موسوعة الفرق

المطلب الثالث: الاستثناء في الإيمان


يقصد بالاستثناء في الإيمان تعليق الإيمان بالمشيئة وهو قول المؤمن أنا مؤمن إن شاء الله. والخلاف في هذه المسألة وقع تبعا للخلاف في حقيقة الإيمان وحاصل الأقوال التي قيلت في الاستثناء ثلاثة أقوال:
الأول: القول بوجوب الاستثناء وهو قول الكلابية ومن وافقهم.
الثاني: القول بتحريمه: وهو قول المرجئة والجهمية.
الثالث القول بجواز الأمرين باعتبارين. وهو قول أهل السنة والجماعة وسلف الأمة.
والماتريدية لما قالوا بأن الإيمان هو التصديق وأنه لا يقبل الزيادة والنقصان منعوا الاستثناء في الإيمان وقالوا إن الاستثناء شك ومن شك في تصديقه فهو كافر.
قال الماتريدي: " الأصل عندنا قطع القول بالإيمان وبالتسمي به بالإطلاق وترك الاستثناء فيه لأن كل معنى مما  باجتماع وجوده تمام الإيمان عنده مما إذا استثني فيه لم يصح ذلك المعنى فعلى ذلك أمره في الجملة نحو أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله إن شاء الله أو محمد رسول الله إن شاء الله وكذلك الشهادة بالبعث والملائكة والرسل والكتب" ((التوحيد)) (388). وقال أبو المعين النسفي : " ثم لما كان ( أي الإيمان ) اسما للتصديق.... وهو شيء حقيقي معلوم الحد فإذا حصل بهذا الحد كان الذات به مؤمنا كالقعود والجلوس والسواد والبياض وغير ذلك لما كانت معاني معلومة الحد متى وجدت بحقيقتها كان الذات بها قاعد جالس أسود أبيض فكذا هذا......
وبمعرفة هذا يعرف.... أن التصديق لما وجد فقد وجد الإيمان بحقيقته فقول من يقول أنا مؤمن إن شاء الله مع وجود حقيقة التصديق كقول من يقول أنا قائم إن شاء الله وأنا قاعد إن شاء الله مع وجود حقيقة ذلك وذلك باطل فكذا هذا.... " ((تبصرة الأدلة)) (ل 480، 481)، ((التمهيد)) (105، 106).
وقال في (بحر الكلام): " وحجتنا وهو أن الاستثناء يرفع جميع العقود نحو الطلاق والعتاق والنكاح والبيع فكذلك يرفع عقد الإيمان ولأنا أجمعنا على أنه إذا قال العبد لا إله إلا الله إن شاء الله أو قال أشهد أن محمدا رسول الله إن شاء الله أو قال آمنت بالله وملائكته وبالكتب واليوم الآخر إن شاء الله يكون كافرا وكذلك إذا قال أنا مؤمن إن شاء الله يكون كافرا لأنه شاك في إيمانه وهذا لأن كل أمر متحقق في الحال أو في الماضي من الزمان لا يحسن الاستثناء فيه ".
فالماتريدية منعوا الاستثناء في الإيمان وذلك لأن مفهوم وحقيقة الإيمان عندهم التصديق أو التصديق والقول.
وأما أهل السنة والجماعة وسلف الأمة فقد قالوا بجواز الاستثناء في الإيمان وذلك لأن الإيمان عندهم قول وعمل واعتقاد والاستثناء عندهم إنما هو في الأعمال لا في أصل الإيمان والمقصود به عدم تزكية النفس لورود النهي عن ذلك كما في قوله تعالى: فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [ النجم:32] فالخلاف بين أهل السنة والجماعة والماتريدية وغيرهم في مسألة الاستثناء إنما هو راجع للخلاف في حقيقة الإيمان.الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي  -  ص468- 471

انظر أيضا: