trial

موسوعة الفرق

المبحث السادس: كرامات أم خرافات ؟


بجانب ما سقته عن الرفاعية من الكرامات التي تجعل لله شركاء في التصرف والقدرة وحيازة كلمة التكوين. فإني أذكر هنا نوعا آخر من الكرامات، وهي هذه المرة كرامات أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.
ولأضرب مثالا على الحد الذي وصلت إليه هذه الكرامات أنقل ما أورده النبهاني عن أحد الأولياء أنه كان كثير التطور والتغير:
فتارة تدخل عليه فتراه وحشا، وتارة تدخل فتجده فيلا، وتارة تدخل فتجده صبيا صغيرا. ((جامع كرامات الأولياء)) 1) / 404).  
ويذكر عن ولي آخر أنه: كان إذا أراد دخول الباب فوجده مقفلا: يدخل من شقوقه التي تعجز النملة عن دخولها. ((جامع كرامات الأولياء)) (2 / 180) .
وإيراد مثل هذه الحكايات على أنها كرامات هو استخفاف بالكرامة وهبوط بها إلى حد المهزلة، واستخفاف بعقول الناس، وتعريض لبعض الجهال منهم إلى فتنة إنكار الكرامة من أصلها لما يراه من أنواع الترهات المسماة بالكرامات. فيخرج بسببها عما اتفق عليه أهل السنة من ثبوت الكرامة. وبالمناسبة فإن استخدام لفظ «الترهات» في حق الصوفية إنما هو صوفي المنشأ وليس مني:
فقد قيل للصوفي رويم: أوصني فقال: «.. ولا تشتغل بترهات الصوفية». ((روضة الناظرين)) (ص 13).
وللرفاعية كرامات قريبة من هذا النوع الذي ذكره النبهاني منها:
أن الشيخ الرفاعي سجد مرة فبقي ساجدا سنة كاملة لم يرفع رأسه أبدا حتى نبت العشب على ظهره. ((قلادة الجواهر)) (ص 340)، ((خزانة الإمداد)) (ص 36). ويتساءل المرء: أين أداء الصلوات المفروضة خلال فترة السنة هذه من جمعة وجماعة؟
بل حكى عنه أتباعه أنه حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل ساجد على صخرة منذ ثلاثمائة سنة . ((حالة أهل الحقيقة مع الله)) (ص 107).
وذكروا أن الشيخ رجب الرفاعي كان كثيراً ما يتواجد في حلقة الذكر فيقطر من عرقه العطر النفيس الخالص كما يقطر المطر. ((تنوير الأبصار)) (ص 119)، ((خزانة الإمداد)) (ص 159).
وأن الشيخ منصور - خال الشيخ الرفاعي - كان إذا فتح فمه يخرج منه عمود من نور يخرق السموات السبع. ((قلادة الجواهر)) (ص 44).
قال الصيادي: « (أبو الفتح الواسطي) من أكابر أحمد الرفاعي. كان يقول: اسمعوا هذا الكلام الذي له خمسة آلاف سنة ما تكلم به أحد غيري. ((قلادة الجواهر)) (ص 405).
أي حتى قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم .
من كرامات الواسطي هذا أنه كان هناك خطيب لجامع العطار ينكر على الواسطي أشد الإنكار، وكان هذا الخطيب على منبره، فتذكر أنه جنب، فمد له الشيخ أبو الفتح كمه فوجده « زقاقا» - أي وجد في كمه شارعا ضيقا - فرأى فيه ماء ومطهرة، فاغتسل وخرج وعاد على منبره يخطب، فلما ستره الشيخ الواسطي هذه السترة: اعتقده وصار من أجل أصحابه ((قلادة الجواهر)) (ص 405)، ((طبقات الشعراني)) (1/202)، ((جامع كرامات الأولياء)) (1 / 285) .
وبقي الشيخ عثمان بن مروزة البطائحي الرفاعي شاخصا بصره إلى السماء سبع سنوات دون طعام ولا شراب. ثم ما لبث أن «عاد إلى بشريته» فقيل له: اذهب إلى قريتك وجامع أهلك فقد أن ظهور ولد منك. فلما أراد مجامعة أهله صعد السطح ونادى في أهل القرية: يا أهل القرية، أنا فلان، اركبوا فإني سأركب فبلغهم الله صوته وأفهمهم معناه، فمن وافقه تلك الليلة رزق ولداً صالحاً. ((جامع كرامات الأولياء)) (2 / (142 .
أما الشيخ عبد الله الكيال الرفاعي الحلبي فكان يشكو من رجل غير مسلم يكثر من الإنكار عليه، فنظر الشيخ إليه نظرة وهز رأسه، فصار ذلك الرجل يهز رأسه أيضاً، وتركه الشيخ الكيال وذهب، فبقي على حاله أياما يهز رأسه، ثم ما لبث أن مات. ((سر الحال)) (ص 145).
وكان الشيخ عقيل المنبجي - من كبار أصحاب الشيخ الرفاعي - يقول: « أعطاني الله الكلمة النافذة في كل شيء. ثم قام وقال: يا هوام يا حجارة يا شجر صدقوني. فوفدت الوحوش من الجبل، وملأ زئيرها وصراخها البقاع ودارت حوله ورقصت الحجارة. فهذه صاعدة، وهذه نازلة، واشتبكت الأغصان ببعضها». ((ترياق المحبين)) للواسطي (ص 46)، ((روضة الناظرين)) (ص 36).
وكان الشيخ عبد الله بن حماد الرفاعي يعمل ميعاد السماع (الأناشيد الصوفية) حول شجرة فحصل لأصحابه وجد وأحوال، فالتفت نحو الشجرة وقال لها:


لقد رقص القلوب وتلك صخر




فلم لا ترقصين وأنت عشب

فصارت الشجرة تهتز رقصا حتى اقتلعت من أصولها. ((إرشاد المسلمين لطريقة شيخ المتقين)) 120)- 121)، ((العقود الجوهرية)) (ص 41)، ((روضة الناظرين)) (ص 122).
وأنشد إبراهيم الأعزب سماعا (نشيدا صوفيا) فتواجد ثم صاح ونادى: يا للرجال قال راوي الحادثة: «فرأيت رجال الغيب ينزلون عليه من الهواء مثنى وثلاث ورباع ». ((إرشاد المسلمين)) (ص 98)، ((قلادة الجواهر)) (ص 337)، ((روضة الناظرين)) (ص 87).
وإبراهيم هذا كان من أحب الناس إلى الشيخ أحمد فقد قال له مرة: « يا إبراهيم، رمى العزيز محبتي ومحبتك في الماء والهواء، فكل من شرب الماء وشم الهواء أحبني وأحبك ». ((قلادة الجواهر)) (ص 330)، ((روضة الناظرين)) (ص 90).
ودخل الشيخ عمر الحريري - شيخ الطريقة الرفاعية بحماه - إلى حجرته الكبيرة مع صديقه السيد عبد الله أفندي الحلبي، وإذ به يملأ الحجرة بعد أن كبر حجمه أضعافاً عما كان عليه في خلال لحظات، فارتعد السيد عبد الله، فطمأنه الشيخ عمر، وأخبره أن ما حصل له إنما كان من فرحته بحضور روحانية المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الحجرة. ((تنوير الأبصار)) (ص 118).
وذكر الشيخ أحمد الصياد الرفاعي - من سلالة الشيخ أحمد الرفاعي -: «كنا كلما مررنا على نهر ماء استقبلت السمك الشيخ أحمد من النهر إلى الشاطئ وازدحمت على قدميه، وكذلك الدواب والغزلان في البر تقف على حافتي الطريق وتزدحم على شم قدميه الشريفين. ((قلادة الجواهر)) 102) و 340)، ((خزانة الإمداد)) (ص 36). وذكروا أن الأسماك كانت تسأل الرفاعي بحق الله أن يأكلها. ((قلادة الجواهر)) (ص 73)، ((طبقات الصوفية)) لابن الملقن (ص 99).
ووقع بين الشيخ بهاء الدين الرواس وإحدى الأشجار مساجلة كلامية حين كان مع قافلة إذ توقفت فطلب الشيخ من أحد ركاب القافلة أن يسمح له بأن يستظل تحت خيمته فأبى الرجل. وإذا بشجرة تنادي الشيخ وتخاطبه مشافهة وبصوت تقول له: ما أقل حظ صاحب هذه الخيمة، ما أبعده عن ربه، بالله عليك يا ولي الله تعالى شرفني باستظلالك عندي». ((بوارق الحقائق)) (ص 66).
وثبت عند الشيخ عز الدين الصيادي أن الشيخ أحمد كان إذا صعد الكرسي يسمع كلامه القريب والبعيد من إخوانه حتى الأطرش والأصم، فإن الله يفتح سمعهما لكلامه فإذا انتهى الدرس عادا إلى الصمم والبكم. ((المعارف المحمدية)) (ص 120)، ((جامع كرامات الأولياء)) (1/142)، ((إجابة الداعي)) للبرنزحي الرفاعي (ص 16). وكان الشيخ القطناني في دمشق يسند رأسه إلى الحائط ويسمع دروس الشيخ الرفاعي في العراق وبينهما من المسير مسافة شهرين. ((روضة الناظرين)) (ص 132)، ((المعارف المحمدية)) (ص 120)، ((جامع كرامات الأولياء)) للنبهاني ( 1/142).
ورأى الشيخ القوصي النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول له: « ولدي السيد أحمد الرفاعي يربي بحاله أكثر مما يربي بمقاله. فقام مرعوبا وأتى الشيخ الرفاعي فتبسم الشيخ له وقال: الرجل الكامل يربي بحاله أكثر مما يربي بمقاله. ((سلاسل القوم)) (ص 22)، ((سواد العينين)) (ص 4)، ((ترياق المحبين)) (ص 5)، ((روضة الناظرين)) (ص 57).
وذكروا أن الشيخ أبا السعود أبا العشائر الواسطي كان إذا خلع نعليه يسمع الناس له أنينا كأنين المريض، فسألوه عن ذلك فقال: هي نفسي أخلعها عند النعال فتحدث أنينا عند زوال تكبرها. قالوا: وكان يصوم في المهد. ((قلادة الجواهر)) (410 – 411) .
وحكى الصيادي أن رجلا حضر عند الرفاعي فقال له: « يا سيدي أنت تعطي الناس يدك يقبلونها فقال: ما يقبلون يدي وإنما يقبلون اسم الله العظيم. ثم مد الرفاعي أصابعه وقال: أنظر إلى أصابعي فإنها اسم الله تعالى، ففرق أصابعه وأقام الخنصر في مقام الألف والبنصر والوسطى في مقام اللامين وضم الإبهام بالسبابة حتى صار بشكل الهاء من اسم الله تعالى فتعجب الرجل». ((قلادة الجواهر)) 198)) .
وذكر الصيادي أن رجلا كان يكثر من أن يقول: لا إله إلا الله. فوقع يوما على رأسه جذع فانشج رأسه وجرى الدم فكتب على الأرض: الله الله. ((ضوء الشمس في قول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس)) للصيادي 1)/74). جمعه عبد الحكيم عبد الباسط .
ويحكي لنا الصيادي عن ديك الذي عند عرش الرحمن يصيح عند الصلوات الخمس ويراه أحد أولياء الرفاعية من الأرض. فيروي أن مؤذنا أذن لصلاة العصر فقال أبو الوفا للشيخ أبي محمد الشبنكي: « يا سيدي إن هذا المؤذن أذن قبل ديك العرش فأراد أبو محمد أن يمتحن كشفه وفراسته فقال له: وأنت ترى ديك العرش؟ قال نعم قال: أرنيه فقال: يا سيدي ضع قدميك على قدمي وارفع بصرك إلى هذه الجهة العلية تراه. ففعل فرأى صحة قوله ورؤياه ففرح به وسجد لله شكرا لله الذي جعله ينظر إلى العالم العلوي. ((ترياق المحبين)) (ص 42)، ((روضة الناظرين)) (ص 27).
وحتى ماء بيوت مشايخ الطريقة كانت بمثابة ماء «زمزم» بالنسبة للمريدين.
فقد كانت ماء بيت الشيخ محمود الأسمر مجربة لقضاء الحوائج والإبراء من العلل، وقد جربها أهل البصرة فنفعهم الله بها.
وكذلك ماء بيت الشيخ عبد الرحمن بن إبراهيم العربي الرفاعي «مجربة»، فهي أعظم دواء لحل العقد وشفاء المرض وحصول الحاجات. ((خزانة الإمداد)) (110 و 121)، ((روضة الناظرين)) ( 115 – 116) .
هذه بعض ما تجده عن الرفاعي ومشايخ الطريقة في كتب الرفاعيين وهي في الحقيقة إنما تبعث على الاستهزاء بهم وبشيخهم الرفاعي رحمه الله وتجعلهم موضع النكتة والسخرية، ولهذا أعيد ما صدرت ذكره في باب الكرامات من أن الرفاعي كان محقا حين قال:
« واحذر الفرقة التي دأبها تأويل كلمات الأكابر والتفكه بحكاياتهم وما نسب إليهم، فإن أكثر ذلك مكذوب عليهم ». ((الكليات الأحمدية))122) - 123) . الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص75- 80


انظر أيضا: