trial

موسوعة الفرق

المبحث الثاني: عقائد الأكبرية


تقدم في المبحث السابق أن الملك أكبر ورد كل مورد، وشرب من كل منهل، وطاف على كل دين ومذهب، واقتبس منه ما أراد، وأعلن عن مذهبه الجديد، الذي سمي بالمذهب الأكبري أو الدين الإلهي، وذلك بعد صدور مرسوم العصمة بثلاث سنوات، أي: سنة 990هـ...
والعقائد الأساسية التي عليها مدار هذا المذهب تتلخص في أمور ثلاثة:
الأول: عقيدة وحدة الوجود:
إن العقيدة الأساسية والركيزة الأولى التي يعتمد عليها المذهب الأكبري هي: عقيدة وحدة الوجود. وتعني هذه العقيدة أن الوجود مشتمل على حقيقة واحدة، وأنه لا اثنينية أو أكثر في الوجود، أي: أن الله هو العالم، والعالم هو الله انظر: ((المعجم الفلسفي)) لجميل صليبا (2/569). .
ومنشأ هذه العقيدة فلسفي، ترجع جذورها إلى فلسفة الإغريق، وأديان الهند الأولى؛ ثم انتقل هذا المفهوم إلى غلاة الصوفية، ليتخذ شكله الجديد عند ابن عربي وأمثاله، ومن ثم تناقلته الطرق الصوفية، وحمله مشائخها إلى الهند حيث كان مشهوراً لدى الصوفية الهنود في القرن العاشر الهجري، ومن ثم تبنته الأكبرية، وارتكزت عليه.
ومن أشهر هؤلاء المشائخ كان الشيخ عبد الرزاق الجهنجانوري، وكان يقول: إن الحق -سبحانه وتعالى- واجب الوجود، فإذا وجب وجوده، وجب عدم ما سواه، وما ظن أنه سواه، ليس سواه؛ لأنه -تعالى- منزه عن أن يكون غيره سواه، بل غيره هو، فلا غير، وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر))، فأشار إلى أن وجود الدهر، وجود الله –تعالى- لا أنه وراء العالم، تعالى وتقدس عن ذلك).
ويقول أيضاً: إن الله -تعالى- قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ [النساء: 136]، يعني المؤمنين المستقيمين بأنفسهم آمنوا بالله، بأن وجودكم وجود الله –تعالى-، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((من عرف نفسه فقد عرف ربه)) لأنه هو الأول والآخر، والظاهر، والباطن، وإذا ثبت ذلك ثبت أنك لست أنت، بل أنت هو.
كما كان يقول: (إن حجابه وحدانيته وفردانيته لا غير، ولهذا أجاز للواصل أن يقول: (أنا الحق)، وأن يقول: (سبحاني ما أعظم شأني) إلى غير ذلك.
ومن أشهر مشائخ صوفية هذا العصر أيضاً الشيخ أمان الله باني بتي الذي ألف عديداً من الكتب والرسائل في نشر عقيدة وحدة الوجود، وكان من أعلم مشائخ الصوفية بهذه العقيدة، وكانت له مكانة كبيرة في الأوساط الصوفية إلى حد أنهم كانوا يلقبونه بابن عربي الثاني انظر: ((دين إلهي أوراس كابس منظر)) (ص: 66-67). .
وكان تلميذه الشيخ تاج الدين المشهور بتاج العارفين حمل لواء هذه العقيدة بعد رحيل أستاذه، وكان من المقربين عند الملك أكبر، ويقابله في خلوات الليل، ويسأله عن مسائل التصوف، فكان ينتهز هذه الفرصة، ويشرح له مسائل التصوف، وكان يعتقد بإيمان فرعون، وأن الكفار لا يخلدون في النار، كما كان يفسر القرآن الكريم للملك على أساس عقيدة وحدة الوجود.
الثانية: وحدة الأديان:
إن فكرة وحدة الأديان مبنية على فكرة وحدة الوجود ومرتبطة بها ارتباطاً محكماً، وذلك أنه لما كان الوجود واحداً، وهو وجود الحق -جل وعلا- وكانت مظاهر العالم تجليات الحق وصوره، كان -وبلا شك- في كل مظهر من مظاهر العالم نسبة من الألوهية بحيث يصدق عليه (إله) بالتنكير، لأنه عبارة عن صورة اللامتناهية انظر: رد الفصوص المسمى بـ((مرتبة الوجود ومنزلة الشهود)) للملا علي القاري، ورسالة علمية مقدمة من الطالب: عبد الله علي الملا (1/506)، رقمها في المركز (1124). .
وكان الملك يرى أن القارة الهندية تجمع أدياناً مختلفة وتضم أجناساً شتى، فأراد أن يجعل الدين واحداً على أساس عقيدة وحدة الوجود تحت شعار (صلح كل) أي: المصالحة مع الجميع، وكان يرى أن الإنسان يجب عليه اتباع الحق، أي: الحق المجرد، بغض النظر عن الدين والمذهب؛ لأن الحق ليس حكراً على دين أو مذهب بعينه، بل هو دائر بين جميع الأديان والمذاهب -على حد زعمه- والذي يميز الحق عن الباطل هو العقل -كما سيأتي-، وعلى ضوء ما دل عليه عقله وعقول أصحابه اختار مجموعة من العقائد والأعمال، والتي يرى فيها أنها توحد صفوف جميع أهل الأديان، ويرفع من بينهم الشحناء والبغضاء انظر: ((دائر المعارف الإسلامية)) وضعها أئمة المستشرقين في العالم، ترجمها: جماعة من العلماء (4/148، 149)، كتاب الشعب، شارع قصر العيسى بالقاهرة. -على حد زعمه- وأبرز هذه العقائد والأعمال كالآتي:
1- كلمة هذا المذهب:
رأى الملك أن جميع أهل الأديان يعتقدون بالإله الخالق، ويتفقون في ذلك، ولكنهم يختلفون في الإيمان بالرسالة، ولا يكادون يتفقون فيه على شيء، فرأى أنه من المصلحة لتوحيد أهل الأديان حذف الشق الثاني من كلمة التوحيد، ووضع نفسه في هذا الوضع بصفته رمزاً لهذه الوحدة، ومؤسساً لهذا المذهب الجديد، فأعلن أن كلمة الدخول في هذا المذهب تكون هكذا: (لا إله إلا الله "أكبر" خليفة الله)، ولما جوبه هذا الإجراء من الملك بالإنكار الشديد من الجماهير العريضة المسلمة؛ لما مس ذلك في صلب إيمانهم وعقيدتهم، سمح بالتفوه بها في دائرة أتباعه، وأعوانه وفي محيط القصر الملكي، والمناسبات الرسمية انظر: ((مذاهب الإسلام)) (ص: 583). .
2- سجدة التحية:
كان المريدون والمعتقدون يسجدون للملك سجدة التحية والتعظيم حتى العلماء والمشائخ والأمراء والأعيان، كلهم يخرون للملك سجداً، كلما دخلوا عليه الباب انظر: ((تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند)) (ص: 75 -77). .
3- عبادة الشمس والنار:
كان الملك أكبر وأتباعه يعبدون الشمس أربع مرات في اليوم، وكان يرى أن للشمس علاقة خاصة بملوك الأرض، فيجب عليهم تقديسها، كما يتوجه إلى الشمس عند طلوعها، ويرتل الف اسم لها باللغة السنسكريتية، ولما رأى ملا شيري عناء الملك في ترديد هذه الأسماء نظمها في قصيدة ليسهل عليه، ففرح الملك وشكر له ذلك، وقد بلغ تعظيم الشمس شأواً بعيداً عند الملك حتى يقال عند ورود ذكرها (جلت قدرتها) و(عزت شأنها)، وكان يكرم يوم الأحد من أيام الأسبوع؛ لأنه ينسب إلى الشمس، ويأمر بعدم ذبح أي حيوان في هذا اليوم، وكان يعتقد أنها المتصرفة في العالم، واهبة النعم، المظلة على الملك بظلال ربوبيتها وما إلى ذلك من الخرافات.
وهكذا كان يقدس النار أيضاً؛ لأنه يرى أن النار مستمدة من الشمس، وهي مصدر النار –وتقدم- أنه أمر بأن تكون النار موقدة في القصر الملكي، وأحضر النار المقدسة؟ من إيران، واستقدم فريقاً من موقدي النيران من كرمان إلى فتح بور سيكري. ولما سمع الملك من هذا الفريق أنه يوجد في كرمان أحد عباد النار يدعى بـ أرد شير، وله مكانة كبيرة ومنزلة خاصة عند أهل هذه الديانة، وجه إليه دعوة خاصة للقدوم إلى الهند.
وانطلاقاً من تقديس النار كان من عادته أن يقيم تكريماً للشموع والقناديل حين تضاء في المساء حيث جعل لإيقاد السرج والشموع في القصر مراسم خاصة انظر: ((دين إلهي اور اس كا بس منظر)) (ص: 224-225). .
4- إسقاط فرائض الإسلام:
إنه أسقط فرائض الإسلام كلها، وفرض الحظر على أداء الصلوات في القصر، وأقدم على خطوة أخرى بأن أمر بهدم بعض المساجد وتحويلها إلى معابد هندوسية، وحظر على الناس أن يصوموا في شهر رمضان.
وفي عام 989هـ أصدر مرسوماً ملكياً بإلغاء الزكاة، واعتبر ذلك شفقة الملك وعطفه على الخلق، كما منع الناس عن أداء فريضة الحج، وبلغ الأمر به في ذلك عام 1004هـ أن كان يعاقب من اجترأ على ذكره بأشد أنواع العقوبة.
5- استبدال تحية السلام:
ومما أقدم عليه أهل هذا المذهب أنهم استبدلوا بالسلام –سنة الإسلام وتحية أهل الجنة – كلمة الله أكبر، -وذلك في إشارة واضحة إلى تأليه أكبر نفسه-، وكانوا يردون هذه التحية الأكبرية بكلمة جل جلاله لكون جلال الدين لقباً للملك.
6- تقديس الخنازير والأبقار:
تمكن كبار رجال الدين الهندوس من إفهام الملك أن الخنزير مظهر للإله –والعياذ بالله- لأن الإله تناسخ مرة في صورة الخنزير، ولهذا يعد النظر إلى الخنزير عبادة وسبب السعادة، ففتح الملك بيتاً للخنازير تحت قصره لينظر إليها كل صباح لما يقوم من النوم.
وهكذا كان من عادته النظر إلى البقرة في مناسبات دينية وفي كل يوم الأربعاء، لحصول البركة والسعادة، حتى بلغ من تقديس البقرة أن بدأ بتقديس أرواثها –كما يفعل الهندوس- كما أصدر فرماناً مرسوماً يمنع فيه ذبح البقرة انظر: ((دين إلهي اور اس كا بس منظر)) (ص: 221). .
7- اعتناق التقاليد الهندوسية:
كان الملك أكبر يشارك في أعياد الهنادك ومواسمهم، بل كان يضرب بسهم وافر في العبادات والشعائر الخاصة بهم، فكان يضع القشقة والزنار.
ولما توفيت أمه حميدة بانو أقام عليها المأتم على الطريقة الهندوسية.
ولما زوج ابنه سليم بن أكبر –الذي تولى الحكم بعد وفاته- بنت راجا هكوان داس – أحد كبار زعماء الهندوس – أقام تقاليد الزواج أيضاً على الطريقة الهندوسية، كما كان الملك يشرب دائماً من ماء نهر كنكا) انظر: ((دين إلهي اور اس كا بس منظر)) (ص: 229). - ((تاريخ الدعوة الإسلامية)) (ص: 72). .
8- بدع ومنكرات أخرى:
- أباح للمسلمين الجدد أن يرتدوا عن دين الإسلام، ويرجعوا إلى أديانهم الأولى، بحجة أنهم أسلموا مكرهين.
- أحل الخمر وأباح بيعها على مرأى من الناس ومسمع، كما أحل لبس الحرير.
- منع المسلمين من تزوج بنات العم والعمة، والخال والخالة، وكذلك منع أولادهم من الختان.
- أباح للبغايا والعواهر أن يتعاطين أشغالهن تحت رقابة الحكومة.
- أباح للناس المقامرة، وعقد مجلساً خاصاً للمقامرين في القصر الملكي، وبلغ من غوايته في هذا الباب أنه كان يقرض المقامرين من الخزانة الملكية بالربا.
- أسقط الاغتسال من الجنابة، وكان الملك يرى هو وأصحابه أن الاستحمام قبل الجماع أنسب وأوفق للطبائع البشرية.
- شجع السفور والخلاعة، وأمر الفتيات أن يكشفن عن وجوههن إذا خرجن لحاجة عرضت لهن.
- أفتى بجواز نكاح المتعة كما تقول به (الشيعة).
- أصدر أمراً ملكياً بمنع اللغة العربية، وكذلك بالغ في تطهير الفارسية من الكلمات العربية الخالصة.
- عطل أعياد المسلمين، وانقطع الاحتفال بها في عصره.
- أبيح للناس أن يأكلوا لحوم النمر، والخنازير.
- أمر الملك رجال حاشيته بحلق اللحية، وكانوا يستهزؤون بها.
- أسقط الجزية عن المشركين كما ألغى ضرائب كان أوجبها من قبله من الملوك على مواسم الهنادك، ومواطن اجتماعهم، وكذلك أذن لهم في بناء معابد جديدة إذا شاؤوا، وقد كان ذلك محظوراً في زمن من تقدمه، فبنيت معابد جديدة للهنادك، وشيدت كنائس للنصارى، وبيع للمجوس، ودور عبادة لفرق أخرى وغيرها من سكان البلاد.
- أصدر مرسوماً عاماً بمنع ذبح البقرة لتعظيم الوثنيين إياها، وعبادتهم لها، وكذلك منع ذبح غيرها من الماشية في أيام مخصوصة، ثم تقدم خطوة أخرى وحظر على الناس أكل لحوم الثيران، والشياه والخيول والجمال.
- ألغى التقويم الإسلامي الهجري، واتخذ تقويماً جديداً، وجعل بدءه اعتلاءه لسرير الملك، وسماه التاريخ الألفي انظر التفصيلات في:: ((تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند)) (ص: 70-89). - ((مذاهب الإسلام)) (ص: 582-589). - ((علماء هند كا شاندار ماضي)) (1/15-33). - ((دين إلهي اور اس كا بس منظر)) (ص: 203-229). .
الثالثة: تقديم العقل على النقل:
عاش أكبر طفولة قلقة، وقضى حياة غير مستقرة، منعته عن مواصلة تعليمه كما ينبغي، فكان حظه من التعليم قليلاً، وذلك لأنه حين ولد كان أبوه مطارداً من قبل (شير شاه السوري الأفغاني)، فاضطر أن يترك ولده أكبر في قندهار ويتوجه إلى إيران. وبعد رجوعه من إيران واستعادة مملكة الهند كان مشغولاً بتدبير أمور المملكة، وتوطيد أركانها مما صرفه عن العناية بأي شيء آخر، وكان ابنه أكبر يساعده في مطاردة فلول الحكام السوريين، وقد توفي همايون عام 964هـ إثر سقوطه من مدرجة مكتبته انظر: ((حاضر العالم الإسلامي)) (4/308). .
وتولى أكبر السلطة وعمره لا يتجاوز الثالثة عشرة من عمره دون أن يتاح له قدر يذكر من التعليم، فنشأ شبه أمي، ولكنه كان شغوفاً بالإطلاع على العلوم والمعارف، ومحباً للحكماء والعقلاء انظر: ((تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند)) (ص: 60). ، فكان يسحر عقله، ويملك لبه كل عالم ذكي، فطن ألمعي، لا سيما إذا كان وافداً من إيران التي كان يعدها أبناء الهند بمنزلة اليونان في عصورها المزدهرة، وقصد بلاط الملك في تلك الفترة التي أصيب فيها أكبر في دينه وعقيدته عدد كبير من حكماء وفلاسفة إيران، وفي مقدمتهم الحكيم أبو الفتح الكيلاني والحكيم همام وملايزدي والحكيم نور الدين وفتح الله الشيرازي وشريف الآملي وغيرهم.
وعدا هؤلاء النوابغ القاصدين من إيران اندس في البلاط في هذه الفترة المضطربة رجل هندوكي يدعى برهم داسن كان حاضر البديهة، بارزاً في المناظرة، فكهاً، ظريفاً، فتقرب إلى الملك، وتحكم في ذوقه وعقله، وتصدر في البلاط، وما لبث أن لقبه بـ راجه بيربر، وكان نديم الملك الخاص انظر: ((الإمام السرهندي)) (ص: 83). .
ومما زاد الطين بلة وصول (الملا مبارك الناكوري) وحصول ابنيه فيضي وأبي الفضل من الحظوة والتقدير عند السلطان ما لم يحصل لأحد من قبل.
فهؤلاء الرجال الذين كانوا نوابغ الزمان، وذوي الباع الطويل في العلم والثقافة، والمتبحرين في العلوم الحكمية والفلسفية، أثروا في تكوين عقلية الملك أكبر، حيث جعلوه متنوراً، ومتحرراً من كل قيد، وكان هذا الاتجاه العقلي هو الركيزة الثالثة في المذهب الأكبري انظر: ((اردو دائره معارف إسلامية)) (9/567، مادة أكبر). .


انظر أيضا: