موسوعة الفرق

المطلب الرابع: توهم التعارض بين الأدلة النقلية والعقلية وما يسلكونه من الطرق عندئذ


المسألة الأولى: سبب توهم التعارض:
هذا السبب يرجع على ما توهموه من إفادة ظاهر الأدلة النقلية للتجسيم والتحيز – وقد نوقشوا فيه
المسألة الثانية: الحكم عند حدوث التعارض المتوهم:
وللرازي قانون كلي في هذا الموضوع, آثرت ذكره بحسب مقدماته, ثمَّ مناقشته على التفصيل إن شاء الله – فقال في كتابه (أساس التقديس):
"الفصل الثاني والثلاثون: في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظاهر النقلية فكيف يكون الحال فيها؟: اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة" ((أساس التقديس))(ص: 172). ثمَّ ذكرها....
وقبل أن يذكر الاحتمالات الأربعة، يناقش فيما جاء به من مسائل في هذه المقدمة. فلاشك أن هذه المقدمة مبنية على أنه يمكن وقوع التعارض بين الأدلة العقلية والنقلية فجوابه: إنا لا نسلم وقوع تعارض بين البراهين العقلية الصريحة, والبراهين النقلية الصحيحة – إذ أنه تنزيل من عزيز حكيم، وقد أتم كلماته صدقاً وعدلاً، فيبقى بعد هذا احتمال التعارض راجعاً إلى توهم غير الصريح من المعقول صريحاً، أو من عدم فهم النص إن كان صحيحاً انظر: ((درء التعارض)) (1/173).
وقد ذكر الشاطبي خمسة أوجه تدل على أن الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول، وسأوردها بشيء من التصرف انظر هذه الأوجه في ((الموافقات)) للشاطبي (3/27-28). وقد تصرفت في عبارته. :-
الأول: إن الأدلة السمعية لو نافت قضايا العقول لم تكن أدلة للعباد, لا على الأحكام الإلهية, ولا على الأحكام التكليفية، وقد علم باتفاق العقلاء أن الأدلة الشرعية إنما نصبت لتتلقاها عقول المكلفين, فيعملوا بمقتضاها، فلو نافتها لما تلقتها فضلاً عن أن تعمل بمقتضاها.
الثاني: إنه لو فرض أن الأدلة الشرعية منافية لقضايا العقول ومعارضة لها لكان الكفار أول من ردَّها به – وقد علم بالاتفاق أنهم ما وجدوا ما يقدحون به مع شدَّة حرصهم على الطعن في هذا الدين، وإنما لجأوا إلى سب الرسول صلى الله عليه وسلم, واتهامه بأنه ساحر أو مجنون ونحو ذلك – فلما لم يوجد منهم ما يقدح في دلالة الأدلة الشرعية, دلَّ على أنهم عقولها, وعرفوا جريانها على مقتضى العقول.
الثالث: إنه لو فرض وقوع التنافي والتعارض بين الأدلة الشرعية وقضايا العقول للزم سقوط التكليف عن جميع الناس – وبيان ذلك: أن الاستقراء دل على أن التكليف يعتبر فيه تمكن العقل من التصديق بالأدلة الصحيحة، ويوضحه أن الشرع لم يلزم تكليف المعتوه والصبي والنائم – لعدم وجود مقتضى التصديق – وهو العقل – ويساويه كذلك لو كانت الأدلة غير صحيحة، فلزوم تكليف العاقل بها كلزوم تكليف غير العاقل بما لا يصدقه أشد من تكليف من لا يتمكن من الحكم بالصدق أو عدمه.
الرابع: إن الأدلة الشرعية لو نافت قضايا العقول لكان الأمر بالتصديق بها تكليفاً بما لا يطاق، إذ العقل لا يصدق ما لم يكن صدقاً وما لا يتصوره، فلما كان ذلك باطلاً لزم ألا تخالف الأدلة الشرعية قضايا العقول.
الخامس: إن الاستقراء دل على أن الأدلة الشرعية جارية على مقتضى العقول بحيث تصدقها العقول الراجحة وتنقاد لها.
وعبارة الرازي المتقدمة تفصح عن حقيقة مذهبه القاضي بتحكيم العقل على الشرع وهذا يناقض ما أطبق عليه الأشاعرة من عدم تحسين العقل وتقبيحه. – وستأتي مناقشة الرازي في كلمته (الظواهر النقلية) عند مسألة التأويل إن شاء الله.
ثم قال الرازي مبيناً للأحوال الأربعة:
"إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال، وإمِّا أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال، وإما أن يصدق الظواهر النقلية, ويكذب الظواهر العقلية – وذلك باطل – لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم, وظهور المعجزات على محمد صلى الله عليه وسلم، ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهماً غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل والرازي لا يريد بقوله هنا: العقل: الغريزة التي فينا لأنه شرط في كل علم عقلي, وسمعي, وما كان شرطاً في شيء يمتنع أن يكون منافياً له... وإنما يريد به هنا: العلوم التي استفدناها بتلك الغريزة. وبهذا المعنى فإنه لا يريد يكون العقل أصلاً أنه أصل في ثبوت السمع في نفس الأمر، وإنما يريد به كونه أصلاً في علمنا بصحته، وهذا موضع المناقشة معه. لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً, وأنه باطل، ولما بطلت الأقسام الثلاثة في الأصل: الأربعة – والصواب ما أثبته. لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية" ((أساس التقديس)) (ص: 172-173).
والمناقشة من وجهين:
الوجه الأول: إن المقارنة التي قام بها الرازي غير صحيحة حيث إنه قابل بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية، والصواب أن تكون المقابلة بين الأدلة الشرعية وبين الأدلة البدعية.
وبيان ذلك: أن الدليل الشرعي قسمان: قسم شرعي, سمعي, عقلي، بمعنى أن المستدل عليه أثبته الشرع, ودلَّ عليه بأدلة عقلية، وهذا القسم هو أكثر الأدلة النقلية، المشتملة على الأمثال المضروبة وغيرها في القرآن والسنة، الدالة على توحيد الله تعالى, وصدق رسله, وعلى المعاد – ويدخل فيه ما أباحه الشرع ونبه عليه انظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لشيخ الإسلام (1/198-200).
وقسم شرعي سمعي، بمعنى أن الشيء المستدل عليه في هذا القسم "لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق، فإنه إذا أخبر بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك شرعياً سمعياً" انظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لشيخ الإسلام (1/199).
فعلى هذا التقسيم لم يبق دليل صحيح إلا ودخل في هذا التقسيم، ثم يبقى ما عداه بدعياً – وبالله التوفيق.
الوجه الثاني: بعد العلم بأقسام الأدلة الشرعية، فإنه يكون مناط الترجيح – على فرض وقوع التعارض – بين قطعية دلالة الدليل وظنيته، لا على كونه سمعياً أو عقلياً. والقسمة العقلية لوقوع التعارض تكون هكذا:
إذا تعارض دليلان شرعيان سواء كانا عقليين، أو سمعيين، أو كان أحدهما سمعياً والآخر عقلياً، فإما أن يكون قطعيين، أو ظنيين، أو أحدهما ظنياً والآخر قطعياً من حيث الدلالة.
والصورة الأولى: وهي أن يكون الدليلان قطعيين ممتنعة الوقوع.
وأما الصورة الثانية: وهي أن يكون الدليلان ظنيين، فإنه يصار إلى طلب ترجيح أحدهما على الآخر – في حالة تعذر الجمع – بأي نوع من أنواع الترجيحات الصحيحة المعتبرة، ويقطع النظر عن كون الدليل الشرعي سمعياً كان أو عقلياً. فإن لم يوجد مرجح قدم السمعي.
وأما الصورة الثالثة: وهي أن يكون أحد الدليلين قطعياً والآخر ظنياً، فإنه يقدم القطعي على الظني لرجحانه – وهو واضح انظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/79-80).
فالرازي جعل مناط تقديم الدليل عند التعارض كون العقل أصلاً للنقل، ولم يجعل مناط التقديم قطعية الدليل أو رجحانه.
فعلى هذا فاته أمران:
الأول: تقديم دلالة القطعي على الظني.
الثاني: تقديم دلالة الأرجح.
ثم إن الرازي جزم بتقديم الدليل العقلي على الدليل النقلي مطلقاً عند التعارض! باعتبار الأمور الآتية:
الأول: إن الأدلة العقلية أصل في معرفة صحة الأدلة النقلية!
الثاني: إن القدح في الدليل العقلي قدح فيه وفي النقلي!
والجواب:
إن الرازي نص على أن الأدلة العقلية التي هي أصل في معرفة صحة الأدلة النقلية تنحصر في إثبات الصانع وصفاته، ودلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم, فعلى هذا فإن دعواه أعمُّ من الدليل، فإن دليله دالٌّ على أن بعض الأدلة العقلية هي أصل في معرفة الشرع فتقدم، ودعواه: تقديم كل الأدلة العقلية، فلا يدل دليله على الدعوى كلها, وإنما على بعضها – وهذا الجواب تسليمي. انظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/173).
وإما الجواب الإنكاري: فيقال:- ما هي الأدلة النقلية التي تخالف الأدلة العقلية المثبتة لوجود الله والرسالة؟
والمتفق عليه بين الأشاعرة أن الأدلة الدالة على صفات الأفعال اللازمة والمتعدية، إنما تدل على قيام الحوادث بذات الباري، وهذا يخالف ويناقض دليل الحدوث المقام لإثبات وجود الباري!. وأيضاً فالأدلة الدالة على الصفات المتقدمة وعلى صفات الذات الخبرية إنما تدل على التركيب والجسمية – وهذا ينافي الوحدانية في زعمهم.
وجواب كلامهم: هو أن ما توهموه من أدلة عقلية هي في الحقيقة أوهام وشبهات وخيالات باطلة لا يعارض بها الكتاب والسنة، مع العلم بأنه قد قام الدليل على صحة السمع للإجماع على عصمة المبلغ، وأنه لا يمكن الشهادة بصحة كل الأمور العقلية، وقد تقدمت مناقشة عباراتهم المجملة هذه – من الجسمية والتركيب – سابقاً. وبالله التوفيق.
والصواب: إنه لا يمكن إثبات وجود الباري إلا بإبطال ما سلكوه من دليل الحدوث انظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/194). وقد تقدم هذا أيضاً مفصلاً في مبحث إثبات وجود الله عندهم.
مع أننا لا نسلم ابتداءً أن الدليل العقلي يكون أصلاً للدليل النقلي – فإنه قد تقدم أن إثبات وجود الله تعالى أمر فطري فطر الله عليه الخلق، فماذا بقى بعد هذا من الأدلة التي يقال إنها أصل للدليل النقلي؟ والغريب أن الرازي أطلق كذلك القول بأن الأدلة العقلية أصل! مع أن الأدلة العقلية منها ما هو فاسد ومنها ما هو صحيح!
ثم أما المسألة الثانية: وهي أن القدح في الدليل العقلي قدح فيه وفي النقلي فقول متناقض أيضاً، إذ أنه يلزم كذلك من القدح في الدليل النقلي القدح في الدليل العقلي – فإن العقل قد شهد بصحة السمع، فإذا طعن فيه ثانية كان ذلك دليلاً على الطعن في شهادته بصحته أولاً انظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/170-171).
وإذا قيل: إن صحة النقلي مشروطة بتصحيح العقلي له أو معلقة به، فقول مآله إلى الكفر – والعياذ بالله – إذ هو يساوي القول: بأن الإنسان يؤمن بالرسول – صلى الله عليه وسلم ما لم يظهر له ما يناقض العقل!- وهذا كله من الارتياب والشك الموجب لكفر صاحبه انظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/170-171). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف -  2/588

انظر أيضا: