trial

موسوعة الفرق

المبحث الثالث: أثرها في الناحية الاجتماعية


لقد كان للفوضى الاجتماعية التي أوجدتها الباطنية في جسم المجتمع الإسلامي من أهم الأخطار العظيمة الذي هدد المسلمين في القرون الماضية وأخص بالذكر الثورات المتلاحقة على الخلافة العباسية التي أوجدت هذه الفوضى.
ومن أخطر الآفات الاجتماعية التي ظهرت في المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت انعدام الثقة بين أفراد المجتمع بل بين أفراد الأسرة الواحدة بسبب الغزو الفكري الباطني لعقول الناس وخاصة الشباب منهم مما أحدث ارتباكا فكريا خلف من ورائه انحلالا اجتماعيا خطيرا ترك أثاره على تعامل الناس مع بعضهم البعض وعلى تعامل أفراد الأسرة الواحدة أيضا.
وقد ظهر هذا واضحا في أيام ظهور القرامطة والحشاشين الذين سلبوا بأفكارهم الهدامة بعض عقول الشباب المراهق غير الواعية بما يدور حولها بحث أصبح هؤلاء أداة بلا عقل ولا إرادة في يد زعماء الباطنية يحققون بها غاياتهم المريبة.
وتعطينا القصة التالية التي رواها ابن الأثير صورة واضحة للوضع الاجتماعي الخطير الذي خلفته الباطنية على أفراد المجتمع الإسلامي فيقول (ذكر عن متطبب يدعى أبا الحسين قال: جاءتني امرأة بعدما أدخل القرمطي صاحب الشامة بغداد وقالت أريد أن تعالج جرحا في كتفي فقلت ها هنا امرأة تعالج النساء فانتظرتها فقعدت هي باكية مكروبة فسألتها عن قصتها قالت كان لي ولد طالت غيبته عني فخرجت أطوف عليه البلاد فلم أره فخرجت من الرقة في طلبه فوقعت في عسكر القرمطي أطلبه فرأيته فشكوت إليه حالي وحال أخواته فقال دعيني من هذا أخبريني ما دينك فقلت أما تعرف ديني فقال ما كنا فيه باطل والدين ما نحن فيه اليوم فعجبت من ذلك وخرج وتركني ووجه بخبز ولحم فلم أمسه حتى عاد فأصلحه.
وأتاه رجل من أصحابه فسأله عني هل أحسن من أمر النساء شيئا فقلت نعم فأدخلني دارا فإذا امرأة تطلق فقعدت بين يديها وجعلت أكلمها ولا تكلمني حتى ولدت غلاما فأصلحت من شأنه وتلطفت بها حتى كلمتني فسألتها عن حالها فقالت أنا امرأة هاشمية أخذنا هؤلاء الأقوام فذبحوا أبي وأهلي جميعا وأخذني صاحبهم فأقمت عنده خمسة أيام ثم أمر بقتلي فطلبني منه أربعة أنفس من قواده فوهبني لهم وكنت معهم فوالله ما أدري ممن هذا الولد منهم.
قالت فجاء رجل فقالت لي هنيه فهنيته فأعطاني سبيكة فضة وجاء آخر وآخر أهني كل واحد منهم ويعطيني سبيكة فضة ثم جاء الرابع ومعه جماعة فهنيته فأعطاني ألف درهم وبتنا فلما أصبحنا قلت للمرأة قد وجب حقي عليك فالله الله خلصيني قالت ممن أخلصك فأخبرتها خبر ابن فقالت عليك بالرجل الذي جاء آخر القوم فأقمت يومي فلما أمسيت وجاء الرجل قمت له وقبلت يده ورجله ووعدته أنني أعود بعد أن أوصل ما معي إلى بناتي فدعا قوما من غلمانه وأمرهم بحملي إلى مكان ذكره وقال اتركوها فيه وارجعوا فساروا بي عشرة فراسخ فلحقنا ابني فضربني بالسيف فجرحني ومنعه القوم وساروا بي إلى المكان الذي سماه صاحبهم وتركوني وجئت إلى هاهنا قالت ولما قدم الأمير بالقرامطة وبالأسارى رأيت ابني فيهم على جمل عليه برنس وهو يبكي فقلت لا خفف الله عنك ولا خلصك! ؟   ((الكامل في التاريخ)) ابن الأثير (7/ 524 - 526) . .
وهكذا فقد أصبح الابن جاحدا لأمه والأب لا يعترف بابنه والصديق عدوا لصديقه بعد الغزو الباطني الخطير لأفكار المسلمين.,
ويمكن أن يضاف إلى البلبلة الفكرية التي سببت الانحلال الاجتماعي سبب آخر وهو أن الحركة الباطنية استغلت حالة الفقر التي كان يعيشها بعض أفراد المجتمع الإسلامي فعملت على إشباع شهواتهم الجنسية والمالية وخاصة لذوي النفوس المريضة منهم مما سهل الأمر على الحركة الباطنية أن تستغلهم أبشع استغلال وهذا ما هو واضح عند القرامطة والحشاشين على وجه الخصوص
وعند ظهور الدولة العبيدية في المغرب وامتدادها بعد ذلك إلى مصر (بلغ التعفن الاجتماعي أقصى مداه حيث عمد الشيعة إلى إنزال الويلات بالناس فجاروا عليهم جورا شديدا وتعللوا على أموال الناس من كل جهة وقد أصاب الناس على ذلك طاعون شمال إفريقيا وما والاها إلى مصر سنة 307هـ نشأ قطعا عما يعاني الناس من انهيار اجتماعي زاده الفقر استفحالا والمجاعة تعفنا   ((الصراع المذهبي في أفريقيا)) عبدالعزيز المجذوب (ص: 237). .
أما الباطنية من الحشاشين فقد أحدثوا انهيارا اجتماعيا لا مثيل له تدل خطورته على الوضع الذي وصل إليه الناس في ذلك الوقت حيث صار هؤلاء مصدرا للخوف والقلق بين جميع طبقات الناس فصار الأخ لا يثق بأخيه والأب يخاف من ابنه والأمير لا يعلم المخلص من أتباعه وحراسه لخوفهم أن يكون واحدا منهم ممن سلب الباطنية عقولهم بأفكارها المريبة البراقة.
ومن البديهي أن تحدث هذه الأمور مجتمعة شرخا اجتماعيا كانت له انعكاساته على الوضع السياسي للعالم الإسلامي وهو يقاوم الأعداء الخارجيين من الصليبيين والتتار فكانت الباطنية عدوا داخليا يوالي الطعنات المخيفة من الخلف مما أضعف المسلمين وأحدث ثغرة عميقة في صفوفهم.
ومن الأمور الخطيرة أيضا التي عملت الباطنية على تحقيقها في المجتمع الإسلامي وهو يواجه الصليبيين والتتار محاولتها قتل عدد كبير من خيرة العلماء والقادة والأمراء في محاولة منها لإبعاد هؤلاء عن طريقها حتى يفسح المجال لها لتنفيذ أغراضها الجهنمية في المجتمع الإسلامي فكان فَقْدُ أمثال هؤلاء من المجتمع عاملا خطيرا في ارتباك المجتمع الإسلامي وتخلخله.
من ذلك أنهم قتلوا في همذان قاضي القضاة زين الإسلام أبا سعد محمد بن نصر الهروي أثناء عودته من خراسان إلى بغداد ولم يجرؤ شخص على أن يتبعهم للخوف منهم وفي سنة 1126هـ قتلوا البرسقي أتابك الموصل وفي سنة 1127هـ قتلوا المعين وزير السلطان سنجر بن ملكشاه صاحب خراسان وفي سنة 1130هـ أرسل الباطنية من مركزهم في آلموت اثنين من الخراسانية لقتل تاج الملوك بوري أتابك دمشق ويطول بنا الأمر لو حاولنا تسجيل كافة الاغتيالات الباطنية ولكن يكفي أن نختم هذه القائمة بالإشارة إلى أنهم حاولوا أكثر من مرة قتل صلاح الدين الأيوبي ولكن الله سلمه   ((الحركة الصليبية)) سعيد عاشور (1/ 559 -560). .
هذا غيض من فيض للأثر الاجتماعي الذي أوقعته في القرون الماضية أما حديثا فيكفي أن نجمل بأمر خطير تعمل على تحقيقه الباطنية بجميع فرقها وهو امتدادهم البشري إلى كافة المدن والقرى المجاورة لمعاقلهم في محاولة منهم للسيطرة على أكبر قدر من أراضي المدن والقرى التي يقطنها المسلمون ويمكن أن نلاحظ هذا الزحف البشري بوضوح في سوريا فقد ترك مئات الألوف من النصيرية جبالهم واستوطنوا دمشق وحلب وحماة وحمص مما أحدث شرخا عميقا في مجتمعات هذه المدن وخاصة بعد أن أصبح هؤلاء الباطنيون المسيطرون على مقدرات هذه المدن سياسيا وماديا.
وهكذا ظلت الباطنية قديما وحديثا مصدرا خطيرا للانحلال السياسي والاجتماعي بأفكارها المسمومة وأعمالها الإرهابية ومن البديهي أن يكون لهذا الخطر الباطني في المستقبل أثر لا يجوز الاستهانة به.الحركات الباطنية  في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب – ص441


انظر أيضا: