موسوعة الفرق

المطلب الخامس: أحكام متعلقة بأفعال الله المتعدية عند الأشاعرة


هل أفعال الله كلها خير عند الأشاعرة؟:
هذه المسألة ترجع عند التحقيق إلى مسألة القبيح والحسن. ولذلك قال الباجوري في شرحه لنظم الجوهرة: "قوله "الشر والخير": اعلم أنهم يعبرون عن الأول بالقبيح وعن الثاني بالحسن" ((تحفة المريد)) ((ص: 111). ا هـ. والمراد من البحث هنا هو: هل يفعل الله الخير والشر؟ فالأشاعرة لا يثبتون فعلاً قائماً بذات الله، ولذلك يفسرون الفعل بالمفعول، أو أنه متعلق الإرادة عند تخصيصه بالوجود، فعلى أن الفعل هو المفعول قالوا: "إن الله يجوز عليه خلق الخير والشر" ((تحفة المريد)) (ص: 111). ، وعلى أن الفعل متعلق الإرادة قالوا: إن الله يريد الخير ويريد الشر انظر ((تحفة المريد)) في سياق رده على المعتزلة، وقد يعبر بعضهم عن ذلك بقوله "مريد لجميع الكائنات" انظر ((المواقف)) للإيجي (ص: 320).
والكلام معهم في مقامين:
المقام الأول:إن الحكم على أفعال الله بالخير والشر متوقف على إثبات الحسن والقبح العقليين وإثبات الحكمة في أفعاله، وهم ينفون الجميع باعتبار أن الأفعال متساوية في حكم مشيئته. ولذلك كان يلزمهم ألا يصفوا أفعاله بخير ولا شر، ولما تفطن إمام الحرمين لهذا الأمر الذي لا يتفق مع أصلهم قال: "ولولا أنه شاع في ألفاظ عصبة الحق أنه خالق الخير والشر لكان سر التوحيد يوجب أن يقال: ليس في أفعال الله تبارك وتعالى خير ولا شر بالإضافة إلى حكم الألوهية، فإن الأفعال متساوية في حكمه وإنما تختلف مراتبها بالإضافة إلى العباد" ا هـ ((العقيدة النظامية)) لإمام الحرمين (ص: 36-37).
المقام الثاني: فإنه يقال لهم أولاً: إنا قد أثبتنا الفرق بين الفعل والمفعول وأثبتنا أن أفعال الله كلها خير ولا شر فيها، إذ أفعال الله صفات قائمة به ولا يقوم به إلا ما هو أكمل وأحسن، وأما مفعولاته فتدخلها القسمة بمعنى أن فيها الخير، وفيها الشر الجزئي الإضافي غير المتمحض، فكان الواجب على الأشاعرة التفريق بين الفعل والمفعول ليأتوا بهذا التفصيل الحق فإذا لم يتم التفريق بين الفعل والمفعول فلن يمكنهم أن يأتوا بالتفصيل المذكور. ويقال لهم ثانياً: أما قولكم: "الله يريد الخير والشر" فقول لا يجوز إطلاقه نفياً ولا إثباتاً، لأن إرادة الله وردت في كتاب الله بمعنيين، إرادة بمعنى المشيئة وهي تستلزم وقوع المراد ولا تستلزم محبته، والثانية إرادة بمعنى المحبة والرضا، وهي لا تستلزم وقوع المراد وتستلزم محبته فمن الأول قول الله تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً [الإسراء: 16] وقوله: وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ [الأنعام: 125] ومن الثاني قوله: وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: 27] ، وعلى هذا فالقسمة العقلية للإرادتين ثلاثية؛ فإن الله قد يريد الشيء كوناً ويحبه كإيمان من قدر الله إيمانه – كأبي بكر رضي الله عنه مثلاً – فقد أراد الله منه الإيمان كوناً وشرعاً. وقد يريد الله الشيء كوناً ولا يحبه، ككفر من قدر الله كفره – كأبي جهل مثلاً – فقد أراد الله قدراً أن يكفر والله لا يريد منه الكفر شرعاً – أي لا يحبه -. وقد يريد الله عدم كون الشيء ولكنه يحبه، كإيمان من قدر الله كفره، فأبو جهل قدر الله عليه الكفر وأراد وقوعه منه ولم يرد منه الإيمان قدراً، والله يحب الإيمان، وزاد بعضهم قسماً رابعاً: وهو أنه قد يريد الله عدم كون الشيء ولا يحبه، ككفر من قدر الله إيمانه. فعلم من هذا التفصيل الفرق بين الإرادتين وما تستلزمه كل واحدة، وعليه فلو أطلق الكلام فقيل: الله مريد للشر لأوهم أنه محب له راض به، ولو أطلق فقيل: الله غير مريد للشر لأوهم أنه لم يخلقه ولم يرده كوناً، فبطل الإطلاق ولزم التفصيل انظر ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 446).
هذا وقد نص الأشاعرة على أنه وإن جاز إسناد الكائنات إليه إجمالاً إلا أنه قد لا يجوز إسنادها إليه تفصيلاً، وذلك لأحد أمرين:
الأول/ لمراعاة الأدب، فإنه "يصح أن يقال: الله خالق كل شيء ولا يصح أن يقال: إنه خالق القاذورات وخالق القردة والخنازير" قاله الإيجي عن بعض الأشاعرة في ((المواقف)) (ص: 320). ، وليتهم سلكوا هذه الطريقة في التنزيه في صفات الله كذلك، إذ سلكوا في التنزيه طريقة التفصيل مع ذكرهم لعبارات مجملة فيما نزهوا الله عنه.
الثاني/ أو لإيهامه الكفر كأن "يقال: له الزوجات والأولاد" مع أنه يصح أن "يقال: له كل ما في السموات والأرض" ((المواقف)) للإيجي (ص: 320).
وهذه الأمور التي ذكرها لاعتبار مراعاة الأدب مع الله تعالى صحيحة، ولكن ينبغي أن يجوز ما معناه في الأول إذا اقتضى الأمر التنصيص، كأن يقول شخص منكر: لم يخلق الله القردة والخنازير – مثلاً – فيجاب: إنه خالقها والله أعلم. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – 1/325

انظر أيضا: