موسوعة الفرق

أولا: مذهب الماتريدية في الأسماء الحسنى


قالت الماتريدية بوجوب إثبات أسماء الله تعالى، وأن إثباتها لا يستلزم التشبيه، بدليل أن الرسل والكتب السماوية قد جاءت بها، ولو كان في إثباتها تشبيه لكان ذلك طعن في الرسل.
قال الماتريدي: "الأصل عندنا أن لله أسماء ذاتية يسمى بها نحو قوله: الرَّحْمَنُ [الرحمن:1] ثم الدليل على ما قلنا مجيء الرسل والكتب السماوية بها، ولو كان في التسمية بما جاءت به الرسل تشبيه لكانوا سبب نقض التوحيد... ولكن لما احتملت تلك الأسماء خروج المسمى بها عن المعروفين من المسمين بما جاز مجيئهم بها مع قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] لينفي به شيئية الأشياء..." ((التوحيد)) (ص 93، 947)، وانظر: (ص 24، 41، 44)، ((التمهيد)) (ص 13-16)
وذهب جمهورهم إلى القول بالتوقيف في أسماء الله تعالى، أي أن طريق إثبات الأسماء هو السمع، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه وجاء به الشرع.
قال الماتريدي  -  في نفيه لاسم الجسم عن الله-: "وحقه السمع عن الله، أن الجسم ليس من أسمائه، ولم يرد عنه ولا عن أحد ممن أذن لأحد تقليده. فالقول به لا يسع، ولو وسع بالنحت من غير دليل حسي أو سمعي أو عقلي لوسع القول بالجسد والشخص، وكل ذلك مستنكر بالسمع، وليس القول بكل ما يسمى به الخلق، وذلك فاسد ((التوحيد)) (ص 38).
وقال أيضاً: "لا يجوز أن يقال لله تعالى يا مبارك... لأنه لا يعرف في أسمائه هذا بالنقل، وعلينا أن نسكت عن تسميته بما لم يسم نفسه" ((التأويلات)) (ل 562)، الظاهرية.
وقال في إثبات جواز إطلاق لفظ (الشيء) على الله، وأنه من أسمائه مستدلاً على ذلك بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]، وقوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام: 19] : "وبعد، فإن القول بهذا كله واجب بما ثبت في السمع التسمية به..." ((التوحيد)) (ص 42، 94)
وقال أبو المعين النسفي: "إن معنى الاسم لو كان ثابتاً من غير إحالة لامتنعنا عن إطلاق الاسم بدون الشرع الوارد به، لأنا ننتهي في أسماء الله تعالى إلى ما أنهانا إليه الشرع، ولهذا لا نسميه طبيباً وإن كانا عالماً بالأدواء، والعلل والأدوية، ولا فقيهاً وإن كان عالماً بالأحكام ومعانيها..." ((التمهيد)) (ص 10)، ((تصبرة الأدلة)) (ل 84).
وقال عبدالحميد الألوسي في (نثر اللآلئ): "اعلم أن المحققين من العلماء على أن أسماءه تعالى توقيفية بمعنى أن جواز تسميته تعالى باسم موقوف على ورود الكتاب والسنة أو الإجماع..." ((نثر اللآلئ)) (ص 34، 35)، وانظر: ((تفسير النسفي)) (1/87)، و ((إشارات المرام)) (ص 116)، ((بيان الاعتقاد)) (ل 12).
والذي دفعهم للقول بأن أسماء الله توقيفية  -  مع أن مصدرهم في التلقي العقل  -  هو خشية إطلاق أسماء على الله تعالى توهم اتصافه سبحانه بما فيه نقص فقالوا بالتوقيف من باب الاحتياط كما نص على هذا صاحب (بيان الاعتقاد) بقوله: "والحق أنه لابد من التوقيف وذلك للاحتياط عما يوهم باطلاً لعظم الخطر في ذلك، فلا يجوز الاكتفاء في عدم إيهام الباطل بمبلغ إدراكنا بل لابد من الاستناد إلى الاستناد إلى إذن الشرع" ((بيان الاعتقاد)) (ل 13).
والقول بالتوقيف في أسمائه تعالى هو قول أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة قال الإمام أبو عبدالله محمد بن أبي زمنين رحمه الله: "أعلم أن أهل العلم بالله، وبما جاءت به أنبياؤه ورسوله، يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علماً، والعجز عن مالم يدع إليه إيماناً، وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه، على لسان نبيه..." ((الفتاوى)) (5/75).
وهذا الأصل كان يجب على الماتريدية أن يعتمدوا عليه في إثبات جميع العقائد لا أن يقتصروا عليه في بعضها دون بعض، وهذا التفريق في التلقي هو الذي أوقعهم في الاضطراب والانحراف.
ثم إن الماتريدية في إثباتها للأسماء لم يفرقوا بين باب الإخبار عن الله تعالى، وباب التسمية، فأدخلوا في أسمائه تعالى ما ليس من أسمائه كالصانع، والقديم، والذات، والشيء... ونحو ذلك. حتى أن الماتريدي ذكر في تفسيره لقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [الحشر:22]، أن لفظ (هو) من أسماء الله تعالى ((التأويلات)) (ل 562) الظاهرية، وانظر: ((التوحيد)) (ص 42، 65)، ((بحر الكلام)) (ص 18، 19، 20)، ((التمهيد)) (ص 14)، ((النور اللامع)) (ل 40)، ((ضوء المعالي)) (ص 26، 27).
والصواب: أنه يجب التفريق بين باب التسمية وباب الإخبار، إذ أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه الحسنى وصفاته العليا. فما يطلق عليه تعالى في باب الأسماء والصفات توقيفي وما يطلق عليه في باب الإخبار لا يجب أن يكون توقيفياً انظر: ((الجواب الصحيح)) (3/203)، ((بدائع الفوائد)) (1/161، 162)، ((لوامع الأنوار البهية)) (1/124).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ويفرق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يدعي إلا بالأسماء الحسنى، أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه، مثل اسم شيء، وذات، وموجود... وكذلك المريد والمتكلم، فإن الإرادة والكلام تنقسم إلى محمود ومذموم، فليس ذلك من الأسماء الحسنى، بخلاف الحكيم والرحيم والصادق ونحو ذلك، فإن ذلك لا يكون إلا محموداً.
وهكذا كما في حق الرسول حيث قال: لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا [النور: 63] فأمرهم أن يقولوا يا رسول الله، يا نبي الله، كما خطبه الله بقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال: 64 - 65] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ [المائدة: 67] لا يقول يا محمد، يا أحمد، يا أبا القاسم! وإن كانوا يقولون في الإخبار كالأذان ونحوه، أشهد أن محمداً رسول الله، كما قال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ [الفتح: 29]، وقال: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: 6]، وقال: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: 40]
فهو سبحانه لم يخاطب محمدا إلا بنعت التشريف... مع أنه في مقام الإخبار عنه قد يذكر اسمه. فقد فرق سبحانه بين حالتي الخطاب في حق الرسول وأمرنا بالتفريق بينهما في حقه، وكذلك هو المعتاد في عقول الناس إذا خاطبوا الأكابر من الأمراء والعلماء والمشايخ والرؤساء لم يخاطبوهم ويدعوهم إلا باسم حسن، وإن كان في حال الخبر عن أحدهم، يقال: هو إنسان وحيوان ناطق وجسم ومحدث ومخلوق..." ((الفتاوى)) (6/142، 143)، وانظر ((شرح الأصفهانية)) (ص 5) ط مخلوف، ((رد الإمام الدارمي على بشر المريسي)) (ص 7).
وأما بالنسبة لإثباتهم لمدلولات الأسماء، فهم إما أن يجعلوا مدلول الاسم هو الذات، وهذا في اسم (الله) فقط، وإما أن يكون المدلول مأخوذاً عندهم باعتبار ما أثبتوه من الصفات، كاسم السميع والبصير والعليم...، وإما أن يردوه إلى الصفات السلبية والإضافية.
فالاسم عندهم إن دل على ما أثبتوه من الصفات، أثبتوه على حقيقته وإن خالف صرفوه عن حقيقته بالتأويل. وذلك لاعتقادهم أن ما دل عليه الاسم من المعاني والحقائق يعارض الدليل العقلي.
قال ابن الهمام: "ثم إنه (تعالى) سميع بسمع وبصير بصفة تسمى بصراً، وكذا عليم بعلم، وقدير بقدرة، ومريد بإرادة لأنه تعالى أطلق على نفسه هذه الأسماء بخطابا لمن هو من أهل اللغة، والمفهوم في اللغة من عليم ذات له علم. بل يستحيل عندهم عليم بلا علم كاستحالته بلا معلوم، فلا يجوز صرفه عنه إلى لقاطع عقلي يوجب نفيه..." ((المسايرة)) (ص 68، 69).
وقال البياضي: "إن العالم والقادر وسائر الأسماء المشتقة ليست أسماء للذات من غير اعتبار معنى، بل معناها إثبات ما هو لازم مأخذ الاشتقاق، ولا معنى له سوى إدراك المعاني، والتمكن من الفعل والترك ونحو ذلك، فلزم بالضرورة ثبوت هذه المعاني للواجب تعالى، كيف والخلو عنها نقض وذهاب إلى أنه لا يعلم ولا يقدر؟" ((إشارات المرام)) (ص 119).
وقال أيضاً: إن مفهوم الاسم قد يكون نفس الذات والحقيقة وهو اسم الجلالة فقط، وقد يكون مأخوذاً باعتبار الصفات والأفعال والسلوب والإضافات. ولا خفاء في تكثر أسمائه تعالى بهذا الاعتبار..." ((إشارات المرام)) (ص 114)، وانظر: ((التوحيد)) (ص 65، 66، 69)، ((تبصرة الأدلة)) (ل 128)، ((نظم الفوائد)) (ص 21).
قولهم: بأن اسم (الله) يدل على الذات من غير اعتبار للمعنى. معناه أنه لا يدل على صفة، وهو خطأ ظاهر. وذلك أن جميع أسماء الله تعالى حسنى، كما قال تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الأعراف: 180] ، فهي حسنى لدلالتها على صفات الكمال والجلال والعظمة لله تعالى، ولو كان اسم (الله) لا معنى له لم يكن فيه مدح ولا ثناء لله تعالى، فكيف وهو أعظم أسماء الله تعالى؟! وإنما كان أعظمها لدلالته على جميع صفات الكمال والجلال. كما قال عبدالعزيز الدميري:


ويجمع اسم الله كل معنى





من الصفات والأسامي الحسنى


إذ الإله من له الكمال




والكبريا والعز والجلال ((نور الغسق في بيان هل اسم الجلالة مرتجل أم مشتق))، لمحمد الغيث بن ماء العينين، المطبوع بذيل آخر الجزء الثاني من كتاب ((النفحة الأحمدية في بيان الأوقات المحمدية)) لأبي العباس أحمد بن الشمس: (2/147) ط1 سنة 1330هـ، مصر.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "اسم (الله) دال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدلالات الثلاث: فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له، مع نفي أضدادها عنه.
وصفات الإلهية هي صفات الكمال، المنزهة عن التشبيه والمثال وعن العيوب والنقائض. ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم كقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الأعراف: 180] ، ويقال الرحمن، والرحيم، والقدوس، والسلام... من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء (الرحمن)... ونحو ذلك.
فعلم أن اسم (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبين لصفات الإلوهية، التي اشتق منها اسم (الله). واسم (الله) دال على كونه مألوهاً معبوداً، تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً، وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب" ((مدارج السالكين)) (1/32، 33)، وانظر: ((الروض الأنف))، للسهيلي، تحقيق عبدالرحمن الوكيل: (1/217).
وأما بالنسبة لبقية الأسماء، فإن الماتريدية تقر بأن لها معاني مأخوذة باعتبار الصفات، أي أنها تدل على الصفات كما تدل على الذات. إلا أنهم في الأسماء التي مدلولاتها لا تتفق مع ما اعتقدوه في باب الصفات، لا يثبتون ما دلت عليه من المعاني والحقائق على الوجه الصحيح. بل يأولونها بما يتفق مع اعتقادهم في الصفات. وأقرب مثال على هذا اسم الله (الأعلى)، (والظاهر).
قال الماتريدي في تفسيره لاسم (الأعلى): "الأعلى... هو أعلى من أن يمسه حاجة أو يلحقه آفة" ((التأويلات)) (ل 636) الظاهرية.
وقال أبو البركات النسفي: "الأعلى: بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار، لا بمعنى العلو في المكان" ((تفسير النسفي)) (4/349).
وقال الماتريدي في تفسيره لاسم (الظاهر): "الظاهر هو الغالب القاهر الذي لا يغلبه شيء" ((التأويلات)) (ل 547) الظاهرية.
وقال أبو البركات النسفي: "الظاهر: بالأدلة الدالة عليه...، وقيل العالي على كل شيء الغالب له. من ظهر عليه إذا علاه وغلبه" ((تفسير النسفي)) (4/224، 223).
يظهر مما تقدم كيف أن اعتقاد الماتريدية نفي علو الله بذاته فوق خلقه، أثر في فهمهم لهذين الإسمين حتى قصروا معناهما على علو القدر والقهر.
وجواب أهل السنة عما نفته الماتريدية من المعاني والحقائق في هذه الأسماء وغيرها، هو جواب الماتريدية لمنازعهم من المعتزلة فيما أثبتوه من المعاني والحقائق، نحو السميع والبصير والعليم... إذ أن القول في دلالات الأسماء جميعها واحد، ولا دليل على التفريق، فهي تجري على قاعدة واحدة، وهي: "أن الاسم من أسمائه (تعالى) له دلالات. دلالة على الذات والصفة بالمطابقة، ودلالة على أحدهما بالتضمن، ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم" ((بدائع الفوائد)) (1/162).
فـ" الاسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدل على الذات والصفة التي اشتق بها بالمطابقة، فإنه يدل عليه دلالتين أخريين بالتضمين واللزوم. فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة عن الصفة، ويدل على الصفة الأخرى باللزوم.
فإن اسم (السميع) يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها، وعلى السمع وحده بالتضمن. ويدل على اسم (الحي) وصفة الحياة بالالتزام، وكذلك سائر أسمائه وصفاته...
فإن من لوازم اسم (العلي) العلو المطلق بكل اعتبار. فله العلو المطلق من جميع الوجوه: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه (العلي).
وكذلك اسم (الظاهر) من لوازمه: أن لا يكون فوقه شيء كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((وأنت الظاهر فليس فوقك شيء)) رواه مسلم (2713) بل هو سبحانه فوق كل شيء. فمن جحد فوقيته سبحانه فقد جحد لوازم اسمه (الظاهر)... وكذلك سائر أسمائه الحسنى" ((مدارج السالكين)) (1/30، 31).
وتعطيل حقائق ومعاني الأسماء كلها أو بعضها قدح في صحة إطلاقها، إذ أن شرط صحة إطلاق الأسماء حصول معانيها وحقائقها، ثم إنه لا مانع ولا محذور من إثبات هذه المعاني والحقائق، وذلك أن الاسم والصفة له ثلاث اعتبارات، اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب تبارك وتعالى أو العبد.
الاعتبار الثاني: اعتباره مضافاً إلى الرب مختصاً به.
الثالث: اعتباره مضافاً إلى العبد مقيداً به، فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتاً للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله وللعبد منه ما يليق به. وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات والعليم والقدير وسائر الأسماء، فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل تثبتت له على وجه لا يماثله فيه خلقه ولا ياشبههم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه، وجحد صفات كماله. ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه فقد شبهه بخلقه، ومن شبه الله بخلقه فقد كفر ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه بل كما يليق بجلاله وعظمته قد برئ من فرث التشبيه ودم التعطيل وهذا طريق أهل السنة.
وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله كما يلزم حياة العبد من النوم والسنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك...
وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها، فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم وقدرته وإرادته وسائر صفاته فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق" ((بدائع الفوائد)) (1/165)، وانظر: ((الدرء)) (3/330-333)، ((شرح الأصفهانية)) (ص 44، 77) ط مخلوف.
فإذا اتضحت هذه القاعدة علم خطأ الماتريدية في تعطيلهم لكثير من أسماء الله تعالى عما دلت عليه من المعاني، وعلم فساد تأويلهم لها الذي نجم عنه تشبيه مسبق.
فالحق والصواب الذي يجب أن يصار إليه، هو إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى لله تعالى حقيقة من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.الماتريدية دراسة وتقويماً تصنيف أحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص 219- 229
في مذهب الماتريدية في أسماء الله الحسنى  -  حق وباطلٌ.
فما كان عندهم من الحق الذي ينور القلوب  -  فقد أخذوه من الكتاب والسنة لاحتكاكهم بأهل السنة، وهذا من فضلهم، ومحاسنهم التي لا تنسى، ومساعيهم التي يشكرون عليها وبذلك نجوا من كثير من الإلحاد.
وما كان عندهم من الباطل الذي يظلم القلوب  -  فقد أخذوه من الجهمية الأولى لاحتكاكهم بهم فدخل عليهم شيء من إلحادهم وبدعهم وتعطيلهم الذي ظنوه حقاً. وخيل إليهم إنه مذهب أهل السنة.
فمذهبهم في الأسماء الحسنى على نوعين:
الأول: ما اشتمل على الحق:
فمن محاسنهم في هذا الباب وموافقتهم لأهل السنة ما يلي:
1- إثبات جميع أسماء الله الحسنى له تعالى. لا نعلم لهم في ذلك خلافاً ولا استثناء.
وبذلك فارقوا غلاة الجهمية، لأنهم لا يثبتون لله الأسماء انظر ((التدمرية)) (ص 182-183) و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/99-100).
2- إثبات كثير من معاني أسماء الله تعالى.
وبذلك فارقوا جهمية المعتزلة، لأنهم يثبتون الأسماء مجردةً عن المعاني انظر ((التدمرية)) (ص 182-183) و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/99-100).
3- أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يجوز تسمية الله تعالى إلا بما ورد في الشرع انظر ((كتاب التوحيد للماتريدي)) (ص 38-44)، و ((الدر اللقيط)) (4/428)، لتاج الدين أحمد بن عبد القادر الحنفي "749هـ" ((شرح المواقف)) للجرجاني الحنفي الماتريدي (8/210)، و ((نشر الطوالع)) (ص 309) للمرعشي الماتريدي.
قال الإمام حافظ الدين عبدالله النسفي (710 هـ) في بيان الإلحاد في أسمائه تعالى:
"فيسموه بغير الأسماء الحسنى وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه، نحو أن يقولوا: يا سخي، يا رفيق، لأنه لم يسم نفسه بذلك، ومن الإلحاد تسميته بالجسم، والجوهر، والعقل، والعلة" ((مدارك التنزيل)) (1/591)، وانظر ((إرشاد العقل السليم لأبي السعود)) (3/296).
4-5- أسماء الله تعالى كلها حسنى، وأنها ليست ألفاظاً مجردة: عن معانيها، بل تدل على معانٍ حسنة من التمجيد، والتقديس، والتعظيم ((مدارك التنزيل) (1/591، 2/274)، وأنظر ((الدر اللقيط لتاج الدين الحنفي)) (4/429).
فاسماؤه تعالى أحسن الأسماء وأجلها، لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها ولدلالتها على صفات الكمال من الجلالة والجمال والإكرام ((إرشاد العقل السليم)) لأبي السعود العمادي (3/296، 5/200).
والثاني: ما اشتمل على باطل وإلحاد:
وأهم نماذج ذلك ما يلي:
1- إن أسماء الله تعالى ليست أسماءً حقيقة لله تعالى.
قال أبو منصور الماتريدي: "فيدلك أن الأسماء التي نسميه بها عبارات عما يقرب إلى الأفهام، لا أنها في الحقيقة أسماؤه" ((كتاب التوحيد)) (ص 93-94).
2- الأسماء الحسنى غير مشتملةٍ على صفاتٍ مستقلةٍ بل هي متدرجة في صفة التكوين.
قال العلامة أنور شاه الكشميري الديوبندي: "والأسماء الحسنى عند الأشاعرة عبارة عن الإضافات، وأما عند الماتريدية فكلها مندرجة في صفة التكوين" ((فيض الباري)) (4/517).
3- أسماء الله الحسنى مخلوقةٌ عندهم: لأنها عبارة عن الألفاظ والحروف، وهي مخلوقة، ولذلك جعلوا أسماء الله تعالى الحسنى تسمياتٍ.
فلما قالوا إنها تسمياتٌ  -  قالوا: إنها غير الله تعالى, إنها حروفٌ وألفاظٌ وإن الاسم الأزلي عين المسمى وهو الله لا غير انظر ((كتاب التوحيد)) (ص 65-66)، و ((بدء الأمالي)) للأوشي الفرغاني مع شرحها ((ضوء المعالي)) للملا علي القاري)) ((ص 26)، و ((نشر الطوالع)) (ص 302 – 303، 306)، و ((روح المعاني)) (1/53).
كل هذا للتدرج إلى القول بأن أسماء الله تعالى مخلوقةٌ بعد قولهم: إنها غير الله؛ لأن كل ما هو غير الله فهو مخلوق انظر ((مجموع الفتاوى)) (6/185-186)، و ((شرح كتاب التوحيد في صحيح البخاري)) لشيخنا عبدالله بن محمد الغنيمان (ص 224).
قلت: وهذا القول مبني على القول بخلق القرآن.
فالماتريدية وافقوا جهاراً دون إسرار الجهمية الأولى في بدعة القول بخلق الأسماء الحسنى كما وافقوهم في بدعة القول بخلق القرآن فهم جميعاً قائلون بخلق القرآن وبخلق الأسماء الحسنى.
غير أن الماتريدية كزملائهم الأشعرية انفردوا عن الجهمية الأولى ببدعة أخرى وهي بدعة الكلام النفسي.
ولنا عودة لبيان "هل الاسم عين المسمى أو غيره أو له" وما هو الصواب في ذلك وبيان أن فساد القول بخلق أسماء الله تعالى  -
كفساد القول بخلق القرآن
وسلف هذه الأئمة وأئمة السنة قد كفروا القائلين بخلق الأسماء الحسنى كما كفروا القائلين بخلق القرآن. كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
4- تعطيل معاني بعض الأسماء الحسنى بأنواع من التأويلات، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلاً، وشرعاً، ولغة، وفطرة انظر ((بدائع الفوائد)) (1/169)، و ((مدارج السالكين)) (1/37).
وفيما يلي بعض أمثلة هذا الإلحاد:
المثال الأول:
أن (العلي) من أسماء الله الحسنى، يدل دلالة حقيقية مطابقية قطعية على ذات الله المقدسة، وعلى صفته "العلو" على خلقه.
فالماتريدية لما عطلوا صفة "علو" الله تعالى وحرفوا نصوصها بأنواع من التأويلات والمجازات، جعلوا اسمه "العليَّ" مجرداً عن صفته "العلوِ" المطلق على خلقه، ولذلك فسروا اسم الله تعالى "العلي" بما يلي:
1- "العلي عن كل موهوم يحتاج إلى عرش أو كرسي" ((تأويلات أهل السنة)) للماتريدي تحقيق جاسم محمد الجبوري (1/593).
2- "العلي في ملكه وسلطانه، أو المتعالي عن الصفات التي لا تليق به" ((مدارك التنزيل)) (1/170).
3- "المتعالي بذاته عن الأشباه والأنداد" ((إرشاد العقل السليم)) (1/248).
4- بمعنى "المتكبر" راجع ((شرح المواقف)) (8/215)، و ((نشر الطوالع)) (ص 320).
فأنت ترى أنهم جعلوا هذا الاسم الأحسنَ "العلي" من السلوب المحضة التي لا مدح ولا ثناء فيها.
مع أنه من أعظم الأسماء الحسنى الدالة على إثبات الصفات الكمالية لله تعالى وأنه يدل على صفة هي من أعظم صفات الله تعالى الذاتية الثبوتية ألا وهي صفة "العلو" المطلق على خلقه مع تضمنه تنزيه الله تعالى عن كل عيب ونقص.
المثالان: الثاني والثالث:
أن "الرحمن الرحيم" اسمان من أسماء الله الحسنى وكلاهما يدل دلالة حقيقية قطعية مطابقة على صفته تعالى: "الرحمة" الكاملة.
لكن القوم لما عطلوا صفة الله العظيمة "الرحمة" وحرّفوها بتأويلاتهم جعلوا هذين الاسمين: "الرحمن الرحيم" مجردين عن صفته "الرحمة" حيث فسروا الرحمة بإيصال الخير ودفع الشر راجع ((التبيان للرستمي الفنجفيري)) (ص 59).
فواعجباً لقوم يعبدون رباً يزعمون أنه لا "رحمة" له! فماذا يرجون منه؟.
المثال الرابع:
أن "الودود" من أسماء الله الحسنى يدل على ذات الله تعالى وعلى صفته "الود" دلالة قطعية حقيقية مطابقية ومعنى "الودود" أنه محب للمؤمنين، فيكون "الفعول بمعنى الفاعل" فالله تعالى ذو المحبة لهم. وقيل: "محبوب" للمؤمنين فيكون الفعول بمعنى المفعول انظر ((جامع البيان)) (12/105، 30/138)، ((معالم التنزيل)) (2/399، 4/471).
والماتريدية عطلوا صفة "المحبة" الثابتة لله تعالى وحرفوا نصوصها إلى صفة "الإرادة" وغير ذلك من التأويلات.
المثال الخامس:
أن "الظاهر والباطن" من الأسماء الحسنى.
ومعنى "الظاهر" العالي علي الخلق وفوق كل شيء فليس فوقه شيء ((جامع البيان)) (24/215-216)، ((معالم التنزيل)) (4/293)، ((فتح القدير)) للشوكاني (5/165)، ((النونية)) (64، 146)، ((توضيح المقاصد)) (1/423-425).
ويؤيده حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((وأنت الظاهر فليس فوقك شيء)) رواه مسلم (2713). الحديث.
فهذا الاسم يدل دلالة قطعية حقيقية مطابقة على ذات الله تعالى وإثبات صفة "العلو" المطلق لله تعالى. وهذا هو الراجح في معناه.
فإن قيل: "معناه" الظاهر وجوده بالأدلة الواضحة" ((معاني القرآن للقراء)) (3/132)، وذكره البخاري بالتمريض كتاب ((التفسير باب تفسير سورة الحديد)) (4/1851)، وانظر ((فتح الباري)) (8/627-628).
قلت: لو سلم صحة هذين المعنيين  -  فهما لا ينافيان المعنى الأول، لأن علو الله على خلقه أجمعين متضمن لعلمه على كل شيء وظهور وجوده. بل وجود الله تعالى لا يحتاج إلى برهان.
ولله در القائل:


وليس يصح في الأذهان شيء





 إذا احتاج النهار إلى دليل ((الصواعق المرسلة)) (4/1221)، ((مدارج السالكين)) (1/71).

ولأن ذكر بعض اللفظ لا ينفي أصل معناه وكذا ذكر لازم معنى اللفظ لا ينفي الملزوم.
قال شيخ الإسلام في الرد على من زعم أن تفسير "نور السموات" بهادي أهل السماوات والأرض تأويل:
"ثم قول من قال من السلف: "هادي أهل السموات والأرض" لا يمنع أن يكون في نفسه نوراً؛ فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض "صفات المفسر" من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات للمسمى بل قد يكونان متلازمين".
إلى آخر كلامه المهم القيم الذي يكشف الغمة عن كثير من المشكلات في فهم كلام السلف ((مجموع الفتاوى)) (6/390-391)، وانظر ((شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري)) لشيخنا عبدالله بن محمد الغنيمان (ص 157).
الحاصل: أن اسم الله تعالى: "الظاهر" يدل على علوه المطلق فنفيه إلحاد صريح وتعطيل قبيح.
المثلانِ: السادس والسابع:
أن "السميع" و"البصير" من أسماء الله الحسنى، يدلان على ذات الله تعالى وعلى صفتيه "السمع والبصر" الكاملين المطلقين دلالةً مطابقية حقيقية قطعية.
ولكن بعض الماتريدية عطل هاتين الصفتين: "السمع والبصر" وحرف نصوصهما بتأويلهما إلى صفة العلم.
وهذا تعطيل صريح وإلحاد قبيح؛ لأن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى لقد صرح بأن تفسير صفة "اليد" بالقدرة أو النعمة إبطال لها وأنه قول المعطلة المعتزلة ((الفقه الأكبر بشرح القاري)) (ص 59).
فعلم أن إرجاع صفة إلى أخرى تعطيل وإلحاد بشهادة هذا الإمام وفي ذلك عبرة لهؤلاء الماتريدية.
المثال الثامن:
"النور" وسيأتي الحديث عنه في مبحث الصفات.
المثال التاسع:
"الحَيِىُ" عطلوا معناه فنفوا صفة "الحياة" لله تعالى كما سيأتي.
المثال العاشر:
"الإله" عطلوا معناه فحرفوا صفة "الألوهية" لله سبحانه وفسروها بالربوبية.
المثال الحادي عشر ،، وهو أظهر من أن يشهر ،، وأفظع الأمثلة ضراراً ودماراً ،، وأشنعها وأبشعها عاراً وشناراً ،،
وهو إلحاد في اسم "الله" الأعظم؛
فقد صرحوا بأن مفهوم اسم الجلالة "الله" نفس الذات بدون اعتبار الصفة راجع ((إشارات المرام)) لقاضي عساكرهم (ص 114) و ((نظم الفرائد)) (ص 21).
قلت: هذا إلحاد صريح واضح ،، وتعطيل قبيح فاضح ،،؛
لأن اسم الجلالة "الله" اسم الله الأعظم الحسن الدال على جميع الأسماء الحسنى ،، والصفات الكمالية العليا ،، انظر ((مدارج السالكين)) (1/38، 39، 41).
ولأن الأسماء الحسنى ،، ليست حسنى ،، إلا لأجل دلالتها على المعاني الحسنى ،، وهي صفات الله العليا ،، حتى باعتراف الماتريدية.
الحاصل: أن الأسماء الحسنى عند الماتريدية بعضها لا يدل إلا على نفس الذات ،، وبعضها يدل على الصفات ،، وبعضها يدل على السلوب والإضافات.الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني 2/404
ومن أهم المسائل المتعلقة بباب (الأسماء)، عند الماتريدية، مسألة الاسم والمسمى، والتي لا يكاد كتاب من كتب العقائد عندهم يخلو من بحثها، بل تكاد تكون هي المسألة الوحيدة المطروقة في الباب في كثير من كتبهم.
ذهبت الماتريدية في هذه المسألة إلى القول بأن الاسم هو المسمى. واحتجوا بقوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن: 78]، قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1]، وقوله: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ [الزمر: 2] ونحو ذلك من النصوص.
وغاية شبهتهم في هذه القضية: أن الله هو الخالق وما سواه مخلوق فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقه، وللزم أن لا يكون له اسم في الأزل ولا صفة انظر: ((التأويلات)) (ل 3)، الظاهرية، ((التوحيد)) (ص 66)، ((شرح الفقه الأكبر))، للقاري: (ص 15)، ((حاشية جامع المتون)) (ص 4، 5)، ((نظم الفوائد)) (ل 17)، و ((المطبوع)) (ص 20).
قال البزدوي: "إن الدليل يضطرنا وكل عاقل إلى القول بأن الاسم نفسي المسمى، فإن الناس أمروا بأن يعبدوا الله تعالى، ويوحدوا الله تعالى ويعظموه ويكبروه ويهللوه، ولو أن الاسم غير المسمى لكان هذا خطأ.
قال الله تعالى: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا [النساء: 36] ، وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الحج: 1] .." ((أصول الدين)) (ص 88، 89، 90).
وقال أبو المعين النسفي: "اعلم أن الاسم والمسمى واحد... والله تعالى بجميع أسمائه واحد. دليلنا قول الله عز وجل: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ [الزمر: 2] ، وقوله تعالى: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة: 31] الله تعالى أمرنا بأن نوحد الله تعالى فلو كان اسم الله تعالى غير الله لكان حصول التوحيد للاسم لا لله تعالى..." ((بحر الكلام)) (ص 37)، وانظر: ((تبصرة الأدلة)) (ص 198).
وقال الأوشي في منظومته:


وليس الاسم غيراً للمسمى




لدى أهل البصيرة خير آل

قال الشارح: "أي ليس الاسم غير المسمى... بل هو عينه بمعنى أن الحكم الواقع على الاسم واقع على المسمى لا محالة محتجين بقوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن: 78] وبقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1] إذ المعنى تعالى الله، وتنزه الله، لأن المتعال المتنزه عما لا يليق به هو الله تعالى" ((نثر اللألئ)) (ص 35)، وانظر: ((بيان الاعتقاد)) (ل 11)، ((رسالة الخليلي في الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية)) (ل 41، 42)، ((تحفة الأعالي شرح ضوء المعالي)) (ص 28، 29)، ((نظم الفوائد)) (ل 17)، ((المطبوع)) (ص 20)، ((حاشية جامع المتون)) (ص 8).
والكلام في مسألة هل الاسم هو المسمى أم غيره  -  والتي خاضت فيها الماتريدية كغيرها من الفرق الكلامية  -  من البدع التي حدثت بعد القرون المفضلة، والتي لا أصل لها لا من الكتاب، ولا من السنة، بل لا يعرف عن أحد من السلف ولا أئمة المسلمين أنه تكلم في هذه المسألة بشيء.
قال الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله: "وأما القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى، فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع. فالخوض فيه شين والصمت عنه زين. وحسب امرئ من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قول الله عز وجل ثناؤه الصادق، وهو قوله: قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الإسراء: 110] وقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180] ويعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر وضل وهلك" ((صريح السنة)) تحقيق بدر المعتوق (ص 26، 27).
وذكر الإمام أبو محمد رزق الله التميمي رحمه الله: "أن الإمام أحمد رحمه الله كان يشق عليه الكلام في الاسم والمسمى، ويقول: هذا كلام محدث ولا يقول: أن الاسم غير المسمى، ولا هو هو، ولكن يقول: أن الاسم للمسمى، اتباعاً لقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180] ((مقدمة في عقيدة الإمام أحمد وأصول مذهبه))، للإمام رزق الله التميمي، مطبوعة في طبقات الحنابلة لأبي يعلى: (2/270)، وانظر (2/299).
وسبب حدوث هذه المسألة: أن الجهمية لما ابتدعت القول بخلق القرآن، قالت بخلق أسماء الله تعالى، إذ أن القول في أسمائه تعالى نوع من القول في كلامه. مما دفعهم إلى القول بأن أسماء الله غيره، وأن الاسم غير المسمى. فذمهم السلف لقولهم هذا "وغلظوا فيهم القول، لأن أسماء الله كلامه، وكلام الله غير مخلوق بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء...
فلهذا يروى عن الشافعي والأصمعي وغيرهما أنه قال: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، فاشهد عليه بالزندقة. ولم يعرف أيضاً عن أحد من السلف أنه قال الاسم هو المسمى..." ((الفتاوى)) (6/186، 187).
ولما كانت الماتريدية تعتقد أن أسماء الله غير مخلوقة، كما أن كلامه غير مخلوق، قابلوا قول الجهمية بأن الاسم غير المسمى، بعدم الغيرية بينهما ولم يتفطنوا لما في لفظ الغير من الإجمال فوقعوا فيما وقعوا فيه.
ومنشأ الغلط في المسألة "من إطلاق ألفاظ مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وباطل. فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني وتنزيل ألفاظها عليها... وبلاء القوم من لفظة الغير، فإنها يراد بها (معنيان) أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة بالله، وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقاً. ويراد به مغايرة الصفة إذا خرجت عنها فإذا قيل علم الله وكلام الله غيره، بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحاً، ولكن الإطلاق باطل، وإذا أريد أن العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره كان باطلاً لفظاً ومعنى..." ((بدائع الفوائد)) (1/17، 18).
والصواب في المسألة التفصيل "فالاسم يراد به المسمى تارة ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، واستوى الله على عرشه وسمع الله، ورأى وخلق فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت (الله) اسم عربي، و(الرحمن) اسم عربي، و(الرحمن) من أسماء الله، و(الرحمن) وزنه فعلان، و(الرحمن) مشتق من الرحمة ونحو ذلك، فالاسم ههنا للمسمى ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسماً أو حتى سماه خلقه بأسماء من وضعهم فهذا من أعظم الضلال والإلحاد" ((شفاء العليل))، لابن القيم (ص 277)، وانظر: ((شرح الطحاوية))، لابن أبي العز الحنفي (ص 80).
وأما استدلال الماتريدية بقوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن: 78] وقوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1].. ونحو ذلك من الآيات، على أن الاسم هو المسمى. هو في الحقيقة حجة عليهم، "لأن النبي صلى الله عليه وسلم امتثل هذا الأمر وقال: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم، ولو كان الأمر كما زعموا لقال: سبحان اسم ربي العظيم. ثم إن الأمة كلهم لا يجوز أحد منهم أن يقول: عبدت اسم ربي، ولا سجدت لاسم ربي، ولا ركعت لاسم ربي، ولا يا اسم ربي ارحمني، وهذا يدل على أن الأشياء متعلقة بالمسمى لا بالاسم" ((بدائع الفوائد)) (1/181)، وانظر: ((لوامع الأنوار البهية)) (1/29، 119).
وأما الجواب عن تعلق الأمر بالذكر والتسبيح بالاسم، فهو: "أن الذكر الحقيقي محله القلب لأنه ضد النسيان، والتسبيح نوع من الذكر، فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك دون اللفظ باللسان، والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعاً ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما، واجتماعهما فصار معنى الآيتين: سبح ربك بقلبك ولسانك، واذكر ربك بقلبك ولسانك. فاقحم الاسم تنبيهاً على هذا المعنى حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان، لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع مدلوله لأن اللفظ لا يراد لنفسه فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح دون ما يدل عليه من المعنى" ((البدائع الفوائد)) (1/19).
فإطلاق القول: بأن الاسم غير المسمى، أو أنه هو، غير صحيح، بل هو باطل لاحتماله معاني باطلة. والصواب هو التفصيل في المسألة كما تقدم بيانه... والله تعالى أعلم...الماتريدية دراسة وتقويماً تصنيف أحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص 229- 234

انظر أيضا: