موسوعة الفرق

المطلب التاسع: هل الصفة هي الموصوف أو غيره؟


هذه المسألة شبيهة بمسألة: هل الاسم هو المسمى أو غيره، وكل ذلك من الألفاظ المجملة التي كان للسلف – رحمهم الله – فيها موقف واضح محدَّد، وهو أنه لا ينبغي إطلاق النَّفي ولا الإثبات، بل لابد من الاستفصال.
والمهمُّ هنا قبل عرض الخلاف في ذلك وبيان الراجح، توضيح منشأ بحث هذه المسألة: أي مسألة هل الصفة هي الموصوف أو غيره، والتي يعبر عنها أحياناً بالقول: هل الصفات هي الذات أو غيرها، والذي يظهر أن ذلك نشأ من خلال ردود أهل الكلام على النصارى:
أ- فالنصارى قالوا: إن كلمة الله التي بها خلق كل شيء تجسدت بإنسان، فكان من ردود أهل الإسلام عليهم – لبيان باطلهم – أن بينوا تهافت قولهم: إن كلمة الله بها خلق كل شيء، لأن الخالق هو الله، وهو خلق الأشياء بقوله "كن" وهو كلامه، فالخالق لم يخلق به الأشياء، فالكلام الذي به خلقت الأشياء ليس هو الخالق لها، بل به خلق الأشياء، فضلال هؤلاء أنهم جعلوا الكلمة هي الخلق. والكلمة مجرد الصفة، والصفة ليست خالقة، وإن كانت الصفة مع الموصوف فهذا هو الخالق، ليس هو المخلوق به، والفرق بين الخالق للسموات والأرض والكلمة التي بها خلقت السموات والأرض أمر ظاهر معروف، كالفرق بين القدرة والقادر... انظر: ((الجواب الصحيح)) (2/266، 292، 3/54-55). فهؤلاء النصارى جعلوا الصفة غير الموصوف، وجعلوها خالقة، بل جعلوها حلَّت في أحد المخلوقات.
ب- وكان من آثار مناقشة أهل الكلام – وخاصة المعتزلة – للنصارى أن تطرقوا لهذا الموضوع كثيراً، فنشأت شبهة تعدد القدماء، وأن إثبات صفة لله يلزم منه أن تكون قديمة، وإذا كانت غير الموصوف لزم تعدد القدماء، فظنُّوا – أي المعتزلة – أن تحقيق التوحيد، والخلوص من شرك النصارى لا يتم إلا بنفي جميع الصفات عن الله تعالى, وبنوا ذلك على:
- أن الصفة غير الموصوف، وغير الذات.
- وأن الصفة لله لابد أن تكون قديمة.
والنتيجة أن إثبات الصفات لله يلزم منه تعدد القدماء، وهو باطل انظر: تفصيل مذهب المعتزلة في ((المحيط بالتكليف)) (ص: 177 وما بعدها)، ط مصر، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص: 195-197)، و((المختصر في أصول الدين)) (1/182-183) ضمن رسائل العدل والتوحيد.
والعجيب أن هؤلاء المعتزلة – هم أرباب الكلام, والبحث في المعقولات – لم تستوعب عقولهم أن الذات لا يمكن أن تنفك عن صفاتها، ومن ثمَّ فلا شبهة ولا تعدد.
ج- فلما جاءت الأشعرية وغيرهم اهتموا ببحث هذه المسألة، وصاروا يستخدمون عبارات معينة عن بيان قدم الذات والصفات، كأن يقولوا: الربُّ قديم، وصفته قديمة، ولا يقولون: الربُّ وصفاته قديمان لما في العطف والتثنية من الإشعار بالتغاير، أو يقولون: الربُّ بصفاته قديم، وهكذا. كما بينوا أن الصفات لا يقال هي الذات ولا غيره، حذراً من هذه الشبهة التي وقع فيها المعتزلة.
وخلاصة الأقوال في الصفة هل هي الموصوف أو غيره هي:
1- قول من يقول: الصفة غير الموصوف، أو الصفات غير الذات، وهذا قول المعتزلة, والكرامية، والمعتزلة تنفي الصفات، والكرامية تثبتها انظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/336).
2- قول من يفرق بين الأمرين، ولا يجمع بينهما، فيقول: أنا أقول مفرقاً: إن الصفة ليست هي الموصوف، وأقول: إنها ليست غير الموصوف ولكن لا أجمع بين السلبين فأقول: ليست الموصوف ولا غيره، لأنَّ الجمع بين النَّفي فيه من الإيهام ما ليس في التفريق، وهذا قول أبي الحسن الأشعري، الذي يقول على هذا: الموصوف قديم، والصفة قديمة، ولا يقول عند الجمع: قديمان، كما لا يقال عند الجمع: لا هو الموصوف, ولا غيره انظر: ((رسائل إلى أهل الثغر)) (ص: 70-71) (وقد نسب إليه ابن فورك في المجرد ص: 38، أنه يقول: لا يقال لصفاته هي هو ولا غيره) وانظر أيضاً: ((الرسالة الأكملية)) – ((مجموع الفتاوى)) (6/96)، و((جواب أهل العلم والإيمان – مجموع الفتاوى)) (17/160)، و((درء التعارض)) (5/49).
3- جاء بعد الأشعري من الأشاعرة من يجوز الجمع بين السلبين، وصاروا يقولون: ليست الصفة هي الموصوف ولا غيره، كما صاروا يجوزون إطلاق القول بإثبات قديمين، وصار هؤلاء يردُّون على المعتزلة الذين قالوا لهم: يلزم من ذلك إثبات قديمين بعدة ردود منها "أن كونهما قديمين لا يوجب تماثلهما, كالسواد والبياض اشتراكا في كونهما مخالفين للجوهر، ومع هذا لا يجب تماثلهما, وأنَّه ليس معنى القديم معنى الإله... ولأنَّ النَّبيَّ محدث, وصفاته محدثة، وليس إذا كان الموصوف نبيًّا وجب أن يكون صفاته أنبياء؛ لكونها محدثة، كذلك لا يجب إذا كانت الصفات قديمة والموصوف بها قديماً أن تكون آلهة لكونها قديمة" ((درء التعارض)) (5/50)، وقارن بـ ((التدمرية)) (ص: 118) – المحققة. ، وهذا قول الباقلاني انظر ((التمهيد)) (ص: 206-207، 210-212))، و((رسالة الحرة)) (المطبوعة باسم الإنصاف) (ص: 38). ، والقاضي أبي يعلى انظر: ((المعتمد)) (ص: 46).
4- أن هذا الكلام فيه إجمال، وأن لفظ "الغير" فيه إجمال، ومن ثَمَّ فلابد من التفصيل، وهؤلاء لا يقولون عن الصفة: إنها الموصوف, ولا يقولون: إنها غيره، ولا يقولون: ليست هي الموصوف ولا غيره. ويلاحظ أن المقصود ليس إثبات قول ثالث كما هو قول الباقلاني والقاضي أبي يعلى الذين قالوا ليست الصفة هي الموصوف ولا غيره – فإن هذا قول ثالث، بل المقصود أنه لا ينبغي الإطلاق: نفياً وإثباتاً، وهم تركوا إطلاق اللفظين لما في ذلك من الإجمال.
وهذا قول جمهور أهل السنَّة، كالإمام أحمد وغيره، كما أنَّه قول ابن كلاب انظر: ((جواب أهل العلم والإيمان))(17/159-160)، و((درء التعارض)) (2/270، 5/49)، وانظر: ((مقالات الأشعري)) (ص: 169-170) – ريتر.
وهؤلاء قالوا: لفظ "الغير" فيه إجمال".
- فقد يراد به المباين المنفصل، ويعبر عنه بأن الغيرين ما جاز وجود أحدهما وعدمه، أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان, أو مكان, أو وجود.
- وقد يراد بالغير ما ليس هو عين الشيء، ويعبر بأنه ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر انظر: ((درء التعارض)) (1/281)، و((جواب أهل العلم والإيمان – مجموع الفتاوى)) 17/160-161، و((المسألة المصرية في القرآن – مجموع الفتاوى)) (12/170)، و((السبعينية)) (ص: 96-97) – ط الكردي -.
وهناك فرق بين الأمرين، وعلى هذا فيفصل الأمر:
1- فإذا قيل: هل الصفات هي الموصوف أو غيره؟ قيل: إن أريد بالغير الأول، وهو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر، فليست الصفة غير الموصوف، وإن أريد بالغير المعنى الثاني – وهو ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر – فالصفة غير الموصوف.
فمن قال: عن الصفة هي الموصوف، قاصداً بذلك أنها ليست غيره بالمعنى الأول للفظ الغير، فقوله صحيح، وكذا إن قال: الصفة غير الموصوف قاصداً بالغير المعنى الثاني فكلامه صحيح أيضاً. وعكس الأمرين باطل، والسلف يقولون بهذا التفصيل، ومن المعلوم أن الموصوف لا تنفك عنه صفاته.
2- وإذا قيل: هل الصفات زائدة على الدليل، أو هل الصفات هي الذات أو غيرها؟ قالوا: إن أريد بالذات المجردة التي يقر بها نفاة الصفات فالصفات زائدة عليها، وهي غير الذات، وإن أريد بالذات الذات الموجودة في الخارج فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة والصفات ليست زائدة على الذات، ولا غيرها بهذا المعنى.
ومن ذلك يتضح خطأ وصواب من أطلق القول بأن الصفات غير الذات أو هي الذات لشيخ الإسلام ملاحظة دقيقة هنا، وهي أنه يجب أن يفرق بين قول القائل: إن الصفات غير الذات وقوله: إنها غير الله، لأن لفظ "الذات" يشعر بمغايرته للصفة، بخلاف اسم "الله" تعالى فإنه متضمن لصفات كماله، وعلى ذلك فإنه لا يقال: إن الصفات غير الله، لما في ذلك من الإيهام. أما القول إنها غير الذات فقد يكون صحيحاً، لما في التعبير بالذات من الإشعار بأن المقصود الذات المجردة دون صفاتها. انظر: ((الجواب الصحيح)) (3/308)، و((الصفدية)) (1/108-109) و((درء التعارض)) (10/72). ، على حسب ما لفظ الغير، والذات من الإجمال.
وبذلك يتبين أرجحية مذهب السلف حين لم يطلقوا الأمرين في ذلك، بل فصلوا واستفصلوا عن المراد, فإن كان حقًّا قبلوه, وإن كان باطلاً ردُّوه انظر في هذه المسألة: ((التسعينية)) (ص: 108-109)، و((الدرء)) (2/230-231، 3/20-25، 5/37-50، 338، 9/136، 10/120، 231، 235). موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1090

انظر أيضا: