موسوعة الفرق

التمهيد


ذهبت الماتريدية في تصورها واعتقادها لتوحيد الله تعالى إلى نحو قريب مما ذهبت إليه المعتزلة وكذا الأشاعرة وهم يفسرون الواحد والتوحيد بما ليس هو معنى الواحد والتوحيد في كتاب الله وسنة رسوله وليس هو التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسوله والمراد بالتوحيد عندهم هو اعتقاد الوحدانية التي هي عندهم صفة سلبية تقال على ثلاثة أنواع :
الأول الوحدة في الذات ويقصدون بها انتفاء الكثرة عن ذاته تعالى بمعنى عدم قبولها الانقسام فيقولون هو واحد في ذاته لا قسيم له وفسروا لفظ الأحد الوارد في النصوص في حق الله تعالى بهذا المعنى فقالوا في تفسير قوله تعالى قل هو الله أحد أي الواحد الموجود الذي لا بعض له ولا انقسام لذاته.... ((تأويلات أهل السنة)) (ل656، 657).
الثاني: الوحدة في الصفات : والمراد بها كما يقولون انتفاء النظير له تعالى في كل صفة من صفاته فيمتنع أن يكون له تعالى علوم وقدرات متكثرة بحسب المعلومات والمقدورات بل علمه تعالى واحد ومعلوماته كثيرة وقدرته واحدة ومقدوراته كثيرة وهذا على جميع صفاته.
الثالث : الوحدة في الأفعال والمراد بها انفراده تعالى باختراع جميع الكائنات عموما وامتناع إسناد التأثير لغيره تعالى في شيء من الممكنات أصلا.
وجماع قولهم في توحيده تعالى أنه واحد في ذاته لا قسيم له أو لا جزء له واحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا شريك له انظر ((التوحيد)) (23، 119، 121)، ((بحر الكلام)) (4، 19)، ((المسامرة)) (43)، ((جامع المتون)) (4، 5)، ((نثر اللآلئ)) (9)، ((شرح الطحاوية الميداني)) (47)، ((بيان الاعتقاد)) (ل16).
والأخير يسمى بتوحيد الأفعال وأشهر ما قدموه من الأدلة على إثباته هو دليل التمانع وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله، وأما الأول والثاني والذي هو حاصل توحيدهم قصدوا به نفي التجسيم ونفي التشبيه وأدرجوا في مسمى هذا التوحيد الذي اصطلحوا عليه نفي ما ينفونه من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة لذا جعلوا من أصول عقيدتهم نفي الجسم والجوهر والعرض ونحوها من الألفاظ والمعاني المبتدعة انظر ((التوحيد)) ((38، 39))، ((تبصرة الأدلة)) (ل66- 86)، ((التمهيد) (6- 12)، ((المسايرة)) (24-30)، ((إشارات المرام)) (107). وهم يقصدون بنفي التجسيم والتشبيه نفي ما ينفونه عن الجسم المطلق وهو "أنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء ولا يتميز منه شيء عن شيء بحيث لا يكون له قدر وحد وجوانب ونهاية ولا عين قائمة بنفسها يمكن أن يشار إليها أو يشار إلى شيء منها دون شيء.... وهذا عندهم نفي الكم والمساحة " ((بيان تلبيس الجهمية)) (1/475).
قال الماتريدي في بيان معنى الواحد والتوحيد : " والله واحد لا شبيه له دائم قائم لا ضد له ولا ند وهذا تأويل قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]..وواحد بالتوحد عن الأشباه والأضداد ولذلك بطل القول فيه بالجسم والعرض إذ هما تأويلا الأشياء وإذا ثبت ذا بطل تقدير جميع ما يضاف إليه من الخلق ويوصف به من الصفات بما يفهم منه لو أضيف إلى الخلق ووصف به " ((التوحيد)) (23).
وقال في موضع آخر: " معنى الواحد أنه إذ هو واحد في علوه وجلاله وواحد الذات محال أن يكون له في ذاته مثال إذ ذاك يسقط التوحيد....وواحد الصفات يتعالى عن أن يشركه أحد في حقائق ما وصف به العلم والقدرة والتكوين بل كل وصف من ذلك لغيره  به بعد أن لم يكن، ومحال مماثلة الحديث القديم " ((التوحيد)) (119). وقال بأنه تعالى " واحدي الذات إليه حاجات الآحاد متعال عن معنى الآحاد عما يوجب صفة الإعداد ويتمكن فيه صفة التغير والزوال أو الحدود والنهاية موصوف بالقدم والتكوين والقدرة جل وعز عن التغير والزوال..." ((التوحيد)) (121).
وأصل توحيدهم هذا يقوم على أن معنى الواحد هو ما ليس بجسم إذ إن الجسم أقله أن يكون مركبا من جوهرين وذلك ينافي الوحدة انظر ((التوحيد)) (138، 139)، ((تبصرة الأدلة)) (ل 71، وما بعدها))، ((التمهيد)) (8- 11)، ((النور اللامع)) (ل 20).
وهذا التفسير لمعنى الواحد معلوم الفساد بالضرورة وهو لا ريب باطل شرعا وعقلا ولغة فإن " من المعلوم بالاضطرار أن اسم (الواحد) في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم" ((بيان تلبيس الجهمية)) (1/484). بل إنه قد ورد في كثير من الآيات والأحاديث إطلاق لفظ الواحد على الذات الموصوفة بالصفات القائمة بنفسها والتي هي من الأجسام كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [ النساء:1]   ومعلوم أن النفس الواحدة التي خلق منها زوجها هو آدم.... وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم وجسد آدم جسم من الأجسام وقد سماها الله نفسا واحدة علم أن الجسد يوصف بالوحدة... وقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر:11] فإن الوحيد مبالغة في الواحد فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد أولي ومع هذا فهو جسم من الأجسام.
وقال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ [ التوبة:6]   وقال تعالى وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف:36] وقال تعالى: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا وفي الصحيح ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أيصلي الرجل في الثوب الواحد فقال أو لكلكم ثوبان)) رواه مسلم (515) من حديث أبي هريرة بلفظ (أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الصلاة في الثوب الواحد ؟ فقال أو لكلكم ثوبان ؟) وفي الصحيح ((عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)) رواه البخاري (359) ومسلم (516) بلفظ عاتقيه .." ((بيان تلبيس الجهمية)) (1/488، 489) وانظر ((الفتاوى)) (6/112، 113، 17/235، وما بعدها).
" والاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها.... فليس لأحد أن يحمل كلام الله وكلام رسوله إلا على اللغة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب بها أمته وهي لغة العرب ولغة قريش خصوصا. ومن المعلوم المتواتر في اللغة... أنهم يقولون درهم واحد ودينار واحد ورجل واحد وامرأة واحدة وشهرة هذا عند أهل اللغة شهرة سائر ألفاظ العدد فكيف يجوز أن يقال إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام" ((بيان تلبيس الجهمية)) (1/492، 493). ثم إن أصل لفظ الواحد في اللغة يدل على معنى ثبوتي وليس سلبي. قال ابن فارس : " (وحد) الواو والحاء والدال أصل يدل على الانفراد " ((معجم مقاييس اللغة)) (6/90، 91)، وانظر ((تهذيب اللغة)) (5/192).
فتفسيرهم لمعنى الواحد تفسيرا سلبيا ليس بصحيح بل هو معلوم الفساد بالضرورة لذا "يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة إنه أمر لا يعقل ولا له وجود في الخارج وإنما هو أمر مقدر في الذهن ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شيء عن شيء بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولا يحاط به وإن سماه المسمى جسما.
وأيضا فإن التوحيد إثبات لشيء هو واحد فلا بد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها ويتميز بها عما سواه حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية ولا مجرد عدم المثل إذا لم يفد ثبوت أمر وجودي كان صفة للعدم فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو عليه حقيقة يستحق بها واحدا.... لذلك أهل الإثبات من أهل السنة والحديث يصنفون كتب التوحيد يضمنونها ثبوت الصفات التي أخبر بها الكتاب والسنة لأن تلك الصفات في كتابه تقتضي التوحيد ومعناه" ((بيان تلبيس الجهمية)) (1/483، 484).
والمقصود هنا أن التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ليس هو هذه الأنواع الثلاثة التي ذكرتها الماتريدية وغيرهم من المتكلمين " وإن كان فيها ما هو داخل في التوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهم مع زعمهم أنهم الموحدون ليس في توحيدهم التوحيد الذي ذكر الله ورسوله بل التوحيد الذي يدعون الاختصاص به باطل في الشرع والعقل واللغة " ((بيان تلبيس الجهمية)) (1/478). كما تقدم بيانه، "وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدا بل ولا مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له " ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/225، 226).
وبهذا يظهر لنا فساد تصور الماتريدية واعتقادهم لتوحيد الله وذلك أنهم اعتصموا بعقولهم ولم يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهما النور الذي أنزل الله على رسوله فمن اتبعه كان من المفلحين قال الله تعالى فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي  -  ص189- 194

انظر أيضا: