trial

موسوعة الفرق

المطلب التاسع: مقام الخمر والسُكر


وكعادة السرهندي يعتذر عن مثل هذه الأقوال بأنها حصلت في حالة سكر الولي وغياب عقله. وهو عذر أقبح من ذنب.
ويتغنون بمقام السكر والخمر ومدح المخمورين. ((تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب)) (ص492).  فيقولون كما ذكر الكردي:   


فيا حادي العشاق قم واحْدُ قائمـا




ودندن لنا باسم الحبيب وروحنـا



وصُن في سرنا سُكرنا عن حسودنا




وإن أنكرت عيناك شيئًا فسامحنا


فإنا إذا طبنا وطابت قلوبنا  




وخامرنا خمر الغرام تهتكنا



فلا تلم السكران في حال سكره  




فقد رفع التكليف في سكرنا عنا



وسلم لنا فيما ادعـيـنـاه إنـا  




إذا غلبت أشواقنا ربما بحنـا


وقد اعترف السرهندي كبير النقشبنديين صدور فظائع الكلام من مشايخ الطريقة النقشبندية، كقولهم بأن الولي أفضل من النبي وقول الواحد منهم أنا الحق وسبحاني ما أعظم شأني. ولكنه بررها فقال «وما وقع في عبارات مدح الكفر والترغيب في شد الزنار فمصروف عن الظاهر المتبادر فإنهم معذورون بغلبة السكر في ارتكاب هذه المحظورات» ((مكتوبات الإمام الرباني)) السرهندي (ص 33) وكذلك (ص114) . .
السرهندي يعتبر الإنسان على صورة الله:
واعتبر السرهندي أن الإنسان نسخة جامعة من عالم الإمكان بطريق الحقيقة، ومن طريق الوجوب بطريق الصورة أن الله خلق آدم على صورته.
قال: فالله خلق آدم على صورته وهو منزه عن الشبيه والمثلية:
فكذلك خلق الله روح آدم التي هي خلاصته على صورة لا شبيهة ولا مثلية.
وكما أن الحق سبحانه لا مكاني: فكذلك الروح لا مكانية.
ونسبة الروح إلى العالم كنسبة الله تعالى: لا داخلة في العالم ولا خارجة عنه ولا متصلة به ولا منفصلة عنه... وانتهى إلى أن خلق العالم يدل على أصله.
وصرح بأن كمالات الإنسان مستفادة من كمالات الرب ومن هنا ورد أن الله خلق آدم على صورته ومعنى من عرف نفسه عرف ربه.
فلا جرم كان الإنسان خليفة الرحمن ولا عجب: فإن صورة الشيء خليفة الشيء.
وما لم يُخلق على صورة شيء لا يليق بخلافه شيء ((مكتوبات الإمام الرباني)) السرهندي (ص373) وكذلك (ص326) حول النص الذي قبله. .
ووصف القلب بالعرش المجيد وأنه لو ألقي عرش الرحمن وما فيه في زاوية من قلب العارف لما أحس به صاحبه لأن القلب جامع للعناصر والأفلاك والعرش والكرسي... بل لصار العرش مضمحلا ومتلاشيا، ومن هذا القبيل كلام بعض المشايخ الذين صدر عنهم وقت غلبة السكر كقولهم: إن الجمع المحمدي أجمع من الجمع الإلهي» المكتوبات الربانية المسماة ب((المكتوبات الشريفة)) (ص 100) وانظر (ص236)    ط: دار الكتب العلمية. .
وللتعريف بمعنى الشهود عند النقشبندية يقرر صاحب الرشحات أن للشهود معنيين:
أحدهما: شهود الذات المبرأة عن الظهور في لباس المظاهر. يفسر الكوثري ذلك أكثر بما نقله عن الإمام الرباني في مكتوباته أن الكمال في «التوحيد الوجودي: ظهور أن العبد والرب: رب» ((إرغام المريد شرح نظم العتيد لتوسل المريد برجال الطريقة النقشبندية)) (ص71). .
ولهذا يقسم النقشبنديون التوحيد إلى قسمين:
1 - توحيد وجودي: بمعنى أن تؤمن أنه لا موجود إلا واحد وهو الله. وأن كل ما سواه معدوم. قاله السرهندي. أضاف: ومثل هذا التوحيد قول الحسين بن منصور الحلاج: أنا الحق، وقول أبي يزيد: سبحاني ما أعظم شأني ((مكتوبات الإمام الرباني)) المسمى ب((المكتوبات الربانية)) (ص 56). .
2 - توحيد شهودي: أن لا تشاهد في الكون إلا الله.
وإذا كان ما سوى الله معدوما وهو كالظل، لا وجود حقيقي له ففعل ما سوى الله أيضا ليس فعلا حقيقيا وإنما هو فعل الله في الحقيقة.
نعم أقر السرهندي هذا القول فزعم أنه لما كانت إرادة البشر مخلوقة لله تعالى من غير تأثير لها في حصول المراد كانت تلك الإرادة كالميت... فلذلك فالتأثير أيضا مخلوق فيها... ففي تأثيرها لا اختيار له أصلا فيكون تأثيرها كالجماد، ثم انتهى إلى التصريح بأن المؤثر في الأفعال إنما هو قدرة الله تعالى لا تأثير لقدرة المخلوق كما هو مذهب علماء المتكلمين ((مكتوبات الإمام الرباني)) (ص 14) وكذلك أنظر (ص 28). .
وهؤلاء يصيحون في وجه ابن تيمية: من أين لك تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات؟
أما أن يقسموا التوحيد إلى قسمين كل منهما ينفي وجود ما خلق الله ويجعلون الخالق والمخلوق شيئًا واحدا فهذا تقسيم مشروع!
ويصرح صاحب كتاب (مدارج السبع) بأن «الصوفية الوجودية هم القائلون بوحدة الوجود مثل الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي وغيره رحمهم الله الذين كانوا أرباب التوحيد، وأنهم معذورون لغلبة حالهم» كتاب ((السبع الأسرار في مدارج الأخيار)) (48-50 ) ط: شركة مرتبيه مطبعة سي - استانبول 1331. .
فالتوحيد لفظ شرعي شريف صار هؤلاء يطلقونه ويصطلحون فيما بينهم على أن معناه وحدة الوجود. فلا تغتر بلفظ التوحيد إذا ذكره النقشبنديون فإنهم يريدون به الفناء بالله ووحدة وجود الممكن بالواجب. تعالى الله عما يقولون.

انظر أيضا: