موسوعة الفرق

أولا: مخالفة الماتريدية للنقل الصحيح


لقد عارضت الماتريدية  -  في تعطيلهم لصفة "العلو" لله سبحانه وتعالى جميع ملل الأنبياء والمرسلين السابقين، وجميع الكتب الإلهية المنزلة، والنصوص الصريحة المحكمة الصريحة في الكتاب والسنة.
أما اتفاق ملل الأنبياء والمرسلين السابقين على تحقيق "علو" الله تعالى  -  فقد اعترف بذلك كبار الماتريدية، والأشعرية، بل القرامطة الباطنية.
والشيخ الإمام عبدالقادر بن موسى بن عبدالله الجيلاني (561هـ) ترجمته في ((ذيل طبقات الحنابلة)) لابن رجب (1/290-301)، و ((شذرات الذهب)) (4/198).   -  الذي اتفق على كراماته وولايته ((الصواعق المرسلة)) (4/1279). ، والذي قال فيه الإمام عز الدين بن عبدالسلام: "ما نعرف أحداً كراماته متواترة كالشيخ عبدالقادر رحمه الله" ((الصواعق المرسلة)) (4/1279).   -  قد قال: "وهو لجهة العلو مستوٍ على العرش،... وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزله على كل نبي أرسله" ((غنية الطالبين)) (1/63).
وقال الإمام ابن القيم معلقاً على كلام الشيخ الجيلاني هذا:
"وصدق...، فإن الرسل من أولهم إلى آخرهم ليس بينهم اختلاف في أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله...، فلم يختلف منهم اثنان في باب الأسماء والصفات وإن كان في الكتابين الذين لم ينزل من السماء كتاب أهدى منهما  -  من ذلك ما ليس في غيرهم، حتى زعمت أمة المعطلة: أنهما كتابا تشبيهٍ، ومن جاء بهما إماما المشبهة" ((الصواعق المرسلة)) (4/1279)، وراجع ((اجتماع الجيوش)) (ص 323)، و ((مختصر الصواعق)) (2/205-206)، الطبعة القديمة، و(2/370)، الطبعة الجديدة، وانظر أيضاً ((درء التعارض)) (5/222، 309-310)، و ((الحموية)) (ص 108-109)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/110-111، 271، 275) و ((ضمن مجموع الرسائل الكبرى)) (3/471)، وانظر ((مناهج الأدلة)) (ص 176).
وأما أدلة "علو الله تعالى" في القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام سلف هذه الأمة ونصوص أئمة السنة، فأمر لا يعده العاد ولا يحصيه إلا رب العباد. وقد ذكر بعض كبار الحنفية وغيرهم من أهل العلم أن بعض أئمة السنة تتبعها فوجدها أكثر من ألف دليل انظر ((الصواعق المرسلة)) (4/1279)، و ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) (ص 331)، و ((شرح الطحاوية لابن أبي العز)) (ص 332)، و ((روح المعاني)) للعلامة محمد الآلوسي مفتي الحنفية (7/114)، و ((جلاء العينين)) لنعمان الآلوسي الحنفي (ص 355)، و ((غاية الأماني)) لشكري الآلوسي الحنفي (1/443)، وانظر ((الجواب الصحيح)) (3/84).
وقد تنوعت أدلة "علو الله تعالى" أنواعاً متعددة ذكر منها بعض أئمة السنة أكثر من عشرين نوعاً، واعترف بها بعض كبار أئمة الكلام، ولا حاجة إلى ذكرها ولكن أشير إلى بعض تلك الأنواع:
1- نصوص علوه تعالى على خلقه سبحانه.
2- نصوص فوقيته سبحانه على عباده.
قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:18]
قلت: لا يصح أي تأويل لقوله تعالى: فَوْقَ عِبَادِهِ كأن يقال: المراد من "الفوقية" فوقية القهر، والغلبة، والعظمة، ونحوها مما يرتكبه الماتريدية في تحريف نصوص العلو كما تقدم، لأن قوله تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ دل على تلك الفوقية، فلو حمل قوله تعالى فَوْقَ عِبَادِهِ أيضاً على تلك الفوقية القهرية  -  لكان الكلام مبنياً على التأكيد والتكرار، مع أن التأسيس أولى من التأكيد لاشتمال التأسيس على الإفادة فائدةً جديدةً حتى باعتراف الماتريدية.
على أن حمل الكلام على الحقيقة متعين؛ لأن الحقيقة هي الأصل باعترافهم أيضاً انظر ((المغني للخبازي)) (ص 137)، و ((المنار مع شرحه كشف الأسرار ونور الأنوار)) (1/228، 267)، وارجع لإبطال حمل هذه الآية على الفوقية القهرية ونحوها إلى ((مختصر الصواعق)) (2/205)، وما بعدها، ط/ قديمة، و: (2/369)، وما بعدها، ط/ جديدة.
وقال عز وجل: يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ [النحل:50]
وهذه الآية لا احتمال فيها لأي مجاز أو تأويلٍ بوجهٍ من الوجه، لوجود كلمة "من" المعينة للفوقية الذاتية الحقيقية انظر ((مختصر الصواعق)) (2/205، 207)، ط/ قديمة، و: (2/369، 371)، ط/ جديدة، و ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص 319)، وشرح كتاب ((التوحيد)) من صحيح البخاري لشيخنا عبدالله بن محمد الغنيمان (1/458)، و ((الصفات الإلهية)) لشيخنا محمد أمان الجامي (ص 227).
3- ونصوص كونه تبارك وتعالى في السماء. والمراد من "السماء" العلو والارتفاع، وكلمة "في" بمعنى كلمة "على" انظر ((الإبانة للأشعري)) (2/107)، تحقيق فوقية، و(ص 86)، تحقيق الأرناؤوط، ط/ دار البيان، و: (ص 120)، ط/ الجامعة الإسلامية، والموجز له كما في ((الصواعق المرسلة)) (4/1243-1245)، و ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (ص140-411، 421).
4- ونوصوص استوائه سبحانه على عرشه تعالى.
5- ونصوص العروج إليه جلا وعلا.
6- ونصوص الصعود إليه تبارك.
7- ونصوص الرفع إليه سبحانه.
8- وأحاديث نزول الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا.
9- وأحاديث معراجه صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى.
ففي لفظ من تلك الأحاديث: ((ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى..)) رواه البخاري (7517) قال ابن رجب في ((فتح الباري)) (2/114): قد تفرد به شريك بهذه الألفاظ في هذا الحديث، وهي مما أنكرت عليه فيه.
10- وأحاديث الإشارة إلى السماء بعدها إشارة إلى الله عز وجل منها حديث جابر الطويل في حجة الوداع، وفيه: ((فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس  -  اللهم اشهد -  ثلاث مرات)) رواه مسلم (1218)
ومنها حديث الجارية وفيه: ((أين الله)) فقالت ((في السماء)) رواه مسلم (537)
قلتُ: هذه النصوص ومعها أضعافُ أضعاف أضعافٍ تدل دلالة قاطعة لا تحتمل النقيض على أن الله تعالى فوق هذا العالم حقيقة، وأن هذه النصوص القاطعة الساطعة لا تحتمل المجاز والتأويل بوجه من الوجوه؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم بعد ما ساق أحداً وعشرين نوعاً من حجج "علو" الله تعالى:


وقد اقتصرت على يسير من كثيـ





ـرٍ فائتٍ للعدَ والحسبان  


 ما كل هذا قابل التأويل بالـ


 


ـتحريف فاستحيوا من الرحمن ((القصيدة النونية)) (ص 85)، و ((شرحها توضيح المقاصد)) (1/534)، و ((توضيح الكافية الشافية)) (ص 73)، و ((شرح النونية)) للهراس (1/260).


لكن الماتريدية يحرفون هذه النصوص مع كثرتها واطرادها وتظافرها إلى معانٍ مجازية قد زكرناها فيما سبق فلا داعي إلى إعادتها.
وقد رهنَّا في فصل التأويل على أن تأويل نصوص الصفات بدعةٌ في صميم الإسلام، وخروجٌ على إجماع أئمة الإسلام، وأن مقالة التأويل في الأصل مقالةُ الكفارِ، وأنها تستلزم تعطيل الصفات وتحريف نصوصها، وأنها طريق إلى الزندقة والإلحاد.
ولقد تصدى شيخ الإسلام لإبطال حمل نصوص علو الله تعالى وفوقيته على المجاز فأجاد وأفاد انظر ((المراكشية)) (ص 39)، وما بعدها، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/167)، وما بعدها. ، وهكذا للإمام ابن القيم رحمه الله مباحثُ قيمةٌ في إبطال تأويلات نصوص فوقية الله تعالى وعلوه سبحانه فارجع إليها ((مختصر الصواعق)) (2/205-217)، ط القديمة، و: ((ص 369-378)، ط، الجديدة: و (ص 355-363)، ط/ دار الكتب العلمية "1405هـ".
وللإمام ابن أبي العز (792هـ) والعلامة محمود الآلوسى (1270هـ) وابنه نعمان الآلوسي (1317هـ) وحفيده العلامة شكرى الآلوسي (1342هـ) كلمة قيمة قاضية على تأويلات الماتريدية وأمثالهم لنصوص "علو الله سبحانه وفوقيته" أنقلها لما فيها من عبرةٍ بالغةٍ وهم من كبار الحنفية وأئمتهم، واللفظ للآلوسي الجد:
"وتأول بعضهم كل نص فيه نسبة الفوقية لله بأن "فوق" بمعنى "خير وأفضل" كما يقال: "الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم" وأنت تعلم أن هذا مما تنفر منه العقول السليمة وتشمئز منه القلوب الصحيحة؛ فإن قول القائل ابتداءً" الله خير من عباده" أو "خير من عرشه" من جنس قوله "الثلج بارد، والنار حارة، والشمس أضوأ من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار" ونحو ذلك.
وليس في ذلك أيضاً تمجيد ولا تعظيم لله تعالى، بل من أرذل الكلام، فكيف يليق حمل الكلام المجيد عليه...
على أن في ذلك تنقيص لله تعالى شأنه ففي المثل السائر:


ألم ترى أن السيف ينقص قدره إذا





 قيل: إن السيف أمضى من العصى

"والفوقية" بمعنى "الفوقية في الفضل" مما يثبتها السلف لله تعالى أيضاً وهي متحققة في ضمن "الفوقية المطلقة" وكذا يثبتون "فوقية القهر والغلبة" كما يثبتون "فوقية الذات" ويؤمنون بجميع ذلك، وليسوا كمن  -  يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض" ((شرح الطحاوية)) (ص 323-324)، ((روح المعاني)) (7/116)، ((جلاء العينين)) (ص 358)، ((غاية الأماني)) (1/446)، وأصل الكلام للإمام ابن القيم رحمه الله انظر ((مختصر الصواعق المرسلة)) (2/141-142، 206)، ط/ قديمة و: (ص 329-330، 370)، ط/ جديدة و (ص 315-316، 355)، ط/ دار الكتب العلمية.
قلتُ: لا حاجة إلى مزيد من الرد على تأويلات الماتريدية بعد كلام هؤلاء الأئمة لكني أود أن أشير إلى نكتة تتعلق بهذا المقام وهي:
أنه لا يمكن لأحدٍ إثبات "علو المكانة وعلو الشأن" لله سبحانه وتعالى إلا أن يعترف لله تعالى بعلو الذات والعلو حقيقةً؛ لأن نفي العلو الحقيقي الذاتي  -  عن الله تعالى  -  نفٌي لعلو الشأن والمكانة عنه سبحانه بالطريق الأولى والأحرى لكن التأويل التالي باطل فالمقدم مثله.
الحاصل: أن علو الله تعالى ثابت بنصوص الكتب السماوية الصريحة والأحاديث الصحيحة، وأن الماتريدية قد خرجوا عليها، وأن تأويلها باطل محض، لأنه تحريف لها وتعطيل لهذه الصفة، وإبطال لها؛
حتى بشهادة إمامهم "الأعظم" حيث قال:
"ولا يقال: غضبه: عقوبته، ورضاه، ثوابه".
وقال أيضاً:
"ولا يقال: إن يده: قدرته، أو: نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال".
وهذا برهان باهر،، وسلطان قاهر،، على أن تأويل صفة بأخرى  -  كما تفعله الجهمية الأولى وأفراخهم من الماتريدية والأشعرية  -  تعطيلٌ للصفات وإبطالٌ لها وتحريفٌ لنصوصها وتخريفٌ للعقيدة.
فواعجباً للفنجفيري القائل غالطاً جاهلاً،، أو مغالطاً متجاهلاً:
الخلف المؤولون لا ينكرون الصفات بل الصفات عندهم ثابتةٌ مثل ما ثبت عند السلف؛ فهم من أهل السنة لا يخرجون منهم ((تنشيط الرستمي)) (ص 350).


فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ





 وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني 2/463

انظر أيضا: