موسوعة الفرق

المطلب السادس: الأسباب والمسببات عند الأشاعرة وعلاقتها بأفعال الله


الأشاعرة يثبتون وجود تلازم عادي بين الأسباب والمسببات، بمعنى أن المسببات تحدث عند الأسباب لا بها، فمثلاً إذا لاقت النار شيئاً قابلاً للاحتراق فاحترق، فيقولون إن الاحتراق لم يكن بسبب النار، فهي لم تؤثر شيئاً، وإنما المؤثر هو الله وحده!، وقالوا هذا القول لأمرين:
الأول: إثبات تأثير الأسباب في مسبباتها يفضي إلى القول بوجود شريك مع الله يؤثر في الأفعال، والله عز وجل هو المؤثر وحده انظر ((تحفة المريد)) (ص: 98-99) و((السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي!!.)) للبوطي (ص: 175). !
الثاني: إن إثبات التلازم بين الأسباب والمسببات يفضي إلى إنكار النبوات الثابتة بمعجزات الرسل، وهي خوارق مخالفة للعادة، فلو وجد التلازم بين الأسباب والمسببات لما صح تخلف هذا التلازم، وهذا يؤدي إلى إنكار النبوات انظر ((تحفة المريد)) (ص: 98-99).
فالجواب: إن القرآن مملوء بذكر الأسباب وربطها بمسبباتها، وقد تقدمت الأدلة على ذلك في الفصل الخاص بأهل السنة والجماعة.
وأما الجواب عن الأمر الأول الذي ذكروه فإنه لا يلزم ذلك، لأن أهل السنة عندما قالوا ذلك، شرطوا وجود المعاون المشارك، وانتفاء الموانع، وربط ذلك بمشيئة الله، مع القول بأن الأسباب والمسببات مخلوقة لله تعالى فلا يتوجه إليهم هذا المحذور. وأما جواب الأمر الثاني، فإن أهل السنة ذكروا بأن الأسباب خلق لله تعالى تتعلق بها مشيئته وقدرته، فلو شاء ألا تؤثر ما أثرت، ولذلك فإن قول الأشاعرة: لو وجد التلازم بين الأسباب والمسببات لما صح تخلف هذا التلازم، قول ليس بلازم ولا صحيح، وقد مضى ذكر الأدلة الدالة على وجود هذا التختلف إذا شاء الله، وإنه ليشاؤها عند إثبات النبوات وغير ذلك، فلا ينسد طريق إثبات النبوات.
ولو قلب شخص عليهم استدلالهم لكان أقرب من إيرادهم وهو: لو كان التلازم عادياً فما وجه إفادة آيات الأنبياء للتعجيز.؟! منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – 1/344
قالوا كلهم: من قال إن النار تحرق أو تلفح وإن الأرض تهتز أو تنبت شيئا وإن الخمر يسكر أو أن الخبز يشبع، أو أن الماء يروي، أو أن الله تعالى ينبت الزرع والشجر بالماء فقد ألحد وافترى.
وقال الباقلاني من آخر السفر الرابع من كتابه المعروف بـ (الانتصار في القرآن): نحن ننكر فعل النار للتسخين والاحتراق وننكر فعل الثلج للتبريد وفعل الطعام والشراب للشبع والري والخمر للإسكار: كل هذا عندنا باطل محال ننكره أشد الإنكار، وكذلك فعل الحجر لجذب الشيء أو رده أو حبسه أو إطلاقه من حديد أو غيره.
قال أبو محمد: وهذا تكذيب منهم لله عز وجل إذ يقول تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ [المؤمنون: 104] ولقوله تعالى وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق: 9] وقوله تعالى أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ [السجدة: 27] . وقوله تعالى فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: 5]
وقد صككت بهذا وجه بعض مقدميهم في المناظرة فدهش وبلد، وهو أيضا تكذيب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كل مسكر حرام)) رواه البخاري (7172) ومسلم (1733). (( وكل شراب أسكر حرام)) رواه البخاري (242) ومسلم (2001). مع مخالفتهم لكل لغة ولكل ذي حس من مسلم وكافر، ومكابرة العيان وإبطال المشاهدة.
ثم أظرف شيئ احتجاجهم في هذه الطامة بأن الله عز وجل هو الذي خلق ذلك كله.
فقلنا لهم: أوليس فعل كل حي مختار واختياره خلقا لله عز وجل؟ فلابد من قولهم نعم.
فيقال لهم فمن أين نسبتم الفعل إلى الأحياء وهي خلق الله تعالى ومنعتم من نسبة الفعل إلى الجمادات لأنه خلق الله تعالى ولا فرق، ولكنهم قوم لا يعقلون (الفصل 4/218).
قال أبو محمد: وسمعت بعض مقدميهم يقول: إن من كان على معاصي خمسة من زني وسرقة وترك صلاة وتضييع زكاة وغير ذلك ثم تاب عن بعضها دون بعض فإن توبته تلك لا تقبل.
وقد نص السمناني على أن هذا قول الباقلاني هو قول أبي هاشم الجبائي، ثم قال السمناني هذا قول خارق للإجماع جملة وخلاف لدين الأمة.
هذا نص قول السمناني في شيخه وشهدوا على أنفسهم وأقبل بعضهم على بعض يتلازمون "الفصل 4/218".
قال أبو محمد: هذا القول مخالف للقرآن والسنن لأن الله تعالى يقول فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7-8] وقال تعالى وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء: 47] وقال تعالى: أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى [آل عمران: 195] وبالضرورة يدري كل ذي مسكة من عقل أن التوبة من الزنا خير كثير فهذا الجاهل يقول إنه لا يراه صاحبه وأنه عمل ضائع عند الله عز وجل من مسلم مؤمن. ومعاذ الله من هذا.
وسر هذا القول المعلون وحقيقته التي لابد لقائله منه أنه لا معنى لمن أصر على الزنا أو شرب الخمر في أن يصلي ولا أن يزكي فقد صار يؤمر بترك الصلاة الخمس والزكاة وصوم رمضان والحج.
فعلى هذا القول وقائله لعائن الله تتري مادار الليل والنهار ونص السمناني عن الباقلاني شيخه أنه كان يقول أن الله تعالى لا يغفر الصغائر باجتناب الكبائر.موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص 73

انظر أيضا: