موسوعة الفرق

المسلك الأول: مسلك التفويض


ويعنون بذلك: تفويض المعنى المراد من النص الموهم للتشبيه – على حد زعمهم – وهذا التفويض إنما يكون بعد التأويل الإجمالي – وهو: "صرف اللفظ عن ظاهره" ((جوهرة التوحيد مع شرحها)) (ص: 91). ويدل لذلك قول صاحب الجوهرة: "ورم تنزيها" بأن تعتقد أن ظاهره غير مراد، ثم تكف عن بيان المعنى المراد، قالوا: وهذه هي طريقة السلف وهي أسلم.
ولهم حجتان في ذلك انظر: ((الحجتين في تحفة المريد)) (91-92). :
الأولى: قول الله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران: 7] على قراءة الوقف على اسم الجلالة.
الثانية: اتفاق السلف على أنها تمر كما جاءت كما في قول الإمام مالك رحمه الله: "الاستواء معلوم والكيف مجهول..." وكقول بقية السلف: أمروها كما جاءت قول مالك في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (3/398- رقم 664) وهو كذلك عند البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص: 408) قال ابن حجر "وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبدالله بن وهب قال كنا عند مالك..." الخ ((فتح الباري)) (13/417).
المناقشة: هذا المسلك مبني على أمرين:
الأول: دعوى أن الاتفاق حاصل على عدم إرادة الظاهر، إذ الظاهر يوهم التشبيه!
الثاني: آية آل عمران دالة على صحة التفويض – وهو الإمساك عن المعنى المراد.
والإجابة عن الأمر الأول:
الأولى: لا نسلم أن ظاهر آيات وأحاديث الصفات يفيد التشبيه، بل هي تدل على إثبات الصفات على الوجه اللائق بالله تعالى، ويتبين ذلك بالآتي:
إن الأشاعرة قد سلموا أن الله تعالى حي بحياة وعليم بعلم وقدير بقدرة... إلى بقية صفات المعاني السبع، وقالوا: إن ظاهرها على ما يليق بالله تعالى فيقال لهم: ويلزمكم كذلك طرد هذه القاعدة في بقية الصفات كالاستواء والعلو والوجه واليدين والغضب وغيرها، فهي ثابتة لله حقاً، على الوجه اللائق بالله وليس ظاهرها كما هي ثابتة عند البشر انظر: ((التدمرية)) (ص: 77-78).
الثانية: إن القول بأن نصوص الصفات ظاهرها غير مراد يلزم منه لوازم باطلة وهي:
1- أن يكون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم – قد تكلم بالباطل، ولم يأت نص واضح جلي يفيد غير ما ذكر في الكتاب والسنة انظر: ((التدمرية)) (ص: 79).
2- إنه يكون قائل هذه المقالة قد مثل أولاً، إذ هو قد اعتقد أن ظاهرها التمثيل والتشبيه، ثم عمد إلى النص فعطله عن دلالته على الحق وعطل الصفة الثابتة في نفس الأمر لله تعالى انظر: ((التدمرية)) (ص: 80). وانظر (ص: 671) كلام الرازي الدال على استلزام التعطيل للتمثيل.
الثالثة: إن القول بتفويض المعنى ثم الزعم بأن ظاهر النصوص غير مراد تناقض واضح – فلا يعقل الادعاء بأن المعنى مما لا يعلمه إلا الله! مع الزعم بأن الظاهر غير مراد – إذ الذي لا يعلمه إلا الله لا يكون ظاهراً لنا.
الرابعة: ثم الجواب عما تمسكوا به قد تبين بطلانه على ضوء ما تقدم في مبحث أهل السنة والجماعة. ويظهر الجواب اختصاراً بالآتي:
1- إن الأئمة مع قولهم أمروها كما جاءت، صرحوا بأن ظواهر النصوص مرادة مع قطع الطمع عن إدراك الكيفية، وهذا يتعارض مع زعم الأشاعرة بأن الظاهر غير مراد. وكل ما ذكر من أقوال الصحابة, والتابعين, والأئمة الأعلام يرد هذا الزعم.
2- إنا قد بينا سابقاً أن مراد السلف بقولهم (أمروها كما جاءت بلا تفسير) يراد به أحد معنيين:
الأول: أمروها بلا تفسير مبتدع, وهو تفسير الجهمية.
الثاني: أمروها بلا تفسير للكيفية – وهو قول الإمام مالك نفسه: (والكيف مجهول).
وأما الاستدلال بالآية فخطأ بيِّن – ويتضح ذلك بالآتي:
الأول: إن المراد بالتأويل على قراءة الوقف: معرفة الحقيقة التي يؤول إليها الخبر كما قد بين سابقاً – إذ الوقف التام يفيد أن ذلك مما لا يعلمه إلا الله، لأن حقائق الصفات وكيفيتها مما لا يظهر للخلق – أما على قول الأشاعرة فإنه لا تظهر فائدة من الوقف، إذ هم زعموا أن لها ظاهراً يعلمه البشر ولكنه غير مراد – وإنما المراد شيء آخر!، فشرعوا في تعيينه ظنًّا، وهذا ينافي التسليم التام الذي وصف الله به المؤمنين في الآية نفسها وهو قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران: 7]
الثاني: لو سلم لهم قولهم هذا للزم طرده في كل نصوص الصفات الدالة على صفات المعاني وغيرها – إذ لا موجب للتفريق إلا التحكم، فما كان جواباً لهم عن نصوص صفات المعاني فليجيبوا به عن نصوص بقية الصفات انظر: ((الرسالة التدمرية)) (ص: 80).
الثالث: القول بأن التأويل هنا المراد به حقائق الأشياء قول لا يعارض قول من لم ير الوقف على اسم الجلالة – إذ التأويل يكون على الثاني بمعنى التفسير الذي هو شرح الكلمات والألفاظ – ومن المعلوم أن الشيء قد يعلم معناه العام ولكن لا تعلم حقيقته وكنهه كما في نعيم الجنة، فالجمع بين أقوال السلف في معنى الآية أقوى من القول بتعارضها كما هو مقرر انظر: ((رسالة معرفة المحكم والمتشابة)) (ص: 102).
الرابع: إن الأشاعرة لهم مذهبان: ويدعون صحتهما – وهما التأويل والتفويض – فلو كانت الآية دالة على تفويض المعنى والكيفية مطلقاً لما كانت حاجة للقول بالتأويل، والعجب أنهم قد احتجوا بالآية نفسها على جواز التأويل باعتبار قراءة الوصل، فلو أرادوا الجمع الصحيح كان عليهم أن يقولوا إن لها معاني صحيحة إلا أن حقائقها غير معلومة لنا، أما القول بأن لها معنى, أو لبعضها معنى, ثم الزعم بأنه لا يعرف لها معنى فتناقض واضح انظر: ((التدمرية)) (ص: 114 – 115). , ولكنهم يخرجون عن هذا بأن الظاهر المنفي هو ما ثبت للمخلوقين – وهنا لا يسلم لهم ذلك، وتلزمهم اللوازم السابقة، ويلزم منه التلبيس في المراد بالظاهر.
والأشاعرة عندهم نوع من التفويض أطلقوه بمعناه الصحيح – وهو تفويض حقيقة الصفات وكنهها – إلا أن هذا التفويض مجاله صفات المعاني السبع فقط – فمن ذلك أن الباجوري لما أخذ يبين الفرق بين كل صفة من صفات المعاني قال: "والمدلول لغة لكل واحدة غير المدلول للأخرى، فوجب حمل ما ورد على ظاهره حتى يثبت خلافه... وإذا ثبت أنها متغايرة لغة كانت متغايرة شرعاً، وبالجملة: فكنه كل واحدة غير كنه الأخرى, ونفوض علم ذلك لله تعالى" ((تحفة المريد)) (ص: 86). ا هـ.
وهذا النوع من التفويض محل إجماع بينهم، لا خلاف بينهم فيه كسابقه عندهم.
ولو أن الأشاعرة سلكوا هذا النوع الثاني من التفويض لكان أسلم, وأعلم, وأحكم لهم – إلا أنهم تناقضوا تناقضاً بيِّناً فادعوا أن صفات المعاني السبع ثابتة حقيقة لله، وأن النصوص الدالة عليها معلومة علماً صحيحاً من حيث المعنى والمفهوم إلا أن حقائقها غير معلومة – ثم ادعوا في بقية النصوص الدالة على غير هذه الصفات أنها دالة على معنى غير صحيح ظاهراً – فيجب صرفها – وأن تحديد المراد منها غير معلوم!!، وهذا تناقض ظاهر.منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف -  2/596
اهتم شيخ الإسلام ابن تيمية ببيان الحق في هذه المسألة (مسألة التفويض)، وذكر فيما ذكر – في مناسبات مختلفة – مجمل حجج الذين زعموا أن مذهبهم هو التفويض، وأهمها:
1- ما أثر عن كثير من السلف أنهم قالوا في الصفات: "أمروها كما جاءت"، قالوا: وهذا يدل على أن مذهبهم فيها الإيمان والتسليم, وإمرارها كما جاءت وعدم الخوض في تأويلها، والوقوف عن تفسيرها.
2- قول الإمام مالك – وغيره: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" هذا القول روي عن الإمام مالك: رواه الدارمي في ((الرد على الجهمية)) (ص: 55-56) – ت البدر – واللالكائي في ((شرح السنة)) (3/398)، ورقمه (664)، والصابوني في ((عقيدة السلف)) (24-26) – ت البدر، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص: 408) من طريقين، وابن عبدالبر في ((التمهيد)) (7/138، 151) وأبو نعيم في ((الحلية)) (6/325-326). وجود ابن حجر في ((الفتح)) (13/406-407) أحد إسنادي البيهقي. قالوا: ومعنى قوله إنه معلوم أي إنه وارد في القرآن، ونفيه للكيف, وإيجاب الإيمان به دليل على أنهم يسلمون ورود نصوص الصفات, ويفوضون معانيها إلى الله تعالى.
3- أن السلف لم يكونوا يفهمون من النصوص ما يستلزم التجسيم وأن ذاته تعالى فوق العرش، قالوا فلما جاء المتأخرون, وصاروا يفهمون منها مثل هذا وجب التأويل.
4- ثم إنهم احتجوا بالوقف على قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران: 7] قالوا وهذا دليل على التفويض.
وقد ردَّ شيخ الإسلام على ذلك كما يلي:
1- أما قول السلف في الصفات "أمروها كما جاءت" فمعناه عندهم الإيمان بها وإثباتها، والرد على المعطلة الذين أنكروها, أو خاضوا في تأويلها، فقول السلف هذا "يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معان، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها، مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" ((الفتوى الحموية – مجموع الفتاوى)) (5/41-42).
والسلف من الصحابة والتابعين كان اهتمامهم الأول والأخير منصباً على القرآن والحديث، فهل كانوا عندما يتلون القرآن ويعلمونه، ويروون السنة, ويتناقلونها ويحدثون بها، يفرقون بين آية وآية، وحديث وحديث؟ ويقولون للناس: هذه آمنوا بألفاظها مجردة، وهذه لا مانع من فهم معانيها؟ ومعلوم أنه كان يتلقى ذلك عنهم أصناف الناس وطبقاتها وغيرها، بل كانوا يردون على المعطلة وأهل الكلام ما كانوا يخوضون فيه من ذلك، ولذلك قالوا: أمروها كما جاءت، وواضح أن قصدهم الرد على هؤلاء النفاة، ولو كان قصدهم التفويض الذي أراده المتأخرون النفاة لقالوا – موضحين أمروا ألفاظها، مع اعتقاد أنَّ المفهوم منها غير مراد، ولو كان الأمر كذلك كان نفي الكيف عنها مع مثل هذا القول لغو.
على أنَّ شيخ الإسلام يشير في سياق مناقشته لهذه الدعوى إلى ناحية مهمة في منهج السلف, وتعاملهم مع النصوص ربما غفل عنها من يتصدى لمثل هذا الموضوع – وهي تدل على ما حبا الله هذا الإمام من فهم قويٍّ, وبصر نافذ, واطلاع واسع – وذلك أنه ذكر أن عبارة: تمر كما جاءت، أو نحوها، قد قالها الإمام أحمد في غير أحاديث الصفات، وإذا ثبت هذا بطل احتجاج هؤلاء الذين يدعون أن قصد السلف من مثل هذه العبارة: تفويض نصوص الصفات.
يقول شيخ الإسلام عن الإمام أحمد وغيره – بعد بيانه أنهم لم يقولوا بأن القرآن لا يفهم معناه، وإنما قالوا كلمات صحيحة، مثل: أمروها كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية-: "ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية, ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد, والوعيد, والفضائلو وغير ذلك. وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت انظر مثلاً قوله عن الحرورية والمارقة لما سئل عنهم: هل يكفرون أو يرى قتالهم؟ قال: "اعفني من هذا، وقل كما جاء فيهم في الحديث". ((مسائل الإمام أحمد)) لابن هاني (2/158، رقم 1884). ، وفي أحاديث الوعيد مثل قوله: ((من غشنا فليس منا)) رواه البخاري (7070), ومسلم (98), من حديث ابن عمر رضي الله عنه, وروي عن أبي هريرة, وأبي موسى رضي الله عنهما. وأحاديث الفضائل لما سئل الإمام أحمد عن أحاديث جاءت في علي في الفضائل. قال: على ما جاءت، لا نقول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خيراً. ((مسائل ابن هاني)) (2/169 – رقم 1934). ، ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه، ويسمى تحريفه تأويلاً بالعرف المتأخر" ((الإكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى)) (13/295).
وهذا يدل على أن السلف كانوا يتعاملون مع النصوص على حد سواء, لا يفرقون بين نصوص الصفات وغيرها، وحينما يأتي أحد من أهل الأهواء من المعطلة، أو الرافضة، أو المرجئة أو غيرهم ليتأول بعض النصوص التي تخالف مذهبه، يكون جواب السلف أن هذه النصوص تروى كما جاءت، ولا يدخلون في تأويلات وانحرافات هؤلاء.
2- أما قول الإمام مالك في الاستواء فهو موافق لمذهب السلف – رحمهم الله تعالى، وهو حجَّة على أهل التفويض، يقول شيخ الإسلام: "فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه – على ما يليق بالله – لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً، بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم.
وأيضاً: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضاً: فإن من ينفي الصفات الخبرية – أو الصفات مطلقاً – لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف"، فمن قال: أنَّ الله ليس على العرش, لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: "بلا كيف" ((الحموية – مجموع الفتاوى)) (5/41).
فالإمام مالك وشيخه ربيعة بيَّنا أمرين: أنَّ الاستواء معلوم, وأنَّ الكيف مجهول، وهذا حقيقة مذهب السلف، يؤمنون بالصفات الواردة، ويفهمون ما دلَّت عليه من المعاني اللائقة بالله تعالى، أما الكيفية فيفوضونها لعالمها.
ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام تلقي النَّاس قول الإمام مالك بالقبول، ذكر اعتراضاً وأجاب عنه. قال: "فإن قيل: معنى قوله "الاستواء معلوم، أنَّ ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم، كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله بعلمه.
قيل: هذا ضعيف، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن، وقد تلا الآية. وأيضاً فلم يقل: ذكر الاستواء في القرآن، ولا أخبار الله بالاستواء، وإنما قال: الاستواء معلوم، فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، لم يخبر عن الجملة.
وأيضا فقد قال: "والكيف مجهول" فلو أراد ذلك لقال: معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس الاستواء، وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه، لو قال في قوله: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: 46] : كيف يسمع، وكيف يرى؟ لقلنا: السمع والرؤيا معلوم, والكيف مجهول، ولو قال: كيف كلم موسى تكليماً؟ لقلنا: التكليم معلوم والكيف غير معلوم.
وأيضاً فإن من قال هذا من أصحابنا وغيرهم من أهل السنة يقرون بأن الله فوق العرش حقيقة، وأن ذاته فوق ذات العرش، لا ينكرون معنى الاستواء، ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يعلم معناه بالكلية.
ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة، قال بعضهم: ارتفع على العرش، علا على العرش، وقال بعضهم عبارات أخرى، وهذه ثابتة عن السلف، قد ذكر البخاري في صحيحه بعضها في آخر كتاب (الرد على الجهمية) ذكر ابن حجر في ((الفتح)) (13/344) عند كلامه على عنوان "كتاب التوحيد" أن المستملي زاد: "الرد على الجهمية وغيرهم"، وأنه وقع لابن بطال وابن التين: "كتاب رد الجهمية"، وغيرهم: "التوحيد". وعبارات السلف في الاستواء ورد في باب (وكان عرشه على الماء) من هذا الكتاب. ((الفتح)) (13/403). " ((الإكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى)) (5/309-310).
وتفاسير السلف لمعاني صفات الله تعالى يدل بشكل قاطع على أن ما يقصدونه بإمرار الصفات تفويض الكيفية التي لا يعلمها إلا الله تعالى، أما المعاني فإنهم كانوا يفهمونها انظر: ((شرح حديث النزول – مجموع الفتاوى)) (5/365-413)، و((تفسير سورة الإخلاص – مجموع الفتاوى)) (17/373-374))ـ و((نقض التأسيس)) – مخطوط – (2/236).
3- أما قولهم إن السلف لم يكونوا يفهمون من النصوص ما يدل على التجسيم، ولا أنَّ ذاته تعالى فوق العرش – وهذا في مسألة العلو والاستواء – فقد رد عليهم شيخ الإسلام من وجوه منها:
أ- "أحدها: أن يقال: فعلى هذا التقدير لا يكون المفهوم الظاهر من هذه النصوص إثبات العلو على العالم والصفات، ولا يجوز أن يقال: ظواهر هذه النصوص غير مراد، ولا أنه قد تعارضت الدلائل النقلية والعقلية، فإنه إذا قدر أنها لا تدل على الإثبات – لا دلالة قطعية, ولا ظاهرة – بطل أن يكون في ظاهرها ما يفهم منه الإثبات.
ومن المعلوم أن هذه خلاف قول الطوائف كلها من المثبتة والنفاة, حتى من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وإنكار معاد الأبدان، فإنهم معترفون بما اعترف به سائر الخلق من أن الظاهر المفهوم منها هو إثبات الصفات... انظر: ((درء التعارض)) (7/107-108).
ب- "الوجه الثاني: أن يقال: التفاسير الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان تبين أنهم إنما كانوا يفهمون منها الإثبات، بل والنقول المتواترة المستفيضة عن الصحابة والتابعين في غير التفسير موافقة للإثبات، ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين حرف واحد يوافق قول النفاة، ومن تدبر الكتب المصنفة في آثار الصحابة والتابعين بل المصنفة في السنة، من: كتاب (السنة والرد على الجهمية)، للأثرم، ولعبدالله ابن أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسماعيل البخاري.... (وذكر شيخ الإسلام عددا كبيرا من أئمة السنة وكتبهم)... – رأى في ذلك من الآثار الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين ما يعلم معه بالإضطرار أن الصحابة والتابعين كانوا يقولون بما يوافق مقتضى هذه النصوص ومدلولها، وأنهم كانوا على قول أهل الإثبات المثبتين لعلو الله نفسه على خلقه، المثبتين لرؤيته، القائلين بأنَّ القرآن كلامه ليس بمخلوق بائن عنه.
وهذا يصير دليلاً من وجهين:
أحدهما: من جهة إجماع السلف، فإنه يمتنع أن يجمعوا في الفروع على خطأ، فكيف في الأصول.
الثاني: من جهة أنهم كانوا يقولون بما يوافق مدلول النصوص ومفهومها، لا يفهمون منها ما يناقض ذلك... انظر: ((درء التعارض)) (7/108-109).
ومما سبق يتبين أن السلف فهموا من نصوص العلو والاستواء الإثبات، وهذا يبطل قول القائلين بأنهم كانوا مفوضة.
4- أما احتجاجهم بآية آل عمران والوقوف على قوله: إِلاَّ اللّهُ – فمعلوم أن هؤلاء المتكلمين رجحوا القراءة الأخرى بالوصل ليجيزوا لأنفسهم التأويل باصطلاحهم المتأخر، ومعلوم أن من وقف على لفظ الجلالة فإنهم قصدوا التأويل الذي هو الحقيقة والمآل، ومعلوم أن كيفية أسماء الله وصفاته هي من ذاته لا يعلمها إلا الله، وهو من باب تفويض الكيفية التي هي جزء من مذهب السلف في الصفات انظر: ((درء التعارض)) (1/205-206). ، وقد سبق – في الفرع السابق – تفصيل القول في مسألة التأويل -.
ومسألة التفويض مبنية على مسألة المتشابه، وما يتعلق بها مثل ما سبق تفصيل القول فيه من أنه لا يجوز أن يكون في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لنا إلى العلم به.
والتفويض الذي زعمه هؤلاء يؤدي إلى أن لا نفهم كتاب الله, ولا نفرق بين آية وآية، وإنما نتلوه كالأعاجم الذين لا يعرفون العربية مطلقاً، وهذا مآله إلى الضلال والإلحاد.
ولشيخ الإسلام ردود أخرى – مجملة – على أهل التفويض – ومن ذلك ما ذكره في أثناء ردوده على القائلين بتعارض العقل والنقل، وأن غاية ما ينتهون إليه في كلام الله ورسوله: هو التأويل أو التفويض، قال رادًّا عليهم:
"وأما التفويض: فإن من المعلوم أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن، عن فهمه, ومعرفته, وعقله؟
وأيضا: فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا، وإخراجنا من الظلمات إلى النُّور، إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر، ولم يرد منَّا أن نعرف لا ظاهره، ولا باطنه، أو أريد منَّا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك، فعلى التقديرين لم نخاطب بما يبين فيه الحق، ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر.
وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا: أنه لم يبيِّن الحقَّ، ولا أوضحه، مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به, وأمرنا بإتباعه, والردِّ إليه لم يبين له الحق، ولا كشفه، بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منِّا أن لا نفهم الحق، ولا كشفه، بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منَّا أن لا نفهم منه شيئاً، أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه – وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد" ((درء التعارض)) (1/201-202). ، ثم ذكر أن هذا كان سبباً في استطالة الملاحدة على هؤلاء في مسائل المعاد وغيرها.
والقائلون بالتفويض قسمان:
قسم يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، ولكنه لم يبيِّن للنَّاس مراده منها، ولا أوضحه للنَّاس.
قسم يقول: إنَّ الرسول كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، ولكنَّه لم يبيِّن للنَّاس مراده منها، ولا أوضحه للناس.
وقسم يقول:- وهؤلاء هم أكابر أهل الكلام الذين يميلون لأقوال الفلاسفة – يقولون: إن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه إلا الله، وأن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها، وعلى قول هؤلاء فالأنبياء والرسل لم يكونوا يعلمون معاني ما أنزل الله إليهم.
ولا شك أنَّ هذا ضلال مبين, وقدح في القرآن وفي الأنبياء انظر: ((درء التعارض)) (1/204-205). موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1177

انظر أيضا: