trial

موسوعة الفرق

المطلب الخامس: قصة نسب الرفاعي إلى آل البيت


وقد نسب بعضهم الشيخ الرفاعي إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وألف الرفاعيون العديد من الرسائل والكتب لإثبات نسبته إليه صلى الله عليه وسلم وقد تزعم هذه الحملة محمد أبو الهدى الصيادي الذي لم يزل يذكر هذه النسبة في رسائله التي كتبها عن الرفاعي، وخصص لهذا الموضوع مؤلفات منها:
1- كتاب (التاريخ الأوحد) للغوث الرفاعي الأمجد.
2- كتاب (سلاسل القوم).
وقد كان يقول: «الشيخ الإمام أحمد بن علي بن يحي بن ثابت بن حازم بن أحمد بن علي بن الحسن الملقب برفاعة بن المهدي بن محمد بن الحسن بن الحسين أحمد بن موسى بن إبراهيم المرتضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنه» ((قلادة الجواهر)) (15 و 20). .
ومع القناعة التامة بأن النسب لا يقدم ولا يؤخر في صلاح المرء أو فساده فلا يجعل الرفيع وضيعا ولا الوضيع رفيعا، فإن مدار النجاة على الإيمان والعمل الصالح، غير أنني أجد ضرورة متابعة هذه النسبة للقناعة التامة أيضاً بأن الصوفية دأبوا على ربط من يعظمون من مشايخهم بآل البيت، وعلى وضع أنساب مكذوبة عليهم مثلما فعلوا في الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى حيث نسبوه إلى أهل البيت مع أنه من قبيلة «جنكي دوست» الفارسية أنظر ((قلادة الجواهر)) (20 – 21). . وهذا الاسم كما ترى أعجمي. فالشيخ عبد القادر رحمه الله فارسي الأصل بشثبري النسب. ((مختصر عمدة الطالب)): نقلا عن ((التاريخ الأوحد)) (ص8). وقس على ذلك.
وقد أنكر المحققون نسبة الرفاعي إلى أهل البيت، منهم بعض أهل الطريقة القادرية الذي كتبوا مصنفات ورسائل تبطل ما يدعيه الرفاعية من وجود أي صلة نسب بينه وبينهم.
ومن ذلك كتاب (الفتح المبين فيما يتعلق بترياق المحبين) لظهير الدين القادري الذي نقل فيه عن العلامة شمس الدين ناصر الدمشقي أنه قال: «لم أعلم للرفاعي نسباً صحيحاً إلى علي بن أبي طالب، ولا إلى أحد من ذريته الأطايب، وإنما الذي وصل إلينا وساقه الحفاظ وصح لدينا أنه: أبو العباس أحمد بن الشيخ أبي الحسن علي بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة المغربي الأصل البطائحي الرفاعي، نسبه إلى جده الأعلى رفاعة، قدم والده أبو الحسن رحمة الله عليه من بلاد المغرب فسكن البطائح». ((الفتح المبين)) (ص102) ط: المطبعة الخيرية 1306 - القاهرة.
وكذلك نفى عالم الأنساب «ابن طباطبا» هو وتلميذه ابن معية أن تكون للرفاعي أية صلة بأهل البيت منكرا أن يكون هنالك أبو القاسم محمد بن الحسن بن الحسين بن أحمد بن موسى». ونقل الصيادي عنهما قولهما:
« وما رأينا ممن يملي النسب للحسين ذكر ولدا اسمه محمد أبو القاسم».
ثم قالا: «ولم يذكر أحد من علماء النسب للحسين بن أحمد ولدا اسمه محمد، ولم يدّعِ السيد الرفاعي هذا النسب وإنما ادعاه أولاد أولاده». ((التاريخ الأوحد)) (46 – 50).
وكذلك تعقب علامة العراق الشيخ محمود شكري الألوسي، دعوى النسب الصيادي التي نافح عنها الصيادي مؤكدا على أن دعوى الانتساب إلى إبراهيم المرتضى من موسى الكاظم رضي الله عنه لا أصل لها.
قال: «فقد نقل عن صاحب (مختصر عمدة الطالب) أن الشيخ أحمد الرفاعي لم يدع هذا النسب وإنما ادعاه البطن الثالث من ولده ويقولون: أحمد بن علي بن الحسين المهدي بن أبي القاسم بن محمد بن الحسين بن أحمد بن موسى بن إبراهيم المذكور. قال أبو نصر البخاري: لا يصح لإبراهيم المرتضى عقب إلا من موسى وجعفر، ومن انتسب إلى غيرهما فهو كاذب». ((غاية الأماني في الرد على النبهاني)) (1 / 223 - 224).
وحتى الشيخ عبد الوهاب الشعراني الصوفي الذي لم يزل يذكر الرفاعي ومناقبه وأحواله فإنه لم يذكر هذا النسب، وإنما أورد عبارة توحي بالشك في صحة النسبة إلى أهل البيت، فإنه قال: «أحمد بن أبي الحسين الرفاعي منسوب إلى رفاعة قبيلة من العرب». ((طبقات الشعراني)) (1 / 140).
وبالطبع لم ترض هذه العبارة الرفاعية فأبدى الصيادي تأسفه على كلمة:
(منسوب) التي وردت في كلام الشعراني حتى قال: « وقد عاتبه بذلك الشيخ أحمد القليوبي في تحفة الراغب على ذلك فقال: فما أدري من أين أتى الشيخ رحمه الله بهذه النسبة ». (( التاريخ الأوحد )) (ص29)، ((قلادة الجواهر)) (22).
ثم إن عامة المؤرخين أصحاب الطبقات ترجموا للرفاعي ولم يتطرق واحد منهم إلى ذكر نسبته إلى أهل البيت.
فالسبكي ترجم للرفاعي في طبقاته ولم يذكر هذه النسبة. فإنه قال:
«الشيخ الزاهد الكبير أحد أولياء الله العارفين والسادات المشمرين، أهل الكرامات الباهرة أبو العباس بن أبي الحسن الرفاعي المغربي، قدم أبوه إلى العراق... » ((طبقات السبكي ))4) / 40) ط: دار المعرفة. انتهى.
وكذلك الأمر بالنسبة لعامة المؤرخين كالذهبي وابن كثير وابن العماد وابن الأثير وابن خلكان، فإنهم ترجموا للرفاعي ولم يذكروا له نسبة إلى أهل البيت.
مع أن من عادتهم أنهم إذا ترجموا لرجل من أهل البيت ولم يفصلوا ذكر نسبه أن يضيفوا على الأقل ما يدل على نسبته إليهم مثل أن يستعملوا عبارة: «الحسيني» أو «الحسني» أو «العلوي» مع اسمه.
مثال ذلك قال الذهبي: « الإمام القدوة أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الهاشمي العلوي الحسيني» (( سير أعلام النبلاء ))(21 / 104). .
بينما نجده يقول في ترجمته للرفاعي: «أبو العباس أحمد بن أبي الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة الرفاعي المغربي ثم البطائحي، قدم أبوه من المغرب وسكن البطائح. (( سير أعلام النبلاء)) (1 / 77 – (78.
وقد علل الصيادي غفلة المؤرخين عن ذكر نسبة الرفاعي إلى أهل البيت بأن عامتهم يعنون بالوقائع التاريخية لا على أنساب الرجال وفضائلهم. وأنكر بالتالي عليهم لإطالتهم ترجمة الكثيرين من الظلمة وأهل الدنيا المحجوبين وعدم تعرضهم لأعالي مقامات المشايخ ولا إلى أنسابهم. ((قلادة الجواهر))(ص 22).
وما قاله غير صحيح، فإن عامة المؤرخين ذكروا نسب الشيخ الرفاعي كابن خلكان وابن الأثير وابن العماد وابن كثير والذهبي وابن الوردي والصفدي انظر(( البداية والنهاية )) (12 / 312)، ((الوافي للصفدي )) (7 / 219) ، ((شذرات الذهب ))لابن العماد (4 / 259)، ((الكامل في التاريخ)) (11 / 492) لابن الأثير، ((تاريخ ابن الوردي)) 2) / 140) ، ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان 1) / (172، ((سير أعلام النبلاء)) (21 / 77).
غير أن السبب الحقيقي لنقمة الصيادي عليهم لأنهم لم يذكروا نسبة الرفاعي إلى أهل البيت، وهم محقون في عدم ذكر ذلك لعدة أسباب:
أولاً: لأنه لا يوجد ما يؤكد صحة هذا النسب.
ثانياً: إذا كان مؤرخا صوفيا كالشعراني يبدي الشك في نسبة الرفاعي إلى أهل البيت مع تعظيمه له، فلماذا يلام غيره على عدم إثباته هذه النسبة ما دام أنها مشكوك بها عند الصوفية قبل غيرهم.
ثالثاً: أن ما يذكره المؤرخ إنما يجب أن يكون موثوقا به لا شك فيه، وليس بوسع المؤرخ الثقة أن يعتمد الأقاويل والشائعات ويجمع المعلومات جمع حاطب ليل، ولذا فإن عدم ذكر هؤلاء هذه النسبة إنما يدل على أصالتهم وأنهم كانوا يتوثقون مما يدونونه في كتبهم. فهذا مما يبعث على الثقة بهم.
وليس الاختلاف حول نسبة الرفاعي إلى أهل البيت فحسب، وإنما الاختلاف أيضا حول حصول العقب منه.
فالعلامة شمس الدين ناصر الدمشقي يقول:
«إن الرفاعي لم يبلغنا أنه أعقب كما جزم غير واحد من الأئمة المرضية» ((الفتح المبين)) (ص105).
وعامة المؤرخين قد ذكروا بأن الشيخ لم يعقب وإنما العقب من أخيه. ((البداية والنهاية))(12 / 312)، ((شذرات الذهب)) (4 / 259)، ((الأعلام)) للزركلي (1 / 174) ، ((تاريخ ابن الوردي)) (2 / 140) .
غير أن صاحب كتاب (النجوم الزواهر) يذكر أن الشيخ الرفاعي تزوج الصالحة الزاهدة «رابعة» أخت زوجته الأولى، وأعقبها السيد قطب الدين، وأن هذا الأخير تزوج في حياة أبيه وأنجب ولدا سماه «منصورا». ((النجوم الزواهر)) (ص91).
وعلى العكس من ذلك فالصيادي يذكر أن قطب الدين توفي في حياة أبيه ولم يكن قد تزوج حينئذ، ودفن في قبة جده يحيى النجار، وأن من تؤول نسبتهم إلى الرفاعي إنما هم من بنتيه زينب وفاطمة. ((قلادة الجواهر)) 133)) و 321 و 323)).
- كيف يثبت الرفاعيون نسبة شيخهم إلى آل البيت:
وبما أن الدليل الذي قدمه الصيادي وغيره لإثبات نسبة الشيخ الرفاعي إلى آل البيت لم يكن كافيا: راحوا يستعيضون عن ذلك بالرؤى والحكايات المنامية.
فقد ذكر الصيادي في كتابه (المعارف المحمدية) أن الشيخ أبا الفضل الواسطي كان ينكر نسبة الرفاعي إلى السلالة النبوية، وأنه رجع عن ذلك بسبب رؤيا منامية لا تميل النفس إلى تصديقها، وفيها أنه رأى أن القيامة قد قامت، واللواء على رأس محمد صلى الله عليه وسلم وفاطمة بين يديه، والرفاعي عن يمينها.
قال الواسطي: «وأنا على خوف عظيم، فدنوت من السيدة فاطمة واستنجدتها فأعرضت عني وقالت للشيخ الرفاعي: يا ولدي أحمد ما أعجب حال هذا الرجل، ينكر نسبك إلي ويستنجدني؟ والله لا نجدة له عندي إلا بواسطتك. فقال لي الرفاعي: أمي هذه أدرى بأولادها منك. فقالت السيدة فاطمة: الأدب الأدب مع السيد أحمد فإنه قطعة من كبدي». ((سواد العينين في مناقب الغوث أبي العلمين)) (ص 5).
الدليل الآخر عندهم على ثبوت النسب: أن الرفاعي والجيلاني قالا ذلك والتأدب معهما يوجب تصديقهما من غير تردد ولا تثبت. فإن عدم تصديق ما قالوه من أنهم ينتسبون إلى أهل البيت قلة أدب في حقهم. والصحيح أنهما لم يثبت عنهما قول ذلك.
قال محمد أبو الهدى الصيادي: «وقال رجل موصلي لشيخنا الشيخ عبد الرحمن جمال الدين الحدادي: يا سيدي إني رأيت بعضاً من كتب التاريخ سكت عن نسبة الشيخ عبد القادر الجيلاني وسكت عن نسبة السيد أحمد الرفاعي مع أنه عربي الأصل وأشهر منه بالسيادة، وقد قال بعض علماء فارس أن الشيخ عبد القادر «بشتبري» النسب وهكذا يقول بعض أهل بيته. فقال شيخنا قدس الله سره: أكفف يا ولدي عن الخوض واعلم أن من كتب التاريخ سكت عن نسبة الاثنين، إلا أن بعض الصوفية ذكر نسبة الشيخ عبد القادر حرصاً عليه لكيلا يطعن في نسبه من لا علم له لما اشتهر أنه من العجم ولما قيل فيه من أنه «بشتبري» النسب، والأصل الصحيح إنما هو رجل فاطمي لا ريب في نسبته إلى الجد الأعظم صلى الله عليه وسلم سكن أجداده فارس إلى زمانه .. وهذا ما يجب علينا اعتقاده، فإن الأولياء أعلم منا بالأدب الديني والواجب الشرعي، ولو لم تكن نسبته ثابتة الوصول إلى الرسول لما ادعاها قط. وأما ما ذكرته من شهرة السيد أحمد الرفاعي بالسيادة وكونه عربي الأصل والمنشأ فهو السبب الذي اعتمد عليه الصوفية وسكت عن ذكر سلسلة نسبه». ((قلادة الجواهر)) (ص20) ، ((جمهرة الأولياء)) (2 / 206) لأبي الفيض المنوفي.
فهذا النص يبين أن من أهم أدلة الرفاعية على نسبة شيخهم إلى أهل البيت كونه عربي الأصل. وهذا ليس بكاف وإلا لجاز لكل عربي أن يسيغ لنفسه إلحاق نفسه بالنبوة لمجرد عروبته.
الدليل الثاني حسب النص أن الرفاعي ادعى هذه النسبة. وهذا ما اتفق المؤرخون على خلافه، فإنهم ذكروا أن الرفاعي لم يدع هذا النسب وإنما ادعاه البطن الثالث من أولادهالطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص33- 39


انظر أيضا: