موسوعة الفرق

المطلب الرابع: مسمى الإيمان عند الأشاعرة


لم تكن الأشاعرة على مقالة واحدة في مسمى الإيمان، وحتى شيخهم الأشعري مذهبه مختلف في ذلك، وحاصل أقوالهم في هذه المسألة ثلاثة، هي:
القول الأول: وافقوا فيه السلف في أن الإيمان قول وعمل.
وهذا هو آخر قولي الأشعري، واختاره طائفة من أصحابه انظر: ((الإيمان))   ( ص114، 138 )  ((الفتاوى)) ( 7/120، 143 ) ؛ و ((الفتاوى)) ( 13/174، 175 ).
يقول شيخ الإسلام بعد ذكره قول الأشعري الذي وافق فيه الجهمية:
"والقول الآخر عنه  -  يعني الأشعري  -  كقول السلف، وأهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل، وهو اختيار طائفة من أصحابه" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/509 ) ، ( ص380 ) ط. ابن الجوزي.
وقد نقل شيخ الإسلام حكاية أبي الحسن الأشعري لمقالة أصحاب الحديث في الإيمان، حيث قال: "ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق.
وذكر كلاما طويلا، ثم قال في آخره: وبكل ما ذكرناه من قولهم نقول، وإليه نذهب.
فهذا قوله في هذا الكتاب، وافق أهل السنة، وأصحاب الحديث" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/549-550 ) ، ( ص440 ) ط. ابن الجوزي؛ وهو في: ((مقالات الإسلاميين))  (  1/347-350 ) ؛ ونقله شيخ الإسلام في مواضع منها: ((التسعينية))   ( 2/479 ) ؛ و ((الفتاوى)) ( 5/91 ) ، 186 ) ؛ ( 16/308 ) ؛ و ((بيان التلبيس))  (  2/31 ) ؛ وأشار إليه في ((الفتاوى)) ( 4/174 ) ؛ و ((درء التعارض))   ( 7/36، 462 ) ؛ و ((منهاج السنة))  (  2/228 ) ؛ و ((بيان التلبيس))   ( 1/35، 398، 418 )  – ( 2/27، 34 ).
وكذلك نقل شيخ الإسلام إعلان الأشعري في كتابه الإبانة متابعة للإمام أحمد، إذ يقول: "قولنا الذي نقول، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبدالله أحمد بن حنبل  -  نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته  -  قائلون، ولما خالف قول مخالفون" ((الإبانة في أصول الديانة))  ، للأشعري، تحقيق عباس صباغ،
ويقول شيخ الإسلام: "ولهذا لما صار يظهر لبعض أتباع أبي الحسن فساد قول جهم في الإيمان خالفه كثير منهم، فمنهم من تبع السلف.
قال أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني في شرح الإرشاد لأبي المعالي  -  بعد أن ذكر قول أصحابه  -  قال: وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات، فرضها ونفلها، وعبروا عنه بأنه إتيان ما أمر به فرضا ونفلا، والانتهاء عما نهى عنه تحريما وأدبا.
قال: وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي، ومن متقدمي أصحابنا أبو العباس القلانسي، وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبدالله بن مجاهد.
قال: وهذا قول مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومعظم أئمة السلف  -  رضوان الله عليهم أجمعين -.
وكانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان" ((التسعينية))  (  2/659-660 ) ، و ((الإيمان))   ( ص138 )  ((الفتاوى))  ( 7/143 ) ، وكلام الأنصاري في كتابه المخطوط: ((شرح الإرشاد))   ( 279/ أ-ب ).
القول الثاني: وافقوا فيه فقهاء المرجئة، وابن كلاب، في أن الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان.
فقد ذكر شيخ الإسلام أنه لما ظهر لبعض أتباع أبي الحسن فساد قول جهم في الإيمان خالفوا إمامهم، وقالوا بقول المرجئة: إن التصديق بالقلب، واللسان انظر: ((الإيمان))   ( ص138 )  ((الفتاوى)) ( 7/143 ) ؛ و ((الفتاوى))  ( 20/86 ).
ويقول أبو القاسم الأنصاري الأشعري في حكاية مذاهب أصحابه:
"وهل يشترط في الإيمان الإقرار؟
اختلفوا فيه، بعد أن لم يختلفوا في ترك العناد شرطا، وهو أن يعتقد أنه متى طولب بالإقرار أتى به، فأما قبل أن يطالب به:
منهم من قال: لابد من الإتيان به  -  يعني الإقرار باللسان  -  حتى يكون مؤمنا، وهذا القائل يقول: التصديق هو المعرفة والإقرار جميعا.
وهذا قول الحسين بن الفضل البجلي، وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه، وبقريب من هذا كان يقول الإمام أبو محمد عبدالله بن سعيد القطان من متقدمي أصحابنا" ((التسعينية))   ( 2/655-657 ) ؛ وانظر منها، ( ص647 ) ؛ و ((الإيمان))   ( ص140 )  ((الفتاوى)) ( 7/146 ).
ويقول شيخ الإسلام: "وابن كلاب نفسه، والحسين بن الفضل البجلي، ونحوهما، كانوا يقولون: هو التصديق، والقول جميعا، موافقة لمن قاله من فقهاء الكوفيين، كحماد بن أبي سليمان، ومن اتبعه، مثل أبي حنيفة، وغيره" ((الإيمان))   ( ص114 )  ((الفتاوى)) ( 7/120 ).
القول الثالث: وافقوا فيه الجهمية في أن الإيمان مجرد تصديق القلب.
وهذا هو أشهر أقوال شيخهم أبي الحسن الأشعري، وعليه أكثر أصحابه، كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي الجويني، وبه قال الماتريدي.
وقد لوحظ أثناء شرح مذهب الجهمية أن شيخ الإسلام لا يكاد يذكر هذا المذهب إلا ويتبعه البيان بأن الأشعري وأكثر أصحابه يوافقون جهما عليه، ويقولون بقوله، فذكر كلام شيخ الإسلام هناك يغني عن نقله هنا، ومع هذا، فلابد من إعادة بعضه لإثبات هذه الحقيقة، مع نقل ما قاله أساطين المذهب الأشعري في ذلك، مما نقله شيخ الإسلام وتعقبه، فصار هناك طريقان من البيان لإثبات موافقة الأشعرية للجهمية في مسمى الإيمان، وهما:
الطريق الأول: نقل أقوال شيخ الإسلام في ذلك.
الطريق الثاني: نقل ما قاله علماء الفرقة مما نقله شيخ الإسلام عنهم، أو أشار إليه.
وهذا أوان تفصيل هذين الطريقين:
الطريق الأول: أقوال شيخ الإسلام في موافقة الأشاعرة للجهمية في مسمى الإيمان.
جاء ذلك عن شيخ الإسلام في مواضع كثيرة، وقد تقدم إيراد شيء منها، ومن ذلك قوله رحمه الله:
"وأما الأشعري: فالمعروف عنه وعن أصحابه: أنهم يوافقون جهما في قوله في الإيمان، وأنه: مجرد تصديق القلب، أو معرفة القلب" ((النبوات))   ( 1/580 ).
ويقول: "وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم، والصالحي، ومن اتبعهما في الإيمان، كالأشعري  -  في أشهر قوليه -، وأكثر أصحابه، وطائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة، كالماتريدي انظر في كونه قول الماتريدي: ((تبصرة الأدلة))   ( 2/799 ) ؛ و ((التمهيد لقواعد التوحيد))  ، ( ص 128 ) ؛ و ((المسامرة بشرح المسايرة))  ، للكمال بن أبي شريف، الطبعة الأولى 1317هـ، بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق بمصر، ( ص1، 5 )  من الخاتمة؛ ((ورد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار))   ((حاشية ابن عابدين))  ، لابن عابدين، تحقيق عبدالمجيد حلبي، الطبعة الأولى 1420هـ، دار المعرفة ببيروت ( 6/342 ). ، ونحوه:
حيث جعلوه مجرد تصديق في القلب، يتساوى فيه العباد، وأنه إما أن يعدم وإما أن يوجد، لا يتبعض.
وأنه يمكن وجود الإيمان تاما في القلب مع وجود المتكلم بالكفر، والسب لله ورسوله، طوعا من غير إكراه.
وأن ما علم من الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر؛ فلأن ذلك مستلزم عدم ذلك التصديق الذي في القلب،...،.
وأن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن الذي في القلب، بل يوجد إيمان القلب تاما بدونها" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/582 ) ، ( ص493 ) ط. ابن الجوزي.
ويقول شيخ الإسلام: "وأما جهم فكان يقول: إن الإيمان مجرد تصديق القلب، وإن لم يتكلم به.
وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها، بل أحمد ووكيع كفروا من قال بهذا القول.
ولكن هذا هو الذي نصره الأشعري، وأكثر أصحابه، ولكن قالوا مع ذلك إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره، واستدللنا بتكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة" ((الفتاوى)) ( 13/47 ) ؛ وانظر منها ( 7/636-637 ) .
ويقول: "فهؤلاء القائلون بقول جهم، والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث، وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفرا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفا بالله، موحدا له، مؤمنا به.
فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافرا باطنا وظاهرا.
قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن، وأن الإيمان عدم ذلك" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/557 ) ، ( ص449 ) ط. ابن الجوزي.
وقال الاشعري: "والفرقة الثانية من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو: المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلا المعرفة به، ولا كفر بالله إلا الجهل به، وأن قول القائل: إن الله ثالث ثلاثة ليس بكفر، ولكنه لا يظهر إلا من كافر، وذلك أن الله سبحانه أكفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر، وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له، وهي الخضوع لله، وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول، وأنه لا يؤمن بالله إذا جاء الرسول إلا من آمن بالرسول، ليس لأن ذلك يستحيل، ولكن لأن الرسول قال: ((ومن لا يؤمن بي، فليس بمؤمن بالله)) لم نجده.
وزعموا أن الصلاة ليست بعبادة لله، وأنه لا عبادة إلا الإيمان به، وهو: معرفته.
والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وهو خصلة واحدة، وكذلك الكفر.
والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي" ((المقالات))   ( 1/214 ).
قال شيخ الإسلام معلقا على هذا القول بعد نقله له: "وقد ذكر الأشعري في كتابه الموجز قول الصالحي هذا، وغيره، ثم قال: والذي اختاره من الأسماء ما ذهب إليه الصالحي" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: مجموع ((الفتاوى)) ( 7/544 ) ، ( ص430-431 ) ط. ابن الجوزي، وانظر منه ( 7/550 ) ، ( ص440 ) ط. ابن الجوزي.
ويقول شيخ الإسلام: "قال أبو عبدالله الصالحي: إن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، لكن له لوازم، فإذا ذهبت دل ذلك على عدم تصديق القلب.
وأن كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر كان لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته.
وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة، وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة.
وهذا أشهر قولي أبي الحسن الأشعري، وعليه أصحابه، كالقاضي أبي بكر، وأبي المعالي، وأمثالها كالرازي، انظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/551 ) ، ( ص384 ) ط. ابن الجوزي؛ و ((الإيمان))   ( ص386 )  ((الفتاوى)) ( 7/403 ). ، ولهذا عدهم أهل المقالات من المرجئة"، ثم قال:
"وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة، كأبي منصور الماتريدي، وأمثاله إلى نظير هذا القول في الأصل، وقالوا: الإيمان هو ما في القلب، وإن القول شرط لثبوت أحكام الدنيا" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/509 – 510 378 – 379 ) ط. ابن الجوزي.
والخلاصة أن الأشاعرة "ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان مجرد التصديق الذي في القلب، وإن لم يقترن به قول اللسان، ولم يقتض عملا في القلب، ولا الجوارح" ((الصارم المسلول))   ( 3/960 ) ؛ وراجع مسمى الجهمية، فثمة نقول وإحالات أخرى حول موافقة الاشاعرة للجهمية.
الطريق الثاني: الأقوال التي نقلها شيخ الإسلام عن علماء الأشاعرة في مسمى الإيمان، أو أشار إليها.
نقل شيخ الإسلام كلام عدد من علماء الأشاعرة حول مذهبهم في الإيمان، وأكثر من النقل عن أبي القاسم الأنصاري، وقد تخلل هذه النقول تعقبات مهمة من شيخ الإسلام لكلام الأشاعرة كشف فيها عما حواه من اضطراب وتناقضِ، وهذا عرض لهذه النقول على النحو التالي:
أولاً: قال أبو القاسم الأنصاري: "وأما مذاهب أصحابنا  -  يعني الأشاعرة -، فصار أهل التحقيق من أهل الحديث والنظار منهم إلى: أن الإيمان هو: التصديق، وبه قال شيخنا أبو الحسن.
واختلف جوابه في معنى التصديق:
فقال مرة: التصديق هو: المعرفة بوجود الله، وقدمه، وإلهيته.
وقال مرة: التصديق قول في النفس، غير أنه يتضمن المعرفة، ولا يصح أن يوجد بدونها؛ وهذا ما ارتضاه القاضي يعني الباقلاني. انظر: ((المسامرة بشرح المسايرة))  ، ( ص23  ) من الخاتمة.
فإن التصدق والكذب، والتصديق والتكذيب، بالأقوال أجدر، فالتصديق إذا: قول في النفس، ويعبر عنه باللسان، فتوصف العبارة بأنها تصديق؛ لأنها عبارة عن التصديق.
هذا ما حكاه شيخنا الإمام" ((الإيمان))   ( ص140 )  ((الفتاوى)) ( 7/145-146 ) ؛ و ((التسعينية))   ( 2/649 ) ، وهو في: ((شرح الإرشاد))   ( 278/ب – 279/أ ).
قال شيخ الإسلام معلقا على كلام الأنصاري: "فقد ذكر عن أبي الحسن الأشعري قولين:
أحدهما: أن التصديق هو المعرفة، وهذا قول جهم وقد صرح التفتازاني أن الأشعري قد يميل إلى هذا القول. انظر: ((شرح المقاصد))   ( 5/177 ).
والثاني: أن التصديق قول في النفس يتضمن المعرفة، وهو اختيار ابن الباقلاني، وابن الجويني.
وهؤلاء قد صرحوا بأنه يتضمن المعرفة، ولا يتصور أن يقوم في النفس تصديق مخالف لمعرفة كما ذكروه، ولو جاز أن يصدق بنفسه بخلاف علمه واعتقاده لانتقض أصلهم في الإيمان، إذا كان التصديق لا ينافي اعتقاد خلاف ما صدق به، فلا يجب أن يكون مؤمنا بمجرد تصديق النفس على هذا التقدير، وكل من القولين ينقض ما استدل به على أن التصديق غير العلم" ((التسعينية))   ( 2/649-651 ).
ثانياً: قال الأنصاري: "وحكى الإمام أبو القاسم الإسفراييني اختلافا عن أصحاب أبي الحسن في التصديق، ثم قال:
والصحيح من الأقاويل في معنى التصديق ما يوافق اللغة؛ لأن التكليف بالإيمان ورد بما يوافق اللغة.
والإيمان بالله ورسوله على موافقة اللغة هو: العلم بأن الله ورسوله صادقان في جميع ما أخبرا به.
والإيمان في اللغة مطلقا هو: اعتقاد صدق المخبر في خبره؛ إلا أن الشرع جعل هذا التصديق علما، ولا يكفي أن يكون اعتقادا من غير أن يكون علما؛ لأن من صدق الكاذب واعتقد صدقه فقد آمن به، ولهذا قال في صفة اليهود: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء: 51] ، يعني: يعتقدون صدقهما" ((التسعينية))   ( 2/651-652 ).
ثالثا: قال الجويني: "والمرضي عندنا: أن حقيقة الإيمان: التصديق بالله، فالمؤمن بالله من صدقه.
ثم التصديق على الحقيقة: كلام النفس، ولا يثبت كلام النفس إلا مع العلم، فإنا أوضحنا أن كلام النفس يثبت على حسب الاعتقاد.
والدليل على أن الإيمان هو التصديق صريح اللغة، وأصل العربية، وهو لا ينكر فيحتاج إلى إثباته، ومن التنزيل: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: 17] ، معناه: ما أنت بمصدق لنا" ((التسعينية))   ( 2/648 ) ؛ وهو في ((الإرشاد))  ، (ص333-334 ) ؛ ومثله في العقيدة النظامية، لكنه بين فيها أن من لم يأت بالقول فهو كافر كفر جحود وعناد. انظر: العقيدة النظامية، ( ص84 ).
قال شيخ الإسلام: "فقد صرح  -  يعني الجويني  -  بأن كلام النفس لا يثبت إلا مع العلم، وأنه إنما يثبت على حسب الاعتقاد، وهذا تصريح بأنه لا يكون مع عدم العلم، وأنه إنما يثبت على سحب الاعتقاد، وهذا تصريح بأنه لا يكون مع عدم العلم، ولا يكون على خلاف المعتقد، وهذا يناقض ما أثبتوا به كلام النفس، وادعوا أنه مغاير للعلم" ((التسعينية))   ( 2/649 ).
وقال: "قلت: ليس الغرض هنا ذكر تناقضهم في مسمى الإيمان، وفي التصديق:
هل هو تصديق بوجود الله وقدمه وإلاهيته، كما قاله الأشعري؟ أو هو تصديق فيما أخبر به، كما ذكره غيره؟ أو التناقض، كما في كلام صاحب (الإرشاد)، حيث قال: الإيمان هو التصديق بالله، فالمؤمن بالله من صدقه؟
فجعل التصديق بوجوده هو تصديقه في خبره، مع تباين الحقيقتين، فإنه فرق بين التصديق بوجود الشيء وتصديقه، ولهذا يفرق القرآن بين الإيمان بالله ورسوله، وبين الإيمان للرسول، إذ الأول هو الإقرار بذلك، والثاني هو الإقرار له، كما في قوله: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: 17] ، معناه: ما أنت بمصدق لنا" ((التسعينية))   ( 2/648 ) ؛ وهو في ((الإرشاد))  ، ( ص333-334 ) ؛ ومثله في العقيدة النظامية، لكنه بين فيها أن من لم يأت بالقول فهو كافر كفر جحود وعناد. انظر: ((العقيدة النظامية))  ، ( ص84 ).
قال شيخ الإسلام: "فقد صرح  -  يعني الجويني  -  بأن كلام النفس لا يثبت إلا مع العلم، وأنه إنما يثبت على حسب الاعتقاد، وهذا تصريح بأنه لا يكون مع عدم العلم، ولا يكون على خلاف المعتقد، وهذا يناقض ما أثبتوا به كلام النفس، وادعوا أنه مغاير للعلم" ((التسعينية))   ( 2/649 ).
وقال: "قلت: ليس الغرض هنا ذكر تناقضهم في مسمى الإيمان، وفي التصديق:
هل هو تصديق بوجود الله وقدمه وإلاهيته، كما قاله الأشعري؟ أو هو تصديق فيما أخبر به، كما ذكره غيره؟ أو التناقض، كما في كلام صاحب (الإرشاد)، حيث قال: الإيمان هو التصديق بالله، فالمؤمن بالله من صدقه؟
فجعل التصديق بوجوده هو تصديقه في خبره، مع تباين الحقيقتين، فإنه فرق بين التصديق بوجود الشيء وتصديقه، ولهذا يفرق القرآن بين الإيمان بالله ورسوله، وبين الإيمان للرسول، إذ الأول هو الإقرار بذلك، والثاني هو الإقرار له، كما في قوله: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: 17] ، وفي قوله: يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: 61] ، وفي قوله: لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ [التوبة: 94] وقد قال: فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ [الأعراف: 158] ، فميز بين الإيمان به من الإيمان بكلماته، وكذلك قوله: آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة: 136] ، وقوله: كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: 285]
فليس الغرض أنهم لم يهتدوا لمثل هذا، في مثل هذا الأصل، الذي لم يعرفوا فيه لا الإيمان ولا القرآن، وهما نور الله الذي بعث به رسوله، كما قال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ [الشورى: 52-53]
وإنما الغرض أن التصديق قد صرح هؤلاء بأنه هو العلم يقول الباقلاني: "الإيمان هو التصديق بالله تعالى، وهو العلم". ((التمهيد))  ، ( ص389 ) ؛  ونقله شيخ الإسلام في: ((الإيمان))   ( ص115 )  ((الفتاوى)) ( 7/121 ). ، أو هو الاعتقاد إذا لم يكن علما، وأنهم مضطرون إلى أن يقولوا ذلك، وهو أبلغ من قول بعضهم: مستلزم للعلم، في تمام ما ذكره عن أبي القاسم الاسفراييني" ((التسعينية))   ( 2/652-653 ).
رابعاً: قال الأنصاري: "ومنهم  -  يعني الأشاعرة  -  من اكتفى بترك العناد، فلم يجعل الإقرار أحد ركني الإيمان، فيقول: الإيمان هو التصديق بالقلب، وأوجب ترك العناد بالشرع.
وعلى هذا الأصل يجوز أن يعرف الكافر الله، وإنما يكفر بالعناد، لا لأنه ترك ما هو الأهم في الإيمان.
وعلى هذا الأصل يقال: إن اليهود كانوا عالمين بالله ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم كفروا عنادا وبغيا وحسدا.
قال: وعلى قول شيخنا أبي الحسن: كل من حكمنا بكفره، فنقول: إنه لا يعرف الله أصلا، ولا عرف رسوله، ولا دينه.
قال أبو القاسم الأنصاري: كأن المعنى: لا حكم لإيمانه، ولا لمعرفته شرعا" ((الإيمان))   ( ص140 )  ((الفتاوى)) ( 7/146 ).
قال شيخ الإسلام معلقا:
"وليس الأمر على هذا القول كما قاله الأنصاري هذا، ولكن على قولهم المعاند كافر شرعا، فيجعل الكفر تارة بانتفاء الإيمان الذي في القلب، وتارة بالعناد، ويجعل هذا كافرا في الشرع، وإن كان معه حقيقة الإيمان الذي هو التصديق.
ويلزمه أن يكون كافرا في الشرع في أن معه الإيمان الذي هو مثل إيمان الأنبياء والملائكة.
والحذاق في المذهب، كأبي الحسن، والقاضي وكذا ابن فورك: انظر: ((الإيمان))   ( ص420 )  ((الفتاوى)) ( 7/440 ). ، ومن قبلهم من أتباع جهم عرفوا أن هذا تناقض يفسد الأصل، فقالوا: لا يكون واحد كافرا إلا إذا ذهب ما في قلبه من التصديق.
والتزموا أن كل من حكم الشرع بكفره، فإنه ليس في قلبه شيء من معرفة الله، ولا معرفة رسوله، ولهذا أنكر هذا عليهم جماهير العقلاء، وقالوا هذا مكابرة وسفسطة.
وقد احتجوا على قولهم بقوله تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: 22] إلى قوله: أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ [المجادلة: 22]
قالوا: ومفهوم هذا أن من لم يعمل بمقتضاه لم يكتب في قلوبهم الإيمان.
قالوا: فإن قيل: معناه، لا يؤمنون إيمانا مجزئا معتدا به، أو يكون المعنى: لا يؤدون حقوق الإيمان، ولا يعملون بمقتضاه، قلنا: هذا عام لا يخصص إلا بدليل.
فيقال لهم: هذه الآية فيها نفي الإيمان عمن يواد المحادين لله ورسوله، وفيها أن من لا يود المحادين لله ورسوله، فإن الله كتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهذا يدل على مذهب السلف أنه لابد في الإيمان من محبة القلب لله ورسوله، ومن بغض من يحاد الله ورسوله، ثم لم تدل الآية على أن العلم الذي في قلوبهم بأن محمدا رسول الله يرتفع لا يبقى منه شيء.
والإيمان الذي كتب في القلب ليس هو مجرد العلم والتصديق، بل هو تصدق القلب وعمل القلب، ولهذا قال وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22]، فقد وعدهم بالجنة، وقد اتفق الجميع على أن الوعد بالجنة لا يكون إلا مع الإتيان بالمأمور به وترك المحظور، فعلم أن هؤلاء الذين كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه قد أدوا الواجبات التي بها يستحقون ما وعد الله به الأبرار المتقين، ودل على أن الفساق لم يدخلوا في هذا الوعد.
ودلت هذه الآية على أنه لا يوجد مؤمن يواد الكفار، ومعلوم أن خلقا كثيرا من الناس يعرف من نفسه أن التصديق في قلبه، لم يكذب الرسول، وهو مع هذا يواد بعض الكفار، فالسلف يقولون ترك الواجبات الظاهرة دليل على انتفاء الإيمان الواجب من القلب، لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب الذي هو حب الله ورسوله وخشية الله ونحو ذلك، لا يلزم أن لا يكون في القلب من التصديق شيء، وعند هؤلاء كل من نفى الشرع إيمانه دل على أنه ليس في قلبه شيء من التصديق أصلا، وهذا سفسطه عند جماهير العقلاء" ((الإيمان))   ( ص140-142 )  ((الفتاوى)) ( 7/146-148 ) ؛ وانظر منه، ( ص420 )  ((الفتاوى)) ( 440 ).
خامسا: قال الأنصاري: "حكى الإمام أبو بكر ابن فورك عن أبي الحسن أنه قال:
الإيمان هو: اعتقاد صدق المخبر فيما يخبر به، ثم من الاعتقاد ما هو علم، ومنه ما هو ليس بعلم.
و الإيمان بالله، وهو اعتقاد صدقه، إنما يصح إذا كان عالما بصدقه في إخباره".
ثم شرح الأشعري كيف يكون عالما بصدقه في إخباره، ثم قال:
"ثم السمع قد ورد بضم شرائط أخر إليه  -  يعني الإيمان -، وهو أن لا يقترن به ما يدل على كفر من يأتيه فعلا، وتركا.
وهو أن الشرع أمره بترك العبادة والسجود للصنم، فلو أتى به دل على كفره، وكذلك لو قتل نبيا أو استخف به دل على كفره، وكذلك لو ترك تعظيم المصحف، أو الكعبة دل على كفره، وكذلك لو خالف إجماع الخاص والعام في شيء أجمعوا عليه دل خلافه إياهم على كفره.
فأي واحد مما استدللنا به على كفره مما منع الشرع أن يقرنه بالإيمان، إذا وجب ضمه إلى الإيمان لو وجد، دلنا على أن التصديق الذي هو الإيمان مفقود من قلبه انظر: ((المواقف في علم الكلام))  ، ( ص388 ) ؛ و ((شرح المواقف))  ، للجرجاني، تصحيح محمود الدمياطي، الطبعة الأولى 1419هـ، دار الكتب العلمية ببيروت ( 5/361-362 ) ؛ و ((شرح المقاصد))   ( 5/199، 225 ).
وكذلك كل ما كفرنا به المخالف من طريق التأويل، فإنما كفرناه به؛ لدلالته على فقد ما هو إيمان من قلبه؛ لاستحالة أن يقضي السمع بكفر من معه الإيمان والتصديق بقلبه" ((التسعينية))   ( 2/653-654 ) ؛ و ((الإيمان))   ( ص143 )  ((الفتاوى))  ( 7/149 ) ؛ وهو في ((شرح الإرشاد))   ( 279/أ ) ، ولم أجده في المطبوع من مجرد مقالات الأشعري، لابن فورك.
قال شيخ الإسلام: "فيقال: لا ريب أن الشارع لا يقضي بكفر من معه الإيمان بقلبه، لكن دعواكم أن الإيمان هو التصديق وإن تجرد عن جميع أعمال القلب غلط.
ولهذا قالوا: أعمال التصديق والمعرفة من قلبه، ألا ترى أن الشريعة حكمت بكفره، والشريعة لا تحكم بكفر المؤمن المصدق.
لها نقول: إن كفر إبليس لعنه الله كان أشد من كفر كل كافر، وإنه لم يعرف الله بصفاته قطعا، ولا آمن به إيمانا حقيقيا باطنا، وإن وجد منه القول والعبادة.
وكذلك اليهود، والنصارى، والمجوس، وغيرهم من الكفرة، لم يوجد في قلوبهم حقيقة الإيمان المعتد به في حال حكمنا لهم بالكفر، قال الله تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء [المائدة: 81] ، وقوله: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: 65] ، فجعل الله هذه الأمور شرطا في ثبوت حكم الإيمان، فثبت أن الإيمان المعرفة بشرائط أن يكون معتدا به دونها.
فيقال: إن قلتم إنه ضم إلى معرفة القلب شروطا في ثبوت الحكم، لم يكن هذا قول جهم، بل يكون هذا قول من جعل الإيمان كالصلاة والحج، وهو وإن كان في اللغة بمعنى القصد والدعاء، لكن الشارع ضم إليه أمورا، إما في الحكم، وإما في الحكم والاسم.
وهذا القول قد سلم صاحبه أن حكم الإيمان المذكور في الكتاب والسنة لا يثبت بمجرد تصديق القلب، بل لابد من تلك الشرائط وانظر ((الإيمان))   ( ص419-420 ) ((الفتاوى)) ( 7/439-440 ) ، ويلاحظ أن القول بأن الإيمان هو التصديق والمعرفة، وأن الشرع زاده بقيود وشروط قول مرجوح عند جماهير العلماء كما ذكر شيخ الإسلام، راجع الكلام على الحجة الرابعة من حجج المرجئة.
وعلى هذا فلا يمكنه جعل الفاسق مؤمنا إلا بدليل يدل على ذلك، لا بمجرد قوله إن معه تصديق القلب.
ومن جعل الإيمان هو تصديق القلب، يقول: كل كافر في النار ليس معه من التصديق بالله شيء، لا مع إبليس، ولا مع غيره.
وقد قال الله تعالى: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ [غافر: 48]".
ثم ساق شيخ الإسلام عددا من الآيات، ثم قال:
"إلى آيات أخر كثيرة تدل على أن الكفار في الآخرة يعرفون ربهم، فإن كان مجرد المعرفة إيمانا كانوا مؤمنين في الآخرة.
فإن قالوا: الإيمان في الآخرة لا ينفع، وإنما الثواب على الإيمان في الدنيا.
قيل: هذا صحيح، لكن إذا لم يكن الإيمان إلا مجرد العلم، فهذه الحقيقة لا تختلف، فإن لم يكن العمل من الإيمان، فالعارف في الآخرة لم يفته شيء من الإيمان.
لكن أكثر ما يدعونه إنه حين مات لم يكن في قلبه من التصديق بالرب شيء.
ونصوص القرآن في غير موضع تدل على أن الكفار كانوا في الدنيا مصدقين بالرب" ((الإيمان))   ( ص143-146 )  ((الفتاوى)) ( 7/149-151 ).
سادسا: قال أبو القاسم الإسفراييني فيما نقله عنه الأنصاري:
"وهل يشترط في الإيمان الإقرار؟
اختلفوا  -  يعني أصحابه الأشاعرة  -  فيه بعد أن لم يختلفوا في أن ترك العناد شرط، وهو أن يعتقد أنه متى طولب بالإقرار أتى به انظر: ((المسامرة بشرح المسايرة))  ،(  ص9 )  من الخاتمة؛ و ((حاشية ابن عابدين))   ( 6/343 ). ، فأما قبل أن يطالب به:
منهم من قال: لابد من الإتيان به حتى يكون مؤمنا، وهذا القائل يقول: التصديق هو المعرفة والإقرار جميعا.
وهذا قول الحسين بن الفضل البجلي، وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه، وبقريب من هذا كان يقول الإمام أبو محمد عبدالله بن سعيد القطان من متقدمي أصحابنا.
ونحن نقول: من أتى بالتصديق بالقلب واللسان، فهو المؤمن باطنا وظاهرا.
ومن صدق بقلبه، وامتنع من الإقرار، فهو معاند كافر، يكفر كفر عناد.
ومن أقر بلسانه، وجحد بقلبه، فهو كافر عند الله وعند نفسه، ويجري عليه أحكام الإيمان؛ لما أظهر من علامات الإيمان.
ومن أصحابنا من جعل المعارف مجموعة تصديقا واحدا، وهي المعرفة بالله تعالى وصفاته ورسوله، وبأن دين الإسلام حق.
قال: وهذه الجملة تصديق واحد، هذا ما ذكره أبو القاسم الاسفراييني" ((التسعينية))   ( 2/655-657 ) ؛ وهو في: ((شرح الإرشاد))   ( 279/أ ) ؛ وانظر: ((التسعينية))   ( 2/647 ).
قال شيخ الإسلام: "قلت: ليس المقصود هنا بيان ما ذكروه من قول الجهمية والمرجئة في الإيمان، وما في ذلك من التناقض، حيث جعله التصديق الذي في القلب، ثم سلبه عمن ترك النطق عنادا.
وأن عنده كل ما سمي كفرا؛ فلأنه مستلزم لعدم هذا التصديق.
ولكن دلالته على العدم تعلم تارة بالعقل، وتارة بالشرع؛ لأن ما يقول بالقلب من الاستكبار على الله، والبغض له ولرسوله، ونحو ذلك يكون هو في نفسه كفرا.
وما ذكروه من التصديق الخاص الذي وصفوه، وهو تصديق بأصول الكلام الذي وضعوه.
وإنما الغرض أنهم يجعلون التصديق هو نفس المعرفة، كما في كلام هذا وغيره، وكما ذكروه عن أبي الحسن، وغايتهم إذا لم يجعلوه مستلزما للمعرفة أن يجعلوه مستلزما لها" ((التسعينية))   ( 2/657-658 ).
سابعاً: قال الأنصاري شارحا رأي أبي إسحاق الاسفراييني:
"رأيت في تصانيفه  -  يعني أبا إسحاق الاسفراييني  -  أن المؤمن إنما يكون مؤمنا حقا إذا حقق إيمانه بالأعمال الصالحة، كما أن العالم إنما يكون عالما حقا إذا عمل بما علم.
واستشهد بقول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا إلى قوله: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: 2-4]
وقال الأستاذ أبو إسحاق في المختصر له: حقيقة الإيمان في اللغة العبارة.
قال  -  يعني أبا إسحاق -: وتحقيق المعرفة تحصيل ما قدمناه من المسائل في هذا الكتاب وتحقيقه.
قلت  -  القائل الأنصاري -: أراد بالكتاب هو المختصر، وأشار بما قدمه فيه إلى جملة ما قدمه من قواعد العقائد.
وقال في هذا الكتاب: الإيمان هو: المعرفة، واعتقاد الإقرار عند الحاجة، أو مام يقوم مقام الإقرار.
وقال في كتاب الأسماء والصفات: واتفقوا على أن ما يستحق به المكلف اسم الإيمان في الشريعة أوصاف كثيرة، وعقائد مختلفة، وإن اختلفوا فيها على تفصيل ذكرناه.
واختلفوا في إضافة ما لا يدخل في جملة التصديق إليه لصحة الاسم، فمنها: ترك قتل الرسول، وترك تعظيمه، وترك تعظيم الأصنام، فهذا من التروك.
ومن الأفعال: نصرة الرسول، والذب عنه.
فقالوا: إن جميعه مضاف إلى التصديق شرعا.
وقال آخرون: إنه من الكبائر، لا يخرج المرء بالمخالفة فيه عن الإيمان" ((التسعينية))   ( 2/658-659 ) ؛  وانظر: ((الإيمان))   ( ص139)   ((الفتاوى)) ( 7/144-145 ) ؛ وهو في: ((شرح الإرشاد))   ( 279/ أ – ب ).
يقول شيخ الإسلام معلقا على هذا:
"قلت: وهذان القولان ليسا قول جهم، لكن من قال ذلك، فقد اعترف بأنه ليس مجرد تصديق القلب، وليس هو شيئا واحدا، وقال: إن الشرع تصرف فيه، وهذا يهدم أصلهم، ولهذا كان حذاق هؤلاء، كجهم، والصالحي، وأبي الحسن, والقاضي أبي بكر، على أنه لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بزوال العلم من قلبه" ((الإيمان))   ( ص139 )  ((الفتاوى)) ( 7/145 ) ؛ ( ص140 9؛ و ((التسعينية))   ( 2/658-659 ).
وقال شيخ الإسلام أيضا: "وإنما الغرض بيان ما ذكره الاسفراييني من أن التصديق لا يتحقق إلا بالمعرفة والإقرار، وإن كان أراد المعرفة كما قرره هو من قواعده، ولم يحل ذلك على ما جاء به الرسول من أصول الإيمان.
فإذا كان التصديق لا يتحقق إلا بالمعرفة وبالإقرار أيضا باللسان كان هذا من كلامهم دليلا على امتناع وجود التصديق بالقلب وتحققه إلا مع الإقرار باللسان، وهذا يناقض قولهم إن الكلام مجرد ما يقوم بالنفس، فهذه مناقضة ثابتة، فإن التصديق الذي في القلب إن تحقق بدون لفظ بطل هذا، وإن لم يتحقق إلا بلفظ أو ما يقوم مقامه بطل ذاك" ((التسعينية))   ( 2/661). ، ثم استمر رحمه الله في شرح ذلك.
ثامناً: قال الرازي: "قد نقلنا عن الشافعي رضي الله عنه أن الإيمان قول وعمل واعتقاد.
وقال المتكلمون: الإيمان ليس إلا التصديق بالقلب، واحتجوا بوجوه"، ثم ذكرها، ثم قال:
"واعلم أن قول الشافعي لا يمكن جعله من المعايب، فإن الذي ذهب إليه مذهب قوي في الاستدلال والاحتجاج، إلا أن الذي اختاره علماء الأول من أصحابنا هو هذا القول الثاني.
واعلم أن القوم قد يقررون العيب من وجه آخر، فيقولون: قد تقرر في بدائه العقول أن مسمى الشيء إذ كان مجموع أشياء، فعند فوات تلك الأشياء لابد أن يفوت المسمى، فلو كان العمل جزء مسمى الإيمان، لكان عند فوات العمل وجب أن لا يبقى الإيمان، لكن الشافعي رضي الله عنه يقول: العمل داخل في مسمى الإيمان، ثم يقول: الإيمان باق مع فوات العمل، فكان هذا مناقضة"، ثم ذكر قول المعتزلة، ثم قال:
"وللشافعي أن يجيب، فيقول: الأصل في الإيمان هو الإقرار والاعتقاد، فأما الأعمال فإنها من ثمرات الإيمان وتوابعه، وتوابع الشيء قد يطلق عليها اسم الأصل على سبيل المجاز، وإن كان يبقى الاسم مع فوات تلك التوابع، كما أن أغصان الشجرة قد يقال: إنها من الشجرة، مع أن اسم الشجرة باق بعد فناء الأغصان، فكذلك ها هنا.
واعلم أن هذا التقدير يكون اسم الإيمان حقيقة في الإقرار والاعتقاد، ويكون إلطاق اسم الإيمان على الأعمال ليس إلا على سبيل المجاز، وفيه ترك لذلك المذهب" ((مناقب الشافعي))  ، للرازي، ( ص145-147 ) ، وانظر: ((معالم أصول الدين))  ، له، ( ص133-135 ).
هذه الجملة التي أوردها الرازي أشار إليها شيخ الإسلام رحمه الله، وعلق عليها بقوله: "والرازي لما صنف مناقب الشافعي ذكر قوله في الإيمان  -  وقول الشافعي قول الصحابة والتابعين، وقد ذكر الشافعي أنه إجماع من الصحابة والتابعين ومن لقيه  -  استشكل قول الشافعي جدا؛ لأنه كان قد انعقد في نفسه شبهة أهل البدع في الإيمان من الخوارج والمعتزلة والجهمية والكرامية وسائر المرجئة، وهو أن الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله، لكن هو لم يذكر إلا ظاهر شبهتهم، والجواب عما ذكروه سهل، فإنه يسلم له أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت، لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الأجزاء.
والشافعي مع الصحابة والتابعين وسائر السلف يقولون: إن الذنب يقدح في كمال الإيمان، ولهذا نفى الشارع الإيمان عن هؤلاء، فذلك المجموع الذي هو الإيمان لم يبق مجموعا مع الذنوب، لكن يقولون: بقي بعضه، إما أصله، وإما أكثره، وإما غير ذلك فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى بعضه" ((الإيمان))   ( ص386 – 387 )  ((الفتاوى)) ( 7/403 – 404 ) ؛ وانظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن ((الفتاوى))  ( 7/511 384-385  ) ط. ابن الجوزي.
وهذا الجواب سيأتي بعون الله عرضه مفصلا في نقض هذه الشبهة الإرجائية، والمقصود هنا تبيان مبلغ موافقة الأشاعرة للجهمية في مسمى الإيمان، وأنه لم يخرجهم من هذه الموافقة ما جاء عنهم من اضطراب في تفسير التصديق، أو ما أضافوه من شروط إلى التصديق.
فأما ما أضافوه من شروط، فمرده يعود إلى قول الجهمية، وأنه لا كفر إلا بزوال التصديق من القلب.
وأما ما فسروا به التصديق، وأنه المعرفة، أو هو قول النفس المتضمن للمعرفة، أو هو العلم، أو كلام النفس، ولا يثبت إلا بالعلم.
فالذي اشتهر عنهم هو دعوى التفريق بين المعرفة والتصديق، ومع ذلك فإنهم لا يسلمون من النقد الكاشف لفساد مقالتهم.
يقول شيخ الإسلام: "والأشعري وأصحابه يفرقون بين معرفة القلب وبين تصديق القلب، فإن تصديق القلب قوله، وقول القلب عندهم ليس هو العلم، بل نوعا آخر" ((الإيمان))   ( ص379 )  ((الفتاوى)) ( 7/396 ). ، ثم قال في نقد ذلك:
"فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد  -  الذي يجعل قول القلب  -  أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما.
وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون إن ما قاله ابن كلاب والأشعري من الفرق كلام باطل لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق.
وعمدتهم من الحجة إنما هو خبر الكاذب، قالوا: ففي قلبه خبر بخلاف علمه، فدل على الفرق وقد أقر بعض الأشاعرة – كالرازي – بفساد هذه الحجة. انظر: ((التسعينية))   ( 2/641-642 ).
فقال لهم الناس: ذاك بتقدير خبر وعلم ليس هو علما حقيقيا، ولا خبرا حقيقيا، ولما أثبتوه من قول القلب المخالف للعلم والإرادة، إنما يعود إلى تقدير علوم وإرادات، لا إلى جنس آخر يخالفها.
ولهذا قالوا: إن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بقلبه خبر بخلاف علمه، وإنما يمكنه أن يقول ذلك بلسانه، وأما أن يقوم بقلبه خبر بخلاف ما يعلمه، فهذا غير ممكن"، ثم أطال شيخ الإسلام في شرح ذلك، وختم ذلك بقوله:
"والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع على نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق وبين تصديق قلبه تصديقا مجردا عن انقياد وغيره من أعمال القلب بأنه صادق" ((الإيمان))   ( ص381- 383 )  ((الفتاوى)) ( 7/398-400 ) ؛ وانظر: ((التسعينية))   ( 2/661 ).
وبعد هذا التحقيق، وبيان ضعف ما اعتمده الأشاعرة في كون الإيمان هو التصديق، يرد عليهم وجه آخر يزيد قولهم ضعفا، وهو أن الإيمان إن صح أنه التصديق، فهو في كونه دليلا على قول الكرامية وفقهاء المرجئة أولى من أن يكون دليلا على قولهم الذي وافقوا فيه الجهمية.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله شارحا ذلك: "ومما يعارضون به أن يقال:
هذا الذي ذكرتموه إن كان صحيحا، فهو أدل على قول المرجئة، بل على قول الكرامية منه على قولكم.
وذلك أن الإيمان إن كان كما ذكرتم، فالتصديق نوع من أنواع الكلام، فاستعمال لفظ الكلام والقول ونحو ذلك في المعنى واللفظ، بل في اللفظ الدال على المعنى أكثر في اللغة من استعماله في المعنى المجرد عن اللفظ، بل لا يوجد قط إطلاق اسم الكلام ولا أنواعه، كالخبر أو التصديق والتكذيب والأمر والنهي على مجرد المعنى من غير شيء يقترن به من عبارة ولا إشارة ولا غيرهما، وإنما يستعمل مقيدا.
وإذا كان الله إنما أنزل القرآن بلغة العرب، فهي لا تعرف التصديق والتكذيب وغيرهما من الأقوال، إلا ما كان معنى ولفظا، أو لفظا يدل على معنى.
ولهذا لم يجعل الله أحدا مصدقا للرسل، بمجرد العلم والتصديق الذي في قلوبهم حتى يصدقوهم بألسنتهم.
ولا يوجد في كلام العرب أن يقال: فلان صدق فلانا أو كذبه، إذا كان يعلم بقلبه أنه صادق أو كاذب، ولم يتكلم بذلك.
كما لا يقال: أمهر أو نهاه، إذا قام بقلبه طلب مجرد عما يقترن به من لفظ أو إشارة أو نحوهما.
ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)) رواه مسلم (537). ، وقال: ((إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)) رواه البخاري معلقا بعد حديث (7521) ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي وائل عن ابن مسعود مطولا.   , اتفق العلماء على أنه إذا تكلم في الصلاة ما عدا لغير مصلحتها بطلت صلاته.
واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق أمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك، فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام"، ثم استمر في سرد الأدلة على ذلك، ثم قال:
"وفي الجملة حيث ذكر الله في كتابه عن أحد من الخلق من الأنبياء أو أتباعهم، أو مكذبيهم أنهم قالوا، ويقولون، وذلك قولهم، وأمثال ذلك، فإنما يعني به المعني مع اللفظ.
فهذا اللفظ، وما تصرف منه من فعل ماض، ومضارع، وأمر، ومصدر، واسم فاعل، من لفظ القول والكلام ونحوهما، إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظا ومعنى، وكذلك أنواعه كالتصديق والتكذيب والأمر والنهي وغير ذلك، وهذا مما لا يمكن أحدا جحده فإنه أكثر من أن يحصى".
ثم بسط شيخ الإسلام القول في رد غلط المبتدعة في مفهوم الكلام، ثم قال:
"فتبين أنه إن كان الإيمان في اللغة هو التصديق، والقرآن إنما أراد به مجرد التصديق الذي هو قول ولم يسم العمل تصديقا فليس الصواب إلا قول المرجئة إنه اللفظ والمعنى، أو قول الكرامية إنه قول باللسان فقط، فإن تسمية قول اللسان قولا أشهر في اللغة من تسمية معنى القلب قولا، كقوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: 11]، وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] ، وأمثال ذلك، بخلاف ما في النفس، فإنه إنما يسمى حديثا" ((الإيمان))   ( ص126-134 )  ((الفتاوى)) ( 7/132-140 )  باختصار. آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص 231

انظر أيضا: