موسوعة الفرق

المطلب السادس: الصفة النفسية


ويقصدون بها الوجود – على نزاع بينهم - هل الوجود هو الموجود ذاته؟ أو هو قدر زائد على الموجود؟ واختار جمهورهم القول بأنه صفة نفسية بمعنى أن الوصف به يدل على الذات نفسها, لا على صفة وجودية زائدة انظر ((تحفة المريد)) (ص: 54). مع ملاحظة أن التفصيل الصحيح هو أن يقال: إن وجود الله ليس زائداً على الذات منفكاً عنه, بحيث يرى الوجود ويرى الموجود، ولكن الذهن يفهم معنى الوجود ويفهم معنى الموجود – أي أن التفريق هنا ذهني فقط لا خارجي، وبهذا يندفع الإشكال في التفريق بين الماهية والوجود. ولا يلزم كذلك استواء وجود الله ووجود المخلوق – فوجود الله غير مسبوق بالعدم ولا يلحقه زوال ولا نقص. ووجود المخلوق بإيجاد الله، وهو مسبوق بالعدم, وناقص, ومحتاج في بقائه إلى الله.
والتعبير بالنفسية فيه جراءة على الله كما قال الشيخ محمد الأمين: "ولا يخفى على عالم بالقوانين الكلامية والمنطقية أن إطلاق النفسية على شيء من صفاته جل وعلا أنه لا يجوز, وأن فيه من الجراءة على الله جل وعلا ما الله عليم به، وإن كان قصدهم بالنفسية في حق الله الوجود فقط وهو صحيح، لأن الإطلاق الموهم للمحذور في حقه تعالى لا يجوز وإن كان المقصود به صحيحاً، لأن الصفة النفسية في الاصطلاح لا تكون إلا جنساً أو فصلاً. فالجنس كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان، والفصل كالنطق بالنسبة إلى الإنسان. ولا يخفى أن الجنس في الاصطلاح: قدر مشترك بين أفراد مختلفة الحقائق، كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرس والحمار، وأن الفصل صفة نفسية لبعض أفراد الجنس, ينفصل بها عن غيره من الأفراد المشاركة له في الجنس, كالنطق بالنسبة إلى الإنسان، فإنه صفته النفسية التي تفصله عن الفرس – مثلاً – المشارك في الجوهرية, والجسمية, والنمائية, والحساسية. ووصف الله  - جل وعلا - بشيء يراد به اصطلاحاً ما بينَّا لك من أعظم الجراءة على الله تعالى كما ترى. لأنه - جل وعلا -  واحد في ذاته, وصفاته, وأفعاله، فليس بينه وبين غيره اشتراك في شيء من ذاته ولا من صفاته حتى يطلق عليه ما يطلق على الجنس والفصل سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً" ((أضواء البيان)) (2/306).
الصفات المعنوية:
وهي المعبر عنها بقولهم: كونه قادراً, ومريداً, وعالماً, وحياً, وسميعاً, ومتكلماً.
ومعنى الكون هنا: الثبوت. وحقيقة الصفات المعنوية هي: أنها لا توصف بكونها موجودة ولا معدومة انظر ((شرح أم البراهين)) (ص: 20).
وقد اختلف فيها الأشاعرة فإنه: "قال بها من أثبت الحال, وهو القاضي الباقلاني ومن وافقه، وقال الإمام الأشعري والجمهور بنفي الحال، والمعنوية عندهم راجعة للمعاني" ((شرح أم البراهين)) (ص: 21).
ولا شك أن إثبات الصفات المعنوية فرع إثبات الأحوال، فالأشياء المعقولة ثلاثة: الموجودات، والمعدومات، والأمور الاعتبارية التي تنقسم قسمين: أمور اعتبارية انتزاعية، وأمور اعتبارية اختراعية، فالقسم الأول ما كان منتزعاً من الهيئة الثابتة في الخارج, ولا تتوقف على فرض الفارض, ولا اعتبار المعتبر، كقيام البياض بزيد، والقسم الثاني يخترعه الشخص فيتوقف على الاعتبار, والفرض, كبحر من زئبق، وأما على رأي مثبتة الأحوال فالأشياء المعقولة أربعة: الثلاثة المتقدمة، والأحوال، وهي عندهم ما كان لها ثبوت, ولكنها لم تصل إلى درجة الموجودات, ولم تنحط إلى درجة المعدومات انظر ((تحفة المريد)) (ص: 77).
بعد هذا البيان يعلم أن إثبات الصفات المعنوية شيء خيالي متوهم، وليس شيئاً متحققاً في الخارج، فوجودها ذهني فقط، وأيضاً هي متوقفة على إثبات الأحوال وفيها رفع النقيضين، وهو محال. قال الشيخ محمد الأمين: "والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذا الذي يسمونه الحال المعنوية لا أصل له، وإنما هو مطلق تخييلات يتخيلونها؛ لأن العقل الصحيح حاكم حكماً لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين النقيضين ألبته, فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان, ولا يترفعان, ولا واسطة بينهما ألبتة، فكل ما هو غير موجود فإنه معدوم قطعاً، وكل ما هو غير معدوم فإنه موجود قطعاً، وهذا مما لا شك فيه كما ترى" ا هـ ((أضواء البيان)) (2/310). وقد صرح بعض علماء الأشاعرة بأن إثبات واسطة بين الوجود والعدم أمر متعذر متكلف, فقال المقري:


والسبع لازمت صفات تسمى





بمعنوية إليها تنمى


كون الإله عالماً قديراً




حياً مريداً سامعاً بصيراً


وذا كلام والمقال حال




بعدِّها على ثبوت الحال


واسطة بين الوجود والعدم




ونهجها تشكو الوجا فيه القدم

منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - 2/540

انظر أيضا: