موسوعة الفرق

المطلب السادس: حكم مرتكب الكبيرة


ذهبت الماتريدية إلى أن مرتكب الكبيرة - غير المستحل لها- لا يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر بل هو مؤمن كامل الإيمان لعدم زوال التصديق وهو مع إيمانه فاسق مستحق للوعيد لعدم طاعته لله تعالى واقترافه للمعاصي والآثام.
وقالوا وإذا مات مرتكب الكبيرة من غير توبة فهو تحت المشيئة إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وإن عذب يخرج من النار لا محالة.
قال أبو المعين النسفي : " وأما أهل الحق فإنهم يقولون : إن من اقترف كبيرة غير مستحل لها ولا مستخف بمن نهى عنها بل لغلبة شهوة أو حمية يرجو الله أن يغفر له ويخاف أن يعذبه عليها فهذا اسمه المؤمن وبقي على ما كان عليه من الإيمان ولم يزل عنه إيمانه ولم ينتقص ولا يخرج من الإيمان إلا من الباب الذي دخله وحكمه أنه لو مات من غير توبة فلله تعالى فيه المشيئة  إن شاء عفا عنه بفضله وكرمه أو ببركة ما معه من الإيمان والحسنات أو بشفاعة بعض الأخيار وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم عاقبة أمره الجنة لا محالة ولا يخلد في النار.
أما الاسم فلأن الإيمان هو التصديق والكفر هو التكذيب وهذا الذي ارتكب هذه الكبيرة....كان التصديق معه باقيا وما دام التصديق موجودا كان التكذيب منعدما لمضادة بينهما فالقول بكفره والتكذيب منعدم أو بزوال الإيمان والتصديق قائم أو بثبوت النفاق والتصديق في القلب متقرر قول ظاهر الفساد.
ثم إطلاق اسم الفاسق لما أنه خرج عن حد الائتمار والفسق في اللغة هو الخروج ثم الخروج عن الائتمار...ولا يضاد التصديق فيبقى التصديق وإذا بقي كان المصدق مؤمنا ضرورة " ((التمهيد)) (92، 93)، وانظر ((تبصرة الأدلة)) (ل 454 وما بعدها)، ((بحر الكلام)) (47، 48).
وقال الأوشي:


ولا يقضى بكفر وارتداد  





بعهر أو بقتل واختزال ((نثر اللآلئ)) (213).

وقال :


ومرجو شفاعة أهل خير  





لأصحاب الكبائر كالجبال ((نثر اللآلئ)) (263).  





وقال :


ذو الإيمان لا يبقى مقيما





لشؤم الذنب في دار اشتعال  ((نثر اللآلئ)) (277)، وانظر ((التوحيد للماتريدي)) (329- 365)، ((سلام الأحكم)) (23- 32، 50، 134)، ((أصول الدين)) للبزدوي (131، 143، 135، 142)، ((البداية)) للصابوني (147)، ((النور اللامع)) (ل 101، 102، 105، 106)، ((المسايرة)) (215).  




  
وقول الماتريدية بأن مرتكب الكبيرة فاسق وليس بكافر حق وصواب وأما زعمهم بأن الفسق لا أثر له على الإيمان وأن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان فلا شك ولا ريب أنه باطل وغير صحيح وهم قالوا بهذا لأن العمل غير داخل في مسمى الإيمان عندهم وأن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص وقد تقدم معنا بيان فساد قولهم هذا وأن الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
والحق والصواب في الحكم على مرتكب الكبيرة بالنسبة لأحكام الدنيا أن يقال : هو "مؤمن ناقص الإيمان مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ولا يعطى اسم الإيمان المطلق فإن الكتاب والسنة نفيا عنه عنه الاسم المطلق واسم الإيمان يتناوله فيما أمر الله به ورسوله لأن ذلك إيجاب عليه وتحريم عليه وهو لازم له كما يلزم غيره... " ((الفتاوى)) لابن تيمية (7/241).
وأما قولهم بأن مرتكب الكبيرة إذا مات من غير توبة يكون تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ثم عاقبة أمره إلى الجنة وأنه لا يخلد في النار فهو القول الحق في المسألة وهو مذهب أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله: " وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر عز وجل في كتابه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته وذلك بأن الله تعالى مولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به " ((شرح الطحاوية)) (413). اللهم آمينالماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي  -  ص485-487

انظر أيضا: