موسوعة الفرق

المبحث الثالث: الرد على الماتريدية في باب الأسماء والصفات


الماتريدية  -  كغيرهم من فرق المعطلة- عرضت لهم شبهة وهي أن ظواهر نصوص الصفات موهمة للتشبيه فزعموا أنه لو بقيت هذه النصوص  - بدون تفويض أو تأويل- على معانيها الحقيقية من العلو، والنزول، والاستواء، والوجه واليدين والغضب والرضا ونحوها  -  لزم تشبيه الله تعالى بالمخلوقات وهذا ينافي تنزيه الله تعالى عن مشابهتهم، والعقل يستحيل إبقاء هذه النصوص على ظاهرها فلذلك لابد من تفويض معانيها إلى الله تعالى، أو تأويلها إلى ما يوافق العقل.
ولا يجوز حملها على ظاهرها.
وهذه الشبهة هي التي دفعتهم إلى التقول بالتفويض الباطل على السلف، وتعطيل كثير من الصفات الكمالية لله تعالى، وتحريف نصوصها.
ونحن بتوفيق الله تعالى نناقشهم ونذكر وجوهاً لإبطال هذه الشبهة وبيان خطرها. إن شاء الله تعالى، فنقول وبالله التوفيق.
الوجه الأول:
أن القول بأن ظاهر نصوص الصفات تشبيه، أو ظواهر هذه النصوص موهمة للتشبيه  -  قول في غاية الفساد والضلال؛ لأن ذلك يستلزم أموراً كفرية جداً منها:
1-  أن ظاهر نصوص القرآن والسنة هو الضلال البعيد والكفر الصريح والشرك القبيح والباطل المحض؛ لأن تشبيه الله بخلقه كفر.
2-  أن الكتاب والسنة مشتملان على كفر وضلال، ولا يستفاد منهما نور وهداية وبيان الحق.
3-  أن الكتاب والسنة لا يصلحان أن يكونا مصدرين لتلقي العقيدة فيما يخبران عن الله تعالى.
4-  أنهما ليس فيهما ما يصلح للاعتقاد بل فيهما ما يفسد العقيدة، ويضلل الناس.
5-  أن القلوب تتخلَّى عن الجزم بشيء مما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
6-  أن يُعزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد ولاسيما فيما يتعلق بصفات الله.
7-  أن ترك الناس بلا كتاب ولا رسالة كان خيراً لهم.
8-  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم التابعين يتكلمون بما ظاهره كفر وضلال دائماً ولم يقولوا يوماً من الدهر أن ظاهرها غير مراد.
9-  أن هذا يستلزم إقرار الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهذا الكفر العظيم؛ حيث تكلموا بما ظاهره كفر بدون بيان ودون تحذير الأمة.
10- أن هذا فتح الأبواب لأنواع من المشركين والمبتدعين من الباطنية وغيرهم لا يمكن سدها وهذه الأمور العشرة أذكرها مفصلة:
قال شيخ الإسلام: "فإن كان الحق فيما يقول هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة  -  من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصاً وإما ظاهراً فكيف يجوز على الله ثم على رسوله -صلى الله عليه وسلم- ثم على أخير الأمة أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصاً، ولا ظاهراً، حتى يجيء أنباط الفرس والروم، وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها.
لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون، والمتكلفون هو الاعتقاد الواجب  -  وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا الواجب  -  وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً  -  لقد ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين؛
فإن حقيقة الأمر  - على ما يقوله هؤلاء- أنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله عز وجل، ولا من طريق سلف الأمة؛ ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات فصفوه به، سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه به...؛ هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين؛
وهذا الكلام قد رأيته بمعناه لطائفة  منهم، وهو لازم لجماعتهم لزوماً لا محيد عنه؛
ومضمونه: أن كتاب الله لا يهتدي به في معرفة الله، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- معزول عن التعليم، والإخبار بصفات من أرسله، وان الناس عند التنازل لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول -صلى الله عليه وسلم- بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة، وهم المشركون، والمجوس، وبعض الصابئين...؛
وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا [النساء:60]
ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من طواغيت المشركين، أو الصابئين أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا به...؛
قال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:65]
ولازم هذه المقالة أن لا يكون الكتاب هدىً للناس، ولا بياناً، ولا شفاء لما في الصدور، ولا نوراً، ولا مرداً. عند التنازع؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون: إنه الحق الذي يجب اعتقاده - لم يدل عليه الكتاب والسنة لا نصاً ولا ظاهراً...؛
وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السماوات، ونحو ذلك بقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] ، لقد أبعد النجعة، وهو إما ملغز وإما مدلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين؛
ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيراً لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالة؛
يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوماً من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، واعتقدوا كذا وكذا. فإنه الحق وما خالفه ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، وانظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه وما لا يوافق فتوقفوا فيه أو انفوه؛
ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن أمته سوف تفترق على ثلاث وسبعين فرقة وردت عدة أحاديث في افتراق هذه الأمة وأسانيد بعضها صحيحة راجع ((مرقاة المفاتيح)) (1/276-277)، ((تخريج المشكاة)) للألباني (1/61). فقد علم ما سيكون ثم قال: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله))؛
وروى عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في صفة الفرقة الناجية: ((هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي))
فهلا قال: من تمسك بالقرآن أو بدلالة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم؟.." انتهى كلام شيخ الإسلام ((الحموية)) (ص 20-23)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/15-20)، و ((ضمن مجموعة الرسالة الكبرى)) (1/432-435)، وانظر أيضاً ((المراكشية)) (ص 44)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/171) و ((النفائس)) (ص 95-98)، تحقيق الفقى.
وقال الإمام ابن ابي العز الحنفي: "ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك فهو لقصور فهمه ونقص علمه وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس:


وكم من عائب قولاً صحيحاً





وآفته من الفهم السقيم

وقيل:


عليَّ نحتُ القوافي من مقاطعها





وما عليَّ إذا لم تفهمِ البقرُ

فكيف يقال في قول الله الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث، وهو الكتاب الذي أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير [هود: 1] إن حقيقة قولهم أن ظاهر القرآن والحديث هو الضلال وأنه ليس فيه ما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه ((شرح الطحاوية)) (ص235-237)، وانظر ((درء التعارض)) (5/242-243).
هذا حقيقة قول المتأولين، والحق: أن مادل عليه القرآن فهو حق وما كان باطلاً لم يدل عليه والمنازعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه. فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه  -  وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية  -  فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع المشركين والمبتدعين، ولا تقدرون على سده...".
ثم ذكر رحمه الله نتائج وخيمة:
منها: أن ذلك يستلزم أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة.
ومنها: أن القلوب تتخلى عن الجزم بشيء مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد، والقرآن هو النبأ العظيم؛ وهذا فتح باب الزندقة نسأل الله تعالى العافية ((شرح الطحاوية)) (ص235-237)، وانظر ((درء التعارض)) (5/242-243)
ونكفتي به الآن في بيان ضرر هذه الشبهة وسيأتي مزيد إيضاح في الوجوه الآتية، إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني:
أن نقول: إن أصحاب شبهة التشبيه  - الذين ردوا نصوص الصفات أو حرفوها وعطلوا ما دلت عليه من صفات الله تعالى- لم يعرفوا حقيقة التشبيه المنفي عن الله تعالى وصفاته انظر كتاب ((التوحيد)) لابن خزيمة (1/193). ؛ فأتوا من سوء فهمهم.
كما أنهم لم يعرفوا حقيقة التنزيه، وحقيقة التوحيد.
فأدخلوا في مفهوم التشبيه ما ليس منه، كما أنهم أدخلوا في مفهوم التنزيه والتوحيد ما ليس منهما انظر ((درء التعارض)) (3/438). فيسمون نفي الصفات توحيداً وتنزيهاً انظر ((درء التعارض)) (3/438). كالجهمية والفلاسفة والقرامطة انظر ((درء التعارض)) (3/438).
حيث أدخلوا في التشبيه إثبات الصفات، وأدخلوا في التنزيه نفي الصفات، وظنوا أن هذا هو التوحيد بحجة أن إثبات الصفات لله تعالى يخالف التنزيه والتوحيد ويستلزم التشبيه انظر ((ما حكى الإمام أحمد عن الجهم في الرد على الجهمية)) (ص 104).
مع أن الأمر ليس كذلك.
بل الحقيقة أن وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أعلم الخلق بالله  -  بلا تكييف ولا تمثيل ليس من باب التشبيه والتجسيم في شيء بل هذا عين التنزيه والتوحيد والإيمان، لأن في ذلك تنزيه الله تعالى عن العيوب، والنواقص. ونفي الصفات تشبيه الله تعالى بالمخلوق بل المعدوم والممتنع حتى باعتراف أبي منصور إما الماتريدية انظر كتاب ((التوحيد)) للماتريدي (ص 44، 96)، مع غموض كلامه وتعقيده.
لأن إثبات الصفات وفق منهج السلف إثبات الكمال لله تعالى ونفي كل عيب ونقص عنه سبحانه.
وإنما التشبيه أن يقال: علو الله تعالى كعلو خلقه؛ واستوائه، ونزوله وغضبه ورضاه وضحكه، وفرحه، ويده، ووجهه، وعينه كاستواء خلقه أو كنزوله وغضبه، ورضاه، وضحكه، وفرحه، ويده، ووجهه، وعينه.
ومذهب السلف بعيد عن التشبيه بل هو وسط بين طرفي النقيض لا علاقة له بالتعطيل ولا بالتمثيل فمذهبهم عين التنزيه البعيد عن التشبيه.
قال شيخ الإسلام: "ومذهب سلف الأمة وأئمتها: أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز نفي صفات الله تعالى  -  التي وصف بها نفسه  -  ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين، بل هو سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله... ومذهب السلف بين مذهبين، وهدى بين ضلالين: إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات؛ فقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11] رد على أهل التشبيه والتمثيل. وقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ رد على أهل النفي، والتعطيل، فالممثل أعشى، والمعطل أعمى، والممثل يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً" ((مجموع الفتاوى)) (5/195-196، 261) ((جلاء العينين)) (ص 391).
وقد بين أئمة هذه الأمة حقيقة التشبيه المنفي عن الله وعن صفاته كما بينوا أن إثبات الصفات لله تعالى بلا تكييف ولا تمثيل ليس من باب التشبيه رداً على المعطلة، ونصوص الإمام أبي حنيفة حجة على الماتريدية.
وإليك أقوال بعض أئمة الإسلام غير أبي حنيفة:
1- قال الإمام نعيم بن حماد (228هـ) "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه".
2- وقال الإمام إسحاق بن راهويه: (238هـ): "إنما التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال: كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهاً وهو كما قال الله تعالى في كتابه:
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]
3- وقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241هـ) في جواب سؤال: من المشبهة؟ قال: "من قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فقد شبه الله بخلقه" ((رواه الخلال في كتاب السنة)) انظر ((درء التعارض)) (2/32).
قلت: إدخال نفي الصفات في مسمى التنزيه والتوحيد وجعل إثبات الصفات داخلاً في مسمى التشبيه ورمي من وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم بالتجسيم والتشبيه هو عين عقيدة الجهم وأصحابه كما قال الإمام أحمد عن الجهم: (... ووجد ثلاث آيات من المتشابه قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:2] ، لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103] ، فبنى أصل كلامه على هذه الآيات، وتأول القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافراً، وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشراً كثيراً، وتبعه على أقواله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية) ((الرد على الجهمية)) (ص104-105) ((شذرات البلاتين)) (ص15-16).
4- وقال الإمام الترمذي: "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا قالوا: "قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال: كيف؟" هكذا روى عن مالك وسفيان بن عيينة وعبدالله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا التشبيه؛
وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه: "اليد، والسمع، والبصر" فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ههنا القوة".
ثم ذكر كلام الإمام إسحاق بن راهويه الذي سقنا نصه آنفاً ((سنن الترمذي)) (3/41-42)، و ((أقره الحافظ ابن حجر في الفتح)) (13/407)، و ((الشاه ولي الله الحنفي في حجة الله البالغة)) (1/63).
5- وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "فتدبروا يا أولي الألباب ما نقوله في هذا الباب، في ذكر اليدين، كنحو قولنا في ذكر الوجه، والعينين تستيقنوا بهداية الله إياكم وشرحه جلّ وعلا صدورّكم للإيمان بصفات خالقنا وتعلموا بتوفيق الله إياكم أن الحق، والصواب، والعدل في هذا الجنس مذهُبنا مذهبُ أهلِ الآثارِ، ومُتَّبِعي السُّنَنِ، وتقفوا على جهل من يسميهم مشبهة، إذ الجهمية المعطلة جاهلون بالتشبيه" ((كتاب التوحيد)) لابن خزيمة (1/193).
6-7- وذكر الحافظ ابن حجر والشاه ولي الله كلام الإمام إسحاق بن راهويه المتقدم آنفاً، وكلام الإمام الترمذي الذي يمثل عقيدة أئمة الإسلام أمثال مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وغيرهم في بيان حقيقة التشبيه وأن إثبات الصفات على منهج السلف ليس من التشبيه في شيء؛ وأقراه، وحققا أن التشبيه: أن يقال يد الله كيد خلقه ووجهه كوجه خلقه مثلاُ ((فتح الباري)) (13/407)، و ((حجة الله البالغة)) (1/63).
8- وقال المحدث المباركفوري في شرح كلام الإمام الترمذي هذا: "قوله: وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات" إلخ قال الحافظ في (مقدمة الفتح): "الجهمية من ينفي صفات الله تعالى التي أثبتها الكتاب والسنة، ويقول: القرآن مخلوق".
"وقالوا: هذا تشبيه" وذهبوا إلى وجوب تأويلها "فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم" فتفسيرهم لهذه الآيات ليس إلا تحريفاً فالحذر الحذر عن تأويلهم وتفسيرهم، "وقالوا: "إن الله لم يخلق آدم بيده"، وقالوا: "إنما معنى اليد القوة" فغرضهم من هذا التأويل هو نفي اليد لله تعالى ظناً منهم أنه لو كان له تعالى يد لكان تشبيهاً، ولم يفهموا أن مجرد ثبوت اليد له تعالى ليس بتشبيه، "وقال إسحاق بن إبراهيم" هو إسحاق بن راهويه: "إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد الخ" هذا جواب عن قول الجهمية" ((تحفة الأحوذي)) (2/24)، ((الطبعة الحجرية الهندية))، (3/332)، ((طبعة لبنان دار الفكر))، و(3/267-268)، ط/دار الكتب العلمية.
9- وقال شيخ الإسلام: "فمن قال: إن علم الله كعلمي، أو قدرته كقدرتي، أو كلامه مثل كلامي أو إرادته، ومحبته، ورضاه، وغضبه مثل إرادتي، ومحبتي ورضائي وغضبي؛ أو استواؤه على العرش كاستوائي، ونزوله كنزولي، أو إتيانه كإتياني، ونحو ذلك  -  فهذا قد شبه الله ومثَّله بخلقه، تعالى الله عما يقولون؛
وهو ضال، خبيث، مبطل، بل كافر،
ومن قال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام، ولا مشيئة ولا سمع، ولا بصر، ولا محبة ولا رضى، ولا غضب، ولا استواء، ولا إتيان ولا نزول  - فقد عطل أسماء الله الحسنى وصفاته العلا، وألحد في أسماء الله وآياته؛ وهو ضال، خبيث، مبطل، بل كافر" ((مجموع الفتاوى)) (11/482)، و ((مثله التدمرية)) (ص30)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/16).
قلت: لقد ظهر ظهوراً بيناً من نصوص هؤلاء الأئمة أن إثبات الصفات لله تعالى بلا تكييف ولا تمثيل ليس فيها شائبة من التشبيه وأن هذا عين التنزيه فالذين فسروا التشبيه من الجهمية وأذيالهم من الماتريدية وغيرهم بغير ما فسره به أئمة الهدى فقد حرفوا النصوص وقلبوا التوحيد وعطلوا الصفات ورموا أئمة السنة بالتشبيه والتجسيم والكفر والشرك والوثنية بهتاناً وعدواناً ولم يعرفوا حقيقة التشبيه ولا حقيقة التنزيه بل ولا حقيقة التوحيد.
اعتراف الماتريدية والأشعرية:
لقد اعترف أئمة الماتريدية والأشعرية - شعروا أم لا- بأن إثبات الصفات لله تعالى على طريقة السلف ليس من باب التشبيه أصلاً، وإليك بعض الأمثلة من اعترافاتهم:
1- الإمام أبو منصور الماتريدي إمام الماتريدية اعترف بذلك في صدد رده على المعتزلة: فقال: "وليس إثبات الأسماء، وتحقيق الصفات تشابه، لنفي حقائق ما في الخلق عنه... لكنا أردنا به ما يسقط التشبيه من قولنا عالم لا كالعلماء وهذا في كل ما نسميه، ونصفه؛ والله الموفق" ((كتاب التوحيد)) للماتريدي (ص24-25)، وانظر أيضاً (ص93-94).
واحتج الماتريدي على المعتزلة والجهمية الأولى الذين يزعمون أن إثبات الصفات تشبيه فذكر لهم أن إثبات الصفات وإن كان في بادئ النظر تشبيهاً ولكن نهايته توحيد وتنزيه فنفي الصفات تعطيل، وإثباتها تشبيه، ولكن إذا قلنا: "عالم وقادر لا كالعلماء والقادرين" هذا يزيل شبهة التشبيه.
فمن نص كلام الماتريدي: "والأصل في حرف التوحيد أن ابتداءه تشبيه وانتهاءه توحيد... فقيل عالم وقادر، ونحو ذلك، إذ في الإمساك عن ذلك تعطيل، وفي تحقيق المعنى في خلقه تشبيه، فوصل به "لا كالعلماء، ونحوه" ليجعل نفي التشبيه ضمن الإثبات: فهذا فيما ألزمت ضرورة العقل القول به والسمع جميعاً" ((كتاب التوحيد)) للماتريدي (ص42).
وقال أبو منصور الماتريدي أيضاً في الاحتجاج على الجهمية الأولى: "ثم الوصف لله بأنه قادر عالم كريم جواد، والتسمية بها حق من السمع والعقل جميعاً...؛ إلا أن قوماً وجهوا تلك الأسماء إلى غيره ظناً منهم أن في إثبات الاسم تشابهاً بينه وبين كل مسمى. ولو كان به ذلك لكان بنفي التعطيل ذلك، وبنفيه أيضاً تشابه وبين مالا يدخل تحت اسم..." ((كتاب التوحيد)) للماتريدي (ص 44)، وانظر (ص 93-94).
قلت: هلا يسير الماتريدي، والماتريدية هذا المنهج في مثل علو الله واستوائه ونزوله ويده وغيرها؟
وقال: "ثم الدليل على ما قلنا مجيء الرسل والكتب السماوية بها ولو كان في التسمية بما جاءت به الرسل تشبيه لكانوا سبب نقص التوحيد، وهم جميعاً دعوا إلى عبادة الواحد وإلى معرفة وحدانية الباري. لم يجز أن يكون ذلك  - أي إثبات الصفات- مما يحقق العدد، ويثبت الموافقة للخلق، ولا قوة إلا بالله" ((كتاب التوحيد)) للماتريدي (ص 94).
قلت: تدبر كلام هذا الرجل كيف احتج على الجهمية الأولى حجة أهل السنة؟ مع أن هذه الحجة تنقلب حجة عليه، وعلى أتباعه الماتريدية جميعاً أيضاً فيما نفوه من الصفات كالعلو والاستواء والنزول والغضب والرضى واليدين وغيرها فكان ينبغي لهم أن ينهجوا منهج السلف في جميع الصفات لئلا يقعوا في تناقض فاضح، واعتراف واضح.
2- ولقد أقحم شيخ الإسلام هؤلاء الماتريدية والأشعرية لما ادعوا أن أثبات العلو والاستواء والنزول وغيرها يستلزم التشبيه - في تلك المناظرة المشهورة التي عقدت حول العقيدة الواسطية فكلهم سكتوا وبهتوا وكان يوماً مشهوداً حضرها الأمراء وكبار الأشعرية وأعداء شيخ الإسلام وقد أظهر من قيام الحجة وبيان المحجة- ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة قاله شيخ الإسلام انظر ((مناظرة الواسطية ضمن العقود الدرية)) لابن عبدالهادي (ص 154)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/180).
ولما تشبثوا بشبهات وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم ويطنبون في هذا-
قال لهم شيخ الإسلام:
"قولي: "من غير تكييف، ولا تمثيل" ينفي كل باطل وإنما أخذتُ هذين الاسمين لأن "التكييف" مأثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة ومالك وابن عيينة وغيرهم المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". فاتفق هؤلاء السلف على أن الكيف غير معلوم لنا؛ فنفيتُ اتباعاً لسلف الأمة، وهو أيضاً منفي بالنص تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف، وحقيقة صفاته، وهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله كما قرر ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في التأويل، والمعنى، والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله.
وكذلك "التمثيل" يُنفي بالنص والإجماع القديم، مع دلالة العقل على نفيه، ونفي التكييف إذ كنه الباري تعالى غير معلوم للبشر.
وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابي الذي نقل أنه مذهب السلف وهو: "إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، إذ الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى فيه حذوه، ويتبع فيه مثاله. فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات تكييف".
فقال أحد كبراء "المخالفين": فحينئذ يجوز أن يقال: هو جسم، لا كالأجسام".
فقلت له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين: "إنما قيل: إنه يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم، حتى يلزم هذا السؤال..." ((المناظرة حول العقيدة الواسطية، المطبوعة ضمن العقود الدرية)) (ص 145-146)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/167-168).
إلى آخر كلام طيب قامع ودامغ لهذه الشبهة الواهية، شبهة التشبيه".
3- الإمام بدر الدين العيني الحنفي رحمه الله (855هـ) الذي يبجله الكوثري ويجله غاية الإجلال ويرجحه على الحافظ ابن حجر كما يرجح "عمدته" على "فتحه" بل طعن في ابن حجر دفاعاً عن العيني انظر ((التاج اللجيني)) (للكوثري) (4/9)، وانظر ((مكانة البدر العيني عند الحنفية في مفتاح دار السعادة)) (1/243)، و ((الفوائد البهية)) (ص 207)، و ((فقه أهل العراق)) (ص 73).
فقد ذكر العيني عقيدة شيخ الإسلام وأقرها وقال في الدفاع عنه والرد على أعدائه من الماتريدية والأشعرية:
"... بل الخالق سبحانه وتعالى بائن من المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل يوصف الله بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل فلا تمثل صفاته بصفات خلقه، ومذهب السلف إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل، وقد سئل الإمام مالك  - رضي الله عنه- عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] ، فقال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة".
فهذا الإمام - أي شيخ الإسلام- كما رأيت عقيدته، وكاشفت سريرته، فمن كان على هذه العقيدة كيف ينسب إليه الحلول والاتحاد، أو التجسيم أو ما يذهب إليه أهل الإلحاد..." ((من تقريظ الإمام البدر العيني على الدر الوافر)) (ص 164-165).
قلت: كلام الإمام البدر العيني صريح في أن إثبات الصفات بلا تكييف ولا تمثيل ليس من باب التشبيه في شيء. وفي نصه عبرة للماتريدية ولاسيما الكوثرية كما أنه نص صريح على سلامة عقيدة شيخ الإسلام!.
4- العلامة الملا على القاري الحنفي (1014هـ) الذي يُكْبُرهُ الكوثري ويقول فيه: "إنه ناصر السنة" انظر ((تبديد الظلام)) (ص 100). وجعله الكوثري في قائمة كبار أئمة الحنفية انظر ((فقه أهل العراق)) تحقيق أبي غدة و ((تقريظ البنوري)) (ص 74).
فقد دافع القاري جزاه الله خيراً  -  دفاعاً كاملاً عن شيخ الإسلام وابن القيم، ورد على من رماهم بسوء الاعتقاد والتجسيم، والتشبيه والضلال، وأقر عقيدة السلف في الصفات وأنها لا تستلزم التشبيه كما دافع عن أهل الحديث ورد على من يطعن فيهم بالتشبيه والحشو.
ثم حقق أن عقيدة شيخ الإسلام وابن القيم هي بعينها عقيدة الإمام أبي حنيفة رحمه الله؛ فمما قال العلامة القاري:
"أقول: صانهما - (يعني شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم)  -  الله عن هذه الوهمة الشنيعة، والنسبة الفظيعة ومن طالع شرح منازل السائرين  -  (يعني مدارج السالكين) -... تبين له أنهما كانا من أهل السنة والجماعة بل ومن أولياء هذه الأمة...
وأنه  -  (أي شيخ الإسلام )- بريء مما رماه أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل على عادتهم في أهل الحديث والسنة بذلك...
وذلك ميراث من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم في رميه ورمي أصحابه بأنهم صباة قد ابتدعوا ديناً محدثاً، وهذا ميراث لأهل الحديث والسنة من نبيهم بتلقيب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة".
ثم ذكر العلامة القاري الحنفي بيتين إرغاماً للمعطلة:


فإن كان تجسيماً ثبوت صفاته







وتنزيهها عن كل تأويل مفتر


فإني بحمد الله ربي مجسم




هلموا شهوداً واملئوا كل محضر

ثم ذكر نبذة من عقيدة الإمام أبي حنيفة التي تمثل عقيدة السلف عامة ولاسيما الإمام أبو حنيفة ومالك إمام دار الهجرة ثم أقرها وصرح أن عقيدته - (ابن القيم) - عين عقيدة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فقال: "ثم بين في الشرح المذكور - ( يعني بين ابن القيم في (مدارج السالكين)) - ما يدل على براءته من التشنيع المسطور والتقبيح المزبور وهو ما نصه: "إن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أفهام العامة، ولا نعني بالعامة الجهال، بل عامة الأمة كما قال مالك رحمه الله: "الاستواء معلوم والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
فرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وهذا الجواب من مالك رحمه الله شافٍ عامٌ في جميع مسائل الصفات من السمع والبصر والعلم، والنزول والغضب والرحمة والضحك، فمعانيها كلها معلومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، إذ تعقُّلُ الكيفِ فرعُ العلم بكيفية الذات، وكنهها، فإذا كان ذلك غير معلومٍ فكيف يعقل لهم كيفية الصفات؟.
والعصمة النافعة في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبت له الأسماء والصفات، وينفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثبات منزهاً عن التشبيه ونفي منزهاً عن التعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل، ومن شبهه باستواء المخلوقات على المخلوق فهو مشبه، ومن قال: هو استواء ليس كمثله شيء فهو الموحد المنزه".
انتهى كلامه - (أي ابن القيم)- وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف... فالطعن الشنيع والتقبيح الفظيع غير موجه عليه ولا متوجه إليه فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم، والمجتهد الأقدم في (فقهه الأكبر)، ما نصه: "وله تعالى يد ووجه ونفس.. له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطالُ الصفةِ، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف..." ((مرقاة المفاتيح)) (8/251-252)، و ((نقل العلامة نعمان الألوسي في جلاء العينين)) (ص 42)، جملة منه عن ((شرح الشمائل)) للملا على القاري.
5- وبعدما ذكرنا من نصوص أئمة الحنفية لا نحتاج إلى مزيد، ولكن مع ذلك أود أن أقدم للقراء نص كلام العلامة الشاه محمد أنور الكشميري الحنفي (1352هـ) محدث الديوبندية والذي يبجله الكوثري وأبو غدة ويعظمانه ويبجلانه غاية الإجلال بله الديوبندية إطراء وغلواً انظر ((مقالات الكوثري)) (ص 359)، ومقدمة أبي غدة لكتاب ((التصريح بما تواتر في نزول المسيح)) (ص 12-32) فترى عجائب من المجازفات والغلو فيه.
قال العلامة أنور  -  رحمه الله:
"ألا ترى أن الأشعري لما بالغ في التنزيه وشدد فيه لزمه نفي كثير من الصفات التي أثبتها السمع حتى قارن المعطلة فلم يبق للاستواء المنصوص عنده مصداق، وصار نحو ذلك كله من باب المجازات عنده فالقرآن يأبى عما يريده الأشعري من تنزيهه هذا  - تبارك الله- وقد نقلنا لك فيما أسلفنا أننا لم نجد تعبيراً في القرآن أزيد إيهاماً من قوله تعالى: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص:30] ، ومن قوله بُورِكَ مَن فِي النَّارِ [النمل:8] ، وكان ذلك مسموعاً فالأشعري يزعمه خلاف التنزيه قلت: فعليه أن يكره هذا التعبير أيضاً، ولكن القرآن قد أتى به ولم يبال بذلك الإيهام، ولا رآه مخالفاً للتنزيه.. وبالجملة قد ثبت إسناد كثير من الأشياء في السمع ولا يرضى الأشعري إلا بقطعها عن الله تعالى، مع أن القرآن على ما يظهر لا يسلك مسلك تلك التنزيهات العقلية" ((فيض الباري)) (4/473)، وسكت عليه الشيخان بدر عالم، والبنوري.
قلت: هذا كلام جيد غير أن الردَّ على الأشعري والسكوتَ على الماتريدي ليس من الإنصاف في شيء، فكلامه هذا.
أولاً: حجة على الماتريدي والماتريدية أيضاً.
وثانياً: فيه اعتراف بالحق، وهو أن إثبات الصفات ليس من التشبيه في شيء.
ثالثاً: أن تنزيهاتهم المزعومة تعطيل في الحقيقة وليس من التنزيه المطلوب في شيء؛ بل يجب تنزيه الله تعالى من هذا التنزيه الباطل.
فليتدبر القراء الكلام ولا سيما الحنفية الماتريدية في هذه النصوص التي سقتها عن هؤلاء الأئمة: الإمام أبو حنيفة، والإمام أبو منصور الماتريدي والإمام البدر العيني، الشاه ولي الله، والملا على القاري، والشاه أنور شاه الديوبندي ليعرفوا أن كلامهم مشتمل على أمور مهمة أذكر منها ما يلي:
1- العقيدة الإسلامية في الصفات هي عقيدة السلف الصالح لا غيرها.
2- عقيدة السلف في الصفات أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل والصفات ومن غير تكييف ولا تمثيل.
3- لا صلة للتفويض بعقيدة السلف وإنما تفويض السلف تفويض علم الكيف لا علم المعنى فمعاني الصفات معلومة، وكيفيتها مجهولة.
4- إثبات الصفات لله تعالى وفق المنهج السلفي ليس من التشبيه والتجسيم في شيء.
5- مذهب السلف وسط بين الإفراط والتفريط من التشبيه والتعطيل.
6- تأويل الخلف خروج على منهج السلف.
7-9 تأويل الصفات تحريف للنصوص وتعطيل للصفات وإبطالها، وأنه مذهب الجهمية.
10- أن الله تعالى عالٍ على خلقه بائن من مخلوقاته لا في ذاته شيء من المخلوقات ولا في المخلوقات شيء من ذاته.
11- فَزّعْمُ أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولا فوق ولا تحت... باطل، وهذيان المجانين والمحمومين.
12-13 الدفاع الكامل عن الإمامين شيخ الإسلام وابن القيم، وأنهما بريئان من تهمة التشبيه والتجسيم، وأن رميهما بتلك الألقاب عدوان وبهتان على عادة الجهمية رمي أهل الحديث والسنة بها، وأنهما من أهل السنة والجماعة، بل من أولياء هذه الأمة؛ وأن عقيدتهما بعينها عقيدة السلف الصالح بما فيهم الإمام أبو حنيفة رحمهم الله تعالى.
الوجه الثالث:
أن نقول: هؤلاء الماتريدية وغيرهم من أهل الكلام كما لم يعرفوا حقيقة "التشبيه" الواجبِ نفيُه عن الله، فأدخلوا في مفهوم "التشبيه" إثبات صفات الله تعالى ثم عطلوها بحجة التشبيه.
كذلك هم لم يعرفوا حقيقة "التنزيه" الواجبِ إثباته لله تعالى فأدخلوا في مفهوم "التنزيه" نفي كثير من صفات الله تعالى فعطلوها بحجة التنزيه.
وقد ناقشناهم في الوجه السابق وأوضحنا أن وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف ولا تمثيل ليس من التشبيه في شيء ونتحدث في هذا الوجه عن عدم معرفتهم حقيقة "التنزيه" وأن ما يسمونه من "التنزيه" يتضمن تعطيل صفات الله تعالى، وأن تنزيههم باطل يجب تنزيه الله تعالى من تنزيههم، فنقول وبالله التوفيق.
"التنزيه" المطلوب الذي دل عليه الكتاب والسنة، والذي فهمه السلف أئمة هذه الأمة بما فيهم الإمام أبو حنيفة رحمهم الله تعالى - هو تنزيه الله تعالى من كل عيب ونقص مع إثبات ما ورد به الشرع من الأسماء الحسنى، المطلوب تحقيقه البتة.
بل تسميةُ نفي الصفات "تنزيهاً" من قبيل تسمية الشيء بغير اسمه، كما أن إثبات الصفات الكمالية له تعالى ليس من باب "التشبيه" المطلوب نفيه.
الوجه الخامس:
لقد ذكرنا في الوجه السابق - لإبطال شبهة التشبيه -  نصوص كبار أئمة الماتريدية، وغيرهم على أن اشتراك المسميات والموصوفين في الأسماء العامة والصفات المطلقة لا يستلزم التماثل بينهما، ونذكر الآن أنه لابد من وجود القدر المشترك بين الأشياء للإفهام والتفهيم، وإلا لا نسد باب الإفادة والاستفادة المقصودة في تفاهم الكلام وتعقل معانيه ومراد المتكلم منه، وهذا هو الطريق الوحيد للمعرفة والتفاهم.
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي: "واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها، أو ما يناسب عينها، ويكون بينهما قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط" ((شرح الطحاوية)) (ص 104).
وقال: "فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما بين لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها  -  أتي بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني، وجعلها أسماءً لها، فيكون بينهما قدر مشترك، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والإيمان، والكفر.
وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وهم لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها  -  أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني الغيبية والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها، وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد".
وقال: "وأما ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة، فقد كانوا مما أدركوا نظيره بحسهم وعقلهم كإخبارهم بأن الريح قد أهلكت عاداً، فإن عاداً من جنسهم والريح من جنس ريحهم وإن كانت أشد...، وقد يكون الذي يخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم- مما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه.
كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلابد أن يعلموا معنى مشتركاً وشبهاً بين مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم... به يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة؛
فينبغي أن يعرف هذه الدرجات:
وثانيها: عقله لمعانيها الكلية.
وثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية.
فهذه المراتب الثلاث لابد منها في كل خطاب فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلابد لنا من تعريفنا المعاني المشتركة بينها، وبين الحقائق المشهودة، والاشتباه الذي بينهما وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة.
ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق كما تقدم في قصص الأمم.
وإن لم تكن مثلها بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: "ليس ذلك مثل هذا" ونحو ذلك، وإذا تقرر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق.
وانتفاء التساوي لا يمنع وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة، ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط" ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص 106 – 107)، وانظر أيضاً ((شرح الفقه الأكبر)) للقاري الحنفي (ص 61-62)، وراجع أيضاً ((التدمرية)) (ص 42-43)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/24)، و ((شرح حديث النزول)) (20-23)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/346-351).
قلت: هذا الذي ذكره ابن أبي العز رحمه الله تعالى. حقيقة واقعة اعترف بها أبو منصور الماتريدي أيضاً حيث يقول:
"وليس في إثبات الأسماء، وتحقيق الصفات تشابه لنفي حقائق ما في الخلق عنه كالهستية  - (كلمة فارسية بمعنى الوجود)- والثبات ولكن الأسماء لما لم يحتمل التعريف، ولا تحقيق الذات بحق الربوبية إلا بذلك، إذ لا وجه لمعرفة غائب إلا بدلالة الشاهد، ثم إذا أريد الوصف بالعلو، والإجلال فذلك طريق المعرفة في المشاهد، وإمكان القول، إذ لا يحتمل وسعنا العرفان بالتسمية بغير الذي شاهدنا..، لكن أردنا به ما يسقط الشبه من قولنا: "عالم لا كالعلماء"، وهذا النوع في كل ما نسميه به، ونصفه، والله الموفق" ((كتاب التوحيد)): (ص 24، 25، 42، 93، 94). ونقله أبو الخير في ((عقيدة الإسلام والإمام الماتريدي)) (ص 357)، وأقره.
قلت: الحاصل: أن القدر المشترك بين الأشياء مما لابد منه للتفاهم، وأنه لا يستلزم التشبيه لأن التشبيه ينتفي بمجرد الإضافة والتقييد، والتخصيص، ولاسيما إذا قلنا: "عالم لا كالعلماء" فوصف الله تعالى بالصفات الكمالية بلا تكييف ولا تمثيل ليست فيه رائحة التشبيه، بل هذا عين التنزيه.
الوجه السادس:
أن ظاهر كل نص يختلف حسب سماع كل سامع فقد يظهر لسامع أن إثبات الصفات لله تعالى تشبيه ولا يظهر لسامع آخر؛ وسبب ذلك تغير الفطرة وفساد البيئة؛ فإذا كان السامع لنصوص الصفات سليم القلب صحيح الفطرة، ولم يتأثر ببيئةٍ فاسدةٍ فلسفية كلامية  -  لم يفهم منها إلا ما هو اللائق بالله تعالى ولا يخطر بباله رائحة التمثيل والتشبيه؛ فأقحاح العرب في جاهلية والإسلام حين سمعوا كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حول الصفات لم يقل أحد منهم إن ظاهره التشبيه أو ظاهره غير مراد، وهكذا خيار هذه الأمة بعد الصحابة التابعون وأتباعهم مضوا على هذا من دون نكير ولا ارتياب ولا تأويل، ولا تفويض مزور، بل كان إثبات الصفات بلا تشبيه، وتنزيه الله بلا تعطيل أمراً جِبِلّيًّا فُطِرَتْ قلوبهم على ذلك فكانوا يعرفون ذلك من أعماق قلوبهم من دون الحاجة إلى الدراسة انظر ((التفصيل في أعلام الموقعين)) (1/49)، و ((الخطط للمقريزي)) (2/356)، وايضاً راجع إلى بحث مهم في هذا الموضوع عند العلامة المعلمي في ((القائد إلى تصحيح العقائد)) (ص123-124-، 184-185)، و ((التنكيل)) (2/295-296، 356-357)، واعترف به أبو الخير الماتريدي في ((عقيدة الإسلام)) (ص 21-23). وانظر أيضا ((الصواعق المرسلة)) (1/208-211)، و ((مختصر الصواعق)) (1/15-16).
وبعكس ذلك، إذا كان السامع لنصوص الصفات فاسد القلب والفطرة والعقل متأثراً ببيئة منتنة فلسفية كلامية غريقاً في ظلمات بعضها فوق بعض غريقاً في بحر لجي يغشاه موجٌ فوقه موجٌ  -  فهو ليلاً ونهاراً يفكر في التشبيه. والتمثيل، والتنزيه، والتركيب، والجهة، والحيز، وغيرها من المصطلحات الفلسفية الكلامية.
فكلما مر عليه نص من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حول صفات رب العرش الكريم، يتبادر إلى ذهنه منه الصفة اللائقة بالمخلوق ثم يقف زاعماً: أن هذا النص لو بقي على ظاهره يلزم منه تشبيه الله بخلقه، وهذا مناف للتوحيد والتنزيه  - في زعمه- الذي هو عين التعطيل في الواقع  -  فيلتجئ إلى الإنكار أو التأويل أو على الأقل إلى التفويض.
ثم لفساد القلوب والفطر دركات شتى فكلما كان الفساد في القلوب والعقول، والفطر أشد وأعمق غوراً، كان أصحابها أشد وأعمق غوراً، في التعطيل. ألا ترى أن غلاة الجهمية لما كان فساد قلوبهم وفطرهم أشد  -  كانوا أشد غلواً في التعطيل حتى عطلوا الأسماء والصفات جميعاً.
وبحجة لزوم التشبيه نفسه قاربهم المعتزلة فكانوا أحسن حالاً منهم وأقل خبثاً من هؤلاء الغلاة فعطلوا الصفات وأثبتوا الأسماء مجردة عن معانيها لزعمهم أن التشبيه إنما يتحقق في أثبات الصفات دون الأسماء.
وقاربهم تلاميذهم الماتريدية، وزملاؤهم الأشعرية الكلابية؛ فأثبتوا الأسماء مع معاني بعضها وإلحاد في بعضها.
كما أثبتوا بعض الصفات ونفوا سائرها، لظنهم أن التشبيه لا يتحقق فيما أثبتوه كالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر؛ وإنما يتحقق التشبيه فيما نفوه من الصفات، كالعلو، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين، والغضب، والرضا، ونحوها.
فلو كانت عقولهم وفطرهم صحيحة ولم يتأثروا بخرافات الفلاسفة وبيئة منتنة كلامية  -  لكانوا أسعد بالإيمان بالصفات كما كان الصحابة والتابعون أهل القرون المفضلة أسعد به.
ونوضح هذا المقام بأمثلة يمانية ضربها العلامة المعلمي اليماني (1386هـ) رحمه الله تعالى لبيان تأثر المتكلمين بفساد البيئة والفطرة حتى نفوا الصفات بحجة التشبيه، وتشبثوا بشبهة واهية وارتكبوا ما لا يقره عقل ولا نقل فقال:
"والحق أن العقول كلها تنبذه البتة إلا من أرعبته شبهة المخالفين لعظمتهم في وهمه، وطالت ممارسته لها، وقد يأنس بالنفي الساقط كما تقدم، وهذا الأنس إنما هو ضرب من الحيرة بل هو ضرب من الجنون.
أ- افرض أنك خرجت من بيتك، وعلى رأسك عمامة، فيلقاك رجل فيقول لك: "لم خرجت بلا عمامة؟ فترى أنه يمازحك: ثم يلقاك آخر فيقول لك نحو ما قال الأول، وثم يلقاك الثالث، ثم رابع، ثم خامس، هكذا كل منهم يقول لك نحو مقالة الأول.
ألا ترتاب في نفسك، وتخاف أن تكون قد جُننت، حيث تعتقد أن على رأسك عمامة تراها وتلمسها، وتحس ثقلها، وهؤلاء كلهم ينفون ذلك وقد ينتهي بك الحال إلى أن تحاول أن تقنع نفسك بأنه ليس على رأسك عمامة، وتنفي أن تخبر أحداً بأنك تعتقد أن على رأسك عمامة، بل قد ترى الأولى أن ترمى العمامة عن رأسك حتى يتفق اعتقادك واعتقاد الناس.
ب- ولكن افرض أنك رميت بها واعتقدت أنه ليس على رأسك عمامة، فلقيك رجل فقال لك: "عمامتك هذه كبيرة"؛ ثم لقيك آخر فقال: "عمامتك هذه وسخة" ثم ثالث، ثم رابع، ثم خامس وهلم جراً. كل منهم يثبت لك أن على رأسك عمامة؛ فماذا يكون حالك؟ وقد وقع ما يشبه هذا فكانت نتيجته الجنون.
ج- أخبرت أنه كان في هذه البلدة امرأة من نساء كبار الأمراء وكان لها ولد يعارضها ويمانعها عما تريد. واشتدت مضايقته لها، حتى عمدت إلى جماعة أعدتهم لمجالسة ولدها، وصحبته، وأن يتعمدوا مخالفته، وإظهار التعجب منه في أشياء كثيرة، كانوا يقولون في الحلو: "إنه حامض" وفي الأصفر: "إنه أحمر" ونحو ذلك، ففعلوا ذلك، وألحوا فيه حتى تشكك الولد، وجُنَّ.
د- وأخبرت: أنه كان لرجل من كبار الوزراء ابن وابن أخ، وقريب آخر، وكان القريب عاقلاً ذكياً فطناً مهذباً نبيل الأخلاق، وكان الابن دون ذلك، فخاف الوزير أن يموت، فيتولى الوزارة قريبه دون ابنه فأعد جماعة لمجالسة قريبه، وأمرهم بمخالفته وتشكيكه، ففعلوا ذلك حتى جن المسكين" ((القائد إلى تصحيح العقائد)) (ص 185-186)، و ((ضمن التنكيل)) (2/357-358).
قلت: وهكذا حال هؤلاء المتكلمين المجانين العقلاء، وذلك لفساد الفطرة والعقل والبيئة؛ فأفضت بهم عقلياتهم إلى طامات لا يقرها عقل ولا نقل، ولا إجماع ولا فطرة من القرمطة والسفسطة ورفع النقيضين؛ وشكوك وشبهات ظنوها براهين قاطعات وتعطيل الصفات وتحريف نصوصها بشبهة "التشبيه" وتشبيه الله بالحيوانات، والجمادات؛ بل بالمعدومات والممتنعات؛ فهم في الحقيقة  - مع كونهم معطلة- مشبهة لا منزهة.
الوجه السابع:
أن قولهم: "ظاهر النصوص تشبيه أو يوهم التشبيه، أو ظاهر النصوص غير مراد". من الكلمات المجملة الكلامية والألفاظ المستحدثة البدعية المتشابهة المحتملة للحق والباطل كقولهم: "الله ليس في جهة، وليس له حد، ولا مكان، والله منزه عن الأعراض والحوادث" ونحوها.
وقاعدة السلف في مثل ذلك: التوقف عن الحكم عليها نفياً وإثباتاً قبل التفصيل وقبل بيان مراد قائلها: فيجب فيها التفصيل وتمييز الحق من الباطل؛ فإن كان مراد قائلها معنًى حقا يقبل، وإلا يرد على قائلها، مع أن التقييد بالألفاظ الشرعية المأثورة هو الطريق المتبع انظر ((التدمرية)) (ص 65- 68)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/41-42، 6/38-40)، و ((منهاج السنة)) (1/249)، و ((مختصر الصواعق المرسلة)) (ص 404)، و ((شرح الطحاوية لابن أبي العز)) (ص 222-226، 238-239)، و ((جلاء العينين)) (ص 386)، و ((النفائس)) (ص 29-30)، تحقيق الفقي.
فقولهم: (ظاهر النصوص تشبيه) أو قولهم: (ظاهر النصوص غير مراد) نعرضه على تلك القاعدة.
قال شيخ الإسلام: (القاعدة الثانية: إذا قال القائل: "ظاهر النصوص مراد، أو ظاهرها ليس بمراد". فإنه يقال: لفظ "الظاهر" فيه إجمال واشتراك؛ فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا "ظاهراً"، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلاً؛ والله سبحانه وتعالى اعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال.
والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين:
تارة: يجعلون المعنى الفاسد "ظاهر اللفظ" حتى يجعلوه محتاجاً إلى تأويل يخالف الظاهر ولا يكون كذلك.
وتارة: يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل) ((التدمرية)) (ص 69)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/43) و ((النفائس)) (ص 29)
وقال: "وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع فإن الله تعالى لما أخبر إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشورى:12]، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج:6] ، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد، كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا.
وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقةً، عالم حقيقةً، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير.
فكذلك إذا قالوا - في قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [المائدة:119] ، وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] -: "وإنه على ظاهره". لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواءً كاستواء المخلوق، ولا حباً كحبه، ولا رضا كرضاه؛ فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يكون شيء في ظاهر ذلك مراداً، وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به. لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مراداً إلا بدليل يدل على النفي وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات فيكون الكلام في الجميع واحداً.
وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا، كالوجه واليد.
ومنها ما هي معان وأعراض، وهي قائمة بنا كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة.
ثم من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير لم يقل المسلمون: "إن ظاهر هذا غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا".
فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيده لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهوم في حقنا؛
بل صفة  - كل- موصوف تناسبه.
فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين فصفاته كذلك ليست من مثل صفات المخلوقين ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا  المنسوب إليه كالمنسوب إلينا...".
ثم ذكر شيخ الإسلام من مفاسد قولهم: "ظاهر النصوص غير مراد أو ظاهرها تشبيه" ما يلي:
أ- أن مدلول النصوص هو التمثيل.
ب- إبقاء النصوص معطلة عما هو اللائق بالله تعالى.
ج- نفي الصفات التي تدل عليها تلك النصوص فيكون معطلاً، لما يستحقه سبحانه وتعالى.
د- وصف الرب سبحانه وتعالى بنقيض صفاته اللائقة به تعالى من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات.
ثم قال: "فيكون قد عطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل فيكون ملحداً في أسماءه وآياته..." ((التدمرية)) (ص 76-81)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/46-49)، ومثله كلام مهم لشيخ الإسلام في ((الحموية)) (ص 106-107)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/108-109)، و ((المدنية)) "رسالة تحقيق المجاز والحقيقة" (ص 122-124)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (6/355-358) و ((النفائس)) (ص 31-33).
وقال شيخ الإسلام: "وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة.
1- قسمان يقولون: تُجْرَى على ظواهرها.
2- وقسمان يقولون: هي على خلاف ظاهرها.
3- وقسمان يسكتون.
أما الألولون فقسمان:
أحدهما: من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين فهؤلاء المشبهة، ومذهبهم باطل أنكره السلف.
الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله كما يُجْرَى اسم "العليم، والقدير، والإله، والموجود، والذات" ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله.
فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث، وإما عرض قائم به، فالعلم والقدرة والكلام، والمشيئة، والرحمة، والرضا، والغضب" ونحو ذلك في حق العبد أعراض.
و"الوجه، واليد، والعين" في حقه أجسام.
فإذا كان الله موصوفاً عند عامة أهل الإثبات بأن له علماً، وقدرة، وكلاماً، ومشيئة، وإن لم يكن ذلك عرضاً يجوز الجملتان داخلتان تحت النفي و ((راجع النفائس)) (ص 162). عليه ما يجوز على صفات المخلوقين  -  جاز أن يكون وجه الله، ويداه صفاتٍ ليست أجساماً يجوز الجملتان داخلتان تحت النفي و ((راجع النفائس)) (ص 162) عليها ما يجوز على صفات المخلوقين.
وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي، وغيره من السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم وكلام الباقين لا يخالفه، وهو أمر واضح.
فإن الصفات كالذات، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات  -  فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات، فمن قال: "لا أعقل علماًً، ويداً إلا من جنس العلم واليد المعهودين"،
قيل له: فكيف تعقل ذاتاً من غير جنس ذوات المخلوقين؟
ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته، وتلائم حقيقته.
فمن لم يفهم من صفات الرب  -  الذي ليس كمثله شيء  -  غلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله، ودينه.
وما أحسن ما قال بعضهم: (إذا قال لك الجهمي: "كيف استوى"، أو "كيف ينزل إلى سماء الدنيا" أو "كيف يداه" ونحو ذلك؟.
فقل له: "كيف هو في نفسه"؟
فإذا قال لك: "لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر" فقل له: "فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف.
فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف، لم تعلم كيفيته؟ وإنما تعلم الذات، والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك...).
ثم ذكر شيخ الإسلام بقية الأقسام فراجعه ((الحموية)) (ص 110-111)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/112-115).
قلت: الحاصل من هذا الوجه: أن من زعم أن ظاهر نصوص الصفات موهم لتشبيه الله بخلقه ثم التزم ذلك فهو مشبه عابد صنم ممثل الله تعالى بخلقه، ومن زعم أن ظاهرها موهم للتشبيه ولكنه غير مراد ثم أولها إلى ما يقتضيه عقله الفاسد فهو أولاً: معطل لصفات الله تعالى، وثانياً: محرف لنصوصها، وثالثاً: واقع فيما فر منه، ورابعاً: مشبه لله تعالى بالجمادات والمعدومات، والممتنعات، كما أنه غالط في قوله: إن هذا ظاهر النصوص ومن آمن بالصفات ونصوصها بلا تكييف ولا تمثيل فقد أصاب الحق وسلم من التعطيل والتمثيل، لأن ذلك هو الظاهر اللائق بجلال الله تعالى، وبالله التوفيق.
الوجه الثامن:
أن نقول: إن الذين تشبثوا في نفي بعض الصفات بشبهة التشبيه، ويقولون: فإن ظاهر نصوصها تشبيه، أو موهم للتشبيه فظاهرها غير مراد"، أو يقولون: "إن هذه النصوص ظواهرها ظنية في معارضة العقليات القطعية، فهي إما أن تفوض معانيها إلى الله، أو تؤول إلى ما يوافق البراهين العقلية"، إلى أخر ما يزعمون  -  مضطربون متناقضون، وقولهم متناقض تناقضاً واضحاً، متضارب تضارباً فاضحاً؛ فإنهم قد أثبتوا بعض الصفات، كالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، فلم لم يفهموا من ظاهر نصوص تلك الصفات تشبيه الله بخلقه؟.
ولم لم يقولوا: إن ظاهرها موهم للتشبيه، أو ظاهرها غير مراد ونحوه؟ فهؤلاء إذا لم يفهموا من نصوص الصفات التي أثبتوها  - تشبيه الله بخلقه- كان يجب عليهم أن لا يفهموا التشبيه من نصوص الصفات التي نفوها، كعلوا الله تعالى خلقه، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا وغضبه، ورضاه، ووجهه، ويديه، ونحوها.
فإثبات بعض الصفات، ونفي بعضها، وتأويل بعض النصوص وعدم تأويل بعضها ليس إلا تناقضاً واضطراباً؛ وهومذهب ليس له قاعدة ولا ميزان؛ وموقف منهار؛ ولا مخلص لهم من هذا التناقض والاضطراب إلا أن يرجعوا إلى العقيدة السلفية التي ليس فيها إفراط ولا تفريط، من تشبيه وتعطيل.
وأن يثبتوا جميع الصفات الكمالية الواردة في الكتاب والسنة وفق المنهج السلفي، وهو إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل، وإلا يلزمهم نفي ما أثبتوه من بعض الصفات أيضاً؛ بل نفى الأسماء الحسنى كلها بل نفي وجود الله تعالى لأجل شبهة التشبيه حتى يكونوا من غلاة غلاة غلاة المعطلة، ومع ذلك لا يمكن لهم التخلص من التشبيه مهما غالوا في نفيه؛ لأنهم سيقعون في تشبيه الله تعالى بالمعدومات، بل الممتنعات في آخر المطاف، ولابد من ذلك لهم إلا بالرجوع إلى العقيدة السلفية.
هذا، ولكثير من العلماء نصوص مهمة في بيان تناقضهم، واضطراب موقفهم نذكرها في وجوه إبطال التأويل إن شاء الله تعالى.
الحاصل: أن الماتريدية لما أثبتوا بعض الصفات، ونفوا بعضها بشبهة التشبيه، وظنوا أن ذلك مقتضى التنزيه  -  وقعوا في التناقض حيث أثبتوا بعضها، ونفوا بعضها مع أن القول في جميعها واحد، ثم لم ينجوا من التشبيه حيث وقعوا فيه بعد ما عطلوا بعضها وحرفوا نصوصها، لآن مالها إلى التشبيه قبل التأويل وبعده لازم ولا نجاة منه إلا بالمنهج السلفي الذي هو إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل، والحمد لله. الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات لشمس السلفي الأفغاني 1/478

انظر أيضا: