موسوعة الفرق

المبحث السابع: التناحر الأشعري الأشعري


اعترف العز بن عبدالسلام وابن حجر الهيتمي بوقوع الخلاف فيما بين الأشاعرة "والعجيب أن الأشعرية اختلفوا في كثير من الصفات كالقدم والبقاء والوجه واليدين والعينين، وفي الأحوال وفي تعدد الكلام واتحاده" ((قواعد الأحكام)) (ص: 172) ((الإعلام بقواطع الإسلام)) (ص: 24) ط/ دار الكتب العلمية سنة 1407 و((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) للهيتمي (2/350) وحكى الشهرستاني رد الباقلاني على شيخه الأشعري في ((إثبات الحال الفصل في الملل والنحل)) (1/121).
وذكر العز بن عبدالسلام أن أصحاب الأشعري مترددون مختلفون في صفات البقاء والقدم هل هي من صفات السلب أم من صفات الذات ((قواعد الأحكام الكبرى)) (ص: 170).
وصدق فيما قال، فإن منهم من يقسم الصفات إلى قسمين: نفسية ومعنوية، ومنهم من يجعلها ثلاثة أقسام: ذاتية ومعنوية وفعلية، ومنهم من يجعلها أربعاً: نفسية وسلبية وصفات معان وصفات معنوية انظر في ذلك: ((الإرشاد)) للجويني (ص: 51) و((لوامع البينات)) للرازي (ص: 47) و((إتحاف المريد بجوهرة التوحيد)) (ص: 69 و 114).
فهم مختلفون في طريقة تنزيه ربهم.
ومنهم المفوض الذي يلزم المؤول بالتحريف في صفات الله.
ومنهم المؤول الذي يصف المفوض بأنه يلزمه أن النبي كان جاهلا بمعاني صفات الله.
وكل من هاتين الطائفتين تمتاز بصفة ذكرها الله في أهل الكتاب: فالمؤولة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ [المائدة: 13]
والمفوضة لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ [البقرة: 78] أي إلا تلاوة للمعنى، لا يفهمونه ولا يتدبرونه. مع أن ثمرة التلاوة يجب أن تكون التفكر وتدبر المعاني. وأنهم وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ [المائدة: 13]
الأشاعرة المؤولة يردون على الأشاعرة المفوضة
فالأشاعرة فرقتان: أشاعرة مؤولة وأشاعرة مفوضة.
والماتريدية فرقتان: ماتريدية مؤولة وماتريدية مفوضة.
فهم في الحقيقة أربع فرق لا فرقتان.
وكل فريق منهم ينكر على الآخر ويتهمه بتجاهل معاني كلام الله، بل ونسبة الجهل وما لا يليق إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد رد ابن فورك على المفوضة الذين يزعمون أن ألفاظ الصفات مما لا يفهم معناه قائلا: بأنه لو كان معنى الصفات غير مفهوم لكان خطاب الله خالياً من الفائدة، وعارياً عن معنى صحيح: وهذا مما لا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم ((مشكل الحديث)) وبيانه (ص: 496). وإذا كان لا يليق بالنبي فهو باطل!
ولكن العجيب أن الأشاعرة يجعلون هذا الباطل أحد طريقي أهل السنة في تنزيه الله "التأويل والتفويض" ويجيزون لأتباعهم أن يختاروا أياً من الطريقين شاؤا: إما التأويل وإما التفويض. حتى قال اللقاني في (جوهرة التوحيد) ((جوهرة التوحيد)) (ص: 91) وهو مقرر في الأزهر في تدريس مادة العقيدة. :


وكل وصفٍ أوهم التشبيها





 أوله أو فوض ورم تنزيها


- وألزم الرازي المفوضة بأحد أمرين:
= إما أن يقطعوا بتنزيه الله عن المكان والجهة، فقد قطع بأنه ليس مراد الله من الاستواء الجلوس. وهذا هو التأويل.
= وإما أن لا يقطع بتنزيه الله عن المكان والجهة بل بقي شاكاً فيه، فهو جاهل بالله تعالى" ((التفسير الكبير للرازي))(22/6).
- وطعن أبو حيان النحوي في التفويض ورجح التأويل عليه.
ونقل قول ابن عباس عن آيات الصفات بأن "هذا من المكتوم الذي لا يفسر" وكذلك نقل قول الشعبي وسعيد بن المسيب والثوري "نؤمن بها ونقر كما نصت، ولا نعين تفسيرها ولا يسبق النظر فيها. ثم وصف هذين القولين بأنهما قول من لم يمعن النظر في لسان العرب". ونسب إلى جماهير المسلمين أن الصفات تفسر على قوانين اللغة ومجازات الاستعارة. فما صح في العقل نسبته إليه (أي إلى الله) نسبناه، وما استحال أولناه بما يليق به تعالى" انظر ((تفسير البحر المحيط)) (1/121 و 2/124 3/524). وهذا القول هو الأصل الذي يقول به المعتزلة.
ولما قال والد الجويني إن الحروف المقطعة من قبيل الصفات ورجح التفويض زاعماً أنه طريق السلف ((إتحاف السادة المتقين)) (2/110). :
رد عليه القشيري في التذكرة الشرقية قائلا:
"وكيف يسوغ لقائل أن يقول في كتاب الله ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يعلم تأويله إلا الله؟ أليس هذا من أعظم القدح في النبوات وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما عرف تأويل ما ورد في صفات الله تعالى ودعا الخلق إلى علم ما لا يعلم؟ أليس الله يقول بلسان عربي مبين؟ فإذن : على زعمهم يجب أن يقولوا كذب حيث قال بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: 195] إذ لم يكن معلوما عندهم، وإلا: فأين هذا البيان؟
وإذا كان بلغة العرب فكيف يدعي أنه مما لا تعلمه العرب؟
ونسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه دعا إلى رب موصوف بصفات لا تعقل: أمر عظيم لا يتخيله مسلم، فإن الجهل بالصفات يؤدي إلى الجهل بالموصوف، وقول من يقول: استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها، واليد صفة ذاتية لا يعقل معناها، والقدم صفة ذاتية لا يعقل معناها، تمويه ضمنه تكييف وتشبيه ودعاء إلى الجهل... وإن قال الخصم بأن هذه الظواهر لا معنى لها أصلا فهو حكم بأنها ملغاة، وما كان في إبلاغها إلينا فائدة، وهي هدر. وهذا محال... وهذا مخالف لمذهب السلف القائلين بإمرارها على ظواهرها" ((إتحاف السادة المتقين)) (2/110-111) ((صريح البيان)) (ص: 35) ط/ مجلدة. وهذا ما رجحه النووي حيث قال "يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل إلى معرفته" ((شرح مسلم للنووي)) (16/218). موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص 19

انظر أيضا: