موسوعة الفرق

المبحث الأول: الرد على الماتريدية في عدم الاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة


إن موقف الماتريدية من أخبار الآحاد مركبٌ من المقدمات الثلاث  - كما سبق-:
1- أخبار الآحاد ظنية لا تفيد اليقين.
2- لا يحتج بها في باب الاعتقاد، وتصلح للعمليات.
3- إن وردت في مخالفة العقل؛ فإن كانت نصاً ترد، وإلا يفوض مرادها أو تؤول إلى ما يوافق العقل.
ونحن نعارض الماتريدية في جميع هذه المقدمات معارضة علمية على وجه البصيرة بتوفيق الله تعالى فنقول:
أولاً: القول بعدم الاحتجاج بأخبار الآحاد في العقيدة قولٌ مبتدع مخالفٌ لطريقة السلف المتوارثة ولاسيما منهج الإمام أبي حنيفة وأصحابه الأوائل.
ثانيا: أحاديث الصفات ليست أخبار الآحاد، بل هي من قبيل المشهورات والمتواترات فلا يصح زعمكم أنها ظنية.
ثالثا: أحاديث الصفات ليست أخبار الآحاد مجردة بل هي موافقة لكتاب الله والعقل الصريح والفطرة السليمة في الدلالة على صفات الله تعالى فلا يصح قولكم: إنها ظنية.
ورابعاً: القول بظنية أخبار الآحاد، هكذا مطلق العنان  -  لا يصح لأن أخبار الآحاد المحتفة بقرائن الصحة - بجميع أنواعها  -  مفيدةٌ للعلم اليقيني فهي كالمشهورات والمتواترات كل ذلك باعترافكم.
وخامساً: لو سلمنا مقدماتكم  -  على سبيل فرض المحال - لنقولُ: إن المراد من العمل أعم من عمل الجوارح، فيشمل عمل القلب، فصح الاحتجاج بخبر الواحد في باب العقيدة حتى باعترافكم أيضاً.
الوجه الأول:
أن القول بأن أخبار الآحاد ظنية لا تصلح لإثبات العقيدة والفرق بين أبواب العقيدة، وبين أبواب الأحكام وأن أخبار الآحاد تصلح للأحكام دون العقائد  -  قول مبتدع في الإسلام ابتدعه طوائف الجهمية من المتكلمين ثم دب إلى بعض الأصوليين والفقهاء.
وأنه مخالف لما أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أئمة هذا الدين. حيث يحصل لهم العلم من تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي رويت من طريق الثقات الأثبات، ولو سلمنا أنها لا تفيد العلم اليقيني - كما هو زعم المتكلمين - لا نسلم هذه التفرقة: من أن أخبار الآحاد تصلح لإثبات الأحكام العملية ولا تصلح للمباحث العقدية العلمية. لأن هذه التفرقة هي خلاف ما أجمع عليه السلف بل هذه التفرقة أصل من أصول الضلال.
1- قال إمام عصره المجمع على إمامته أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني (489هـ) جد صاحب الأنساب:
قولهم: إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم  -  رأي سمعت به المبتدعة في رد الأخبار.
إذ أن الخبر إذا صح ورواه الثقات والأئمة، وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم، وهذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة. وأما هذا القول المبتدع فقول القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار. وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول، ولو أنصف أهل الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد قد يوجب العلم.
ثم ذكر الإمام السمعاني أدلة قاطعة على ذلك وبين بالحجج الدامغة أن منهج النقد عند المحدثين منهج متين رصين، لا يغادر للظنين طنيناً بل يورث يقيناً ((مختصر الصواعق المرسلة)) (2/504-508) عن كتاب ((الانتصار)) لأبي المظفر السمعاني باختصار، وأقره الكوثري.
2- وقال ابن القيم على سبيل التسليم: "إن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها.
فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر؟ بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر؟ وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميّات كما تحتج بها في الطلبيات العمليّات، ولا سيما أن الأحكام العملية، تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه، ورضيه ديناً، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته.
ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوّز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله، وأسمائه وصفاته. فأين سلف المفرّقين بين البابين؟.
نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله، ورسوله وأصحابه، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب، والسنة وأقوال الصحابة ويحيلون على آراء المتكلمين، وقواعد المتكلفين، فهم الذين يعرف عنهم هذا التفريق بين الأمرين...؛
وهذا التقسيم أصل من أصول ضلال القوم. فإنهم فرّقوا بين ما سموه أصولاً وما سموه فروعاً، وسلبوا الفروع حكم الله المعين فيها،...، وجعلوا ما سموه أصولاً من أخطأ فيه عندهم فهو كافرٌ أو فاسق، وادعو بالإجماع على هذا التفريق" ((مختصر الصواعق)) (2/509-510)، باختصار الطبعة الجديدة، و (2/412-413)، الطبعة القديمة و(489) ط دار الكتب العلمية.
3- وقال الإمام ابن القيم أيضاً: ونحن نشهد بالله ولله شهادةً على البت والقطع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجزمون بما يحدث به أحدهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: خبرك خبر واحدٍ لا يفيد العلم حتى يتواتر؛ ولم يكن أحد من الصحابة ولا أحد من أهل الإسلام بعدهم يشك فيما أخبر به أبو بكر الصديق، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي ولا عبدالله بن مسعود، ولا غيرهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل كانوا لا يشكون في خبر أبي هريرة رضي الله عنه، مع تفرده بكثير من الحديث ولم يقل أحد منهم يوماً واحداً من الدهر: خبرك هذا خبر واحد لا يفيد العلم.
وكان حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجل في صدورهم من أن يقابل بذلك، وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثاً عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الصفات تلقاه بالقبول، واعتقد تلك الصفة على القطع واليقين، كما اعتقدوا رؤية الرب وتكليمه ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب ونزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة وضحكه، وفرحه، وإمساك سماواته بإصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له سبحانه وتعالى.
ومن سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو عن أحد من الصحابة "رضي الله عنهم" اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق ولم يرتب فيها قط. إلى أن قال ابن القيم: حتى إن الصحابة ربما يَتَثَّبتونَ في بعض أحاديث الأحكام حتى يستظهروا بآخر؛ أما أحاديث الصفات فلم يطلب أحد منهم الاستظهار فيها البتة، بل كانوا أعظم مبادرةً إلى قبولها وتصديقها والجزم بمقتضاها، ومن له أدنى إلمام بالسنة والالتفات إليها - يعلم ذلك دون شك، ولولا وضوح الأمر في ذلك كالشمس في رابعة النهار لذكرنا أكثر من مائة موضع.
فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم- خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام؛ ووافقوا به المعتزلة، والجهمية، والرافضة، والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين، والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلف في الأئمة بذلك بل صرح الأئمة بخلاف قولهم.
ثم أفاض الإمام ابن القيم في نقل إجماع الأئمة على ذلك ولاسيما الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الإمام أبي حنيفة، وغيرهم ((مختصر الصواعق المرسلة)) (3/473-475)، ولعل كلام ابن القيم هذا مأخوذ من كلام الإمام أبي المظفر السمعاني في كتابه ((الانتصار)) انظر نص كلام السمعاني في ((مختصر الصواعق)) (2/504-508)، الطبعة الجديدة، و (2/405-412)، الطبعة القديمة و (ص 485-488)، ط دار الكتب العلمية.
4- وقد ذكر ابن عبدالبر الإجماع على قبول خبر الواحد في العقائد وله كلام قيم في بيان منهج السلف في العقيدة ولاسيما في الصفات فارجع إليه انظر المختبر المبتكر المعروف ((بشرح الكوكب المنير)) لابن النجار الفتوحي الحنبلي (2/352)، عن ابن عبدالبر، وانظر ((جامع بيان العلم وفضله)) (ص 417) و((التمهيد))/ لابن عبدالبر (7/145، 158).
الوجه الثاني:
أن نعارض الماتريدية بمنهج الإمام أبي حنيفة وأصحاب الأوائل في مصدر تلقي العقيدة فإن منهجهم في تلقي العقيدة أنهم يأخذون العقيدة عن كتاب الله تعالى والسنة الصحيحة بما فيها أخبار الآحاد، كما يستخدم الإمام دليل الفطرة الصحيحة السليمة أيضاً. فلا يوجد في منهج الإمام وأصحابه شيء مما زعمه هؤلاء المتكلمون: من أن ظواهر النصوص أدلة لفظية ظنية أو أخبار الآحاد ظنية لا تثبت بها العقيدة، بل نجد عندهم خلاف ما عند هؤلاء المتكلمين.
إذاً فهم خارجون جهاراً على أئمتهم مخالفون لمنهجهم في تلقي العقيدة.
وأنهم مبتدعون في تفريقهم حول أخبار الآحاد: من أنها تفيد العمل ولا تفيد العلم ومخالفون لإمامهم في آنٍ واحدٍ فليسوا أهل السنة.
وها هي نماذج من نصوص الإمام أبي حنيفة وبعض كبار أصحابه.
1- قال الإمام أبو حنيفة:
"من قال: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر. وكذا من قال: إنه على العرش ولا أدري العرش في السماء أو في الأرض؟.
والله يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء وعليه ما روي في الحديث، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سوداء فقال: وجب علّي عتق رقبة مؤمنة أفتجزئ هذه فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمؤمنة أنتِ فقالت: نعم فقال: أين الله فأشارت إلى السماء، فقال: (أعتقها فإنها مؤمنة)) رواه مسلم (1227).
قلت: أيها المسلم! هذا نص أبي حنيفة بشهادة الحنفية الماتريدية جميعاً وعلى آخرهم الكوثري فقد ترى أن الإمام استدل في أكبر مسألة، وأوضحها في العقيدة  - وهي العلو لله تعالى واستوائه على عرشه- بدليل الفطرة، وحديث الجارية اللذين تلاعب بهما المتكلمون وعلى رأسهم الكوثري أنواع التلاعب، ولم يكتف الإمام بإثبات علو الله تعالى بل كفّر من أنكر ذلك أو شك فيه، وفي ذلك عبرة للمتكلمين عامة وللماتريدية خاصة.
ولا شك أن حديث الجارية خبر الواحد وإن قيل بتواتره.
2- وقال الإمام محمد بن الحسن رحمه الله:
"اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على أن الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير، ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج عما كان عليه النبي"؛ وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول الجهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه قد وصفه بصفة لا شيء رواه اللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) (3/432-433)، والموفق بن قدامه في ((إثبات العلو)) (ص 117)، ومن طريقه الذهبي في ((العلو)) (ص 113)، وفي إسناده كلام ونقله شيخ الإسلام في ((الحموية)) (ص 54) و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/50) و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (1/446-447)، وحكم بثبوته في ((مجموع الفتاوى)) (4/4-5)، وابن القيم في ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) (ص 222-223) والحافظ في ((الفتح)) (3/407)، وأقره، والكوثري في ((بلوغ الأماني)) (ص 53-54)، وتعليقاته على ((الأسماء والصفات)) (ص 314) غير أنه حمله على التفويض فحرف مراد السلف ونقله أيضاً أبو الخير الماتريدي في ((عقيدة الإسلام)) (ص 240)، وأقره وذكره السيوطي في ((الإتقان)) (3/13)، وأبو المعين في ((بحر الكلام)) (ص 26)، مختصراً وحمله أيضاً على التفويض وقد عرفت أن تفويضهم تقول وتقويل.
تفكر أيها المسلم: في كلام هذا الإمام، فإنه مشتمل على الأمور الثلاثة على الأقل:
الأول: الإجماع على إثبات الصفات لله التي جاء بها الكتاب والأحاديث المروية عن طريق الثقات.
الثاني: الإجماع على إثبات الصفات بالأحاديث بدون تقييد كونها متواترةً أو مشهورةً أو أخبار الآحاد بعد أن كانت صحيحةً مرويةً عن الثقات.
الثالث: الإجماع على الإيمان بصفات الله تعالى من غير تكييف ولا تشبيه ولا تفسير الجهمية وتأويلهم الذي هو عين التحريف والتعطيل المؤدي إلى كون الله تعالى موصوفاً بصفة لا شيء لأن نفي علو الله والقول بأنه لا فوق ولا تحت ولا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا ومنفصل عنه صفة معدوم بل ممتنع كما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
"هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها" رواه اللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) (3/433)، وذكره أبو الخير في ((عقيدة الإسلام)) وأقره والكوثري ذكره في ((بلوغ الأماني)) (ص 53)، واستدل به على التفويض المزعوم الباطل ولكن قد ذكرنا مراراً أن مراد السلف في قولهم: نمرها كما جاءت أو قولهم: "لا نفسرها" نفي تأويلات الجهمية وتحريفاتهم وليس مرادهم أنهم لا يعرفون معاني هذه النصوص كما قالوا ذلك في نصوص الرؤية، وانظر ((العقيدة الطحاوية)) مع شرحها لابن أبي العز (2/186 – 196). وكلام الطحاوي الآتي ريح مريح.
فهذا نص صريح في إثبات الصفات بالأحاديث التي رويت عن الثقات بدون قيد التواتر فيصح الأخذ في باب العقيدة بالسنة بعد أن كانت صحيحة مروية عن طريق الثقات وهذا هو منهج السلف الصالح، ولاسيما أئمة الحنفية وفي ذلك عبرة للماتريدية أيما عبرة.
4- وقال الإمام الطحاوي فيما ذكره عن الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، الإمامين أبي يوسف، ومحمد رحمهم الله في أحاديث الرؤية:
"وكل ما جاء من ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو ما قال: ومعناه، على ما أراد الله تعالى، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا" ((العقيدة الطحاوية بحواشي ابن مانع)) (ص 9)، و ((بحواشي الألباني)) (ص 26-27)، و ((بشرح ابن أبي العز الحنفي)) (ص 203-204)، و ((بشرح الغنيمي الماتريدي) (ص 70-71).
5- وقال: "وجميع ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الشرع والبيان كله حق" انظر ((العقيدة الطحاوية بحواشي ابن مانع)) (ص 17)، و ((بحواشي الألباني)) (ص 43)، و ((شرح ابن أبي العز الحنفي)) (ص 373)، و ((شرح الطحاوية للغنيمي الحنفي الماتريدي)) (ص 99).
فهذا النص كما ترى ينادي بأندى الصوت أن الحديث بعد ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستدل به على إثبات العقيدة من دون قيد التواتر والشهرة فثبت ثبوتاً واضحاً كفلق الصبح بل كالشمس في رابعة النهار أن منهج الماتريدية كغيرهم من المتكلمين منهج مبتدع مخالف لمنهج السلف، عامة ولاسيما الإمام أبي حنيفة وأصحابه الأوائل.
فوا عجباً للحنفية الماتريدية حيث يتهالكون في تقليد الإمام أبي حنيفة رحمه الله في المسائل الفقهية، ولو كانت مخالفةً للكتاب والسنة الصحيحة المحكمة الصريحة مع نهي الإمام أبي حنيفة رحمه الله وغيره من الأئمة عن مثل هذا التقليد الأعمى حتى باعتراف الحنفية انظر: كلاماً مهماً فيها حول أنواع التقليد الأربعة المذمومة عند الإمام الشاه ولي الله الدهلوي الحنفي رحمه الله في ((حجة الله البالغة)) (1/154-156)، و ((الإنصاف)) (97/102)، وسكت عليه أبو غدة، وانظر أيضاً لبيان تلاعب المقلدين الجامدين بالأحاديث إلى ((توجيه النظر)) للجزائري (ص 130-131). وينبذون أصول هذا الإمام ومنهجه ومنهج أصحابه الأئمة الأوائل في باب العقيدة وراءهم ظهريا، وفي ذلك عبرة، فهل من معتبر؟
فلو كانوا حنفية كاملة على تعبير العلامة عبدالحي اللكنوي، لما نبذوا منهج الإمام وأصحابه الأوائل هكذا بالمرة.
مع أن أبواب الاعتقاد أهم من الأحكام فخروجهم على الإمام أبي حنيفة في الأصول وتشبثهم بأقواله في الفروع، ولو كانت مخالفة للأحاديث الصحيحة من عجب العجاب!.
6- هذا، وللإمام ابن أبي العز الحنفي كلام مهم في شرح قول الطحاوية فارجع إليه انظر ((شرح الطحاوية)) (ص 398-400) المكتب، و (ص 391-395)، البيان.
الوجه الثالث:
أن عامة أحاديث الصفات ليست أخبار آحادٍ  -  كما يزعم من لم يجمع طرفها ولم يعش معها، لأن أحاديث الصفات إما متواترة لفظاً ومعنى، أو معنى فقط، أو مشهورة، فلا يصح زعمهم: "أنها أخبار آحادٍ وهي ظنية لا تثبت بها العقيدة". لأنها ليست أخبار آحادٍ باصطلاح الحنفية الماتريدية واعترافهم بل هي فوق أخبار الآحاد في المنزلة وإفادة العلم، فقد صرحوا بأن المتواتر يوجب اليقين بلا شكٍ عندهم، وأما المشهور فيوجب علم الطمأنينة؛ فيجوز الزيادة به على كتاب الله عندهم، والمشهور في حيز المتواتر، بل قد صرح الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي بأن المشهور قسم من المتواتر؛.
فقد صرح الحنفية بأن حديث الرجم وأحاديث المسح على الخفين، ونحوها مما كان أخبار الآحاد في القرن الأول ثم اشتهر فصار من المشهور في القرن الثاني والثالث ((مختصر الحسامي مع شرحه للمولوي)) (ص 288)، و ((المغني للخبازي)) (ص 193)، و ((المنار مع شرحه كشف الأسرار)) كلاهما لحافظ الدين النسفي (2/3). ومثل هذا يثبت به العقيدة حتى باعترافهم هم وشهادتهم بلسانهم وبنانهم.
فقد قال الإمام شمس الأئمة السرخسي الحنفي رحمه الله (490هـ): "فأما الآثار المروية في عذاب القبر، ونحوها فبعضها مشهورة، وبعضها آحاد وهي توجب عقد القلب..." ((أصول السرخسي)) (1/329).
ومثله بنصه قوله الإمام صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود الحنفي (747هـ): "فيكفي له خبر الواحد وفي هذا نظر لأنه يجب أن لا يختص هذا بأحكام الآخرة بل يكون كل الاعتقاديات كذلك" ((التوضيح شرح التنقيح)) كلاهما لصدر الشريعة (2/4) مع تلويح التفتازاني.
ثم لم يجب عن هذا الإشكال وهذا يدل على أنهم عملوا قوة هذه الأخبار ولو كانت أخبار آحاد.
الحاصل: أنه لما أنه لما كان غالب أحاديث الصفات إما متواتراً لفظاً ومعنى أو معنى فقط، أو مشهوراً  -  وهذه الأنواع أعلى مرتبة من أخبار الآحاد؛ فالمتواتر يفيد العلم القطعي اليقيني، والمشهور يفيد علم الطمأنينة، وكلا النوعين تثبت به العقيدة عند الحنفية الماتريدية - لم يصح دعواهم حول أحاديث الصفات أنها ظنية بحجة أنها أخبار الآحاد؛ فإن دعواهم بهذا الإطلاق والعموم منهدمة على عروشها منهارة على أسسها، وهذا واضح جداً، فدعواهم هذه كما تدل على استخفافهم بالنصوص وتقديم العقول الفاسدة عليها، كذلك تدل على جهلهم بالنصوص وبعدهم عنها؛ لأن أحاديث الصفات ليست كلها أخبار آحاد بل غالبها متواتر.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"والأخبار المقبولة في باب الأمور الخبرية العلمية أربعة أقسام:
أحدها: متواتر لفظاً ومعنى.
والثاني: أخبار متواترة معنى، وإن لم تتواتر بلفظ واحد.
والثالث: أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة.
والرابع: أخبار آحاد مروية بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط عن مثله حتى تنتهي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فأما القسمان الأولان: فكالأخبار الواردة في عذاب القبر، والشفاعة، والحوض، ورؤية الرب تعالى، وتكليمه عباده يوم القيامة، وأحاديث علوه فوق سماواته على عرشه، وأحاديث إثبات العرش... ونحو ذلك مما يعلم بالاضطرار أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاء بها كما يعلم بالاضطرار أنه جاء بالتوحيد وفرائض الإسلام وأركانه، وجاء بإثبات الصفات للرب تبارك وتعالى  -  فإنه ما من باب من هذه الأبواب إلا وقد تواتر فيه المعنى المقصود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تواتراً معنوياً لنقل ذلك عنه بعبارات متنوعة من وجوه متعددة يمتنع في مثلها في العادة التواطؤ على الكذب عمداً أو سهواً... أفادت العلم اليقيني... وهذا عند أهل الحديث أعظم من علم الأطباء بوجود بقراط وجالينوس فإنهما من أفاضل الأطباء، وأعظم من علم النحاة بوجود سيبويه، والخليل، والفراء، وعلمهم بالعربية،، لكن أهل الكلام وأتباعهم في غاية قلة المعرفة بالحديث وعدم الاعتناء به وكثير منهم بل أفضلهم عند أصحابه لا يعتقد أنه روي في الباب الذي يتكلم فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء أو يظن أن المروي فيه حديث أو حديثان كما تجده لأكابر شيوخ المعتزلة، كأبي الحسين البصري الحنفي يعتقد أنه ليس في الرؤية إلا حديث واحد وهو حديث جرير، ولم يعلم أنه فيها ما يقارب ثلاثين حديثاً؛ وقد ذكرناها في كتاب (صفة الجنة) (حادي الأرواح) ((حادي الأرواح)) (ص 337-373).
فإنكار هؤلاء لما عليه أهل الوراثة النبوية من كلام نبيهم أقبح من إنكار ما هو مشهور من مذاهب الأئمة عند أتباعهم.
وما يعلم أن كثيراً من الناس قد تطرق سمعه هذه الأحاديث ولا تفيده علماً، لأنه لم تجتمع طرقها وتعددها واختلاف مخارجها من قبله.
فإذا اتفق له إعراضٌ أن نفرةٌ عن رواتها، وإحسان ظن بمن قال بخلافها.
أو تعارض خيال شيطاني فهناك يكون الأمر كما قال الله تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت:44]
فلو كانت أضعاف ذلك لم تحصل لهم إيماناً ولا علماً...
فإذا اجتمع في قلب المستمع لهذه الأخبار العلم بطريقها ومعرفة حال رواتها وفهم معناها  -  حصل له العلم الضروري، الذي لا يمكن رفعه؛ ولهذا كان جميع أئمة الحديث - الذين لهم لسان صدق في الأمة  -  قاطعين بمضمون هذه الأحاديث شاهدين بها على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جازمين بأن من كذب بها أو أنكر مضمونها فهو كافر مع علم من له إطلاع على سيرتهم وأحوالهم بأنهم من أعظم الناس صدقاً وأمانةً وديانةً، وأوفرهم عقولاً وأشدهم تحفظاً وتحرياً للصدق ومجانبة للكذب وأن أحداً منهم لا يحابي في ذلك أباه ولا ابنه ولا شيخه، ولا صديقه، وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحريراً لم يبلغه أحدٌ سواهم لا من الناقلين عن الأنبياء ولا عن غير الأنبياء وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء وأخبر برضاه عنهم واختياره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة.
ومن تأمل ذلك أفاده علماً ضرورياً بما ينقلونه عن نبيهم أعظم من كل علم تنقله كل طائفة عن صاحبها، وهذا أمر وجداني عندهم، لا يمكنكم جحده؛ بل هو بمنزلة ما تحسونه من الألم واللذة والحب والبغض، حتى إنهم يشهدون بذلك ويحلفون عليه، ويباهون من خالفهم عليه.
وقول هؤلاء القادحين في الأخبار والسنن: "يجوز أن يكون رواة هذه الأخبار كاذبين أو غالطين" بمنزلة قول أعدائه: "يجوز أن يكون الذي جاء به شيطاناً كاذباً"... فإن أنكروا حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم، وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث، كانوا مكابرين لهم... والمناظرة إذا انتهت إلى هذا الحد لم يبق، فيها فائدة وينبغي العدول إلى ما أمر الله به ورسوله -صلى الله عليه وسلم- من المباهلة، قال الله تعالى: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61] ((مختصر الصواعق المرسلة)) (ص 470-472)، الطبعة الجديدة و (2/355-359)، الطبعة القديمة و (ص 453-455)، ط/ دار الكتب العلمية.
قلت: رحم الله ابن القيم الإمام وشيخ الإسلام ورفعهما مكانا عليّا؛ فقد عرفا حقيقة هؤلاء المتكلمين من المعتزلة، والماتريدية والأشعرية أفراخ الجهمية المعطلة.
الوجه الرابع:
أن نقول: لو سلمنا أن أحاديث الصفات أخبار آحادٍ، لكن لا نسلم أنها أخبارُ أحادْ مجردةٌ ظنيةٌ، بل هي قطعيةٌ، لأنها موافقة لكتاب الله تعالى، والعقل الصريح والفطرة السليمة، وإجماع السلف في الدلالة على صفات الله تعالى، كعلو الله تعالى على خلقه، واستوائه، على عرشه، ووجهه الكريم، ويديه، ورضاه، وغضبه، ومحبته وكراهيته، وغيرها من صفات الله تعالى، التي تنفى حقائقها الماتريدية ويحرفون نصوصها؛ فقد جاءت بها نصوص كتاب الله كما جاءت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فحينئذ لا يصح زعمهم: "أن تلك الأحاديث أخبارُ آحادٍ وهي ظنية، لا تثبت بها العقيدة" لأن أحاديث الصفات ليست مجردة عن موافقتها العقل الصريح والفطرة السليمة، وإجماع السلف ومطابقتها لكتاب الله؛ ولأن تلك الصفات ثابتة بنصوص كتاب الله تعالى الصريحة مع موافقتها للعقل الصريح والفطرة السليمة، وإجماع السلف، فيكون مجييء الأحاديث بتلك الصفات من قبيل توافر الأدلة، وتواردها على مدلول واحد، وفيما يلي نبذة من كلام أئمة السنة:
1- قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"هذه الأخبار الصحيحة في هذا الباب يوافقها القرآن ويدل على مثل ما دلت عليه، فهي مع القرآن بمنزلة الآية مع الآية والحديث مع الحديث، المتفقين وهما كما قال النجاشي في القرآن: "إن هذا والذي جاء به موسى من مشكاةٍ واحدة"؛
ومعلوم أن مطابقة هذه الأخبار للقرآن وموافقتها له أعظم من مطابقة التوراة للقرآن.
فلما كانت الشهادة بأن هذه الأخبار والقرآن يخرجان من مشكاة واحدة فنحن نشهد لله على ذلك شهادةً على القطع والبت إذا شهد خصومنا شهادة الزور أنها تخالف العقل.
وما يضرها أن تخالف العقول المنكوسة إذا وافقت الكتاب وفطرة الله التي فطر عباده عليها والعقول المؤيدة بنور الوحي.
وكذلك شهادة ورقة بن نوفل بموافقة القرآن لما جاء به موسى... كان قوله: المبطل: "هذه الأحاديث لا تفيد العلم"  -  بمنزلة قول من قال في قصص القرآن "إنها لا تفيد العلم".
وهكذا قال المبطلون سواء وإن اختلفت جهة إبطال العلم، عندهم من نصوص الوحي فنصوص القرآن لا تفيد علماً من جهة الدلالة، وهذه لا تفيد علماً من هذه الجهة ومن جهة السند، وهذا إبطال لدين الإسلام رأساً.
بل ذكر هذه الأحاديث بمنزلة ذكر أخبار المعاد، والجنة، والنار التي شهدت بما شهد به القرآن...، وهل يخفى على ذي العقل السليم أن تفسير القرآن بهذه الطرق خير مما هو مأخوذ عن أئمة الضلال، وشيوخ التجهم، والاعتزال... وأضرابهم من أهل التفرق، والاختلاف الذين أحدثوا في الإسلام ضلالاتٍ وبدعاً؛ وفرقوا دينهم وكانوا شيعاً..؛ فإذا لم يجز تفسير القرآن وإثبات ما دل عليه وحصول العلم اليقين بسنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحيحة الثابتة وكلام الصحابة وتابعيهم  -  أفيجوز أن يرجع في معاني القرآن إلى تحريفات جهم وشيعته؟.. من كل أعمى أعجمي القلب واللسان بعيد عن السنة والقرآن مغمور عند أهل العلم والإيمان"؟ ((مختصر الصواعق المرسلة)) (ص 455-456)، الطبعة الجديدة و (2/344-336)، الطبعة القديمة و (ص 439-440) ط/ دار الكتب العلمية.
2-5- وقال الحافظ ابن حجر:
(تنبيهان):
أحدهما: الذي يظهر من تصرف البخاري في كتاب (التوحيد)، أنه يسوق الأحاديث التي وردت في الصفات المقدسة فيدخل كل حديث منها في باب يؤيده بآية من القرآن بلا إشارة إلى خروجها من أخبار الآحاد، على طريق التنزل في ترك الاحتجاج بها في الاعتقادات، وأن من أنكرها خالف الكتاب والسنة جميعاً.
وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب (الرد على الجهمية)، بسند صحيح عن سلام بن أبي مطيع وهو شيخ شيوخ البخاري أنه ذكر المبتدعة فقال: "ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن مثله؛ يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:75]    لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ [عمران:28]
وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67] تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] ونحو ذلك فلم يزل  - أي سلام بن أبي مطيع- يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس" ((فتح الباري)) (13/359).
6- وللخطيب البغدادي كلام في مثل هذه المعنى يأتي نص كلامه قريباً إن شاء الله.
7-8 ومثله كلام للإمام أبي محمد أحمد بن عبدالله المفضلي المزني (356هـ). رواه عنه البيهقي بإسناده إليه، وأقره انظر ((السنن الكبرى)) (3/3) و ((الأسماء والصفات)) (ص 456)، وسكت عليه الكوثري.
9- ولإمام الأئمة ابن خزيمة (311 هـ) كلام مهم أيضاً ((ذم التأويل للموفق)) (ص 18 عنه).
10- وقال ابن القيم: ولهذا كان أئمة السلف يذكرون الآيات ثم الأحاديث كما فعل البخاري ومن قبله ومن بعده، فإن الإمام أحمد وابن راهويه وغيرهما يحتجون على صحة ما تدل عليه أحاديث النزول والإتيان ونحوها بالقرآن ((مختصر الصواعق)) (ص 456)، ط الجديدة و (ص 440)، ط/ دار الكتب العلمية.
الحاصل: أن أخبار الصفات الصحيحة يؤيدها كتاب الله، فهي تفيد العلم اليقيني ويثبت بها الاعتقاد.
الوجه الخامس:
أن نقول: إن أحاديث الصفات لو سلم أنها أخبارُ آحادٍ؛ لكن لا نسلم أنها ظنيةٌ لا تفيد اليقين ولا تثبت بها العقيدة.
لأنها ليست أخبار آحادٍ فقط مجردةً من قرائن الصحة، بل هي محتفة بالقرائن؛ ومن المعروف المقرر المعترف به، أن أخبار الآحاد المحتفة بقرائن الصحة مفيدة للعلم اليقيني النظري.
وقد صرح بهذا كبار أئمة الأمة، بما فيهم كثيرٌ من أساطين الماتريدية وعلى آخرهم الكوثري، وكثير من أئمة الأشعرية، بل بعض كبار المعتزلة؛ فنصوص هؤلاء حجة عليهم في باب الصفات.
وفيما يلي نماذج ممن صرح بكون الخبر المحتف بالقرآئن مفيداً للعلم اليقيني لتكون شاهدة لما قلنا وتقطع أعذار الماتريدية وتتم عليهم الحجة:
1- أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام رأي المعتزلة (231هـ) انظر ((أصول السرخسي)) (1/330)، ((المحصول)) للرازي الجزء الثاني القسم الأول (ص 403) عن النظام وأقراه.
2- الإمام الحافظ الخطيب البغدادي (463هـ) انظر ((الكفاية)) (ص 32-32)، ونص آخر للخطيب ذكره الدكتور ملا خاطر في ((مكانة الصحيحين)) (ص 163)، وأحال على ((الكفاية)) (ص 32)، ولم أجده فيما عندي من نسخ ((الكفاية)) المطبوعة.
3- إمام الحرمين أبو المعالي عبدالملك الجويني (478هـ) ((التقرير الجبير)) لابن أمير الحاج الحنفي الماتريدي (2/268)، و ((تيسير التحرير)) لأمير بادشاه الحنفي الماتريدي (3/76) عن إمام الحرمين، والغزالي بل صرح الكوثري بأن المحتف بالقرائن قسيم لخبر الواحد عند الغزالي. وصرح الغزالي أيضاً بأن مما يعلم صدقه بالسمع خبر الواحد إذا عمل بموجبه أهل الإجماع، انظر ((المنخول)) (ص 245).
4- الغزالي (505هـ) الذي يلقبونه بـ "حجة الإسلام وكلاهما من كبار أئمة الأشعرية" ((التقرير الجبير)) لابن أمير الحاج الحنفي الماتريدي (2/268)، و ((تيسير التحرير)) لأمير بادشاه الحنفي الماتريدي (3/76) عن إمام الحرمين، والغزالي بل صرح الكوثري بأن المحتف بالقرائن قسيم لخبر الواحد عند الغزالي. وصرح الغزالي أيضاً بأن مما يعلم صدقه بالسمع خبر الواحد إذا عمل بموجبه أهل الإجماع، انظر ((المنخول)) (ص 245).
5- وفخر الدين الرازي فيلسوف الأشعرية (606هـ) ((المحصول الجزء الثاني))، القسم الأول (ص 402-403).
6- سيف الدين الآمدي (631هـ) وهو من كبار أئمة الأشعرية انظر ((الإحكام في أصول الأحكام)) (2/48-49).
7- الإمام جمال الدين أبي عمرو وعثمان بن عمرو المعروف بابن الحاجب (646) ((منتهى الأصول والأمل)) (ص 71)، و ((مختصر المنتهى الأصولي بشرح عضد الدين الإيجي)) (2/55). و ((بشرح بيان المختصر لأبي الثناء الأصبهاني)) (1/656).
8- عضد الدين عبدالرحمن بن أحمد الإيجي من أئمة الأشعرية صاحب (الموقف) (756هـ) ((شرح الإيجي لمختصر المنتهي الأصولي)) (2/56).
9- سعد الدين التفتازاني فيلسوف الماتريدية (792هـ) ((حاشية السعد التفتازاني على شرح مختصر المنتهى الأصولي)) (2/56).
10- الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ) ومفاد كلامه: أنه لا خلاف في هذه المسألة؛ لأن الخلاف فيها لفظي؛ لأن من قال: يفيد العلم، أراد العلم النظري، ومن أبى  -  خص بالمتواتر ولم ينف أن المحتف بالقرائن أرجح ((نزهة النظر)) (ص 26-27)، وشرحها لملا على القاري (ص 39-45)، وانظر ((فتح المغيث)) (1-51)، و ((توجيه النظر)) (ص 128)، وأقره العلامة أنور شاه، إمام الديوبندية. ((مقدمة فتح الباري)) (1/46).
11- كمال الدين بن الهمام (861هـ) وهو من أكابر الحنفية والماتريدية ((التحرير مع شرحه التقرير)) لابن أمير الحاج (2/268)، و ((شرح تيسير التحرير)) لأمير بادشاه (3/76).
12- وتلميذه ابن أمير الحاج الحنفي (879هـ) انظر ((التقرير والتحبير شرح التحرير)) (2/268).
13- شمس الدين محمد بن عبدالرحمن السخاوي (902هـ) انظر ((فتح المغيث)) (1/51-52).
14- جلال الدين عبدالرحمن السيوطي (911هـ) انظر ((تدريب الراوي)) (1/133).
15- محمد أمين المعروف "بأمير بادشاه" الحنفي (987هـ) ((تيسير التحرير)) (3/76).
16- العلامة أنور شاه الكشميري الحنفي الديوبندي (1352هـ) ((مقدمة فيض الباري)) (1/45-46).
17- الكوثري مجدد الماتريدية (1371هـ).
وغيرهم ممن لا يحصون.
أنواع الأخبار المحتفة بالقرائن:
ذكر الحافظ ابن حجر أربعة أنواع للخبر المحتف بقرائن الصحة:
الأول: ما أخرجه الشيخان في (صحيحهما)، مما لم يبلغ حد الواتر ولم ينقده أحد من الحافظ ولم يقع التجاذب بين مدلوليه.
الثاني: المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة.
الثالث: المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين حيث لا يكون غريباً، كالحديث الذي يرويه الإمام أحمد مثلاً، ويشاركه فيه غيره من الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك، فإنه يفيد العلم عند سماعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته.
الرابع: المتلقى بالقبول:
قال: "وهذا التلقي وحده أقوى من إفادته العمل من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر" ((نزهة النظر)) (ص 26-27)، و ((شرحها)) للقاري (ص 39-45)، وانظر ((فتح المغيث)) (1/50-52) و ((توجيه النظر)) (ص 128).
قلت:
أما النوع الأول:
وهو الحديث المتفق عليه فقد صرح أهل هذا الشأن بأنه أعلى أقسام الصحيح؛ فيذكرون للحديث مراتب سبعاً:
الأولى: ما أخرجه الشيخان في (صحيحيهما).
الثانية: ما انفرد به البخاري.
الثالثة: ما انفرد به مسلم.
الرابعة: ما كان صحيحاً على شرطهما جميعاً.
الخامسة: ما كان على شرط البخاري.
السادسة: ما كان على شرط مسلم.
السابعة: ما كان صحيحاً، ولم يكن على شرط واحد منهما ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص 23-24)، ((الإرشاد)) (1/130)، ((التقريب)) (ص 40)، كلاهما للنواوي، ((التقييد والإيضاح)) (ص 28)، ((التبصرة والتذكرة)) (1/64) كلاهما للعراقي ((جواهر الأصول)) (ص 18-19)، لأبي الفيض الفارسي الفصيح الهروي الحنفي، و ((تنقيح الأنظار)) لابن الوزير مع ((شرحه توضيح الأفكار)) للأمير الصنعاني (1/88-89)، ((نزهة النظر)) (ص 31-32)، و ((النكت على ابن الصلاح)) (1/363-366) ((المختصر)) (ص 113-114) للكافيجي الحنفي، ((فتح المغيث)) (1/42-43)، ((تدريب الراوي)) (1/122-123)، ((مقدمة في أصول الحديث)) (ص 87-89)، للشيخ عبدالحق الدهلوي الحنفي، ((فتح الباقي)) (1/64)، للشيخ زكريا الأنصاري، ((خلاصة الفكر)) (ص 48-49)، للشنشنوري، ((قواعد الحديث)) (ص 82)، للعلامة القاسمي.
فهذا النوع من الأحاديث قد صرح جمع غفير من الجهابذة النحارير من المحدثين، ومن كبار أساطين المتكلمين من الماتريدية والأشعرية بأنها تفيد العلم اليقيني النظري.
فكيف يصح زعم الماتريدية: أن أحاديث الصفات أخبار آحاد ظنية؟
وفيما يلي نماذج من هؤلاء الأعلام:
1- أبو إسحاق إسماعيل بن محمد الأسفراييني الملقب بركن الدين (418هـ) فقد نقل على ذلك إجماع أهل الحديث فقال: "أهل الصنعة مجموعة على أن الأخبار التي اشتمل عليها "الصحيحان مقطوع بها عن صاحب الشرع" ((النكت على ابن الصلاح)) (1/377)، ((نزهة النظر)) (ص 27)، ((فتح المغيث)) (1/51)، عنه.
2- الإمام أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بشمس الأئمة السرخسي (483هـ) إمام الحنفية في وقته انظر ((فيض الباري)) (المقدمة) (1/45)، للشاه أنور شاه الكشميري الديوبندي، للكوثري عنه.
3- أبو عبدالله محمد بن أبي نصر الحميدي  -  صاحب (الجمع بين الصحيحين) (488هـ) ((نزهة النظر)) (ص 27)، عنه.
4- الإمام أبو حامد الغزالي (505هـ) أحد كبار أئمة الأشعرية، ذكره الكوثري فيمن يقولون بإفادة أحاديث (الصحيحين) القطع.
5- الإمام أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (507هـ) ((شروط الأئمة الستة)) (ص 21).
6- أبو نصر بن يوسف (هو عبدالرحمن بن عبدالخالق اليوسفي) (574هـ) ((التقييد والإيضاح)) (ص 28)، ((التبصرة والتذكرة)) (1/69)، ((تنقيح الأنظار مع توضيح الأفكار)) (1/123)، و ((النكت على ابن الصلاح)) (1/379)، عنه.
7- الإمام الحافظ صدر الدين أبي طاهر أحمد بن محمد الأصفهاني السلفي (576هـ) انظر ((مختصر الصواعق المرسلة)) (ص 483) الجديدة و (ص 465) دار الكتب العلمية.
8- الإمام أبو عمرو بن الصلاح (643هـ).
ونص كلامه: "وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به...، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حجة مقطوعاً بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك، وهذه نكتة نفيسة نافعة..." ((علوم الحديث له)) (ص 24-25).
9- شيخ الإسلام (728هـ) ((علم الحديث)) لشيخ الإسلام (ص77، 78، 103، 117)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (18/17، 22، 40-41، 49)، ((مقدمة في أصول التفسير)) (ص 66)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/350). وسيأتي نصه قريباً إن شاء الله تعالى.
10- الإمام ابن القيم (751هـ) ((مختصر الصواعق المرسلة)) (ص 483) الجديدة و(ص 465) دار الكتب العلمية.
11- الحافظ ابن كثير (774هـ).
ومن كلامه: "وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه، وأرشد إليه" ((اختصار علوم الحديث مع شرحه)) ((الباعث الحثيث)) لأحمد بن محمد شاكر (ص 35).
12- والإمام عمر بن رسلان البلقيني (805هـ) ((محاسن الاصطلاح)) (ص 101)، ط دار الكتب المصرية القاهرة "1374هـ".
13- وأبو الفيض محمد بن محمد بن علي الفارسي المعروف بفصيح الهروي الحنفي (837هـ) ((ترجمته في هدية العارفين)) (2/189).
ومن قوله: "ما روياه، أو واحد مقطوع بصحته، أي يفيد العلم القطعي نظراً لا ضرورةً..." ((جواهر الأصول)) (ص 20-21).
14- الحافظ ابن حجر (852هـ).
قال: ".. منها ما أخرجه الشيخان في (صحيحهما) مما لم يبلغ حد المتواتر، فإنه احتفت به قرائن، منها: جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تميز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا يختص بما لم ينقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين" ((نزهة النظر)) (ص 26 -27) وشرحها للقاري (ص 41)، وانظر أيضاً ((النكت)) على ابن الصلاح (1/374-380).
15- والسخاوي (902هـ) انظر ((فتح المغيث)) (1/51-52).
16- والسيوطي (911هـ).
وقال: "وهو الذي اختاره، ولا أعتقد سواه" ((تدريب الراوي)) (1/134)، وانظر ((ألفية السيوطي مع شرح الشيخ أحمد بن محمد شاكر)) (ص 3)، و ((منهج ذوي النظر)) للشيخ محمد محفوظ الترمسي ((شرح منظومة علم الأثر)) للسيوطي ((ص 11).
17- والعلامة محمد معين السندي الحنفي (1161هـ) انظر ترجمته ومكانته عند الحنفية في ((نزهة الخواطر)) (6/351-355)، وذكره البنوري في كبار علماء الحنفية وأئمتهم. انظر ((تكملة البنوري لفقه أهل العراق)) للكوثري تحقيق أبي غدة (ص 78)، ولتقدمة الكوثري ((لنصب الراية)) (ص 49). فله بحث قيم في إفادة أحاديث (الصحيحين) القطع ((دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب))، الدراستان العاشرة، والحادية عشر: (ص 308-402)، الدراسة العاشرة في إثبات إفادة الصحيحين القطع، والدراسة الحادية عشرة في إثبات ترجيح أحاديث الصحيحين على غيرها، والرد على مزاعم الإمام ابن الهمام الحنفي ومن سايره من الكوثرية والديوبندية وغيرهم. ودراسته تقمع الحنفية.
18- الإمام الشاة ولي الله الدهلوي إمام الحنفية في وقته (1176هـ).
فقد قال: "أما (الصحيحان) فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأنه كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة وكتاب (الطحاوي) و(مسند الخوارزمي)، وغيرهما تجد بينها، وبينهما بعد المشرقين" ((حجة الله البالغة)) (1/132، 151)، و ((الإنصاف)) (ص 55)، وسكت عليه أبو غدة الكوثري.
وقال في الثناء على صحيح البخاري:
"ولعمري! إنه نال من الشهرة، والقبول درجة لا يرام فوقها" ((حجة الله البالغة)) (1/132، 151)، و ((الإنصاف)) (ص 55)، وسكت عليه أبو غدة الكوثري. وكم لهذا الإمام من نصوص تقطع دابر أصول الحنفية.
19- والأمير اليماني الصنعاني (1182هـ) ((توضيح الأفكار)) (1/123)، ((قصب السكر مع شرحه سح المطر))، لشيخنا عبدالكريم بن مراد الأثري: (ص 35) حفظه الله.
20- والإمام الشوكاني (1250هـ) ((إرشاد الفحول)) (ص 50).
21- والحافظ المحدث أبي العلي محمد عبدالرحمن المباركفوري (1253هـ) ((مقدمة تحفة الأحوذي)) (1/58، 314-318).
22- ومحدث الشام العلامة جمال الدين القاسمي (1332هـ) ((قواعد التحديث)) (ص 85-86).
23- والشيخ طاهر بن صالح الجزائري (1378هـ) ((توجيه النظر)) (ص 135).
24- العلامة محمد أنور شاه الكشميري الديوبندي الملقب بإمام العصر (1352هـ) الذي يعظمه الديوبندية والكوثرية غاية التعظيم، ونحن نسوق نصه بطوله لأهميته، ولمكانته عندهم إتماما للحجة وإيضاحا للمحجة.
قال رحمه الله: "القول الفصل في أن خبر (الصحيحين) يفيد القطع اختلفوا في أن أحاديث الصحيحين هل تفيد القطع أم لا؟
فالجمهور بل الأمر بالعكس وهذا مبني على أنه لم يتتبع أقوال العلماء، راجع ((مختصر الصواعق المرسلة)) (ص 482) الجديدة و(ص 465) دار الكتب العلمية. إلى أنها لا تفيد القطع، وذهب الحافظ رضي الله عنه إلى أنها تفيد القطع، وإليه جنح شمس الأئمة السرخسي رضي الله عنه من الحنفية، والحافظ ابن تيمية من الحنابلة، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح رضي الله عنه، وهؤلاء وإن كانوا أقل عدداً بل الأمر بالعكس وهذا مبني على أنه لم يتتبع أقوال العلماء، راجع ((مختصر الصواعق المرسلة)) (ص 482) الجديدة و(ص 465) دار الكتب العلمية. إلا أن رأيهم هو الرأي.
وقد سبق في المثل السائر:


تعرينا أنا قليل عديدنا




فقلت لها: إن الكرام قليل

...فإن قيل: إن فيهما أخباراً آحاداً، وقد تقرر في الأصول أنها لا تفيد غير الظن.
قلت: لا ضير؛ فإن هذا باعتبار الأصل، وذاك بعد احتفاف القرائن، واعتضاد الطرق فلا يحصل القطع إلا لأصحاب الفن الذي يسر لهم الله سبحانه التمييز بين الفضة، والقضة ورزقهم علماً من أحوال الرواة، والجرح والتعديل، فإنهم إذا مروا على حديث وتتبعوا طرقه، وفتشوا رجاله، وعلموا حال إسناده  -  يحصل لهم القطع، وإن لم يحصل لمن لم يكن له بصر ولا بصيرة..؛
ألا ترى أن الواحد جليل القدر إذا أخبرك بأمر، فنظرت إلى حاله وثقته، وعلمه ودينه  -  أيقنت بخبره كفلق الصبح، ولا يبقى في نفسك قلق، واضطراب، وكفاك جماعة؛ فإن واحداً قد يزن جماعة بل يرجحهم، والآخر كريشة طائر لا يوازي جناح بعوضة، وإن إبراهيم كان أمة قانتاً، ومن أمته من يجيء يوم القيامة أمة وحده.


ليس على الله بمستنكر




أن يجمع العالم في واحد

...، ولما كان هذا أمراً لا يسع إنكاره لأحد  -  جعل الحافظ هذا النزاع راجعاً إلى النزاع اللفظي، فلم يبق في نفس إفادة القطع خلاف، ولا شقاق، وإنما هو في أن تلك الإفادة بديهية، أو نظرية فمن ذهب إلى أنها تفيد القطع أراد به النظري، ومن أنكرها أراد به الضروري.
وهذا، فإنه تحقيق حقق بالقبول، ومن حاد عنه فقد عدل عن المسلك القويم" ((مقدمة فيض الباري)) (1/45-46) وأقره تلميذه البنوري الكوثري.
قلت: نص العلامة الكشميري هذا يستأصل مزاعم الماتريدية ولا سيما الكوثرية والديوبندية منهم.
25- والكوثري مجدد الماتريدية وإمامهم في وقته (1371هـ)، فقد اعترف في صدد إثبات نزول عيسى عليه السلام بأن أحاديث (الصحيحين) تفيد القطع. وهذا حجة عليه، وعلى الماتريدية في باب الصفات.
26- ومحدث مصر، العلامة أبو الأشبال أحمد بن محمد شاكر (1377هـ) ((الباعث الحثيث)) (ص 35-37)، ((شرح ألفية السيوطي)) (ص 4-5).
27- والعلامة محمد إسماعيل السلفي (1387هـ) فله خدمة مشكور عليها في هذا الباب ((موقف الجماعة الإسلامية المودودية من الأحاديث النبوية)) (ص 89-103).
28- والدكتور خليل ملا خاطر "من المعاصرين" له عمل عظيم في الذب عن مكانة (الصحيحين)، وله بحث قيم في إفادة أحاديث (الصحيحين) القطع ((مكانة الصحيحين)) (ص 135-139). وهذا الكتاب عديم النظير لقلع نسج متعصبة الحنفية.
قلت: الحاصل أن أحاديث (الصحيحين) تفيد العلم القطعي بشهادة من ذكرنا وفيهم كبار أعيان الحنفية الماتريدية الديوبندية منهم، والكوثرية، وغيرهم.
بل ثبت بلسان الحافظ ابن حجر، والعلامة الكشميري الديوبندي أن هذه المسألة لا خلاف فيها: فمن أثبت العلم القطعي  -  أراد النظري، ومن نفى ذلك أراد البديهي ولم ينف النظري.
تنبيه مهم:
لقد تبين مما سبق  من علو مكانة (الصحيحين) وأن أحاديثهما تفيد القطع، وأنها أصح الصحاح.
إذا تقرر هذا علم أن أحاديث (الصحيحين) مقدمة على غيرها عند التعارض ولا أعلم في هذا خلافاً لأحد إلا لمتأخري الحنفية، فقد قالوا عدم ترجيح أحاديث (الصحيحين) عند التعارض على غيرها، وذلك لأنهم يعلمون جيداً أن مذهبهم مخالف لكثير من أحاديث (الصحيحين)، فوضعوا هذا الأصل ليخرجوا بهذا عن هذا المضيق؛ فقالوا: لا ترجيح لأحاديث (الصحيحين) عند التعارض بل  -  يجوز أن يقدم حديث آخر على حديث (الصحيحين).
وأول من وضع هذا الأصل - فيما أعلم- من الحنفية هو الإمام ابن الهمام (861هـ) ثم تابعه الحنفية، ولا سيما الديوبندية منهم، والكوثرية انظر ((فتح القدير)) (1/454)، ((التحرير)) (3/30)، كلاهما لابن الهمام، ((التقرير والتحبير شرح التحرير)) لابن أمير الحاج (3/30)، ((تيسير التحرير)) لأمير باد شاه (3/166)، ((التعليقات المهمة))  للكوثري: ((على شروط الأئمة)) للمقدسي، والحازمي (ص 49-50، 70-71)، و ((مقدمة إعلاء السنن)) (1/41)، و ((قواعد في علوم الحديث)) لظفر أحمد العثماني الديوبندي، و ((تعليقات أبي غدة الكوثري عليها)) (ص 64-66)، و ((مقدمة أوجز المسالك)) للشيخ زكريا الديوبندي شيخ جماعة التبليغ (1/137-138). قلت: لقد وفق الله تعالى العلامة محمد معين السندي الحنفي "1161هـ" صاحب الإمام ولي الله الدهلوي الحنفي "1176هـ" فوقف لهم بالمرصاد، وجعل مقالتهم هذه كأن لم تغن بالأمس انظر ((دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب، الدراسة الحادية عشرة)) (ص 328-204).
قلت: وهذا الأصل الفاسد مبني على أصلهم الآخر أفسد منه، وهو: أن للحنفية أصولاً وقواعد في تصحيح الحديث وتضعيفه، كما أن للمحدثين قواعد، فرب حديث ضعيف عند المحدثين صحيح عند الحنفية، وبالعكس فلا لوم على الحنفية إذا خالفوا بعض الأحاديث انظر ((قواعد أصول الحديث)) (ص20، 461)، و ((مقدمة إعلاء السنن)) (1/17، 284)، لظفر أحمد العثماني الديوبندي، تحقيق وتعليق أبي غدة الكوثري، وانظر أيضاً ((التعليقات المهمة للكوثري على شروط الأئمة)) (ص 70).
قلت: هذا الذي عرضناه من مكانة أحاديث (الصحيحين)، وأنها مما احتف بالقرائن، وأنها تلقتها الأمة بالقبول، وأنها تفيد العلم القطعي اليقيني - على لسان كبار أئمة الحنفية، وغيرهم - يقطع دابر هذا الأصل الفاسد، ولقد تصدى للرد على هذا الأصل المحدث المباركفوري (1253هـ) انظر ((مقدمة تحفة الأحوذي)) (1/310-322).
قلت: ويكفي لرد مزاعمهم في تقديم حديث خارج (الصحيحين) على أحاديثهما ورد أحاديث (الصحيحين) بذلك دفاعاً عن مذهبهم  -  ما قاله الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني الملقب بركن الدين (418):
"أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها (الصحيحان) مقطوع بصحة أصولها، ومتونها ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها، ورواتها".
قال: "فمن خالف حكمه خبراً منها، وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه، لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول" ((فتح المغيث)) (1/51)، عنه.
قلت: لكثير من متعصبة الحنفية موقف مذموم من (الصحيحين) وفي قلوبهم حزازة منهما يبدو أثرها بين حين وآخر، وما تخفي صدورهم أكبر؛ ولكن كتابي (الدراسات) و (المكانة) قضاء عليهم انظر على سبيل المثال: ((الجواهر المضية)) (4/564-570) ((التعليقات المهمة للكوثري على شروط الأئمة)) (ص 69-75) و ((مقالاته)) (ص 84)، و ((قواعد في علوم الحديث)) (ص 463-468)، و ((مقدمة إعلان السنن)) (1/285-28) كلاهما لظفر أحمد الديوبندي، تحقيق وتعليق أبي غدة الكوثري و ((مقدمة تنسيق النظام)) (ص 6).
وللحنفية عدة أصول باطلة فاسدة حماية للمذهب يحتاج إبطالها إلى كتاب مستقل ولي في ذلك كتاب ،، علًة يفتح لإخراجه باب ،،
وأما النوع الثاني:
من المحتف بالقرائن - وهو المسلسل بالأئمة - فقد حكى السهيلي إفادته العلم اليقيني عن بعض الشافعية ((مكانة الصحيحين)) (ص 133-134)، للدكتور خليل إبراهيم ملا خاطر عن ((المنهج في علوم الحديث)) للدكتور محمد بن محمد السماحي: (72)، ط: القاهرة، عن السهيلي.
وحكاه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (476هـ) عن بعض المحدثين ((انظر التبصرة)) (ص 298) للشيرازي.
قلت: وجزم به الحافظ ابن حجر حيث قال: "فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم..." ((نزهة النظر)) (ص 27) و ((شرحها للقاري)) (ص45)، وانظر ((تدريب الراوي)) (1/134).
قلت: وإلى هذا يشير كلام العلامة الكشميري الديوبندي حيث يقول: "فإن واحداً قد يزن جماعة بل يرجحهم...؛


ليس على الله بمستنكر




أن يجمع العلام في واحد

وأما النوع الرابع:
من المحتف بالقرائن - وهو المتلقى بالقبول - فهذا النوع بمدلوله أعم من الأنواع الثلاثة الأولى فهو يشملها جميعاً سواء كان في (الصحيحين) أو كان مشهوراً، أو كان مسلسلاً بالأئمة، فهو يفيد العلم اليقيني القطعي النظري، وهو مذهب كثير من أهل الكلام من المعتزلة، والماتريدية والأشعرية ومذهب أهل الحديث قاطبة والسلف عامة، وهو مذهب عامة المحققين من كبار أئمة الحنفية، والمالكية والشافعية، والحنابلة، ولم يخالف في ذلك إلا شرذمة قليلة من المتأخرين تبعاً لبعض المتكلمين، فلا عبرة بهم، كما صرح به شيخ الإسلام وغيره انظر ((مختصر الصواعق المرسلة)) (2/474-475)، و ((اختصار علوم الحديث مع شرحه الباعث الحثيث)) (ص 36)، ((محاسن الاصطلاح)) (ص 101)، ((النكت على ابن الصلاح)) (1/376)، ((فتح المغيث)) (1/51)، ((تدريب الراوي)) (1/133)، و ((قواعد التحديث)) (ص 185)، ((توجيه النظر)) (ص 134)، وسيأتي قريباً نص كلام شيخ الإسلام.
ولا شك أن أحاديث الصفات لا تخلو من هذا النوع فهي مفيدة للعلم القطعي اليقيني فكيف يصح دعوى الماتريدية وغيرهم من المتكلمين: أنها أخبار آحاد، لا تفيد إلا الظن؟.
وفيما يلي عرض بعض نصوص العلماء إتماماً للحجة وإيضاحاً للمحجة وقطعا لأعذار الماتريدية وإلقامهم الأحجار.
1- الإمام عيسى بن أبان (221هـ) وهو من كبار أئمة الحنفية الأوائل انظر مكانته الجليلة عند الحنفية في ((الجواهر المضية)) (2-678-280)، و ((الفوائد البهية)) (ص 151). فقد حكي عنه أنه قال:
"خبر الواحد إذا عمل عليه أكثر الصحابة وعابوا من لم يعمل به يقطع به" ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري الحنفي المعتزلي (2/86) عنه.
2- أبو هاشم عبدالسلام بن محمد الجبائي الحنفي، إمام الهاشمية من المعتزلة (321هـ) انظر رأيهما في ((المعتمد)) (2/84)، و ((تيسير التحرير)) (3/80).
3- أبو الحسن عبيد الله بن الحسن الكرخي أحد كبار أئمة الحنفية (340هـ) انظر رأيهما في ((المعتمد)) (2/84)، و ((تيسير التحرير)) (3/80).
4- وقال الإمام أبو بكر بن علي الجصاص إمام الحنفية في وقته (370هـ) ((انظر مكانته وترجمته في ((الجواهر المضية)) (1/220-224) ((الطبقات السنية)) (1/412-415)، و ((الفوائد البهية)) (ص 27).
عند الكلام حول حديثين في طلاق الأمة، وعدتها:
"وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة  -  وإن كان وروده من طريق الآحاد  -  فصار في حيز التواتر، لأن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيناه في مواضع" ((أحكام القرآن)) (1/386)، طبعة دار الكتاب العربي بيروت و (2/83) طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت تحقيق محمد صادق قمحاوي، وأقره ظفر أحمد الديوبندي، وأبو غدة الكوثري، انظر ((قواعد علوم الحديث)) (ص 62).
5- الإمام أبو بكر بن فورك (406هـ) من كبار أئمة الأشعرية  -  فقد حكى عنه إمام الحرمين أنه قال:
"الخبر الذي تلقته الأئمة بالقبول محكوم بصحته... وإن تلقوه بالقبول قولاً وقطعاً حكم بصدقه" ((البرهان)) (1/584-585)، وانظر ((مشكل الحديث)) (ص 44، 498-499).
6- أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأسفراييني الملقب بركن الدين (418هـ) فقد حكى عنه إمام الحرمين:
"أن ما اتفق عليه أئمة الحديث مستفيض وهو قسم آخر بين المتواتر وبين خبر الواحد، وأنه يقيني العلم نظراً" ((البرهان)) (1/584)، هذا التقسيم رأي ابن فورك أيضاً. انظر ((مكانة الصحيحين)): (ص 134).
7- وقال أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري الحنفي المعتزلي (436هـ):
"فأما خبر الواحد إذا أجمعت الأمة على مقتضاه، وحكمت بصحته، فإنه يقطع على صحته، لأنها لا تجمع على خطأ" ((المعتمد)) (2/84).
8- وقال الخطيب البغدادي (463هـ): ".. وقد يستدل على صحته بأن يكون خبراً عن أمر اقتضاه نص القرآن، أو السنة المتواترة، أو أجمعت الأمة على تصديقه، أو تلقته بالقبول وعملت بموجبه" ((الكفاية)) (ص 32-33).
9- أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي أحد الأئمة الشافعية (476هـ)
قال: "... خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول، فيقطع بصدقه سواء عمل الكل به أو عمل البعض، وتأويله البعض، فهذه الأخبار توجب العمل، ويقع العلم بها استدلالاً" ((اللمع)) (ص 210)، و ((شرح اللمع)) (2/579).
10- الإمام أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بشمس الأئمة السرخسي (483هـ) أحد أكابر أئمة الحنفية.
11- وللإمام أبي المظفر منصور بن محمد السمعاني (489هـ) جد صاحب الأنساب: كلام في غاية الأهمية في قبول خبر الواحد في العقيدة، وأن الخبر إذا صح ورواه الثقات وتلقته الأئمة بالقبول فهو يوجب العلم اليقيني وهذا قول عامة أهل الحديث وخلاف ذلك قول أهل البدعة، وقد ذكرنا نص كلامه.
12- وقال الإمام محفوظ بن أحمد الكلوذاني من أئمة الحنابلة في وقته (510هـ):
"فأما خبر الواحد إذا أجمعت الأمة على حكمه وتلقته بالقبول..
فظاهر كلام أصحابنا: أنه يقع به العلم.." ((التمهيد)) (3/83-84).
13-18 وقال شيخ الإسلام (728هـ):
"... فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأن غالبه من هذا النحو؛ ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول، والتصديق؛ والأمة لا تجتمع على خطأ؛  فلو كان الحديث كذباً في نفس الأمر  -  والأمة مصدقة له قابلة له  -  لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب؛ وهذا إجماع على خطأ، وذلك ممتنع".
وقال: "ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً  -  إذا كان في الاعتقاد  -  أو عملاً  -  إذا كان في الأحكام  -  أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد.
إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيراً من أهل الكلام، أو أكثرهم يوافقون الفقهاء، وأهل الحديث والسلف على ذلك، وهو قول أكثر الأشعرية، كأبي إسحاق، وابن فورك.
وأما ابن الباقلاني: فهو الذي أنكر ذلك، وتبعه مثل أبي المعالي وأبي حامد وابن عقيل، وابن الجوزي، وابن الخطيب، والآمدي ونحو هؤلاء.
والأول هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، وأبو الطيب، وأبو إسحاق، وأمثاله من الشافعية، وهو الذي ذكره القاضي عبدالوهاب، وأمثاله من المالكية.
وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي، وأمثاله من الحنفية.
وهو الذي ذكره أبو يعلى وأبو الخطاب، وأبو الحسن بن الزاغروني، وأمثالهم من الحنبلية.
إذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجباً للقطع فالاعتبار راجع لمسألة أن الاعتبار بالإجماع على شيء إنما هو بإجماع أهل ذلك الفن، لا غيرهم – ((علم الحديث)) لشيخ الإسلام (ص 119-120)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (20/258)، ((مختصر الصواعق المرسلة)) (2/483)، ((مقدمة فيض الباري)) (1/45). في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة..." ((مقدمة في أصول التفسير)) (ص 67-68)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/351-352)، و ((ضمن دقائق التفسير)) (1/101-103)، وانظر ((علم الحديث)) (ص 72، 78، 103-104، 116، 120)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (18/17، 22، 40، 41، 48-51)، و ((رفع الملام)) (ص 69-71)، و ضمن ((مجموع الفتاوى)) (20/257-258)، ((المسودة)) (ص220- 224)، لأبناء تيمية، و ((أصول الفقه)) لابن تيمية (1/250-252) للدكتور صالح بن عبدالعزيز.
19-23- قلت: قد قتل كلام شيخ الإسلام هذا جماعة من العلماء وأقروه: كالإمام ابن القيم (751هـ) ((الصواعق المرسلة)) "مختصر الصواعق المرسلة" (2/481-484). ، والحافظ ابن كثير (774هـ) ((اختصار علوم الحديث مع شرحه الباعث الحثيث لأحمد شاكر)) (ص 36). ، والإمام عمر بن رسلان البلقيني (805هـ) ((محاسن الاصطلاح)) (1/374-377)، تحقيق: د/ عائشة بنت الشاطئ: دار الكتب المصرية (1974م).
والحافظ ابن حجر (852هـ) ((النكت على ابن الصلاح)) (1/374-377). والسخاوي (902هـ) ((فتح المغيث)) (1/51). والسيوطي (911هـ) ((تدريب الراوي)) (1/132-133). ، والعلامة محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار (972هـ) ((المختبر المبتكر شرح المختصر المعروف بشرح الكوكب المنير)) (2/349-350). والأمير الصنعاني (1182هـ) ((توضيح الأفكار)) (1/123-126، 26-27). ، وجمال الدين القاسمي (1332هـ) ((قواعد التحديث)) (ص 85-87). ، وطاهر بن صالح الجزائري (1338هـ) ((توجيه النظر)) (ص 132-135) وأحال عليه الكوثري كما في (2/111).
والكوثري مجدد الماتريدية وإمامهم في وقته (1371هـ) ذكر نص كلام شيخ الإسلام، ولكن لشدة عدائه إياه، لم ينسبه إليه، والعلامة محمد إسماعيل السلفي (1387هـ) ((موقف الجماعة الإسلامية من الحديث النبوي)) (ص 101). ، والشيخ أحمد بن محمد شاكر (1377هـ) ((الباعث الحثيث)) (ص 36-37).
والدكتور خليل إبراهيم ملا خاطر (أشعري العقيدة)، فقد ألف كتابه العظيم (مكانة الصحيحين) أجاد فيه وأفاد، وذكر كلام شيخ الإسلام ثم قال: "وهذا الذي قاله كلام نفيس، ومهم يعبر عن نظرةٍ بعيدةٍ، وسير لأسانيد وروايات طرق الأحاديث" ((مكانة الصحيحين)) (ص 145، 135-165).
33- وللإمام ابن أبي العز الحنفي (792هـ) بحث قيم في الأخذ بأخبار الآحاد في العقيدة، وأن الخبر المتلقى بالقبول من قسم المتواتر، وأنه لا نزاع فيه عند السلف ((شرح الطحاوية)) (ص 398-401) المكتب و (ص 391-395)، البيان.
34- الشيخ أبو غدة الكوثري، فقد نقل عن الإمام الشافعي، والسخاوي: أن الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ به المقطوع بحث لأبي غدة في آخر كتاب ((الأجوبة الفاضلة)) (ص 232).
قلت: إذا كان الحديث الضعيف يرتفع إلى منزلة المتواتر بمجرد التلقي فما ظنك بأحاديث الصفات المتواترة، والمشهورة والمتفق عليها، المتلقاة بالقبول، المحتفة بالقرائن؟ وفي هذا كله عبرة للماتريدية أيما عبرة.
خاتمة هذا الوجه:
35- لما كان الكوثري يعدّ إماماً للماتريدية؛ بل مجدداً لهم في وقته، ولاسيما للكوثرية منهم، والديوبندية أردت أن أختم هذا الوجه بنصوص الكوثري التي اعترف فيها بالحق لما رأى وسمع أن أعداء الإسلام احتجوا بقاعدة المتكلمين  -  من أن خبر الواحد ظني لا يثبت به العقيدة- على إنكار نزول عيسى عليه السلام انظر ((نظرة عابرة)) (ص 113)، و ((مقدمة ناشرها)) (ص 26-27، 46، 53، 56).
فتصدى لهم الكوثري، وألف في الرد عليهم كتاباً بعنوان (نظرة عابرة) أجاد فيه وأفاد، ورد على تلك القاعدة الفاسدة للمتكلمين من أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين، ولا تثبت بها العقيدة  -  ولكن هذا الكتاب كله حجة عليه، وعلى الماتريدية في باب الصفات وهذا تناقض.
وهذه بعض نصوص الكوثري:
(من قال: "إن خبر الآحاد لا يفيد العلم" يريد خبر الآحاد من حيث هو بالنظر إلى رأي جماعة، وإلا فخبر الآحاد الذي تلقته الأمة بالقبول، يقطع بصدقه، كما نص على ذلك أبو المظفر السمعاني في (القواطع) أثنى السبكي على هذا الكتاب ثناء عاطراً: ((طبقات الشافعية)) (5/343). ؛
وقد حكى السخاوي في (فتح المغيث) عن جماعة من المحققين إفادة خبر الآحاد العلم عند احتفافه بالقرآن، بل قال جماعة: إن ما اتفق عليه البخاري ومسلم يفيد  -  في غير مواضع النقد منه  -  العلم؛ لاحتفافه بالقرائن، ومنهم الغزالي).
وقال: "وأين اجتماع نصوص العلماء مع قول أمثال أبي حامد الأسفراييني، وأبي إسحاق الأسفراييني، والقاضي أبي الطيب، وابي إسحاق الشيرازي، وشمس الأئمة السرخسي، والقاضي عبدالوهاب، ورواية ابن خويز منداد عن مالك، وقول أبي يعلى وأبي الخطاب، وابن الزاغوني، وابن فورك، وغيرهم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم، وفي الخبر المحتف بالقرائن" ((نظرة عابرة)) (ص 111-112) وهذا كلام شيخ الإسلام والكوثري كتمه.
وقال: (بل جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له، أو عملاً به أنه يوجب العلم كما تجد تفصيل ذلك في (توجيه النظر) في ص: 134" ((مقالات الكوثري)) (ص 70).
قلت: كلام الكوثري هذا حق لا ريب فيه غير أنه لم يقتصر على مسألة "نزول عيسى عليه السلام" فقط، بل هو شامل لجميع الأحاديث الواردة في جميع الأبواب، ومنها باب صفات الله تعالى، فكلام الكوثري هذا حجة عليه خاصة، وعلى الماتريدية عامة كما هو حجة على منكري نزول عيسى عليه السلام، وغيرهم من الملحدين في أسماء الله وصفاته.
وقال الكوثري: "ونحن نسمع من فلتات ألسنة دعاة هذه النعرة بين حين، وآخر تهوين أمر أخبار الآحاد الصحيحة من السنة..،..، فبتهوين أمر أخبار الآحاد يتخلصون من كتب السنة، من صحاح، وسنن وجوامع ومصنفات، ومسانيد، وتفاسير بالرواية، وغيرها...؛
فهل يسلك مثل هذه السبيل من سبل الشيطان غير صنائع أعداء الإسلام؟ على أن أخبار الآحاد الصحيحة قد يحصل بتعدد طرقها تواتر معنوي؛ بل قد يحصل العلم بخبر الآحاد عند احتفافه بالقرائن؛ بل يوجد بين أهل العلم من يرى أن أحاديث الصحيحين  -  غير المنتقدة  -  من تلك الأحاديث المحتفة بالقرائن" ((مقالات الكوثري)) (ص 135-136).
قلت: أول من استخف بالأحاديث النبوية واستهان بأمرها هم هؤلاء المتكلمون  - أئمة الكوثري وهو منهم - في باب الصفات  -  فهم قدموا عليها عقولهم الفاسدة وردوها أو حرفوها وعلى كل حالٍ كلام الكوثري هذا حجة عليه وعلى الماتريدية في باب الصفات وهذا تناقض واضح فاضح.
الحاصل: أن أحاديث الصفات لو سلمنا أنها أخبار آحادٍ لكنها محتفة بالقرائن مفيدةٌ للعلم القطعي بشهادة أئمة الإسلام، وكبار المتكلمين من المعتزلة والماتريدية والأشعرية، أولهم النظام، وآخرهم الكوثري.


ولكن الكوثري مع تناقضه الفاضح




شهد على نفسه ببيانه الواضح


فكان كعنز السوء قامت لظلفها




إلى مدية تحت التراب تثيرها

الوجه السادس:
لو سلمنا أن أحاديث الصفات أخبار آحاد مجردة، وسلمنا أيضاً أنها غير محتفة بالقرائن، وسلمنا أيضاً أنها لا تفيد اليقين ولا تفيد إلا العمل فقط، لكن لا نسلم أن لفظ "العمل" مقصور بعمل الجوارح فقط. بل المراد من "العمل" أعم من "عمل الجوارح" فيشمل "عمل القلب"، فيصح الاحتجاج بخبر الواحد في باب الاعتقاد؛ لأنه من "عمل القلب"، وهذا كله بشهادة كبار الماتريدية واعترافهم بما فيهم الكوثري.
فكيف يصح إبعاد أخبار الآحاد عن حيز الاحتجاج بها في باب العقيدة؟.
وكيف يصح زعمهم أنها ظنية لا تثبت بها العقيدة؟.
هذا كله على فرض تسليم أنها ظنية كفرض المحال، مع أنها متواترة، ومشهورة، ومحتفة بالقرائن، ومتفق عليها، متلقاة بالقبول، مفيدة للعلم القطعي يصح الاحتجاج بها في الاعتقاد والأحكام جميعاً بإجماع السلف، ونصوص كبار المتكلمين من المعتزلة، والماتريدية والأشعرية كما سبق، فهي أحد مصدري تلقي العقيدة في دين الإسلام.
وإليك بعض نصوص الماتريدية في أن "العمل" أعم من "عمل الجوارح" فيشمل "عمل القلب" فيصح الاحتجاج بخبر الواحد في باب الاعتقاد؛ لأنه من عمل القلب؛ فأقول وبالله التوفيق:
لقد تصدى الكوثري للرد على مزاعم منكري نزول عيسى عليه السلام الذين تمسكوا بقاعدة فاسدة باطلة وضعها المتكلمون من أن أخبار الآحاد ظنية لا تثبت بها العقيدة؛ فقالوا: "إن أحاديث نزول عيسى عليه السلام أخبار آحاد ظنية لا تثبت بها العقيدة، ولا تصلح إلا للأحكام العملية". إلزاماً للمتكلمين واحتجاجاً عليهم.
فرد عليهم الكوثري ردوداً عدة:
منها أن المراد من العمل في كلام المتكلمين: "أن أخبار الآحاد لا تصلح إلا للعمل" أعم من "عمل الجوارح" فيشمل "عمل القلب" وهو الاعتقاد.
فيقول الكوثري: (قال علاء الدين عبدالعزيز بن أحمد البخاري في شرح أصول فخر الإسلام البزدوي: "اعتقاد القلب فضل على العلم، لأن العلم قد يكون بدون عقد القلب، كعلم أهل الكتاب بحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم، مع عدم اعتقادهم حقيقة..، والعقد قد يكون بدون العلم أيضاً كاعتقاد المقلد، وإذا كان كذلك جاز أن يكون خبر الواحد موجباً للاعتقاد الذي هو عمل القلب، وإن لم يكن موجباً للعلم.
قال أبو اليسر: "الأخبار الواردة في أحكام الآخرة من باب العمل فإن العمل نوعان: عمل الجوارح، واعتقاد القلب، فالعمل بالجوارح إن تعذر لم يتعذر العمل بالقلب اعتقاداً".
وذلك عند شرحه لقول فخر الإسلام "وفيه ضرب من العمل أيضاً، وهو عقد القلب عليه، إذ العقد فضل عليه".
فظهر أن خبر الآحاد الصحيح قد يفيد اعتقاداً جازماً في أناس، ولا يفيد البرهان العلمي اعتقاداً في آخرين، فواحد يعتقد اعتقاداً جازماً بنزول عيسى عليه السلام بمجرد أن سمع حديثاً واحداً في ذلك من صحيح البخاري مثلاً، وآخر لا يعتقد ذلك ولو أسمعته سبعين حديثاً، وثلاثين أثراً من الصحاح والسنن والمسانيد والجوامع وسائر المدونات في الحديث مما يحصل التواتر بأقل منها بكثير، فالناجي هو ذاك الواحد دون الآخر) ((نظرة عابرة)) (ص 87-88)، و ((أصول البزدوي)) (ص 158)، - و ((شرحها كشف الأسرار)) للبخاري (2/377).
ويقول الكوثري أيضاً: (والواقع أن من قال: "إن خبر الواحد يفيد العمل فقط". يريد بالعمل ما يشمل عمل الجوارح، وعمل القلب  -  وهو الاعتقاد، كما نص على ذلك البزدوي نفسه حيث قال في آخر مبحث الآحاد: "فأما الآحاد في أحكام الآخرة فمن ذلك ما هو مشهور، ومن ذلك ما هو دون ذلك، لكنه يوجب ضرباً من العلم على ما قلنا، وفيه ضرب من العمل أيضاً، وهو عقد القلب...، فصح الابتلاء بالعقد كما صح الابتلاء بالعمل بالبدن".
وبذلك يعلم وجه تدوين أخبار الآحاد في كتب الحديث في المغيبات، وأمور الآخرة...؛
فالآن قد ظهر من يفهم معنى العقيدة، ومن لا يفهمه حقاً، ومن تزبب قبل أن يتحصرم يلقى ما يلقاه من تزعم قبل أن يتعلم..) ((نظرة عابرة)) (ص 108).
وقال الكوثري أيضاً: (والاعتقاد عمل قلبي يؤخذ من خبر الآحاد، كما سبق من فخر الإسلام، فيكون إنكار أخذ الاعتقاد من خبر الآحاد إنكاراً للدليل العقلي المفيد للعلم الموجب للعمل بخبر الآحاد أعم من أن يكون عمل الجوارح، وعمل القلب  -  وهو الاعتقاد -.. ؛
فيعلم أن حفاظ الأمة ما كانوا عابثين في تدوينهم لأخبار الآخرة، والأمور الغيبية في كتبهم، ولا كان الأئمة لاعبين في تدوينهم السمعيات في كتب العقائد) ((نظرة عابرة)) (ص 109-110).
قلت: نعمد إلى حجة الماتريدية والكوثري هذه  -  التي احتجوا بها على منكري نزول عيسى عليه السلام -  فنقلبها حجة على الكوثري خاصة والماتريدية عامة، فنقول: لو سلمنا أن أحاديث الصفات أخبار آحاد مجردة، ظنية، لا تفيد إلا العمل، لكن نقول: إن العمل نوعان: عمل الأركان، وعمل الجنان؛ فهي تفيد عمل الجنان، وهو الاعتقاد، فصح أخذ العقيدة من أخبار الآحاد؛ وخبر الآحاد الصحيح قد يفيد اعتقاداً جازماً لأناس بقوا على فطرتهم السليمة؛ فإن أحدهم إذا سمع حديثاً واحداً من صحيح البخاري في صفات الله تعالى اعتقده اعتقاداً جازماً.
أما الذين زاغت قلوبهم، وفسدت فطرهم، وعقولهم بالفلسفة والكلام فإن أحدهم لو أسمعته سبعين حديثاً، وثلاثين أثراً من الصحاح، والسنن لا يحصل لهم شيء من العلم بل ربما يردها أو يحرفها.
فالآن قد ظهر من يفهم معنى العقيدة فهماً صحيحاً، ومن تزبب قبل أن يتحصرم يلقى ما يلقاه من تزعم قبل أن يتعلم كما تبين أن أئمة السنة وحافظ الأمة ما كانوا عابثين ولا لاعبين في تدوينهم لأحاديث الصفات وغيرها في كتب العقائد، ولله الحمد والمنة،، على أن هدانا إلى السنة،، وله الشكر على أن قتل الكوثري سلاح لسانه، وسيف بيانه وسكين بنانه،، ورده بغيظه برد كيده في نحره،، وهتك مكره وأمره بعجره وبجره،، فهو متناقص مفضوح صريح قتيل ذليل،، بقاله هذا وقيله الآتي عما قليل،،


أرادوا بنا كيداً فكيدوا بكيدهم 





 وزلوا فضلوا لم يجدوا مواليا

الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني 2/69-116

انظر أيضا: