موسوعة الفرق

المطلب الخامس: هل العشق أعظم من المحبة؟


  تبين مما تقدم أن مرتبة الفناء في الله والخروج عن طور البشرية يعتبر غاية الغايات عند النقشبندية وأن كل أذكارهم وطقوسهم إنما هي لأجل ذلك.
وجعل محمد أمين الكردي العشق لمرتبة خواص الخواص: «ومحبتهم لله عبارة عن التعشق الذي ينمحي به العاشق عند تجلي نور معشوقه» ((تنوير القلوب)) 487.
  مع أن الله لم يذكر مرتبة أفضل من مرتبة يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] وكذلك ((لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) رواه البخاري (6502) ولم يقل: (يفنى فيهم ويفنون فيه) أو: (يعشقهم ويعشقونه). ولا يتصور مؤمن أن يحب الله أحدا أكثر من رسوله وأصحاب رسوله ولم يقل منهم أحد أنه يعشق الله أو أن الله يعشقه. وهذا هو قول العز بن عبد السلام.
  والعشق لفظ أفتى ابن عبد السلام بمنع استخدامه فيما يتعلق بمحبة الله كما في فتاويه (ص 72). وقال ابن الجوزي: « العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما ينكح». ونقل عن أبي الحسن النوري أنه سمع رجلا يقول: «أنا أعشق الله عز وجل وهو يعشقني. فقال له: سمعت الله يقول يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: 54] , وليس العشق بأكثر من المحبة»
وإنما يكثر التكلم عن الفناء والعشق عند الهندوس البراهمة كما اعترف به النقشبنديون بأن ما يحصل لهم من المكاشفات والتجليات والفناء في الله شبيه بما يحصل للهندوس البراهمية فقالوا:  «وبراهمية الهند وجوكية وفلاسفة اليونان لهم كثير من قسم التجليات الصورية والمكاشفات المثالية والعلوم التوحيدية وليس لهم من نتائجها سوى الفساد والفضاحة ولا نصيب لهم من الرحمن» ((البهجة السنية في آداب الطريقة العلية الخالدية النقشبندية)) 9 ((مكتوبات الإمام الرباني)) 218.
ولكن كيف سلموا للهندوس ذلك واعتبروا ذلك منهم كشفا وتوحيدا وهم يعلمون أنهم أكثر الناس شركا مما يؤكد أنهم إذا أطلقوا لفظ التوحيد فإنهم يعنون به وحدة الوجود!
وقد ذكروا أن طريقة الذكر عند النقشبندية تورث في قلب الذاكر سر التوحيد حتى يفنى عن نظره وجود جميع الخلق ويظهر له وجود الواحد المطلق في المظاهر» ((المواهب السرمدية)) 90.
وذكر عبيد الله أحرار أن الله إذا تجلى في قلب العبد يمحو منه الغير فلا يبقى فيه إلا هو، فيسمع القلب حينئذ (سبحاني ما أعظم شأني) و (أنا الحق) و (هل في الدارين غيري) ((المواهب السرمدية)) 162.
وقالوا: إذا توجه الشيخ إلى قلب المريد تحصل للمريد الحركة العلمية: فيخرج من دائرة الإمكان إلى دائرة الوجوب ((نور الهداية والعرفان في سر الرابطة والتوجه وختم الخواجكان)) 76. وهذا الكلام يفهمه من يعلم ما اصطلح عليه علماء الكلام حيث يقسمون الموجودات إلى وجود واجب وهو الله، ووجود ممكن وهو كل ما سوى الله من المخلوقات.
وخطر ببال أحد الواقفين أمام الشيخ محمد سيف الدين الفاروقي أن هذا الشيخ متكبر فعرف ما في قلبه وقال له: تكبري من تكبر الحق تعالى. والقصة نفسها منسوبة إلى بهاء الدين نقشبند ((المواهب السرمدية)) 215 ((الأنوار القدسية)) 200 ((جامع كرامات الأولياء)) 1/204 ((الحدائق الوردية في حقائق أجلاء الطريقة النقشبندية )) قارن بين 135 و200 وحكاها السرهندي الفاروقي في مكتوباته ص 79.
وفي معنى قوله تعالى إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: 1], أي: أعطيناك شهود الأحدية في الكثرة» ((الأنوار القدسية)) 162. فهؤلاء اتحاديون وَحْدويون حلوليون يدعون إلى وحدة الوجود.

انظر أيضا: