موسوعة الفرق

المبحث العاشر: مــؤسـس هـذه الـطائـفـة


اختـلـف العلماء في  أول من أسس هذا المذهب - أي أفصح عنه و أعلنه و دعا إليه - وإلا فبذوره متـقدمة فـقيل هـو :
1 - ذر بن عبد الله الهمدانى :
و هو تابعى متعبد ، توفى قبل نهاية القرن الأول ، روى حديثه الجماعة.
قال إسحاق ابن إبراهيم : " قلت لأبى عبد الله - يعنى الإمام احمد - : أول من تكلم في  الإيمان من هـو ؟ قال : يقولون : أول من تكلم فيه ذر " (3) ؛ و هكذا نـقـل الذهبي في  " الميزان " (4) عن الإمام.
ويبدو أن ذرا قد عرضت عليه الشبهة ، وكان شاكا فيها ، ثم جزم بها وأصر عليها لما لاقت رواجا - وهكذا شأن أصحاب البدع -.
قال سلمة بن كهيل : " وصف ذر الإرجاء و هو أول من تكلم فيه ، ثم قال أنى أخاف أن يتخذ هذا دينا ، فلما أتـتـه الكتب في  الآفاق ، قال: فسمعته يقول : و هـل أمر غير هذا "(5).
و نـقـل عنه الأعمش أول مرة قوله : " لقد أشرعت رأيا خفت أن يتخذ دينا "(6).
وعن الحسن بن عبيدالله قال : " سمعت إبراهيم - النخعى - يقول لذر : ويحك يا ذر، ما هذا الدين الذى جئت به ؟
قال ذر : ما هو إلا ر أي  رأيته ! قال : ثم سمعت ذرا يقول : إنه لدين الله الذى بعث به نوح "(7)!!
وقد تـعـرض ذر لنقد العلماء المعاصرين ؛ فـقـد ذمه إبـراهيم النخعى بما سبق ، وكان يعـيبه ولا يـرد عـلـيه إذا سلم (8).
و كان سعيـد بن جبيـر شديدا عليه , حتى أن ذرا أتاه يوما في  حاجة فقال : " لا، حتى تخبرنى على أي دين أنت اليوم - أو رأي أنت اليوم - ، فإنـك لا تـزال تـلتمس دينا قد أضللتـه ، ألا تستحي من ر أي  أنـت أكبر منه ؟ " (1).
و شكاه ذر إلى أبي البختري الطائى ؛ إنه لا يرد عليه إذا سلم ، فقال سعيد : " إن هذا يحدث - أو يجدد - كل يوم دينا ، والله لا كلمته أبدا " (2).
هـذا و قـد نـقـل الحافـظ أن ذرا شهـد مع ابن الأشعث قتاله للحجاج ، و ذلـك سنة ثمانين (3).
2 - و قـيـل : إن أول من أحـدثـه هـو قــيـــس الـــمـاصـر :
نقل الحافظ ذلك عن الأوزاعي ؛ قال : أول من تكلم في  الإرجاء رجل من أهل الكوفة يقال له : قيس الماصر (4).
و لم أعثر له على ترجمة ، إلا أن أبا حاتم الرافضى صاحب كتاب (الزينة) السابق ذكره ، قال ضمن فرق المرجئة الذين هـم عنده أهل السنة : " و منهم الماضرية (5) ، نسبه إلى قيس بن عمرو الماضرى ، و يقال لهم مرجئة أهـل العراق ، و هـم أبو حنيفة و نظراؤه … "(6).
3 - و قـيل : إن أول مـن أحــدثه حــــماد ابـن أبـي سـلـيـمـان :
المتوفى سنة 120 هجري ، شـيخ أبـي حنيـفـة ، وتـلميـذ إبراهيم النخعى ، ثم تبعه أهـل الكوفة و غيرهم. و ذكر
ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (7).
و لا شك أن حمادا كان مرجئا و أنه كان معاصرا لـذر ، فـقـد روى عبدالله بن أحمد أن إبراهيم النخعى - شيخ حماد - قال : لا تـدعوا هـذا الـملعون يدخل عـلي ، بعد ما تـكـلم في الإرجاء - يعنى حمادا (8) -.
ومع ذلك فـقـد ادعى حماد غير هذا ، إلا أن يقال أنه كان مستـتـرا خائـفا ، ثم أظهـر وأعـلن.
قال أبو هاشم : " أتيـت حماد بن أبى سليمان ، فـقـلـت : ما هذا الرأي الذى أحدثت لم يكن على عهد إبراهيم النخعي ؟ فـقـال : لو كان حيا لتـابعني عليه - يعنى الإرجاء - " (9).
و في هـذا ما يدل على أولية حماد ، لكن النص الأتى يدل على أنه اتبع غيره ، إلا أن يقال أنه دليل فقط لما قررناه من أن الجذور متـقدمة ، وهـو ما ذكره الذهـبي عن معمر ، قال : " كنا نأتى أبا إسحاق - يعني السبيعى - فـيـقـول : ما قال لكم أخو المرجئة ؟
قال معـمـر : قلت لحماد : كنت رأسا وكنت إماما في أصحابك ، فخالفتهم فصرت تابعا؟
قال : إني أن أكون تابـعـا في الحق خـيـر من أن أكون رأسا في الباطـل.
قال الذهـبي : قلتُ : يشيـر معمـر إلى أنه تحول مرجئا إرجاء الـفقهاء ؛ و هـو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان ، و يـقـولون : الإيمان : إقـرار بالـلـسان و يـقـيـن في الـقـلـب.
و الـنـزاع على هـذا لـفـظي إن شاء الله ، وإنما غـلو الإرجاء ؛ من قال : لا يضر مع التوحيد ترك الـفـرائض ، نسأل الله العافية ".
ويبدو الخلاف بين هذه الأقوال غير مؤثر ، فكلهم متعاصرون ، وكلهم في  بلد واحد ، وقولهم في  الإرجاء واحد.
و يستـفاد من بعض الآثار أن لـلفكرة وجودا غير خاف ، فهـذا سالم بن أبى الجعد التابعى المحدث المتوفى سنة 100 هجرى أو حولها - كان له ستـة بنين ؛ " فاثـنان شيعيان ، و اثـنان مرجئيان ، و اثـنان خارجيان ، فكان أبوهـم يـقـول : قـد خالف الله بينكم " (2) !! و هذا دليل على نمو البدع حينئذ لاسيما في  الكوفة.
و هناك رجل آخر لا شك أنه من أوائـل القوم الدعاة ؛ وهـو سالم الأفطس ، و فيه قصة تستحق الإيراد ، لا سيما و قد ذكرها مصدران متـقدمان بسندين مختـلفين هما : (  السنة)   لعبدالله بن أحمد ، و (  تهذيب الآثار )  للطبري ، كلاهما عن معقل بن عبيدالله الجـزرى العبسي قال : " قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء(3) ، فعرضه فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا ، و كان أشدهم ميمون بن مهران وعبدالكريم بن مالك ، فأما عبدالكريم فإنه عاهـد الله لا يأويه و إياه سقـف بيت إلا في  المسجـد.
قال معقل : فحججت ، فدخلت على عطاء بن أبى رباح في  نفر من أصحابي ، قال : فإذا هـو يقرأ سورة يوسف ، قال : فسمعته قرأ هذا الحرف حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ [ يوسف:110] مخفـفة.
قال : قلت : إن لنا إليك حاجة فاخل لنا ، ففعل ، فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا وتكلموا ، وقالوا : إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين ، قال : فقال : أو ليس يـقـول الله : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [ البينة:5]
فالصلاة و الزكاة من الدين.
قال : فقلت له : إنهم يقولون : ليس في  الإيمان زيادة. قال : أو ليس قد قال الله فيما أنزله :  فَزَادَهُمْ إِيمَاناً [ آل عمران:173] ، فما هـذا الإيمان الذى زادهم ؟!
قال : قلت : فإنهم قد انتحـلوك ، و أبلغنى أن ذرا دخل عليك و أصحابه ، فعرضوا عليك قولهم فقبلته و قلت هذا الأمر ، فقال : لا والله الذى لا إله إلا هو ما كان هذا - مرتين أو ثلاثة.
قال : ثم قدمت المدينة ، فجلست إلى نافع ، فقلت له : يا أبا عبدالله ، إن لي إليك حاجة ، قال سر أم علانية ؟ فـقـلـت : لا ، بل سر ، قال : رب سـر لا خير فيه !
فقلت له : ليس من ذلك ، فلما صلينا العصر قام و أخـذ بيدي ، و خرج من الخوخة و لم ينتظر القاص ، فقال ما حاجتك ؟ قال : قلت : أخلـني من هذا ، قال : تـنح يا عمرو ، قال : فذكرت له بدو قـولهم ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا : لا إله إلا الله , فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا منى دماءهم و أموالهم إلا بحقه ، و حسابهم على الله )) (1).. قال : قـلـتُ : إنهم يقولون : نحن نـقـر بأن الصلاة فريضة ولا نصلى ، و أن الخمر حرام ونشربها ، و أن نكاح الأمهات حرام و نحن نـفعـل ، قال : فـنـتـر يده من يدي و قال : من فعـل هـذا فهـو كافـر.
قال معـقـل : ثم لقيـت الزهري ، فأخبرته بقولهـم ، فقال سبحان الله !! أو قـد أخذ الناس في  هذه الخصومات ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن ، و لا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن ، و لا يشرب الشارب الخمر حين يشربها و هو مؤمن )) (1).
قال : ثم لقـيت الحكم بن عتيبة ، قال : فقلت : إن ميمونا و عبدالكريم بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة ، فعرضوا عليك قـولهم ، فقبـلـت قوله.
قال : فقيل ذلك على ميمون و عبد الكريم ؟ قـلـتُ : لا.
قال : دخل علي منهم اثنى عشر رجلا، و أنا مريض ، فقالوا : يا أبا محمد ، بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجـل بأمة سوداء أو حبشية ، فقال : يا رسول الله إن عـلي رقبة مؤمنة ، أفترى هذه مؤمنة ؟ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أتشهدين أن لا إله إلا الله  " قالت : نعم ، قال : " وتشهدين أني رسول الله " قالت : نعم ، قال : " وتشهدين أن الجنة حق وأن النار حق " قالت : نعم ، قال : " أتشهدين أن الله يبعثـك من بعد الموت " قالت : نعم ، قال : " فأعـتـقها فإنها مؤمنة )) رواه مسلم (537), من حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه.    قال : فخرجوا و هـم ينتحـلوني.
قال : ثم جلست إلى ميمون بن مهـران ، فقيـل له : يا أبا أيوب : لو قرأت لنا سورة نـفسرها ، قال : فـقرأ أو قرأت :  إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [ التكوير:1]، حتى إذا بلغ :  مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [ التكوير:21]، قال : ذاك جبريل و الخيبة لمن يـقول إيمانه كإيمان جبريل ".
ويروي ابن بطة بسنده عن المبارك ابن حسان قـصة أخرى ، " قال : قلت لسالم الأفطس : رجل أطاع الله فلم يعصه ، ورجل عصى الله فلم يطعه ، فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة ، وصار العاصي إلى الله فأدخله النار , هل يتـفاضلان في  الإيمان ؟
قال : لا 
قال : فذكرت ذلـك لعطاء ، فقال : سلهـم الإيمان طيب أم (1) خبيث ؟ فإن الله تعالى قال :  لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [ الأنفال:37] (2).
فقال النحات (3) : إنما الإيمان منطق وليس معه عمل ! ، فذكرت ذلك لعطاء ، فقال : سبحان الله ! أما تـقرؤون الآيـة التى في  سورة البـقـرة : لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [ البقرة:177]  .
قال : ثم وصف الله هـذا الإثم فألزمه العمل ، فقال :
وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ... إلى قـوله : صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
قال : سلهـم هل دخل هـذا العمل في  هذا الاسم ؟
و قال : وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الإسراء:19]
فألزم الاسم العمل وألـزم العمل الاسم " (4).
هذا الجدل المبكر ( زمن التابعين ) في  موضوع العمل يعطينا فكرة واضحة عن مذهـب المرجئة الفقهاء فيه ، و حقيقة الخلاف بينهم و بين أهـل السنة والجماعة منذ نشأتهم ، كما بين لنا منهج السلف العلمي في  مجادلتهم ، و هو أن أهم جانب في  القضية شغـل أذهان السلف هو موضوع عمل الجوارح ؛  أي  أداء الفرائض واجتـناب المحرمات ، و أن حقيقة الإيمان لا تـكون إلا به مع عمل الـقـلـب ، فإذا انتـفى أحدهما انتـفى الإيمان.
الـجهـم بـن صـفـوان :
أما الجهم بن صفـوان فهـو رأس الضلالات وَأُسُّ البليات ، جعله الله فتـنة للناس وسببا للإضلال ، كما جعـل السامرى في بني إسـرائيل.
و حسبنا أن نعـلم أن هـذا الرجـل الذي كان من شـواذ المبتدعة في مطلع القرن الثاني قد ترك من الأثـر في  الفرق الإسلامية الثنتين والسبعين ما لا يعادله أثر أحـد غيره (6).
هذا مع أنـه ليس بـإمام يحتج بـقـوله ، ولا عالم يـعتـد بخلافه ، ولا شهـد له أحـد بخيـر !!
و قد جمع المصنـفون من السلف في  سيرتـه الشىء الكثير ، وكله ذم و تـكـفير وتشنيع من أئمة الإسلام ورجال النـقـد ، جمع ذلك الإمام أحمد ، وابنه عبدالله ، وأبو عبيد، والبخاري ، والدارمي ، وابن خزيمة ، وابن أبى حاتم ، و سائر من ألف في  الفرق أو الصفات أو الإيمان ؛ كالبيهقى ، و الأشعري ، و البغدادي ، و اللالكائي ، و كذا المؤرخون و أصحاب التـراجم.
و هذا ما سنورد بعضه مـقـتـصرين عـلى ما يهمنا هـنا ؛ وهـو مذهـبه في الإيـمان.
و الأصل الذي ينبغى معرفـته في هذا ، هـو أن الـجهم لم يبتدع مذهـبه في الإيمان اعتمادا على شبهـة نـقـلية أو أثارة من عـلم ، وإنما كان رجلا لسنا مجادلا ، مجبولا على المحادة والاعتراض والمراء ، ومع ذلـك لم يـقـدر لـه أن يجلس إلى عالم أو يتـفـقه على إمام ، بل شهد عليه بعض من عاصره بجهل بالغ في معرفة الأحكام الشرعية - حتى الجـلي منها  -  وقالوا : إنـه لم يحج البيت ، ولم يجالس العلماء قط (1).
وإنما جالس جهم أصحاب الأهواء (2) وبعض الملاحدة ، من المنتسبين إلى فلسفات الأمم الجاهـلية الموتورة ، و لما أراد الله فتـنتـه اتصل بطائفة من الزنادقة الهنود ، يقال لهم : " السمنية " ، وأولئك قوم لهم فـلسفة خاصة و مدرسة فكرية مؤصلة ، قد أعدوا لكل عقيدة لدى غيرهم شبهة ، وأعدوا لكل سؤال جوابه ، ولكل مأزق مخرجا.
و تجشم جهم و تـكـلـف أن يجادلهم ويخوض معهم ، وهـو صفر من العلم خلو من الحجة فما رآه بـعـقـله المجرد ورأيه القاصر ، و كان مجرد خوضه معهـم نـذيـرا بالشـر وشؤم العـاقبة.
فقد ابتدءوا معه الجدال بالحديث عن مصدر المعرفة الصحيح المتيقن ( و هى أكبر قضية فلسفية على الإطلاق ، وأصل كل بحث و نظر ) و كانت فلسفتهم تـقوم على أن المصدر للمعرفة الحواس الخمس ، و لما نازلهم جهم و هو جاهل بدينه خال من مصدر اليقين الأصلى - وهو الوحي - حصروه و أفحموه بسؤال هـو : صف لنا ربـك هذا الذى تعبده يا جهم ، و بأي حاسة أدركـتـه من الحواس ، أرأيته أم لمسته - أم … الخ ؟!
و سقـط في  يد هـذا الضال المسكين ، وطـلـب منهم مهلة ليفكر في الأمر ، ولم يستطع أن يستـلهم حجة ، و لم يسأل العلماء فيداووه ويـلـقـنوه.
و قادتـه الحيرة إلى الشك في  دينه ، فـتـرك الصلاة مدة ، ثم استـغـرق في  التـفكيـر و التأمل ، حتى انـقـدح في ذهـنه جواب خرج بـه عليهم قائلا : " هـو هـذا الهـواء مع كـل شئ وفي كـل شئ و لا يخـلو من شئ " (3).
وهـذا الجواب الذي هـو أساس نـفي الصفات ، هـو قول طائفـة من زنادقة الهند الآخرين (4).
وهـذا المنـزلق تلاه ما تلاه من هـوى و رأي.
وكانت حياة جهم في  آخر عصر بنى أمية ، حيث ظهـرت البدع وتشعبـت أصول الفرق ، وكان مقـتضى خوضه و جداله أن يخوض في  قضية الإيمان و يدلي بدلوه في هذه المسألة التى كانت الفرق حوله تتجادل فيها كثيرا ، و كان طبيعيا أن يخرج جهـم بقول لم يسبـقه إليه أحد ، وهـو أن الإيمان هو مجرد المعرفة بالقلب ، فمن عرف الله بقلبه فهو مؤمن ، دونما حاجة إلى قول باللسان ولا عمل بالجوارح.
والذي يظهـر لمن يطالع سيرة الـرجل وواقع عصره ، أنه ركب هـذا القول من كلام المتـفـلسفة من الزنادقة ، الذين لا يعدو الإيمان عندهم مجرد الإقرار النظري بـوجود الله ، ومن كلام المرجئـة الفقهاء الذين أصروا على نـفي دخول الأعمال في  الإيمان.
والجديد في  عمل جهم أنه نقـل كلام الطائفة الأولى من محيط الـفـلسفة التى لا صلة لها قـط بالإسلام ليـدخله في الإسلام متـذرعا في  ذلـك بلوازم كلام الطائفة الأخرى ومفهومه الذى لم يقصدوه قط ، وبذلـك أصبح هـذا القول الـفـلـسفي الشاذ مقالة من مقالات الإسلاميين ، و إن كانت الجهمية في  حكم جملة من علماء السلف لـيست من فرق ( المسلمين ) (1) أهل القبلة.
حتى لقـد قال الإمام البخاري رحمـه الله : " نظرت في  كلام اليهود و النصارى و المجوس ، فما رأيت أضـل في كفرهم منهم ، و إني لأستجهـل من لا يكـفرهم إلا من لا يعرف كـفرهـم " (2).
ومن هنا أضرب أبو عبيد والطبري صفحا عن مناقشة مذهب جهم ؛ لأنه ليس من مقالات المجتهدين في  النصوص ، بل هـو من مذاهب أهـل الجدل و التـفـلسف و الكلام , ومنسلخ عن أقوال الملـل الحنفية جميعها (3).
ولكن أسبابا ومؤثرات - يأتي تـفصيـل الحديث عنها - أفـضت في النهاية إلى أن يكون هـذا المذهب أكثـر المذاهب في  الإيمان انتشارا ، مع ما لحقه من تعديل هـو لفـظى أكثر من كونه حقيقيا ، ومن نفي لبعض لوازمه.
فالذى حصل هـو أن مذهب المرجئة الفقهاء مهـد لرأي جهم ، ثم جاء المرجئة المتـكـلمون كالأشعري و الماتريدي ، فجعلوه عقـيدة أكثر طوائف الأمة  -  مع ما أشرنا إليه من تعديل -.
و لهذا قال وكيع بن الجراح  -  الإمام الكبير شيخ الإمام أحمد - : " أحدثوا (4) هؤلاء المرجئة الجهمية ، و الجهمية الكفار ، والمريسي جهمي ، و علمتم كيف كـفروا ، قالوا : يكفيك المعرفة ، وهـذا كـفـر ، و المرجئة يقولون : الإيمان قول بلا فعل ، وهـذا بدعة … " (5).
و هذا من أهم ما يجب معرفته و الاعتبار به.
أما معرفته فـلكي نعلم التطور التاريخي للظاهرة وخط سيرها ، وأما الاعتبار به فلأن البدع قد تبدو صغيرة لكنها تؤول إلى أن تصيـر كبارا ، فيجـب الحذر من صغيرها و كبيرها ، و إلا فإن الأئمة و العباد من المرجئة الفقهاء لم يدر بخلدهـم ما صار إليه جهم ، و لم يخـرجوا الأعمال من الإيمان إلا لفظا فقط ، و أما وجوبها و المعاقبة عليها ووجوب ترك المحظورات فأمر لم يخالفـوا فيه قط.
و لهذا عـد بعض العلماء الخلاف كله لفظيا ، و لـيس كذلـك بإطلاق.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم :
" وهـذه الشبهـة التي أوقعتهم - يعنى شبهة عدم التعدد والتبعيض في الإيمان - مع علم كثير منهم وعبادته وحسـن إسلامه وإيمانه ، ولهـذا دخـل في  إرجاء الفـقهاء جماعة هـم عند الأمة أهل علم ودين ، ولهذا لم يكـفـر أحد من السلف أحدا من مرجئة الفقهاء ، بـل جعـلوا هـذا من بدع الأقـوال والأفعـال لا من بدع العـقائـد ؛ فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي ، لكن الـلـفـظ المطابق للكتاب والسنة هـو الصواب ، فليس لأحد أن يـقـول بخلاف قول الله ورسوله ، لا سيما وقـد صار ذلـك ذريعة إلى بدع أهـل الكلام من أهـل الإرجاء وغيرهـم وإلى ظهـور الـفـسـق ، فصار ذلـك الخطـأ اليسيـر في الـلـفـظ سببا لخطأ عظيم في العـقائد والأعـمال ، ولهـذا عـظم الـقول في ذم الإرجاء "(1).
و قال أيضا : " و المرجئة الذين قالوا : الإيمان تصديق القـلب و قول اللسان و الأعمال ليست منه ، و كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة و عبادها ، و لم يكن قـولهم مثـل قول جهم ، فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتـكـلم بالإيمان مع قدرتـه عليه (2) ، وعرفوا أن إبليس وفرعون كفار مع تصديق قلوبهم(3).
لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال الـقـلوب في الإيمان لزمهم قـول جهـم ، وإن أدخـلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا فإنها لازمة لها ، و لكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمـر عليهم "(4).
وهـذا الذي قاله الشيخ قاله من هـو أقـدم منه ؛ كالإمام أبى عبيد القاسم بن سلام، على ما سننـقـله.
هذا ، وبيان الفروق بين مذهب جهم و مذهب المرجئة الفقهاء ، و بين هـذا و مذهـب أهـل السنة و الجماعة ، مما يتضمنه الفصل التالى لهذا ، غير أننا لن ندع الحديث عن جهـم إلا بعد تـنبيه مهم ؛ وهـو :
إن مذهب جهم لم يكن لـه في  حياة صاحبه ولا بعـد ذلـك بزمن أي أثـر بارز في واقع الحياة الإسلامية ، إنما ظهـرت آثاره وعمت ببروز من تبناه من المتـكلمين ، وعلى رأسهم بشر المريسى (5) ، و قد عاش متهما محاربا - لكن أقل من حال جهم في هـذا - ثم ابن كلاب ، وقـد كان متهما أيضا - لكن أقـل من حال بشر - ثم الأشعري والماتريدي ، و هـما الـلـذان نـشـراه ، حتى أصبح ظاهـرة عامة في  فكر الأمة و حياتها.
وإنما خصصنا هـذا بالذكر مع ما سبق من الإشارة إليه لأهميته في معرفة تطور الظاهـرة ، ولننبه إلى جسامة الخطأ الذي وقع فيه بعض المستشرقين - وتبعهم من تبعهم - في زعم أن ثورة الحارث بن سريج كانت قائمة على عقيدة الإرجاء ، وكأن جهما قـد ربى تـلك الآلاف الثائرة على عقيدته ، حتى اندفعوا لـلخروج على الدولة وإقامة مذهبهم.
والواقع يكذب هذا ، فإن جهما كان كاتبا لقائد الثورة ، وكان إرجاء جهم رأيا خاصا وفكرة شخصية ، لا أثر لها في  توجيه الثورة التى لم تكن تمثل أي عقيدة دينية ، وإنما كانت حركة تمرد وعصيان على الدولة ،  ضمت في  صفوفها من كل الطوائف ، بل ضمت أهل الذمة ومشركي الترك ، وإنما انضم إليهم جهم - على ما يظهر لي - لأنه هو أيضا خارج عـلى الطاعة ، ملاحق من الدولة بسبب بدعته في الصفات التى أطاحت برأس شيخه الجعد من قبل ، ويـدل لذلك الوثائق الرسمية للدولة ، ومخاطبة والي مرو له عند قتله.
روى اللالكائى بسنده عن أحدهـم : " قرأت في  دواوين هشام بن عبد الملك إلى عاملـه بخراسان نصر بن سيار : أما بعد ، فقد نجم قبلك رجل من الدهـرية من الزنادقة ، يقال له جهـم بن صفوان ، فإن أنت ظفـرت به فاقتـله ، و إلا فادسس إليه برجال غيلة ليقتلوه " ((شرح أصول اعتـقاد أهل السنة والجماعة)) (3/381).
و نـقـل الحافـظ عن أبي حاتم أن سلم بن أحـوز عامل نصر بن سيار على مرو لما قبض على جهم قال : " يا جهم ! إنى لست أقـتـلـك لأنـك قاتـلتـني ، أنت عندي أحـقـر من ذلـك ، ولكني سمعتـك تتـكلم بكلام باطل أعطيت لله عهدا أن لا أملـك إلا قتـلـتـك. فـقـتـله " (2).
وهـذا شبيه بما فعله خالد بن عبدالله القسري مع شيخه الجعد.
وأما ما ذكـره الطبري من شعـر لـنصر بن سيار يتهم فيه الحارث و جيشه بالإرجاء ، فلا شك أن كون الجهم كاتبا للحارث يعد سببا كافيا لخصمه السياسي أن يطعن في عقيدته ، و يشهـر به بين المسلمين ، كان المبرر أقوى ، عـلى أن المنقول من أخبار نصـر يدل عـلى فضـل وصلاح فيه.ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي  -  2/371

انظر أيضا: