trial

موسوعة الفرق

المطلب الثاني: هل الإرادة تقتضي المحبة أم لا؟


هذه المسألة مرتبطة بشكل قوي بالمسألة السابقة – مسألة تعليل أفعال الله – لأن الذي حدا بالأشاعرة إلى أن ينكروا التعليل ما توهموه من وجود تعارض بين الأمر والقدر، وكيف يريد الله أمرا إرادة كونية كالكفر والمعاصي، ثم هو لا يحبها ولا يرضاها ولا يريدها دينا؟ فرأوا أن الخروج من هذا المأزق يكون بإنكار الحكمة والتعليل في أفعال الله وأوامره.
وموضوع الإرادة وهل هي مستلزمة للرضى والمحبة مما خاض فيه أهل الأهواء، وضلوا فيه عن الحق وأدى بهم ضلالهم إلى انحراف خطير جدا في مسألة القضاء والقدر وفي مسألة الأمر والنهي، وعلاقة هذه بتلك. وقد وصل الأمر بغلاة الصوفية إلى أن اعتقدوا "أنه ليس في مشهدهم لله محبوب مرضي مراد إلا ما يقع، فما وقع فالله يحبه ويرضاه، وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه، والواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فهم من غلب كانوا معه، لأن من غلب كان القدر معه، والمقدور عندهم هو محبوب الحق، فإذا غلب الكفار كانوا معهم، وإذا غلب المسلمون كانوا معهم" ((رسالة الاحتجاج بالقدر)) (ص: 80-81) – ط المكتب الإسلامي. ، وعلى هذا فإبليس وجميع الكفار والملاحدة والعصاة مطيعون لله، لموافقتهم للقدر، ولعل هذا سر ما يؤثر عن غلاة الصوفية من انحرافات أخلاقية سافلة، ومن أقوال كفرية لم تؤثر حتى عن الكافرين والملاحدة.
والخلاف في هل الإرادة تستلزم الرضى والمحبة وقع على قولين:
القول الأول: أن الإرادة تستلزم الرضى، وهذا قول المعتزلة والجهمية وأغلب الأشاعرة انظر: ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (جـ6 – قسم 2 – ص: 51-56)، و((الحرة – المطبوعة باسم الإنصاف –)) للباقلاني (ص: 44-45)، و((لباب العقول)) للمكلاتي (ص: 288). .
وبعض الأشاعرة لهم عبارات تخفف من هذه المقالة، مثل قول بعضهم بحمل المحبة والرضا على الإرادة، ولكنه يقول: "إذا تعلقت الإرادة بنعيم ينال عبدا فإنها تسمى محبة ورضى، وإذا تعلقت بنقمة تنال عبدا فإنها تسمى سخطا" ((الإرشاد للجويني)) (ص: 239) و((شرح المواقف)) (ص: 288) – جزء مستقل محقق. ، فمن جوز إطلاق المحبة على الإرادة قالوا: إن الله يحب الكفر ويرضاه كفرا معاقبا عليه انظر: ((لباب العقول)) (ص: 288). .
ولكن هؤلاء الذين اتفقوا على أن الإرادة بمعنى المحبة والرضى – اختلفوا فيما بينهم على قولين جعلت أقوالهم تتباين كثيرا في مسألة القدر:
أ- فالمعتزلة القدرية قالوا: قد علم بالدليل أن الله يحب الإيمان والعمل الصالح، ولا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ويكره الكفر والفسوق والعصيان، ولما كان هذا ثابتا لزم أن تكون المعاصي ليست مقدرة له ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه، قالوا: ولما كنا مأمورين بالرضى بالقضاء، ومأمورين بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها، فإذن يجب أن لا تكون واقعة بقضاء الله وقدره فأنكروا لذلك مرتبة المشيئة والخلق انظر: ((الاحتجاج بالقدر)) (ص: 66-67) – ط المكتب الإسلامي. .
ب- وأما الأشاعرة – ومن معهم – فقالوا قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولما ثبت عندهم أن المشيئة والإرادة والمحبة والرضى كلها بمعنى واحد – قالوا: فالمعاصي والكفر كلها محبوبة لله لأن الله شاءها وخلقها انظر: ((الاحتجاج بالقدر)) (ص: 67)، و((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/228، 251، 2/189). .
وهكذا انتهى الأمر بهاتين الطائفتين إلى قولين باطلين: إما إخراج بعض المقدورات أن تكون مقدرة ومرادة لله كما فعل المعتزلة، وإما بالقول بأن الله يحب الكفر والمعاصي كما فعلت الأشعرية الذين خالفوا نصوص الكتاب والسنة انظر: ((الرسالة الأكمالية – مجموع الفتاوى –)) (6/115-116)، و((منهاج السنة)) (1/358-359) – ط مكتبة الرياض الحديثة. .
القول الثاني: أن الإرادة لا تستلزم الرضى والمحبة، بل بينهما فرق، وهذا قول عامة أهل السنة المثبتين للقدر، وهؤلاء يقولون إن قول المعتزلة والأشاعرة مخالف للكتاب والسنة والإجماع، فإنهم متفقون على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وعلى أن الله لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأن الكفار يبيتون ما لا يرضى من القول. كما هو صريح النصوص.
ولكن هل بين النصوص تعارض كما توهمه أولئك؟ أهل السنة يرون أن النصوص الواردة في المشيئة والإرادة، وفي المحبة والرضى ليس بينهما تعارض مطلقا إذا أعطيت حقها من الفهم والتفسير الصحيح.
وذلك أن أهل السنة يقولون إن الخطأ الذي وقع فيه المخالفون لهم من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، هو ظنهم أن الإرادة في النصوص كلها بمعنى واحد.
والحق أن الإرادة نوعان:
أحدهما: نوع بمعنى المشيئة العامة، وهذه هي الإرادة الكونية القدرية، فهذه الإرادة كالمشيئة شاملة لكل ما يقع في هذا الكون، وأدلة هذا النوع كثيرة، منها قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام: 125] .
فهذه الإرادة لا تستلزم المحبة، وليست بمعناها.
والثاني: نوع بمعنى المحبة والرضى، كقوله تعالى: يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] وهذه هي الإرادة الدينية الشرعية.
وهذه الإرادة هي المستلزمة للمحبة والرضى، وهي المستلزمة للأمر انظر: في ذلك ((مراتب الإرادة – مجموع الفتاوى –)) (8/188-190، 197)، و((مجموع الفتاوى)) (8/22-23، 230، 440، 474-476)، و((الرسالة الأكملية – مجموع الفتاوى –)) (6/115-116)، ((وجواب أهل العلم والإيمان – مجموع الفتاوى –)) (17/101)، و((منهاج السنة)) (1/360)، مكتبة الرياض الحديثة – (3/90، 102) ط بولاق و((مجموع الفتاوى)) (18/132، وما بعدها)، و((التسعينية)) (ص: 270). . وعلى هذا فبالنسبة لوقوع المراد، وفي أي النوعين يتعلق – تكون الأقسام أربعة:
أحدها: ما تعلقت به الإرادتان الكونية والدينية، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فهذه مرادة دينا لأنها أعمال صالحة مأمور بها، ومرادة كونا لأنها وقعت.
الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الطاعات والأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار ولم يأتوا به، فهذا مراد شرعا لأنه من الأعمال الصالحة، وغير مراد كونا لأنه لم يقع من الكفار والعصاة.
الثالث: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، كالمباحات والمعاني التي لم يأمر بها الله إذا فعلها العصاة. فهي غير مرادة دينا، ولكنها مرادة كونا لأنها وقعت.
الرابع: ما لم تتعلق به الإرادتان، وذلك مما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي انظر: ((مراتب الإرادة – مجموع الفتاوى – )) (8/189). .
وبهذا التفصيل – الذي دلت عليه النصوص – يتبين رجحان مذهب أهل السنة والجماعة.
أما محاولة بعض الأشاعرة أن يجيبوا عن النصوص التي دلت على أن الله لا يحب الكفر ولا الفساد – بأن هذا خاص بمن لم يقع منه الكفر والفساد، والمعنى أن الله لا يحب الفساد لعباده المؤمنين ولا يرضاه لهم – فهذا جواب فاسد لأن لازم هذا أن الله لا يحب الإيمان ولا يرضاه من الكفار، لأنه لم يقع منهم، لأن المحبة عندهم كالإرادة إنما تتعلق بما وقع دون ما لم يقع. وهذا من أعظم الباطل انظر: ((رسالة الاحتجاج بالقدر)) (ص: 68) – ط المكتب الإسلامي. .
ولا شك أن تخبط الأشاعرة ومعهم المعتزلة في هذه المسائل أدى بهم إلى الانحراف في مسألة القدر وأفعال العباد.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1315

انظر أيضا: