماعيل الأصبهاني رحمه الله: "فإنا وجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في أحكام الدين فلم يفترقوا، ولم يصيروا شيعا لأنهم لم يفارقوا الدين، ونظروا فيما أذن لهم، فاختلفت أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة... وكانوا مع هذا الاختلاف أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم أخوة الإسلام ولم ينقطع منهم نظام الألفة الحجة في بيان المحجة (ص241) باختصار، وانظر عامه فهو كلام مفيد.
هكذا كان الصحابة رضي الله عنهم متآلفين، مجتمعين، بعيدين عن أهل الفرقة وعن مناهجهم، وهناك نماذج ودلائل عدة على ذلك منها:
أولا: ما تقدم من أقوالهم العديدة في أمرهم المسلمين بالجماعة، ونهيهم عن الفرقة، وتحذيرهم من مغبة عواقبها
يقول ابن عباس رضي الله عنه لسماك الحنفي: "يا حنفي الجماعة الجماعة !! فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها، أما سمعت الله عز وجل يقول: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران: 103]
ويقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : "يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تستحبون في الفرقة".
ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه محذرا الأمة: "إياكم والفرقة بعدي". أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه والذي يسير على نفس المنهج يقول: "الاختلاف حالقة الدين وفساد ذات البين، وإياكم والخصومات فإنها تحبط الأعمال، والاختلاف يدعو إلى الفتنة، والفتنة تدعو إلى النار، وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46] ((ذم الكلام)) للهروي (4/9).
وهذا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ينصح الأمة ويحذرها من الفتنة فيقول: "إياكم والفتنة فلا تهموا بها، فإنها تفسد المعيشة، وتكدر النعمة، وتورث الاستئصال"
ثانيا: العمل على جمع الكلمة وتوحيد الصف
لقد حرص الصحابة رضي الله عنهم على جمع كلمة المسلمين، وتوحيد صفوفها، وسعوا إلى سد باب الفرقة حتى لو كان على حساب مصلحته، فمصلحة المسلمين أولى، وحقن دمائهم أحرى بالعمل لأجله.
وخوفا من الفرقة سارع الصحابة رضي الله عنهم بتولية أبي بكر الصديق الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولإدراكهم أهمية جمع كلمة المسلمين على رجل يتولاهم، اجتمعوا رضي الله عنهم على بيعة أبي بكر رضي الله عنه ولم يقضوا شيئا من أمر تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه حتى أحكموا أمر البيعة انظر شرح ((السنة)) للبغوي (10/81، 78-84).
لقد كانوا يعلمون أهمية الاجتماع على طاعة الإمام، إذ في الخروج عن أمره ومخالفته زعزعة للأمن وتأليب للناس، وتفريق لجماعة المسلمين لذلك لما حج عثمان رضي الله عنه سنة 29هـ وهو خليفة وأتم الصلاة في منى ولم يقصرها، عاتبه في ذلك عبدالرحمن بن عوف، واعتذر له عثمان رضي الله عنه بأنه قد تزوج بمكة فكان في حكم المقيم لا المسافر، وبأن أناسا من أهل اليمن ظنوا أن الصلاة للمقيم ركعتان، فأتم عثمان رضي الله عنه لذلك.
ولما خرج عبدالرحمن بن عوف من عند عثمان لقي عبدالله بن مسعود وخاطبه في ذلك فقال ابن مسعود: "الخلاف شر، قد بلغني أنه صلى أربعا فصليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول "أي نصلي معه أربعا انظر حاشية ((العواصم من القواصم)) لمحب الدين الخطيب (ص89)، وعزاه لـ ((تاريخ الطبري)) (5/56 -57)، ((تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأخبار)) للطبري (1/224 -226) ((مسند عمر بن الخطاب))، ((البداية والنهاية)) لابن كثير (7/154).
هذا هو منهج العالمين بأمر الله تعالى، المدركين أهمية الجماعة وخطر الفرقة، وأنه أصل من أصول الدين وقاعدة من قواعده الكلية، لا يقدمون عليه أمرًا جُزئيًّا أو فرعيًّا من أمور الدين انظر ((الموافقات)) للشاطبي (4/535).
يقول العلامة صالح بن المهدي المقبلي وهو : صالح بن مهدي بن علي المقبلي، مجتهد، من أعيان الفقهاء، ولد في قرية مقبل في اليمن، كان على مذهب الإمام زيد، ترك اليمن ورحل إلى مكة فاشتهر وكتب فيها مؤلفاته وتوفي بها، من كتبه: "الإتحاف لطلبة الكشاف" توفي سنة 1108 هـ انظر ((الأعلام)) (3/197). ، مبينا حرص الصحابة على جمع الكلمة، واحتواء الخلاف وتجاوزه من أجل ذلك يقول: "أن أكثر إغضائهم كان لصيانة أخوة الإسلام وحرمة أهله، لا لتساهل في الخلاف، حتى ربما يقضي أحدهم ويترك رأيه خشية شيوع الخلاف"، كقول علي رضي الله عنه: "اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف، حتى تكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي" رواه البخاري (3707).
ونقم ابن مسعود على عثمان رضي الله عنه ترك القصر وتابعه في الصلاة، فقيل له، فقال: "الخلاف كله شر". فتركوا التنويه بالخلاف محاذرة لتفاقم الشر، لا لأنه مرضي عندهم، بل مراد الله تعالى كما شاع في المتأخرين وانتشر، إنما كان المهم المقدم عند أحدهم أن يكون الناس جماعة أو يموت سالما من الفتنة كما قال علي رضي الله عنه ((العلم الشامخ)) (ص 486).
ويضرب لنا ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه أروع مثال وأصدقه لحرص الصحابة رضي الله عنهم على جمع الكلمة، والعمل على حقن دماء المسلمين ولو بسفك دمائهم، فلقد ضحى بنفسه ولم ينخلع من الخلافة خشية على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يتركوا بلا إمام، أو تكون سنة للخارجين فينفتح باب شر على الأمة.
لقد دخل عبدالله بن عمر رضي الله عنه على عثمان وهو محصور في الدار، وقال: "ما ترى فيما أشار به علي المغيرة بن الأخنس؟ قال ابن عمر: ما أشار به عليك؟ قال: إن هؤلاء القوم يريدون خلعي فإن خلعت تركوني، وإن لم أخلع قتلوني، قال ابن عمر: أرأيت إن خلعت تترك مخلدا في الدنيا؟ قال: لا، قال: فهل يملكون الجنة والنار؟ قال: لا. قال ابن عمر: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا. قال: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصا قمصكه الله ((العلم الشامخ)) (ص486).
وفي رواية عن عثمان أنه قال: "أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه الله" انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (3/66). ، وقال: "والله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أخلع أمة محمد بعضها على بعض انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (3/72).
وليس هذا فقط؛ بل إنه رضي الله عنه نهى الصحابة عن الدفاع عنه، وقتال من حاصروه حتى لا يراق دم بسببه، فقد جاء زيد بن ثابت إلى عثمان، وقال له: "هذه الأنصار بالباب يقولون إن شئت كنا أنصارا لله مرتين. فيقول له عثمان: أما القتال فلا" انظر ((الطبقات)) (3/70)، وانظر ((العواصم من القواصم)) لابن العربي (ص125 -129).
وقال رضي الله عنه يوم حصر في الدار: "إن أعظمكم عني غناء رجل كف يده وسلاحه" انظر ((الطبقات)) (3/70)، وانظر ((العواصم من القواصم)) لابن العربي (ص125-129).
وقال لأبي هريرة لما طلب منه الإذن بقتال هؤلاء الخارجين عليه المحاصرين له، قال: يا أبا هريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي؟ قال: لا، قال: فإنك والله إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتل الناس جميعا، فرجع أبو هريرة ولم يقاتل انظر ((الطبقات)) (3/70)، وانظر ((العواصم من القواصم)) لابن العربي (ص125-129).
فعثمان رضي الله عنه اختار أهون الشرين، فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين انظر حاشية ((العواصم من القواصم)) للخطيب (ص129). والصحابة حوله امتثلوا أمر الله بطاعة الإمام، وكان رضي الله عنه قد عزم عليهم بحقه في طاعتهم له ألا يقاتلوا، فقال: "أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعا وطاعة إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم غناء من كف يده وسلاحه" انظر ((العواصم من القواصم)) (133). .
ولقد سار الصحابة رضي الله عنهم على المنهج نفسه الذي رباهم عليه رسول اله صلى الله عليه وسلم من بغض الفرقة، والسعي لجمع الكلمة، والتنازل عن بعض الحقوق، من أجل ذلك، مثاله: أنه لما توفى الحسن بن علي رضي الله عنه وكان قد أوصى أخاه الحسين أن يدفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن خاف قتالا أو فتنة فليدفن بالبقيع.
فلما مات رضي الله عنه لبس الحسين السلاح وتسلح بنو أمية وقالوا: لا ندعه يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيدفن عثمان بالبقيع، ويدفن الحسن بن علي في الحجرة؟ وخاف الناس وقوع الفتنة والقتال، فأشار سعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وجابر، وابن عمر رضي الله عنهم على ألا يقاتل، فامتثل رضي الله عنه ودفن أخاه قريبا من قبر أمه بالبقيع انظر ((البداية والنهاية)) لابن كثير (8/44).
رضي الله عنهم وأرضاهم إنهم والله لهم الحكماء والعلماء والمريدون وجه الله بما يشيرون، وبما يجمعون به الأمة.
لم تكن الدنيا شغل الصحابة الشاغل، ولم يكونوا يسعون للملك والرئاسة، بل يريدون تبليغ دين الله تعالى، ويسعون في مصلحة المسلمين دون نظر إلى مصالحهم، أو السعي لتحقيق مآربهم، تعرض على أحدهم الدنيا فيردها يبتغي الأجر من الله بتوحيد صف المسلمين وحقن دمائهم، فها هو ذا الحسن بن علي رضي الله عنه يتنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان سنة أربعين، ويسمى هذا العام عام الجماعة لاجتماع كلمة المسلمين على معاوية رضي الله عنه.
فالحسن تنازل عن الخلافة حرصا منه على الجماعة المسلمة، وخوفا من أن يراق دم من دماء المسلمين، لذلك لما اجتمع الجيشان ورآهم أمثال الجبال في الحديد من كثرتهم قال: "أضرب بين هؤلاء وهؤلاء في ملك من ملك الدنيا، لا حاجة لي فيه" كتاب ((الشريعة)) للآجري (5/2169).
وخطب رضي الله عنه في أهل العراق بعد وفاة علي بن أبي طالب وقال: إن كل ما هو آت قريب، وإن أمر الله عز وجل لواقع، ماله من دافع، ولو كره الناس، وإني ما أحب أن ألي من أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما يزن مثقال ذرة حبة من خردل يهراق فيه محجمة من دم، قد عرفت ما ينفعني مما يضرني" كتاب ((الشريعة)) للآجري (5/2169).
ولقد ذمه بعض أصحابه وأنصاره على تنازله عن الخلافة لمعاوية، حتى قال له رجل منهم لما قدم رضي الله عنه إلى الكوفة قال له: "السلام عليك يا مذل المؤمنين. فقال: لا تقل هذا!! لست بمذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك" انظر ((البداية والنهاية)) (8/19).
وقال له آخر: يا عار المؤمنين !! فقال له: العار خير من النار انظر ((فتح الباري)) (13/65).
ثبات على المنهج وتصميم على الحق ولو عذل العاذلون، ولام اللائمون، ولم يكن السعي لجمع الكلمة والعمل على حقن الدماء صادر من الحسن بن علي وحده، بل كان هذا موقف الصحابة رضي الله عنهم ففي المقابل كان معاوية ومن معه من الصحابة حريصين أيضا على جمع الكلمة وعقد الصلح، وحقن الدماء، لذلك أرسل معاوية للحسن بن علي رضي الله عنه يطلب منه الصلح ويشترط لنفسه ما شاءه لا عن قلة عدد جيشه بل خوفا من إراقة دماء المسلمين.
فروى البخاري عن الحسن البصري قال: "استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية – وكان والله خير الرجلين – أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش... فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، وقولا له واطلبا إليه أي طلب الصلح والتنازل عن الخلافة لمعاوية.
فأتياه فدخلا عليه فتكلما، وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به... فصالحه. فقال الحسن الحسن البصري راوي القصة. : ولقد سمعت أبا بكرة هو : نفيع بن الحارث وقيل: نفيع بن مروح تدلى في حصار الطائف ببكرة فاشتهر بأبي بكرة مولى النبي صلى الله عليه وسلم ومن فضلاء الصحابة رضوان الله عليهم، توفي سنة 51 هـ وقيل 52هـ. انظر الإصابة (6/252)، السير (3/5). يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر – والحسن بن علي إلى جنبه – وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول : ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) رواه البخاري (2704).
يقول الإمام محمد بن الحسين الآجري رحمه الله عن ذلك : "انظروا رحمكم الله وميزوا فعل الحسن الكريم بن الكريم أخ الكريم ابن فاطمة الزهراء مهجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قد حوى جميع الشرف، لما نظر إلى أنه لا يتم ملك من ملك الدنيا إلا بتلف الأنفس وذهاب الدين، وفتنة متواترة وأمور تتخوف عواقبها على المسلمين، صان دينه وعرضه، وصان أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يحب بلوغ ما له فيه حظ من أمور الدنيا، وقد كان لذلك أهلا، فترك ذلك بعد المقدرة منه على ذلك تنزيها منه لدينه،ولصلاح أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولشرفه، وكيف لا يكون ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن ابني هذا سيد، وإن الله عز وجل يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) كتاب ((الشريعة)) (5/2170)، وانظر ((فتح الباري)) (13/61 -67).
هذا هو المنهج، وهذا هو موقف الصحابة من الفرقة، موقف ثابت لثبات ما يستندون إليه من قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتبدل أو يتغير، وإن تغير الأشخاص، فالخلافة والملك يعرض على صحابي آخر فيأباه خوفا على الأمة، وخشية إراقة دماء المسلمين، فلقد عرضت الخلافة على عبدالله بن عمر لكنه رفضها وقال: "إني والله لئن استطعت لا يهراق في سببي محجمة دم" انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (4/151)، وانظر منه (4/149، 152، 169، 171، 182).
ويقال له: لو أقمت للناس أمرهم، فإن الناس قد رضوا بك كلهم. فيقول لهم: "أرأيتم إن خالف رجل بالمشرق؟ قالوا: إن خالف رجل قتل، وما قتل رجل في صلاح أمة؟ فقال: والله ما أحب لو أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أخذت بقائمة رمح، وأخذت بزجه فقتل رجل من المسلمين ولي الدنيا وما فيها ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (4/151)
وفي موقف آخر لابن عمر رضي الله عنه يظهر حرصه على موافقة الجماعة وعدم الخروج عنها، أو التسبب بالخروج عليها، إذ طلب معاوية بن أبي سفيان منه مبايعة يزيد ابنه بالخلافة بعده، وبين معاوية سبب ذلك قال: "إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع"، فقال له ابن عمر: "إذا بايعه الناس كلهم بايعته ولو كان عبدا مجدع الأطراف" انظر ((البداية والنهاية)) (8/80).
ولما تمت البيعة ليزيد بن معاوية، وشكى الناس منه، وأراد أهل المدينة خلعه، ظهر من حرص الصحابة على جمع الكلمة ووحدة الصف، ما ظهر من تسكين الثائرة، والمناصحة للمخالفين، فلما قيل لأسير أسير رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منسوب، انظر الإصابة (1/50) دار الفكر، ((الطبقات الكبرى)) (7/67). رضي الله عنه ما قيل في يزيد قال رضي الله عنه : "يقولون إن يزيد ليس بخير أمة محمد، ولا أفقهها فقها، ولا أعظمها فيها شرفا، وأنا أقول ذلك، ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أن تفرق، أرأيتكم بابا لو دخل فيه أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسعهم أكان يعجز عن رجل واحد لو دخل فيه؟ قالوا: لا، قال: أرأيتكم لو أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال: كل رجل منهم لا أهريق دم أخي، ولا آخذ ماله أكان هذا يسعهم؟ قالوا: نعم، قال: فذلك ما أقول لكم" انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (7/67) بتصرف يسير. .
ولقد رفض عبدالله بن عمر ورفض النعمان بن بشير وغيرهم من الصحابة رفضوا خلع يزيد بن معاوية، واشتد نكير ابن عمر على من خلعه. وغضب رضي الله عنه، وخاف الفتنة والفرقة من خلعه والخروج عليه، فجمع حشمه وولده فقال: "إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة)) وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله... وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه، ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه" رواه البخاري (7111).
بل ولعلمه رضي الله عنه بحرمة الخروج على السلطان وخطورته وضرره على المسلمين يذهب ناصحا لعبد الله بن مطيع ومن معه من أهل المدينة لما أرادوا خلع يزيد بن معاوية، فيذهب إليه ابن عمر فيقول عبدالله بن مطيع: اطرحوا لأبي عبدالرحمن وسادة، فقال ابن عمر: "إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) رواه مسلم (1851).
وكذلك كان أبو أمامة رضي الله عنه حريصا على الجماعة فقال: عن حال الناس والأمراء في خلافة عبدالملك بن مروان قال: "أما والله إني لكاره لأعمالهم، ولكن عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم، والسمع والطاعة خير من الفجور والمعصية انظر كتاب ((السنة)) للمروزي (77).
ومن حرصهم على الجماعة ووحدة الصف أنه لما طلب من ابن عمر مبايعة عبدالملك بن مروان بين رضي الله عنه أن قوله لا يخرج عن قول جماعة المسلمين، وأنه متى ما بايعه الناس بايعه، وفعلا لما تمت البيعة لعبد الملك لم يتأخر ابن عمر في مبايعته.
كل ذلك يبين لنا سلامة الصحابة من الفرقة وحرصهم على الجماعة، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
ثالثا: حرصهم على حسم مادة الاختلاف قبل وقوعه، واستدراكه قبل استفحاله
لقد أدرك الصحابة رضي الله عنهم أهمية الجماعة وضرورتها لإقامة هذا الدين، وجعل كلمة الله هي العليا، وعلموا يقينا – كما أخبرهم ربهم – خطر هذه الفرقة إذا دبت في المجتمع المسلم، لذلك حرصوا أشد الحرص على حسم مادة الفرقة والاختلاف بتعلم الناس أصول الاعتقاد، وبيان مسائله التي قد تكون شبهة على بعض الناس، كما كان علي بن أبي طالب يعلم الناس إثبات القدر، وكان عبادة بن الصامت يوصي ابنه بالإيمان بالقدر كتاب ((الشريعة)) للآجري (2/842).
كما حرص الصحابة رضي الله عنهم على اجتماع الأمة، وعدم حدوث شيء يشوش على العامة أو يوجب اختلافهم، لذلك لما رأى عمر بن الخطاب أبي بن كعب وعبدالله بن مسعود يختلفان في الصلاة في الثوب الواحد، إذ قال أبي : الصلاة في الثوب الواحد حسن جميل، وقال ابن مسعود: إنما كان والثياب قليلة، فخرج عمر مغضبا وقال: "اختلف رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ينظر إليه ويؤخذ عنه، وقد صدق أبي، ولم يأل ابن مسعود، ولكني لا أسمع أحد يختلف فيه بعد مقامي هذا إلا فعلت به كذا وكذا انظر ((جامع بيان العلم)) لابن عبد البر (2/911، 914).
ومن حرصه أيضا رضي الله عنه ما جمع الناس عليه من عدد تكبيرات صلاة الجنازة، فقد كان الصحابة مختلفين منهم من يكبر خمسا، ومنهم من يكبر سبعا، ومنهم من يكبر أربعا واختلاف الصحابة هذا من اختلاف التنوع. ، فحسم الفاروق رضي الله عنه مادة الاختلاف وجمع الصحابة على أربع تكبيرات ونهاهم عما سوى ذلك.
ومن ذلك أيضا ما وقع بين سلمان الفارسي رضي الله عنه، وحذيفة بن اليمان، حيث كان حذيفة بالمدائن فيذكر أشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة، فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة ويخبرونه بذلك، فجاء حذيفة لسلمان وقال له: وما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال سلمان: "أن رسول الله كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضى لناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالا حب رجال، ورجالا بغض رجال، وحتى توقع اختلافا وفرقة؟... والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر".
فرضي الله عنهم وأرضاهم كانوا أعلم الناس وأحرصهم على الجماعة، وأبعدهم عن الفرقة، يوصي بعضهم بعضا، وينبه وينصح بعضهم بعضا بذلك.
إن مما أوصى به الصحابة ومن بعدهم لحسم مادة الاختلاف، والحد من انتشار الفرقة ما أوصوا به من هجر أصحاب البدع، والنهي عن مجالستهم ومحادثتهم بل حتى السلام عليهم.
فهذا عمر بن الخطاب يضرب صبيغ بن عسل هو : صبيغ بن عسل ويقال ابن سهل الحنظلي قدم المدينة زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وأعد له عراجين النخل فضربه به حتى دمى رأسه، وأقر له عطاءه. انظر الإصابة (3/258). لما بدأ يسأل أسئلة تثير الشبهة في نفوس الناس، ولا يكتفي عمر بضربه بل يأمر بهجره وعدم الجلوس معه تأديبا له ومنعا من انتشار شره بين الناس حتى أعلن توبته انظر ((الشريعة)) للآجري (1/481)، شرح أصول اعتقاد أهل ((السنة)) للالكائي (4/634)، ولقد نفع ذلك مع صبيع بن عسل إذ أنه دعي بعد ذلك إلى اللحاق بالخوارج الحرورية فرفض وقال: "هيهات! قد نفعني الله بموعظة الرجل الصالح"، يقصد تأديب عمر له. انظر: مصنف عبدالرازق (11/426)، ((التنبيه والرد)) للملطي (ص181).
وكذلك يوصي ابن عباس بهجر القدرية فيقول: "لا تجالسهم ولا تكلمهم" انظر كتاب ((الشريعة)) (2/875)، وانظر في هجر أهل البدع ((الشريعة)) (5/2024، 2524، 2544).
ومن مواقف الصحابة رضي الله عنهم ومحاولتهم استدراك الخلاف واحتوائه قبل فشوه وانتشاره ما حصل في زمن عثمان رضي الله عنه ذلك أن حذيفة بن اليمان قدم عليه، وكان يغازي بأهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في قراءة القرآن، فلما رجع قال لعثمان: "يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى". إذ بلغ اختلافهم أن كفر بعضهم بعضا، فاستشار عثمان الصحابة رضي الله عنه في أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف فكان ذلك انظر ((فتح الباري)) (9/18).
فرضي الله عنهم وأرضاهم، وأعاننا الله على السير بهداهم.
تنبيه:
لا يرد في الذهن أن سلامة الصحابة من الفرقة تعارض بما وقع بين الصحابة يوم الجمل وصفين، بل إن ما وقع يشهد لهم رضي الله عنهم بسلامتهم من الفرقة، وحرصهم رضي الله عنهم على إقامة الحق، واجتهادهم في ذلك.
فأما ما حدث في وقعة الجمل ومسير أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما، والزبير ابن العوام وطلحة إلى البصرة إنما كان غرضهم في ذلك أمرين:
1- الصلح ولم الشمل وجمع كلمة المسلمين.
2- الطلب بدم أمير المؤمنين عثمان بن عفان انظر ((البداية والنهاية)) (7/230، 239، 241).
وكان قصد علي بن أبي طالب رضي الله عنه الصلح أيضا انظر ((البداية والنهاية)) (7/234، 235، 238).
ولبيان ذلك نذكر ما دار بين القعقاع بن عمرو القعقاع بن عمرو التميمي،، أحد فرسان العرب وأبطالهم في الجاهلية والإسلام، له صحبه، شهد صفين مع علي رضي الله عنه، توفي نحو 40هـ. انظر الإصابة (3/239) دار الفكر، ((الأعلام)) (6/48). رضي الله عنه حينما أرسله علي رضي الله عنه إلى طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهما وهم في البصرة، حيث أرسله علي إليهم يدعوهم إلى الألفة والجماعة، يعظم عليهما الفرقة والاختلاف، فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين فقال: "أي أماه ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بني الإصلاح بين الناس. فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضرا عندها، فحضرا فقال القعقاع: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت: إنما جئت للإصلاح بين الناس، فقالا: ونحن كذلك. قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ وعلى أي شيء يكون؟ فوالله لئن عرفناه لنصطلحن. قالا: قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن. فقال: قتلتما قتلته من أهل البصرة وأنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل، فغضب لهم ستة آلاف فاعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فإن تركتموهم وقعتم فيما تقولون، وإن قاتلتموهم فأديلوا عليكم كان الذي حذرتم، وفرقتم من هذا الأمر أعظم مما أراكم تدفعون وتجمعون منه – يعني أن الذي تريدونه من قتل عثمان مصلحة، ولكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها – وكما أنكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان من حرقوص بن زهير لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله، فعلي أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، وإنما أخر قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم، فقالت عائشة رضي الله عنها: فماذا تقول أنت؟ قال: أقول إن هذا الأمر الذي وقع دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وإدراك الثأر، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر كانت علامة شر وذهاب هذا الملك، فآثروا العافية ترزقونا، فكونوا مفاتيح خير كما كنتم أولا... فقالوا: قد أصبت وأحسنت فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح الأمر. فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه، وأرسلت عائشة إلى علي تعلمه أنها إنما جاءت للصلح، ففرح هؤلاء وهؤلاء انظر ((البداية والنهاية)) (7/237).
والتقت الطائفتان قرب البصرة وهما على ما فارقا القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس، فاطمأنت النفوس وسكنت، واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين وباتوا بخير ليلة، وبات قتلة عثمان بشر ليلة، لأنهم علموا أن الفريقين اصطلحوا على دمائهم، وأن في اصطلاح الناس هلاكهم، فباتوا يتشاورون، وأجمعوا على أن نجاتهم في فرقة الطائفتين، فعزموا على أن يثيروا الحرب بين الطائفتين من الغلس، فنهضوا من قبل طلوع الفجر وهم قريب من ألفي رجل المراد بهم قتلة عثمان. ليس فيهم صحابي واحد، فانصرف كل فريق إلى قراباتهم فتهجموا عليهم بالسيوف، فثارت كل طائفة إلى قومهم ليمنعوهم، وقام الناس من منامهم إلى السلاح، فقالوا: طرقتنا أهل الكوفة ليلا، وبيتونا وغدروا بنا، وظنوا أن هذا عن ملأ من أصحاب علي، فبلغ الأمر عليا فقال: ما للناس؟ فقالوا: بيتنا أهل البصرة، فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللأمة وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر، وكان أمر الله قدرا مقدورا وقامت الحرب على ساق وقدم انظر ((البداية والنهاية)) (7/238، 239). باختصار وتصرف، انظر الفتنة ووقعة الجمل رواية سيف بن عمر الضبي، جمع وتصنيف أحمد عرموش (ص145).
يقول ابن حزم رحمه الله: "أما أم المؤمنين والزبير وطلحة رضي الله عنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي، ولا خلافا عليه ولا نقضا لبيعته، ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته، فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ظلما، ولم يكن نهوض علي إلى البصرة لقتالهم لكن موافقا لهم على ذلك ليقوي بهم، وتجتمع الكلمة على قتلة عثمان رضي الله عنه، وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم، فبيتوا عسكر طلحة والزبير، وبذلوا السيف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم، فردعوا حتى خالطوا عسكر علي، فدفع أهله عن أنفسهم، وكل طائفة تظن ولا تشك أن الأخرى بدأتها بالقتال، فاختلط الأمر اختلاطا لم يقدر أحد على أكثر من الدفاع عن نفسه، والفسقة قتلة عثمان – لعنهم الله- لا يفترون من شب الحرب، وإضرامها فكلتا الطائفتين مصيبة في غرضها، ومقصدها مدافعة عن نفسها ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) لأبي محمد بن حزم (4/ 238).
فالقتال وقع بقصد أهل الفتنة لا بقصد السابقين الأولين انظر ((منهاج السنة)) النبوية لابن تيمية (6/339)، وانظر تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل لأبي بكر الباقلاني (553، 557) فرضي الله عنهم وأرضاهم.
أما ما جرى بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم في صفين، فبين ابن حزم رحمه الله هذا الأمر حينما قال: إن ما حدث كان اجتهاد في الرأي من معاوية رضي الله عنه حيث أنه رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان رضي الله عنه على البيعة، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان من ولد عثمان، وله في ذلك مستند مستنده: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبدالرحمن بن سهل أخا عبدالله بن سهل المقتول بخيبر بالسكوت، وهو أخو المقتول وقال له: كبر... كبر، وروى: الكبر الكبر، فسكت عبدالرحمن وتكلم محيصة وحويصة ابني مسعود وهما ابنا عم المقتول لأنهما كانا أسن من أخيه، انظر ((الفصل)) (4/241). ، وإنما أخطأ من تقديمه ذلك على البيعة فقط، فله أجر الاجتهاد في ذلك، ولا إثم عليه، فما حرم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم أجرا واحدا وللمصيب أجرين.
وأما علي رضي الله عنه فقاتل معاوية لامتناعه عن إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام وهو الإمام الواجبة طاعته.
وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع من أدائه، وقاتل دونه فإنه يجب على الإمام أن يقاتله، وإن كان متأولا وليس ذلك بمؤثر في عدالته وفضله، ولا بموجب له فسقا بل هو مأجور لاجتهاده ونيته في طلب الخير، فبهذا قطعنا على صواب علي رضي الله عنه وصحة إمامته، وأنه صاحب الحق وأن له أجرين أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وقطعنا أن معاوية رضي الله عنه ومن معه مخطئون مأجورون أجرا واحدا.
ولو أن معاوية بايع عليا لقوي به على أخذ الحق من قتلة عثمان، فصح أن الاختلاف هو الذي أضعف يد علي عن إنفاذ الحق عليهم، ولولا ذلك لأنفذ الحق عليهم كما أنفذوه على قتلة عبدالله بن خباب إذ قدر على مطالبة قتلته.
فعلي رضي الله عنه طلب حقه وقاتل عليه، وقد كان له تركه ليجمع كلمة المسلمين، ومن ترك حقه رغبة في حقن دماء المسلمين فقد أتى من الفضل بما لا وراء بعده، ومن قاتل عليه ولو أنه فلس فحقه طلب، ولا لوم عليه، بل هو مصيب في ذلك، وبالله التوفيق انظر ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) (4/240 – 244). باختصار وتصرف، وانظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم الأصبهاني (364 – 371)، ((الفتاوى)) (4/268) ((البداية والنهاية)) (8/252 – 277).
ثم ليعلم أن هذه الفتنة التي وقعت إنما هي بين بعض الصحابة رضي الله عنهم، وهم الذين اجتهدوا ورأوا أن الحق مع إحدى الطائفتين فلحق بها، أما أكثر الصحابة فاعتزلوا الفتنة.
يقول الإمام محمد بن سيرين هو : محمد بن سيرين البصري، الأنصاري بالولاء، أبو بكر إمام وقته في علوم الدين بالبصرة، تابعي من أشراف الكتاب، اشتهر بالورع وتعبير الرؤيا، توفي سنة 110هـ. انظر التهذيب (9/214)، ((الأعلام)) (6/154). رحمه الله: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرات الألوف، فلم يحضرها منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين انظر ((البداية والنهاية)) (7/52).
ويقول الشعبي هو : عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار، أبو عمر الهمداني الشعبي، كان فقيها عالما، توفي سنة 104هـ. انظر: السير (4/294)، الشذرات (1/126). رحمه الله: "بالله الذي لا إله إلا هو ما نهض في تلك الفتنة إلا ستة بدريين ما لهم سابع أو سبعة ما لهم ثامن" انظر ((تاريخ الطبري)) (3/6)، تحقيق ((مواقف الصحابة في الفتنة)) لمحمد أمحزون (2/167).
فكان منهجهم رضي الله عنهم اعتزال الفتنة ولزوم البيت وترك القتال.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والذين قعدوا عن القتال جملة أعيان الصحابة كسعد وزيد وابن عمر وأسامة ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة، وهم يروون النصوص من النبي صلى الله عليه وسلم في القعود عن القتال في الفتنة.
وهذا مذهب أهل الحديث وعامة أئمة السنة حتى قال الإمام أحمد: لا يختلف أصحابنا أن قعود علي عن القتال كان أفضل له لو قعد، هذا ظاهر من حاله في تلومه في القتال وتبرمه به، ومراجعة الحسن ابنه له في ذلك، وقوله له: ألم أنهك يا أبت؟ وقوله: لله در مقام قامه سعد بن مالك, وعبدالله بن عمر، إن كان برا إن أجره لعظيم، وإن كان إثما إن خطأه ليسير" ((الفتاوى)) (4/269)، وانظر منه (35/33، 36)، ((منهاج السنة النبوية)) (6/333).
وينبه الإمام النووي على أمر مهم فيقول: "قوله صلى الله عليه وسلم : ((إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار)) رواه مسلم (2888) ورواه البخاري (31) بلفظ التقى. ، معنى : تواجها ضرب كل واحد وجه صاحبه أي ذاته وجملته، وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار فمحمول على من لا تأويل له ويكون قتالها عصبية ونحوها...
واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم ليست بداخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيبا وبعضهم مخطئا معذورا في الخطأ لأنه لاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب. هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا أو لم يتيقنوا الصواب ثم تأخروا عن مساعدته منهم" شرح ((صحيح مسلم)) للنووي (18/11).
ختاما: إن الناظر في حال الصحابة رضي الله عنهم يظهر له ويتبين سلامتهم من الفرقة، فقد كانوا على الجماعة حريصين، ومن الفرقة بعيدين، وفي موقفهم من الفرقة متحدين، لتقديمهم نصوص الوحي، ولاتباعهم هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولسلوكهم السبيل الذي دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: 108]
فهم رضي الله عنهم سائرون على الصراط المستقيم الذي وصاهم به ربهم تعالى، مجانبون في ذلك سبل الضلالة، قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 153]
إن وحدة الموقف تنتج من وحدة المنهج، فهل تعي الأمة ذلك وتعود لتوحد مناهجها لتتحد مواقفها، وتعود لقول ربها لتلتئم وحدتها بتوحيدها لله رب العالمين قولا وعملا، وتصديقا وتسليما، ويعود كما كان البنيان المرصوص، والجسد الواحد، أسأل الله ذلك.موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص327-347

انظر أيضا: