موسوعة الفرق

المطلب الثالث: سماع الموتى


ويتعلق بالمسألتين السابقتين أي مسألة الاستغاثة والاستعانة عن غير الله، ومسألة قدرة الأنبياء والأولياء واختياراتهم مسألة سماع الموتى، لأن الجهال الذين ينادون الأنبياء والرسل والأولياء والصالحين بعد موتهم ويدعونهم من دون الله عز وجل، لا يدعونهم ولا ينادونهم إلا للاعتقاد بأن الموتى يسمعون ويستجيبون لندائهم ودعائهم مع تملكهم القدرة والاختيار.
ولأجل ذلك قالوا:
إن الأولياء والصالحين يسمعون ويبصرون في قبورهم أكثر مما كانوا يسمعون ويبصرون في حياتهم" ((بهار شريعت)) لأمجد علي (56).
لأنهم في معتقدهم قبل موتهم كانوا عاجزين، وبالأسباب الكونية مقيدين، فإذا ماتوا انطلقوا وتفلتوا من تلك الأسباب، وعلى ذلك يقول أحد البريلويين:
إن النفوس القدسية إذا تجردت عن العلائق البدنية اتصلت بالملأ الأعلى وترى وتسمع الكل كالمشاهد" ((بهار شريعت)) لأمجد علي (18،19).
وقال الآخر:
إن الموتى يسمعون، وإن المقربين بعد موتهم ليغيثون" ((علم القرآن)) لأحمد يار (189).
والثالث قال:
إن الشيخ الجيلاني يرى في كل حين، ويسمع نداء الجميع" ((إزالة الضلالة)) لمفتي عبدالقادر (6)، وقد وثق هذا الكتاب من قبل البريلوي ط لاهور.
وأما البريلوي فقد كتب: إن الأموات ليسمعون، إذ لا يخاطب" إلا من يسمع" ((الفتاوى الرضوية))  (4/327).
ولقد كتب رسالة مستقلة باسم "الوفاق المبين بين سماع الدفين وجواب اليمين" التي طبعت في ضمن الرسائل التي شكلت وكونت منها "الفتاوى الرضوية".
وقد حكي عدة حكايات كاذبة أثبت بها أن الموتى يسمعون، بل أكثر من ذلك أنهم يتكلمون أيضا. ومنها هذه الحكاية التي ذكرت في "ملفوظات" و "الحكايات الرضوية":
أن السيد إسماعيل الحضرمي مر على المقابر ومعه أصحابه فوقف على أربعين قبرا وقفة طويلة وبدأ يبكي حتى انتصف النهار فضحك، فسئل عن أسباب بكاءه وضحكه فقال مررت على هذه القبور لأن أصحابها الأربعين كانوا يعذبون فبدأت أشفع لهم عند الرب وأبكى على عذابهم حتى رفع عنهم العذاب ولما انتهيت سمعت امرأة تناديني من آخر المقابر وتقول: يا سيدي! أنا مغنية فلانة فشفعت لهم وحرمتني عنها فضحكت من قولها وقلت لها: أنت منهم، ورفع عنها العذاب" ((الحكايات الرضوية)) أي المجوعة التي اشتملت على الحكايات التي حكاها البريلوي عن طاقة الأولياء والصالحين واختياراتهم (57).
هذا ويقول آخر من أتباعه:
يجوز النداء بعلي وغوث لأن هؤلاء المحبوبين لدى الله يسمعون بعد موتهم" ((الفتاوى النورية)) لنور لله القادري (527).
هذا ولقد قال البريلوي أكثر من ذلك. وهو:
إن الأولياء والأنبياء لا يموتون ويدفنون أحياء وحياتهم في القبر حياتهم في الدنيا بل أكثر منها وأفضل، فيقول البريلوي في الأنبياء:
إن حياة الأنبياء حياة حقيقية حسية دنيوية يطرأ عليهم الموت لثانية من الثواني ليصدق وعد الله، وإلا بعد الثانية من الوقت يرجع لهم الحياة ويصيرون كما كانوا ويحكم على هذه الحياة بالأحكام الدنيوية ولأجل ذلك لا يقسم ميراثهم ولا يزوج من أزواجهم ولا عليهم من عدة فإنهم يأكلون في قبورهم ويشربون ويصلون" ((ملفوظات للبريلوي)) (3/276).
وقال الآخر:
إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدى الله" ((رسول الكلام)) لديدار علي (1).
ويقول الآخر:
إن الأنبياء أحياء في قبورهم وهم يمشون فيها ويتماشون، يصلون فيها ويتكلمون، وفي أمور الخلق يتصرفون" ((حياة النبي)) للكاظمي (3) ط ملتان باكستان.
وأما النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فيقولون: إنه قبل دفنه صلى الله عليه وسلم كان حيا يتكلم كما صرح بذلك القوم، فيقول البريلوي:
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل به الصحابة إلى قبره كان يتكلم ويقول أمتي أمتي" رسالة ((نفي النفي عمن أنار بنوره كل شيء)) للبريلوي المندرجة في ((مجموعة رسائل رضوية)) (1/221) ((حياة النبي)) للكاظمي (47).
ويقول الآخر:
لم يطرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا للحظة لأنه عندما أريد قبض روحه للحظة كانت الحياة موجودة في جسده" ((حياة النبي)) (104).
والثالث قال:
لا فرق بين موته وحياته عليه السلام في معرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم، وذلك جلى عنده لا خفاء به" ((جاء الحق)) لأحمد يار البريلوي (150،151).
ويقول الآخر:
إن الناس لما فارقوا المدينة في وقعة الحرة أياما ثلاثة ولم يدخل أحد المسجد النبوي الشريف كان يسمع الأذان من قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الأوقات الخمسة" ((هداية الطريق في بيان التحقيق والتقليد)) لديدار على البريلوي (86).
وآخر يقول:
لما وضعت جنارة أبي بكر رضي الله عنه أمام الحجرة الشريفة نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس قد سمعوا نداءه: أدخلوا الحبيب إلى الحبيب" ((حياة النبي)) (125).
هذا وليس هذا مختصا بالأنبياء. فالأولياء والصلحاء مثلهم في ذلك، كما يقول أحد البريلويين:
إن أولياء الله لا يموتون ولكن ينتقلون من دار إلى دار" ((الفتاوى النعيمية)) لاقتدار بن أحمد يار البريلوي (245).
وبنفس ذلك قال البريلوي نفسه حيث كتب:
إن حضرات الأولياء أحياء بعد وصالهم "أي وفاتهم"، ولهم تصرفات وكرامات باقية، وفيوضهم جارية، وإعانتهم وإغاثتهم ثابتة" ((الفتاوى الرضوية))  (4/236).
ويقول الآخر:
إن موت أولياء الله كمثل الرؤية التي يرونها للحظة كالبرق الخاطف" ((الفتاوى النعيمية)) (245).
وأما البريلوي فإنه قال:
إن الأولياء أحياء في قبورهم بالحياة الدائمية، ويكون علمهم وإدراكهم وسمعهم وبصرهم أقوى من قبل" ((الحكايات الرضوية)) (44).
ونقل عن أئمته أنهم قالوا:
إن الأولياء أحياء وإن ماتوا، وإنما ينقلبون من دار إلى دار" ((أحكام قبور مؤمنين)) المندرج في ((رسائل رضوية)) (243).
و "إن شخصا مات، ولما حضره شيخه ليقبره فتح عينيه، فقال له: حي أنت؟ قال: نعم أنا حي، وكل محب الله. حي" ((أحكام قبور مؤمنين)) المندرج في ((رسائل رضوية)) (245).
وعنون: إن الأنبياء والأولياء والشهداء أحياء بأبدانهم مع أكفانهم" أنظر لذلك رسالة ((أحكام قبور مؤمنين)) (239).
كما يحكى:
إن شخصا مسافرا اظلم عليه الليل، فأراد الاستراحة فوضع أمتعته ونام ووضع رأسه على كوم مرتفع، فلما أصبح رأى أن هذه الكومة قبر لشخص، فإذا يناديه صاحب ذلك القبر ويشكو إليه: لقد آذيتني منذ الليلة" ((أحكام قبور مؤمنين)) (247).
ويتسابق القوم في الكذب حيث يحكى الآخر:
إن شخصا مات فغسلوه وكفنوه فنادى: عجلوا بي وبجنازتي، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرني ليصلى علي" ((حياة النبي)) للكاظمي البريلوي (46).
فهذه هي ترهات القوم، وهذه هي عقيدتهم مخالفة لما قال الله عز وجل وقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنافية لشريعة الإسلام النقية الصافية عن شوائب الشرك والوثنية والأوهام، وإنما اعتقد القوم بهذه العقائد ليجعلوا لله شركاء وأندادا كعمل أهل الجاهلية الأولى الذين قال الله عز وجل فيهم:
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: 5]
وقال تعالى:
أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [الأعراف: 191-198]
هذا ولقد حكى الله عز وجل عن مشركي قريش والجزيرة عقيدتهم في الاستغاثة بالله والاستعانة بغير الله في قوله:
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس: 22]
يعني أنهم على الأقل في أسفارهم البحرية لا ينادون إلا الله لاعتقادهم أن غير الله ومن دون الله لا يستطيعون نصرهم في البحار ولا يقدرون عليها.
خلافا لهذا القوم فإنهم لا يستغيثون لا في البر ولا في البحر إلا بغير الله، ولا ينادون إلا غيره، كما نقلنا عن البريلوي أنه قال:
إني لم أستغث في حياتي أحدا ولم أستعن بغير الشيخ عبدالقادر، كلما أطلب المدد أطلب من الشيخ الجيلاني، وكلما أستغيث استغيث به" ((ملفوظات)) (307).
ولأجل ذلك كتب الشيخ الآلوسي المفسر الحنفي في تفسيره تحت هذه الآية:
فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير، وخطب جسيم، في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى أحدا فيهم يخص مولاه بتضرعه ودعاه ويكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله عليك قل لي: أي الفريقين من هذه الناحية أهدي سبيلا، وأي الداعيين أقوم قيلا؟ وإلى الله المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة، وتلاطمت أمواج الضلالة، وخرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهى عن المنكر صنوف الحتوف" نقلا عن ((الآيات البينات في عدم سماع الأموات)) مقدمة (17).
وأما السيد رشيد رضا المصري فإنه كتب:
وفي هذه الآية وأمثالها بيان صريح لكون المشركين كانوا لا يدعون في أوقات الشدائد وتقطع الأسباب بهم إلا الله ربهم، ولكن من لا يحصى عددهم من مسلمي هذا الزمان بزعمهم لا يدعون عند أشد الضيق إلا معبوديهم من الميتين كالبدوي والرفاعي والدسوقي والجيلاني والمتبولي وأبي سريع وغيرهم ممن لا يحصى عددهم، وتجد من حملة العمائم الأزهريين وغيرهم ولا سيما سدنة المشاهد المعبودة الذين يتمتعون بأوقافها ونذورها من يغريهم بشركهم، ويتأوله بتسميته بغير اسمه في اللغة العربية كالتوسل وغيره.
وقد سمعت من كثيرين من الناس في مصر وسورية حكاية يتناقلوننها، وربما تكررت في القطرين لتشابه أهلهما وأكثر مسلمي هذا العصر في خرافاتهم، ملخصا: إن جماعة ركبوا البحر، فهاج بهم حتى اشرفوا على الغرق، فصاروا يستغيثون معتقديهم، فبعضهم يقول: يا سيد يابدوي! وبعضهم يصيح: يا رفاعي! وآخر يهتف: يا عبدالقادر يا جيلاني!... الخ، وكان فيهم رجل موحد ضاق بهم ذرعا فقال: يا رب أغرق أغرق، ما بقي أحد يعرفك" ((تفسير المنار)) (11/338،339).
فالله نسأل أن يهدينا إلى سواء السبيل ويحفظنا من الشرك والمشركين.

انظر أيضا: