موسوعة الفرق

خامسا: إبطال شبهاتهم حول "علو" الله تعالى


للماتريدية شبهات كثيرة تشبثوا بها في نفي "علو" الله سبحانه وتعالى تشبث الغريق بكل حيلة.
وكلها ترجع إلى شبهة "التشبيه" التي عطلوا بها كثيراً من الصفات  -  ومنها صفة "العلو" وقد أبطلنا هذه الشبهة في الفصل الأول من الباب الثاني.
أما في هذا الفصل فقد ذكرنا من شبهاتهم حول صفة "العلو" ستاً مع إبطالها في المباحث السابقة.
ونذكر في هذا المبحث من شبهاتهم أربعاً أخرى مع الجواب عنها، وهي: شبهات "الحد" و"الجهة" و"الحيز" و"المكان".
زعمت الماتريدية تبعاً للجهمية الأولى أن نصوص الفوقية وعلو الله تعالى ولو حملت على ظاهرها، وأن صفة "علو" الله تعالى لو حملت على حقيقتها-
لزم كون الله تعالى في "الجهة" "وكونه" "محاطاً" وإن كان في "جهة" لابد أن يكون بينه وبينها مسافة مقدرة.
ويتصور أن تكون أزيد من ذلك، أو أنقص، أو مساوية.
ولو كان الله تعالى في "جهة".
لزم قدم "المكان" و"الجهة" و"الحيز".
كما لزم كون الله تعالى "جسماً" و"مركباً" و"جوهراً".
وكونه محلاً للحوادث.
وأيضاً إما أن يساوي "الحيز" أو ينقص عنه فيكون "متناهياً" أو يزيد عليه فيكون "متحيزاً".
هذا كان تقريراً لشبهاتهم في نفي "علو الله تعالى".
وبناءً على هذه الواهيات قالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه وليس في جهة، ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف، ولا على العرش ولا فوق العالم، ولا على غيره.
ولذلك كفروا من وصف الله بأنه في السماء أو وصفه بأنه فوق العالم.
وقالوا: "وهو تعالى منزه عن صفات الجواهر والأجسام والأعراض، ولوازمها لا مجال للزمان والمكان والجهة في حضرته تعالى، وهذه كلها مخلوقاته وزعم جماعة ممن لا خير لهم: أنه تعالى فوق العرش.
وأثبتوا له سبحانه وتعالى جهة الفوق والعرش..." ((مكتوبات أحمد السرهندي)) (2/110)، الترجمة العربية من الفارسية/ للشيخ مراد المنزولي المكي – الست سماها "الدرر المكونات...".
أما الكوثري مجدد الماتريدية ورافع لواء الجهمية والقبورية في آن واحد  -  فيقول: من جوز في معبوده الدخول والخروج والاستقراء  -  فهو عابد وثن.
وقال فيمن أثبتوا علو الله تعالى، واستواءه على عرشه:
لاحظ لهم من الإسلام غير أن جعلوا صنمهم الأرضي صنماً سماوياً.
وقال الكوثري: "واعتقاد حلول الحوادث فيه جل شأنه كفر صراح عند أهل السنة" انظر ((مقالات الكوثري)) (ص 283، 284، 287، 290، 291، 294، 296).
وقال: "وما له حد وغاية ونهاية  -  فهو الجسم الذاهب في الجهات، وإكفار من يقول بذلك في إله العالمين واجب...".
وقال: "... وأما المسلمون  -  فهم يعتقدون أن الله سبحانه منزه عن المكان...".
"وإثبات الحد له تعالى من أهون ما في الكتاب  -  (نقض الدارمي) من صنوف الضلال".
وقال: "مع أن القول بإثبات الجهة كفر عند الأئمة الأربعة هداة الأمة...".
وقال: فيمن أثبت لله جهة الفوق: "فهم منكرون لذات الإله المنزه عن ذلك فلزمهم الكفر لا محالة".
وقال: "والصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور".
وذكر أن من قال: بفوقية الله تعالى وأنه على العرش  -  فهو من أتباع فرعون ومحتج بقول ملحد جاهلي.
وقال: "إن الأشعري وأكثر المتكلمين قالوا بتكفير كل مبتدع كانت بدعته كفراً أو أدت إلى كفر، كمن زعم أن لمعبوده صورةً، أو أن له حداً ونهايةً...، وكل ذلك موجود في كتاب الدارمي...".
ثم قال: وما في كتاب الدارمي من إثبات المكان والجهة والحد والنهاية والغاية... وكفر ناقل من الملة حتى إخوان الصفا يقرون في قرارة أنفسهم أن ذلك كفر ناقل عن الملة فكيف أصدر الأزهر القرار بإباحة نشره وأنه لا شيء في تداوله  -
على ما فيه من الكفريات الفظيعة التي ذكرنا بعض نماذج منها.
ثم قال: في كتاب الدارمي وسنة عبدالله بن أحمد من الكفريات والجاهلية الجهلاء والوثنية الخرقاء ودسائس الوثنية وصرائح الكفر الناقل من الملة انظر ((مقالات الكوثري)) (ص 283، 284، 287، 290، 291، 294، 296، 301، 305).
وقال: "ومن يَعُدُّ الله سبحانه متمكناً بمكان فهو عابدُ وثن خارجٌ عن جماعة المسلمين كما نص عليه غير واحد من أئمة أصول الدين، تعالى الله عن إفك الأفاكين" ((مقالات الكوثري)) (ص 302).
قلت: هكذا نرى الكوثري في عامة كتاباته الفتاكة المسمومة يجاهر بتلبيس الحق بالباطل، وتدليس في الدين وتحريف لصميم الإسلام وتكفير لسلف هذه الأئمة وأئمة السنة وجعلهم وثنية وطعنه في كتبهم وجعلها من كتب الوثنية.
وقد قال مثل هذا الهذيان كبار أساطين الماتريدية.
وقد حرف أبو الليث السمرقندي (375هـ) قول الإمام أبي حنيفة: "من قال: لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فقد كفر".
فقال: في توجيه كلام الإمام أبي حنيفة: "لأنه بهذا القول يوهم أن يكون له مكان فكان مشركاً" شرح ((الفقه الأبسط)) المطبوع خطأ باسم الماتريدية بعنوان ((شرح الفقه الأكبر))  (ص 17) ونقله الكوثري محتجاً به، انظر: تعليقاته على ((الفقه الأبسط)) (ص 49).
وتبعه في هذا التحريف رئيس قضاة الماتريدية لعساكرهم كمال الدين البياضي (1098هـ) فقال في توجيه كلام الإمام أبي حنيفة: "لكونه قائلاً باختصاص الباري بجهة وحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة..." ((إشارات المرام)) (ص 200)، ونقله الكوثري محتجاً به، انظر ((مقالات الكوثري)) (ص 291)، وتعليقه على ((الفقه الأبسط)) (ص 49).
قلت: هذا كان بيانا تشبثهم بتلك الشبهات وتمسكهم بتلك الألفاظ المجملة البدعية الفلسفية الكلامية البراقة المدهشة المخوّفة المهولة لمن لا يعرف حقيقة قصدهم منهم، وبهذه الشبهة عطلوا "صفة العلو" لله تعالى، وحرفوا نصوصها بأنواع من التأويلات إلى شتى المعاني المجازية التي ذكرناها.
الجواب عن هذه الشبهات:
لأئمة السنة عن شبهاتهم جوابان: إجمالي، وتفصيلي:
أما الجواب الإجمالي:
فهو أن هذه الألفاظ المجملة المتشابهة المحدثة الفلسفية الكلامية لا تقبل مطلقاً ولا ترد مطلقاً قبل أن يعلم مراد قائلها.
بل لابد أن يستفسر قائلها؛ فإن أراد معنًى حقاً موافقاً للكتاب والسنة  -  قيل قوله وإلا يرد قوله، وينبذ نبذ النواة.
قال شيخ الإسلام (728هـ) والإمام ابن القيم (751هـ) وابن أبي العز الحنفي (792هـ) ونعمان الآلوسي الحنفي (1317هـ) واللفظ للثالث:
"للناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال:
فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف... لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية.
فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي.
ولهذا كانت النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً... وبعض المثبتين لها يدخل لها معنى باطلاً مخالفاً لقول السلف...
وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصف به رسوله صلى الله عليه وسلم نفياً وإثباتاً وإنما نحن متبعون لا مبتدعون، فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات فما أثبته الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم نفيناه... وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها.
فإن كان معنى صحيحاً قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب به ونحو ذلك" ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص 238-239)، وانظر ((جلاء العينين)) لنعمان الألوسي (ص 386)، وراجع أيضاً إلى ((منهاج السنة)) (1/249)، و ((التدمرية)) (ص 65-66) و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/41-42)، فهو في غاية الأهمية.
وقال ابن أبي العز أيضاً بعد ما أكد أن يجعل الكتاب والسنة أصلاً ودليلاً وبرهاناً:
"ويجعل أقوال الناس التي توافقه أو تخالفه متشابهة مجملة، فيقال: لأصحابها هذه الألفاظ يحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد، وهذا مثل لفظ المركب والجسم، والحيز، والجوهر والجهة، والحيز، والعرض، ونحو ذلك... وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل".
ثم ذكر رحمه الله أننا لا نوافق هؤلاء على هذه التسميات ولا كرامة فإن سموا إثبات الصفات تركيباً مثلا، فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ سموه ما شئتم، ولا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمراً لم يحرم بهذه التسمية ((شرح الطحاوية)) (ص 222-226).
قلت: بناء على ذلك نقول: للماتريدية سموا صفات الله تعالى من العلو والنزول والاستواء والوجه واليد، والقدم، والغضب، والرضا، والمحبة، والكراهية، ما شئتم فلا يجوز إبطال صفات الله تعالى بالتسميات المبتدعة والألقاب الشنيعة المدهشة من الحد، والحيز، والجهة، والمكان، والأفول، وحلول الأعراض، والتشبيه، والتجسيم ونحوها؛ فالعبرة للمعاني لا للمباني.
وأما الجواب التفصيلي فهو ما يلي:
1- "الحد".
إننا قد بينا قاعدة مهمة من قواعد السلف في باب الصفات حول الألفاظ المجملة المتشابهة الكلامية آنفاً في الجواب الإجمالي.
فنقول: في ضوء القاعدة:- إن لفظ "الحد" يطلق على معنيين:
الأول: بمعنى الإحاطة بالله علماً فلا شك أن "الحد" بهذا المعنى منفي عن الله تعالى فلا منازعة بين أهل السنة، لأن الله تعالى غير مدرك بالإحاطة، وقد عجز الخلق عن الإحاطة به، وعلى هذا يحمل قول من نفى "الحد" من السلف.
والثاني: بمعنى أن الله تعالى متميز عن خلقه منفصل عنهم مبائن لهم عال عليهم غير مخلوط بهم ولا حال فيهم فهذا المعنى حق فـ"الحد" بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر، فإنه ليس وراء نفيه إلا وجود الرب، ونفي حقيقته وعلى هذا يحمل قول من أثبت " الحد" لله تعالى من السلف ((درء التعارض)) (2/33-35)، و ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص 239-240).
لذا نرى كثيراً من السلف كسفيان الثوري وشعبه وحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وشريك وأبو عوانه وأبو داود الطيالسي والطحاوي ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص 238-239). ، وغيرهم نفوا "الحد".
وفي رواية عن الإمام أحمد أيضاً رواه الخلال كما في ((درء التعارض)) (2/29-32)، و ((السنة)) للإمام أحمد رواية الاصطخري (ص 24).
وبجانب ذلك نرى كثيراً من السلف يثبتون "الحد" لله تعالى.
كعبد الله بن المبارك رواه أبو داود كما في ((التمهيد)) لابن عبدالبر (7/142)، والدارمي في ((الرد على بشر المريسي)) (ص 24)، والخلال كما في ((درء التعارض)) (2/34).   -  وهو حنفي عند الحنفية  -  ورواية عن الإمام أحمد رواها الخلال كما في ((درء التعارض)) (2/34).
والإمام عثمان الدارمي انظر ((رد الدارمي على بشر المريسي)) (ص 23-25). وغيرهم.
فالذين نفوا "الحد" قصدوا المعنى الأول، وهو الباطل الذي يجب نفيه عن الله تعالى، والذين أثبتوا "الحد" قصدوا المعنى الثاني وهو الحق الذي يجب الإيمان به وهو "العلو" ((درء التعارض)) (2/33-35)، و ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص 239-240).
ولكن الطامة الكبرى أن طوائف المعطلة أدخلوا في معنى "الحد" حقاً وباطلاً فنفوها جميعاً فنفوا ضمن نفيهم "للحد" فوقية الله تعالى على عباده وعلوه على عرشه راجع: ((شرح الطحاوية)) (ص 239).
قال الإمام الذهبي (748هـ):
وقد سئل أبو القاسم التيمي رحمه الله: هل يجوز أن يقال: لله حدٌّ أو لا؟
وهل جرى هذا الخلاف في السلف؟ فأجاب: هذه مسألة أستعفي من الجواب عنها لغموضها، وقلة وقوفي على غرض السائل منها؛ لكني أشير إلى بعض ما بلغني، تكلم أهل الحقائق في تفسير الحد بعبارات مختلفة، محصولها أن حد كل شيء موضع بينونته عن غيره، فإن كان غرض القائل: ليس لله حد: لا يحيط علم الحقائق به، فهو مصيب، وإن كان غرضه بذلك: لا يحبط علمه تعالى بنفسه فهو ضال، أو كان غرضه أن الله بذاته في كل مكان فهو أيضاً ضال" ((سير أعلام النبلاء)) (20/80-88)، و ((البداية والنهاية)) (12/217).
وعلق عليه الذهبي قائلاً:
"قلت: الصواب الكف عن إطلاق ذلك، إذ لم يأت فيه نص، ولو فرضنا أن المعنى صحيح فليس لنا أن نتفوه بشيء لم يأذن به الله خوفاً من أن يدخل القلب شيء من البدعة اللهم احفظ علينا إيماننا" ((سير أعلام النبلاء)) (20/80-88)، و ((البداية والنهاية)) (12/217).
2- "الجهة":
هذه اللفظة أيضاً من الألفاظ المبتدعة الكلامية المتشابهة المجملة التي يجب التفصيل فيها، حتى يتميز الحق من الباطل، فيقبل الحق ويرد الباطل، وقبل التفصيل لا يحكم عليها نفياً ولا إثباتاً لئلا ينفى الحق ضمن النفي العام، لأن أهل البدع من طوائف المعطلة ينفون "الجهة" ويريدون بذلك نفي "علو الله تعالى" على عرشه، وفوقيته على خلقه ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص 242)، و ((روح المعاني)) للألوسي (7/116)، و ((جلاء العينين)) لابن نعمان (ص 359)، ((غاية الأماني)) لحفيده شكري الألوسي (1/447).
وإذا فصلنا في معنى الجهة، علمنا أن "الجهة" تطلق على معنيين: حقٍ، وباطلٍ.
فنظراً إلى المعنى الباطل يجب نفي الجهة عن الله تعالى، ونظراً إلى المعنى الحق يجب إثباته لله تعالى.
قال شيخ الإسلام، والإمام ابن أبي العز، والعلامة محمود الآلوسي، وابنه نعمان، وحفيده شكري، وكلهم حنفية غير الأول، واللفظ له:
"فلفظ "الجهة" قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقاً كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما أريد بالجهة ما فوق العالم.
ومعلوم أنه ليس في نص إثبات لفظ "الجهة" ولا نفيه.
كما فيه إثبات "العلو" و"الاستواء" و"الفوقية" و"العروج إليه" ونحو ذلك...، وقد علم أنه ما تم موجود إلا الخالق، والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق  -  سبحانه وتعالى ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفى "الجهة": أتريد بالجهة أن شيء موجود مخلوق؟.
فالله ليس داخلاً في المخلوقات.
أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟.
فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟.
فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل" ((التدمرية)) (ص66-67)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/41/42)، و ((نقص المنطق)) (ص 50)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (4/58-59)، (5/262-263، 6/38-40)، و ((درء التعارض)) (1/253-354)، والتسعينية ضمن ((الفتاوى الكبرى)) (5/4-5، 23، 31، 21، 37)، فرد على هذه الشبهة في أربعة عشر وجها، و ((مختصر الفتاوى المصرية)) (ص585)، و ((شرح الطحاوية)) (ص 242-244)، و ((روح المعاني)) (7/116) و ((جلاء العينين)) (ص 359)، و ((غاية الأماني)) (1/447، 493)، وارجع إلى ((الجواب الصحيح)) (3/83-84).
قلت: لفظ "الجهة" بالمعنى الصحيح، أعني بمعنى "العلو" لله تعالى على خلقه، هو مقتضى الكتب السماوية والأحاديث النبوية، وعلى ذلك العقل الصريح والفطرة السليمة ولذلك يوجد في كلام أئمة السنة، لفظة "الجهة" بهذا المعنى، ولا غبار عليها، ومع ذلك الأفضل التقيد بالألفاظ المأثورة.
وإثبات "الجهة" لله تعالى بهذا المعنى مما اعترف به كثير من كبار المتفلسفة، والمتكلمة.
1-3- القاضي عياض (544هـ) والإمام النواوي (676هـ) والزبيدي الحنفي (1205هـ):
فقد صرحوا بأن المحدثين والفقهاء والمتكلمين بإثبات "جهة" الفوق وأن معنى في السماء عندهم "على السماء" وأما دهماء المتكلمين فينفون الجهة نقل النووي كلام القاضي عياض وأقره، انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (5/24-25)، وراجع ((شرح الإحياء)) للزبيدي (2/105).
4- وقال أبو الوليد محمد بن أحمد المعروف بابن "رشد" الحفيد المتفلسف (595هـ):
"القول بالجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه وتعالى حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية... وظواهر الشرع كلها تقتضى إثبات الجهة".
ثم ذكر عدة أدلة على ذلك كما ضرب مثالاً مهما للمؤولين المحرفين ((مناهج الأدلة)) (ص176-182)، وانظر ((درء التعارض)) (6/212-237)، و ((الصواعق المرسلة)) (4/1305)، و ((اجتماع الجيوش)) (323-324).
5- وقال القرطبي المفسر (671هـ) بعد ما ذكر مذهب المتكلمين النفاة لعلو الله تعالى:
"وقد كان السلف الأول لا يقولون بنفي "الجهة" ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها، كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة... وإما جهلوا كيفية الاستواء".
ثم ذكر مقالة الإمام مالك المشهورة في الاستواء ثم قال: "وهذا القدر كاف...، والاستواء في كلام الرب: هو العلو والاستقرار..." ((الجامع لأحكام القرآن)) (7/219-220)، وانظر ((درء التعارض)) (6/259-260)، و ((بيان تلبيس الجهمية)) (2/37)، و ((العلو)) للذهبي (ص 194-195)، و ((مختصر العلو)) للألباني (ص 286)، و ((الصواعق المرسلة)) (4/1293-1294)، و ((اجتماع الجيوش)) (263-281).
6- وقال القرطبي أيضاً "وأظهر الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، وقاله الفضلاء الأخيار أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه، وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات" ((درء التعارض)) (6/258)، و ((بيان تلبيس الجهمية)) (2/36)، و ((الصواعق المرسلة)) (4/1292)، و ((اجتماع الجيوش)) ((ص 281)، عن كتاب ((شرح أسماء الحسنى)) للقرطبي.
قلت: بعد هذا كله تبين بلا ريب للمسلمين طالبي الحق والإنصاف أن الكوثري كذاب بهات أفاك فيما يفتري على الله ورسوله وأئمة الإسلام وغيرهم حيث يقول متحدياً:
"ولم يقع ذكر الجهة في حق الله سبحانه في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في لفظ صحابي أو تابعي، ولا في كلام أحد ممن تكلم في ذات الله وصفاته من الفرق سوى أقحاح المجسمة، وأتحدى من يدعي خلاف ذلك أن يسند هذا اللفظ إلى أحد منهم بسند صحيح فلن يجد إلى ذلك سبيلاً فضلاً عن أن يتمكن من إسناده إلى الجمهور بأسانيد صحيحة..." ((تبديد الظلام)) (ص 101-102).
ويقرر الكوثري قول السبكي ويسكت عليه بعد ما ذكر قول الإمام ابن القيم "إن الله فوق سماواته... نقول ما قاله ربنا".
فقال السبكي وأقره الكوثري: "أين قال: ربنا أنه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته؟ فقد نسبت إلى قول الله ما لم يقله" ((السيف الصقيل مع تبديد الظلام)) للكوثري (ص 22).
قلت: عار وشنار على الكوثري وبعض الديوبندية حيث يبالغون في الثناء على هذا الخائن الظنين الذي غالب كلامه ثرثرة وكذب وطنين، ثم يصفونه بالتثبت والاحتياط والأمانة وأنه لا فلة فيه دراية ورواية وأنه لا لجواده كبوة ولا لصارمه نبوة.
مع أن نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف هذه الأمة وأئمة السنة بل نصوص كثير من أئمة الكلام صريحة في "الفوقية".
3- "الحَيِزّ":
وكذلك لفظة "الحيز" فالقول فيها كالقول في أخواتها من ألفاظهم الكلامية المجملة المدهشة التي يردون بها الحق أيضا ضمن ردهم للباطل.
قال شيخ الإسلام: "وكذلك لفظ "المتحيز" إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر بل وسع كرسيه السموات والأرض..، وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالاً فيها، فهو سبحانه كما قال أئمة السنة، فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه" ((التدمرية)) (ص 67-68)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/42)، وانظر ((مجموع الفتاوى)) (6/38-40)، و ((درء التعارض)) (1/253-254)، والتسعينية ((ضمن الفتاوى الكبرى)) (5/4-5، 23-31).
4- "المكان":
وهكذا لفظ "المكان" لا ننفيه ولا نثبته حسب قاعدة السلف المذكورة بل نفصل فيه ونستفسر قائله فنقبل المعنى الحق ونرد المعنى الباطل، ولا نفعل كما يفعل طوائف المعطلة من نفيهم علو الله تعالى على خلقه ضمن نفيهم للمكان عن الله تعالى.
قال شيخ الإسلام: "... ومنهم من لا يفهم قول الجهمية بل يفهم من النفي معنى صحيحاً... مثل أن يفهم من قولهم: "ليس في جهة" ولا له "مكان" ولا هو "في السماء".
أنه ليس في جوف السماوات  -  وهذا معنى صحيح وإيمانه بذلك حق  -  ولكن يظن أن الذين قالوا هذا النفي اقتصروا على ذلك، وليس كذلك بل مرادهم، أنه ما فوق العرش شيء أصلاً ولا فوق السماوات إلا عدم محض، وليس هناك إله يعبد، ولا رب يدعى ويسأل، ولا خالق خلق الخلائق، ولا عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه أصلاً هذا مقصودهم" ((نقض المنطق)) (ص 50)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (4/58-59).
وقال العلامة نعمان الألوسي الحنفي: "وأما القائل الذي يقول: إن الله لا ينحصر في مكان إن أراد به أن الله لا ينحصر في جوف المخلوقات، وأنه لا يحتاج إلى شيء منها فقد أصاب، وإن أراد أن الله تعالى ليس فوق السماوات، ولا هو مستو على العرش استواء لائقاً بذاته وليس هناك إله يعبد، "ومحمد صلى الله عليه وسلم" لم يعرج إلى ربه تعالى، فهذا جهمي فرعوني معطل".
ثم ذكر قاعدة السلف في الألفاظ المجملة ((جلاء العينين)) (ص 385)، عن شيخ الإسلام.
قلت: إثبات "المكان" بالمعنى الصحيح  -  وهو العلو لله تعالى  -  لا يستلزم أي محذور ولا لوازم باطلةً كما حققه ابن رشد في ((مناهج الأدلة)) (ص 176-177)، وانظر: ((اجتماع الجيوش)) (ص 324).
قلت: لقد تبين بهذه النصوص.
أنه لا يلزم من حمل نصوص "العلو والفوقية" على ظاهرها من المعاني الحقيقية المتبادرة إلى الأذهان السليمة أي محذور ما دمنا ملتزمين نفي التكييف والتمثيل.
فلا يلزم من ذلك تشبيه يخالف التنزيه.
ولا يلزم الحد والجهة، والحيز والمكان بالمعاني التي يقصدها هؤلاء المعطلة ولا يلزم كون الله محدوداً متبعضاً متجزياً متناهياً جوهراً وجسماً.
ولا يلزم كون الله محلاً للحوادث ولا لزوم الانتقال ولا التجزي ولا الانقسام.
كما لا يلزم أن يكون كل واحد من الحد والجهة، والحيز، والمكان، قديماً مع الله تعالى لأن الحيز والمكان عند هؤلاء المتكلمين يعد موهوم لا شيء محض كما تقدم.
فلا يلزم تعدد القدماء، وقد تقدم أيضاً أن المراد من الجهة ما فوق العالم غير الله تعالى، وما فوق العالم غير الله تعالى هو أمر معدوم؛ لأن الموجود إما خالق، وإما مخلوق وفوق المخلوق ليس إلا الخالق، فلا يتصور كون الخالص في شيء موجود، إذاً لا يتصور كون موجود قديماً مع الله تعالى، فلا يلزم قدم الحد والجهة والحيز والمكان بالمعنى الذي يريد الماتريدية.
قال شيخ الإسلام: "فقوله: يلزم قدم الجهة أو الانتقال، إنما يصح لو قيل: إنه موجود في سواه، وإما إذا أريد بذلك أنه فوق العالم، أو وراء العالم، وليس هناك غيره، وليس هناك شيء موجود آخر، حتى يقال: إنه قديم.
وأما العدم فإن قيل: إنه قديم بهذا التفسير، فهو كعدم سائر المخلوقات، وقدم العدم بهذا التفسير ليس بممتنع..." ((مختصر الفتاوى المصرية)) لشيخ الإسلام، اختصار بدر الدين البعلي (ص 585).
قلت: ما ذكرنا في هذه المباحث في هذا الفصل من إقامة الحجج الباهرة والبراهين القاهرة على علو الله تعالى على خلقه - من صحيح المنقول وصريح المعقول والإجماع المحقق والفطرة السليمة لنسف شبهات الماتريدية وبيان أنهم خالفوا النقل والعقل والإجماع والفطرة في آن واحد، وأنهم ليسوا من أهل السنة بل هم من الفرق الجهمية - فيه كفاية لطلاب الحق والإنصاف،، والله حسب عصبة التعصب والاعتساف،،
فإنهم لا يدفعون حماقتهم بالندامة،، ولو أطلبت لهم الملامة،،
فهم كما قيل:


وشيخ عن الحمق لا ينتهي





 أطلتَ له اللومَ أم لم تطل

الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني 2/575

انظر أيضا: