موسوعة الفرق

المبحث الثاني: ترك الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقيدة


من الأصول المنهجية لدى الماتريدية في تقرير العقيدة عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في باب العقائد فلا يحتجون إلا بالقرآن أو المتواتر من الأحاديث ولا يثبتون العقيدة بالقرآن أو الحديث إلا إذا كان النص قطعي الدلالة ومعنى قطعي الدلالة عندهم أنه لا يحتمل التأويل أي أنها مقبولة عقلًا خالية من التعارض مع العقل انظر ((شرح العقائد النسفية)) (34 ) ، ((المسامرة شرح المسايرة))  (31، 32 ).
وقالوا بأن أحاديث الآحاد تفيد الظن ولا تفيد العلم اليقيني وذلك لعروض الشبهة في كونها خبر الرسول لعدم الأمن من وضع الأحاديث على النبي صلى الله عليه وسلم ((النور اللامع)) (ل 99، 100 ) ، ((الحواشي البهية))  (1/59 )
وقالوا يؤخذ بها في الأحكام الشرعية وذلك حيطة في الأمر وأخذًا بالحزم وأن المتواتر لا يوجد في كل حادثة فلو رد خبر الواحد تعطلت الأحكام ((شرح المنار)) لأبي البركات النسفي وحواشيه 620، ((فتح الغفار شرح المنار)) (2/79 ). وقد نص على عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد الماتريدي  في كتاب (التوحيد) وفي (التأويلات) وذكر أن خبر الآحاد لا يوجب العلم لأنه لا يبلغ مرتبة الخبر المتواتر في إيجاب العلم والشهادة ولكنه يجب العمل به واستدل على وجوب العمل بخبر الواحد بأمر الله لمن يصلح للتفقه في الدين بالتخلف عن الجهاد لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ((التوحيد))  (8، 9 ) ، ((التأويلات))  (2/ل 351 ).
ونص على ذلك أيضا الناصري في (النور اللامع) حيث قال: "خبر الآحاد يوجب العمل ولا يوجب العلم..." ((النور اللامع)) (ل 14 ).
وقال في موضع آخر: " ولا تبنى العقائد على أخبار الآحاد لأنها لا توجب العلم يقينا..." ((النور اللامع)) (ل 99، 100 ) ، وانظر (70 ) ، وما بعدها.
ونص على ذلك أيضا أبو البركات النسفي في المنار ((شرح المنار)) وحواشيه (620 ) ، ((فتح الغفار))  (2/79 ). وابن الهمام في التحرير ((التحرير))  (334 ) ، ((تيسير التحرير)) (3/82 ). وابن عبد الشكور في مسلم الثبوت ((فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت بحاشية المستصفى))  للغزالي (2/120،121، 136 ). وملا على القاري  في شرح نخبة الفكر ((شرح نخبة الفكر))  (37- 39 ) ط1، إسطنبول 1327هـ. وغيرهم.
والماتريدية في الحقيقة لا يحتجون بأحاديث الآحاد الصحيحة في الأحكام الشرعية العملية مطلقا بل حتى يكون الحديث مقبولا لديهم يجب أن يكون موافقا لقواعدهم وأصولهم التي قرروها وقد صرح به غير واحد منهم قال أبو زيد الدبوسي في (تأسيس النظر) : " الأصل عند أصحابنا أن خبر الآحاد متى ورد مخالفًا لنفس الأصول مثل ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أوجب الوضوء من مس الذكر لم يقبل أصحابنا هذا الخبر لأنه ورد مخالفا للأصول..." ((تأسيس النظر)) 156.
وقال أبو الحسن الكرخي في رسالته في بيان أصول الحنفية والتي ذكر أمثلتها وشواهدها عمر النسفي صاحب (العقائد) : " الأصل أنه يفرق بين العلم إذا ثبت ظاهرًا وبينه إذا ثبت يقينًا".
قال عمر النسفي معلقًا على هذا الأصل :" من مسائله أن ما علم يقينًا يجب العمل به واعتقاده وما ثبت ظاهرًا وجب العمل به ولم يجب اعتقاده" ((الأصول))  لأبي الحسن الكرخي ملحقة بتأسيس النظر تحقيق مصطفى القباني (166 ).
وقال أبو الحسن الكرخي : " إن كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا فإنه يحمل على النسخ أو على أنه معارض بمثله ثم صار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح أو يحمل على التوفيق وإنمَّا يفعل ذلك على حسب قيام الدليل فإن قامت دلالة النسخ يحمل عليه وإن قامت الدلالة على غيره صرنا إليه ".
ثم قال: " الأصل أن الحديث إذا ورد عن الصحابي مخالفًا لقول أصحابنا فإن كان لا يصح في الأصل كفينا مؤنة جوابه وإن كان صحيحا في مورده فقد سبق ذكر أقسامه إلا أن أحسن الوجوه وأبعدها عن الشبه أنه إذا ورد الحديث عن الصحابي في غير موضع الإجماع أن يحمل على التأويل أو المعارضة بينه وبين صحابي مثله" ((الأصول))  لأبي الحسن الكرخي ملحقة بتأسيس النظر تحقيق مصطفى القباني (169- 171 ).
وقول الماتريدية ومن وافقهم بعدم حجية أحاديث الآحاد في العقائد قول لا أصل له بل هو مبتدع محدث فتقسيم ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى متواتر وآحاد تقسيم لم يكن معروفا في عصر الصحابة والتابعين كما أن القول بأن خبر الواحد لا يفيد العلم قول ابتدعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأحاديث ورفضها لأنها حجة عليهم انظر ((صون المنطق))  (161 ). فإن أشهر من عرف عنه اشتراط العدد في صحة الحديث هو إبراهيم بن إسماعيل بن علية (218 هـ) وهو كما قال الذهبي : " جهمي هالك كان يناظر في خلق القرآن " ((ميزان الاعتدال))  (1/20 ).
 وقد نص الإمام الشافعي رحمه الله على إجماع المسلمين على حجية خبر الواحد في الرسالة حيث قال: " ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديما وحديثا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي " ((الرسالة))  تحقيق أحمد شاكر (457 ). وقال بعد أن نص على حجية خبر الواحد: " ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه السبيل" ((الرسالة))  تحقيق أحمد شاكر (453 ).
والقول بحجية خبر الواحد في العقائد والأحكام هو مذهب الإمام مالك رحمه الله كما ذكره عنه محمد بن أحمد المعروف بابن خويزمنداد ((الإحكام في أصول الأحكام))  لابن حزم (1/132 ) ، ((مختصر الصواعق المرسلة))  لابن القيم (2/363 ). وهو أيضا قول الإمام أحمد رحمه الله قال المروذي رحمه الله : "قلت لأبي عبد الله : ههنا اثنان يقولان إن الخبر يوجب عملًا ولا يوجب علمًا فعابه وقال لا أدري ما هذا..." ((مختصر الصواعق))  (2/363 ) ، ((إرشاد الفحول))  للشوكاني (48 ).
ولا يعرف عن أبي حنيفة رحمه الله أنَّه قال بعدم إفادة خبر الواحد العلم أو أنَّه فرق في قبوله بين العقائد والأعمال بل الذي ورد عنه قبول الأحاديث بدون تفريق فقد روي عنه أنه قال :"إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لم نحد عنه إلى غيره وأخذنا به" ((مناقب أبي حنيفة))  للموفق بن أحمد المكي (71 ) ، ط دار الكتاب العربي. وهذا هو مذهب أصحاب أبي حنيفة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره ((الفتاوى))  (18/17، 41 ). وهو أيضًا مذهب السلف وجمهور المحدثين والأصوليين كما نص على هذا غير واحد من العلماء.
وقول الماتريدية ومن شاكلهم بأن أحاديث الآحاد لا تفيد العلم لاحتمال الكذب والخطأ والشبهة في كونها خبر الرسول مرده إلى جهلهم بعلم الحديث وأهله فإنَّه كما يرجع في معرفة الفقه للفقهاء وفي معرفة اللغة لأهل اللغة وكذا في كل صنعة وفن فإنه ينبغي الرجوع في معرفة الحديث لأهل الحديث الذين أفنوا أعمارهم وأموالهم في حفظ الحديث وصيانته ودراسته وتدريسه.
قال أبو الحسن العامري الفيلسوف: "وليس يشك أن أصحاب الحديث هم المعنيون بمعرفة التواريخ العائدة بالمنافع والمضار وهم العارفون لرجال السلف بأنسابهم وأماكنهم ومقادير أعمارهم ومن اختلف إليهم وأخذ العلم عنهم بل هم المتحققون لما يصح من الأحاديث الدينية وما يسقم ويقوى منها ويضعف بل هم المتجشمون للحل والترحال في أقاصي البلدان وأدانيها ليأخذوا عن الثقات سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هم المجتهدون أن يصيروا نقاد الآثار وجهابذة الأخبار فيعرفوا الموقوف منها والمرفوع والمسند والمرسل... وأن يصونوا صناعتهم صيانة لو رام أحد أن يفتعل حديثًا مزورًا أو يغير إسنادًا أو يحرف متنًا أو يروج فيها ما روج في الأخبار الأدبية كالفتوح والسير والأسمار والوقائع للحقه من جماعتهم أعنف النكير.
وإذا كان هذا سعيهم وعليه مدار أمرهم فمن الواجب أن نعتقد لهم فيما أكدوا من العناية أعظم الحق وأوفر الشكر وأتم الإحماد وأبلغ التقريظ " ((الإعلام بمناقب الإسلام))  (109، 110 ).
بل إن أهل الحديث، كما يقول ابن القيم "من أعظم الناس صدقًا وأمانةً وديانةً وأوفرهم عقولًا وأشدهم تحفظًا وتحريًا للصدق ومجانبة للكذب وإن أحدًا منهم لا يحابي في ذلك أباه ولا ابنه ولا شيخه ولا صديقه وأنَّهم حرروا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريرًا لم يبلغه أحد سواهم لا من الناقلين عن الأنبياء ولا من غير الأنبياء وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم، وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ، حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء وأخبر برضاه عنهم واختياره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة ومن تأمل ذلك أفاده علمًا ضروريًا بما ينقلونه عن نبيهم أعظم من كل علم ينقله كل طائفة عن صاحبه وهذا أمر وجداني عندهم لا يمكنهم جحده بل هو بمنزلة ما تحسونه من الألم واللذة والحب والبغض حتى أنهم يشهدون بذلك ويحلفون عليه ويباهلون من خالفهم عليه.
وقول هؤلاء القادحين في أخباره وسنته يجوز أن يكون رواة هذه الأخبار كاذبين أو غالطين بمنزلة قول أعدائه يجوز أن يكون الذي جاء به شيطان كاذب وكل أحد يعلم أن أهل الحديث أصدق أهل الطوائف كما قال عبد الله بن المبارك: وجدت الدين لأهل الحديث، والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة، والحيل لأهل الرأي...وإذا كان أهل الحديث عالمين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذه الأخبار وحدث بها في الأماكن والأوقات المتعددة وعلمهم بذلك ضروريا لم يكن قول من لا عناية له بالسنة والحديث أن هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم مقبولا..." ((مختصر الصواعق))  (2/358، 359 ).
ومما يدل لحجية الآحاد مطلقًا أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الفرقة الناجية قال: ((من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي)) رواه الترمذي (2641) والطبراني في الأوسط (5/137) (4886) قال الترمذي غريب وقال الهيثمى (1/189) : فيه عبد الله بن سفيان. قال العقيلى : لا يتابع على حديثه هذا وقد ذكره ابن حبان فى الثقات، وحسنه الألباني في ((صحيح  سنن الترمذي))   فلا بد من معرفة ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة لمن أراد أن يكون من الفرقة الناجية وهذا لا يمكن إلا من طريق معرفة الأحاديث والآثار وأهل الحديث هم فرسان هذا الميدان وأبطاله وقد أبى الله تعالى كما يقول أبو المظفر السمعاني " أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث والآثار لأنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفا عن سلف وقرنا عن قرن إلى أن انتهوا إلى التابعين وأخذه التابعون عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا طريق لمعرفة ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس من الدين المستقيم والصراط القويم إلا من هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث " الانتصار لأهل الحديث ((ضمن صون المنطق )) (166 ).
ومما يدل أيضا على أن أحاديث الآحاد توجب العلم كما أنها توجب العمل عمل النبي صلى الله عليه وسلم حيث اقتصر بخبر الواحد في إيجاب العلم فقد كان يبعث الآحاد من الصحابة إلى الملوك والرؤساء والأقطار يدعونهم إلى الإسلام وهذا مما لا بد فيه من العلم بمعنى الاعتقاد الجازم الذي لا يبقى معه شك ولا شبهة انظر ((توضيح الأفكار))  للصنعاني (1/27 ).
وقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في (الرسالة) جملة الأحاديث والآثار التي دلت على ذلك ((الرسالة))  (401- 457 ). ، فعلى هذا فإن القول بأن خبر الواحد لا يفيد العلم يفضي إلى الطعن في عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو أيضا خرق إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين  وإجماع أئمة الإسلام وموافقة للجهمية والمعتزلة والرافضة والخوارج انظر ((مختصر الصواعق))  (2/360- 362 ) . نعوذ بالله من هذا القول الشنيع والعمل القبيحالماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص 177- 185
أما أخبار الآحاد: وهو النوع الثاني من النصوص  -  فموقفهم منها مركب من مقدمات ثلاث:
الأولى: أنها ظنية لا تفيد اليقين ((انظر كتاب التوحيد للماتريدي)) (ص 9)، ((البداية من الكفاية للصابوني)) (ص 93)، ((المغني للخبازي)) (ص 195)، ((كشف الأسرار – شرح أصول البزدوي-)) للعلاء البخاري (1/84، 2/388)، ((شرح العقائد النسفية)) للتفتازاني (ص 17، 22)، ((المسايرة لابن الهمام مع شرحها)) لقاسم بن قطلوبغا (ص 203)، ((حاشية أحمد الجندي على شرح العقائد النسفية)) (ص 59، 68) ((حاشية الكفوي على شرح العقائد النسفية)) (ص 34)، ((إشارات المرام)) (ص 99)، ((النبراس)) (ص 88، 159)، و ((مقدمة الكوثري للعالم والمتعلم)) لأبي حنيفة (ص 7)، وتعليقاته على ((التنبيه والرد)) للملطي (ص 153).
الثانية: أنها لا تثبت بها العقيدة ((كتاب التوحيد للماتريدي)) (ص 9)، ((البداية للصابوني)) (ص 93)، و ((المسايرة)) (ص 203)، ((كشف الأسرار)) (1/7)، ((إشارات المرام)) (ص 99)، ((شرح الفقه الأكبر)) للقاري (ص 90)، ((مقدمة الكوثري للعالم والمتعلم)) (ص 7)، وتعليقاته على ((التنبيه والرد)) للملطي (ص 153).
قال التفتازاني فيلسوف الماتريدية، والفنجفيرية وغيرهم من الماتريدية واللفظ للأول: "إن خبر الواحد على تقدير اشتماله على جميع الشرائط المذكورة في أصول الفقه لا يفيد إلا الظن، ولا عبرة بالظن في باب الاعتقاديات..." ((شرح العقائد النسفية)) (ص 138- 139)، و ((حاشية الكستلي عليه)) (ص 170)، و ((النبراس)) (ص 448-449)، و ((البصائر لإمام الفنجفيرية)) (ص 2)، ((التبيان لكبيرهم)) (ص 64).
وقال الملا علي القاري (1014هـ): "فإن الآحاد لا تفيد الاعتماد في الاعتقاد" ((شرح الفقه الأكبر)) (ص 90)، وانظر ((البصائر)) (1-2)، و ((التبيان)) (ص 64-65). قلت: وارتكبت هذه الطامة الفنجفيرية أيضاً ((شرح الفقه الأكبر)) (ص 90)، وانظر ((البصائر)) (1-2)، و ((التبيان)) (ص 64-65).
الثالثة: أنها إن وردت في مخالفة العقل، فإن كانت نصاً لا تحتمل التأويل ردت وإن كانت ظاهرة فظاهرها غير مراد. الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني 1/544، 545

انظر أيضا: