trial

موسوعة الفرق

المبحث الرابع: آثارها


إن (النقطوية) فرقة إلحادية كانت نشأتها الأولى في (إيران) ودخلت إلى شبه القارة الهندية خلال القرن العاشر الهجري. وكان من الطبيعي أن تنشأ هذه الحركة الإلحادية ومثيلاتها في (إيران)، فمن المعروف تاريخياً أن بلاد (إيران) كانت موئل الفرس، وموطن المجوسية؛ كما كانت من قبل موطناً لكثير من العقائد والنحل القديمة كالزرادشتية، والمانوية، والمزدكية وغيرها؛ لذا فإنه من الطبيعي أن تنشأ فيها حركات إلحادية ضالة مثل (النقطوية).
وبقيت (النقطوية) فرقة (إيران) ثم اتسع نشاطها فدخلت إلى شبه القارة الهندية خلال القرن العاشر الهجري على أيدي دعاتها الكبار، أمثال: (شريف الآملي) و(قوعي النيشابوري) و(مير تشبيهي الكاشي) وغيرها كما أوضحت من قبل.
ولقد حمل دعاة (النقطوية) معهم إلى الأرض الجديدة كل ما حوته (النقطوية) من مبادئ وأفكار منحرفة ضالة هدفها القضاء على العقيدة الإسلامية الصحيحة بين المسلمين في شبه القارة الهندية.
وأبرز آثارها الخبيثة يمكن إجمالها فيما يلي:
1- زعزعة العقيدة الإسلامية:
 إن نشأة أية فرقة منحرفة في أوساط المسلمين تضر بهم، وتغزوهم في أعز ما يملكونه، وهو العقيدة الصحيحة، ونشأة فرقة إلحادية كهذه لا يخفى أثرها في المسلمين، وخاصة أنها قدمت من (إيران) وهي في نظر أهل (الهند) آنذاك تمثل (يونان الشرق) في منطقها وفلسفتها، والدعاة النقطويون الذين هاجروا إلى (الهند) كانوا بارزين في قواعد المنطق، وعلوم الفلسفة، مما سهل عليهم التأثير في نفوس المسلمين.
2- أثرها في تنظير المذهب الأكبري وتحضيره:
أن دعاة (النقطوية) مهدوا الطريق أمام (الملك أكبر) لإعلان مذهبه الجديد، وذلك بالتشكيك في صلاحية الإسلام بعد ألف سنة من ظهوره، وإثارة كره الناس تجاه رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم وكتاب الله تعالى، برفع شعارات تنادي بأفول مجد العرب، وبزوغ فجر جديد يسود فيه مجد العجم؛ وفي نفس الوقت زودوا الملك بالأفكار الرئيسة التي تقوم عليها (الحركة النقطوية) وهي بمثابة الخطوط العريضة التي قام عليها (المذهب الأكبري). وقام بهذا الدور – بالذات – من الدعاة النقطويين: (مير شريف الآملي)، (وقوعي نيشابوري)، (مير تشبيهي الكاشي) بالإضافة إلى الوزير والعضد الأيمن للملك (الشيخ أبو الفضل) – الذي كان قد ارتمي في أحضان (النقطوية) من قبل، وأصبح من دعاتها وحماتها.
ويتبين ذك جلياً بالمقارنة بين عقائد (النقطوية) والمرتكزات الأساسية التي اعتمدت عليها (الأكبرية) وهي كما يلي:
1- تؤمن (النقطوية) بعقيدة (التناسخ)، ولا تتصور الثواب والعقاب بدونها، وكان (الملك أكبر) قد سبق أن اعتنق عقيدة (التناسخ) باحتكاك وتأثير رجال الدين الهندوسي؛ ولما أكد عليها النقطويون وقدموا لها أدلة – على حد مزاعمهم – ترسخت هذه العقيدة في قلبه. ولما قدم على الملك حاكم (البنغال) قال له: (نحن عثرنا على دلائل قطعية على صحة التناسخ، وسيخبرك (الشيخ أبو الفضل) عنها انظر: دين إلهي اور ا س كا بس منظر (185). .
2- كانت (النقطوية) لا تؤمن بالبعث والنشور، وهكذا كان (الملك أكبر) لا يؤمن به، بل كان يستهزأ بالأمور الغيبية انظر: دين إلهي اور اس كا بس منظر (185). .
3- تزعم (النقطوية) أن القرآن الكريم تأليف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهكذا كان (الملك أكبر)، كما قال: (جهانكير) –وهو نجله وخليفته من بعده- قال: (لقد لقن "الشيخ أبو الفضل" والدي أن خاتم النبيين محمداً صلى الله عليه وسلم كان أفصح الناس، وأن القرآن الكريم من تأليفه، ولذلك أوعزت إلى (نرسنكه ديو) – أحد قادة الهندوس – عند عودة أبي الفضل من البلاد الجنوبية أن يقتله، وكان والدي بعد ذلك قد تاب من هذه العقيدة) انظر: ((مآثر الأمراء)) (3/44). .
4- كان الدعاة النقطويون أمثال: (مير شريف الآملي) وغيره يغالون في عقيدة (وحدة الوجود) وهكذا كان (الشيخ أبو الفضل) وغيره من دعاة (المذهب الأكبري) غالياً في هذه العقيدة، وهو الذي كان يهتف قائلاً: (كل ديانة في الدنيا تقول: أنت وحدك لا شريك لك، إن كان جامع كانت هناك جماعة تناجيك بالصلاة، أو كنيسة أجراس تقرع لشرفك، أزور أحياناً الجامع، وآونة الكنيسة، وفي كل معبد لا أنشد إلاك) انظر: ((مآثر الأمراء)) (3/44). .
5- تؤمن (النقطوية) بـ(الإنسان الكامل) و(المركب المبين) وتعتقد فيه الألوهية، وتعبده، وهكذا كان (الملك أكبر) يرى أن رؤية وجوه السلطان عبادة، وأنهم يسمون بـ(ظل الله) ورؤيتهم تذكر في الحقيقة بالخالق ويتبادر في الذهن عندها ظل القادر المطلق؛ كما أن مريديه يسجدون له سجدة التحية والتعظيم، ويرونها سجوداً لإله النور انظر: ((حاضر العالم الإسلامي)) لستودارد (4/306). .
6- كانت (النقطوية) تؤمن (بالعقيدة الألفية) بأن الدين الإسلامي ستنتهي صلاحتيه بانتهاء ألف سنة من ظهوره؛ وهكذا كان (الملك أكبر) يتبنى هذه العقيدة، وبناء عليها أقدم على إنشاء (المذهب الأكبري) أو (الدين الإلهي).
7- تذهب (النقطوية) إلى الإلحاد والإباحية؛ وأثر عن الشيخ أبي الفضل – أكبر منظر للمذهب الأكبري – أنه قال: (يميل قلبي إلى أن أسير في وادي الإلحاد مدة من الزمن)، فقال له صديق له: (لو نبذت عقد النكاح لكان أفضل).
وكان أخوه الكبير (الشيخ فيضي) معروفاً بآرائه الإلحادية، يقول عنه (العلامة صديق حسن خان القنوجي): (وكان فيضي على طريقة الحكماء، وكذا إخوانه (أبو الفضل) وغيره كانوا معروفين بانحلال العقائد، وسوء التدني، والإلحاد، والزندقة، نعوذ بالله منها) انظر: ((أبجد العلوم)) (3/225)، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان. .
8- عند التقاء النقطويين يرددون لفظ الجلالة (الله) (الله) بدلاً من إلقاء التحية المسنونة، ويردد أتباع (المذهب الأكبري) عند التقائهم كلمة (الله أكبر) ويردون بالقول: (جل جلاله) انظر: دين إلهي اور ا س كا بس منظر (186). .
9- يوجد عند النقطويين دعاء خاص، يقرؤنه عند شروق الشمس، وكان (الملك أكبر) أيضاً يعظم الشمس، ويردد دعاء عند طلوعها انظر: ((الإمام السرهندي)) (ص: 101). .
10- تؤمن النقطوية بالأمور العقلية، وترفض المأثورة، وكان (أكبر) يقول: إذا أردتم أن تسألوا عن شيء معقول، فأتوا عندي، وإذا أردتم أن تعرفوا أمور الشرع، فاذهبوا إلى الملائين، يقول ذلك سخرية، ويقصد بهم الفقهاء انظر: دين إلهي اور ا س كا بس منظر (186). .
12- ترى (النقطوية) أن أمور الشرع من وضع الرجال، وكذلك (الملك أكبر) يعتبرها مجموعة من السفاهات، وأن واضعيه أعراب فقراء من جزيرة العرب، كانوا مفسدين في الأرض، وقطاع طرق ((الإمام السرهندي)) (ص: 108). .
13- كان النقطويون يسخرون من الحج ومناسكه، وهكذا (الملك أكبر) قد أسقط فريضة الحج عن أتباعه، فإذا تجرأ أحد وطلب إذن السفر لأداء فريضة الحج كان مصيره الموت المحقق انظر: دين إلهي اور ا س كا بس منظر (186). .
14- ترى (النقطوية) أن شهر رمضان شهر الجوع والعطش، وكان (الملك أكبر) يأمر مريديه، وحاشيته أن يأكلوا ويشربوا في نهار رمضان، وإن لم يرغبوا في الأكل والشراب أن يضعوا أوراق (التنبول) في أفواههم انظر: دين إلهي اور ا س كا بس منظر (188). .
ويمكن القول أن للنقطوية أثراً كبيراً في تنظير (المذهب الأكبري) وأن أفكار (الفرقة النقطوية) هي الهيكل الفكري الحقيقي الذي بنيت عليه جزئيات (المذهب الأكبري).

انظر أيضا: