موسوعة الفرق

المسألة الثالثة: هل كلام الله بحرف وصوت؟


وقد سئل شيخ الإسلام عن القرآن: هل هو حرف وصوت؟ فأجاب بأن إطلاق هذا الجواب – نفياً وإثباتاً – من البدع المولدة، الحادثة بعد المئة الثالثة، ثم قال: "والصواب الذي عليه سلف الأمة، كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتاب (خلق أفعال العباد)، وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم – أتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة, وهو أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلاماً لغيره... وأن الله يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح..." ((مجموع الفتاوى)) (12/243-244).
وهذا من دقة السلف رحمهم الله في مسائل العقيدة، وخاصة ما يتعلق منها بالله وصفاته. حيث إنهم لا يبتدعون كلاماً جديداً، بل يصفون الله بما وصف به نفسه, ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما لم يرد إطلاق أن القرآن بحرف وصوت لم يطلقوه عليه كما يفعله البعض، وإنما يقولون: القرآن كله حروفه ومعانيه كلام الله، كما يقولون إن الله نادى موسى، والنداء لا يكون إلا بصوت، والرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أن الله ينادي بصوت. ومن المعلوم أن الكلام إذا أطلق فإنه يشمل الحروف والمعاني, وهذا هو الذي فهمه السلف من صفة الكلام لله تعالى – على ما يليق بجلاله وعظمته -.
ولكن لما وجد – في أهل البدع – من ينكر الحرف والصوت لينكروا كلام الله، بين السلف أن كلام الله شامل للحروف والمعاني، وأنه تعالى يتكلم بصوت، كما يصفونه بما ورد من التكليم, والمناداة, والمناجاة انظر: ((مجموع الفتاوى)) (6/518).
وقد وردت نصوص فيها ذكر الحرف في كلام الله، وهو القرآن، ومن ذلك حديث: ((إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف)) رواه (مسلم) (821) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه. ، وحديث ((أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب, وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته)) رواه مسلم (806), من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ، وحديث ((أقرأني جبريل على حرف...)) رواه البخاري (3219) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وحديث: ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف)) رواه البخاري (4992), ومسلم (818) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وحديث: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله...)) رواه الترمذي (2910) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه, وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)) و((مشكاة المصابيح)) (2079). وغيرها.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1295
اتفق الأشاعرة على أن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت انظر ((الإنصاف)) للباقلاني (ص:149) و((التبصير)) للإسفراييني (ص: 167)، ((ولمع الأدلة)) للجويني (ص: 92)، و((تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد)) (ص: 72). ، ولهم شبهات وهي:
الشبهة الأولى: قالوا إن الحروف متعاقبة, يعقب بعضها بعضاً, وكذلك الأصوات، فلو كان كلام الله بحرف وصوت لكان حادثاً، والله منزه عن الحوادث، فلزم أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت انظر ((مشكل الحديث)) لابن فورك (ص: 202) و((الإنصاف)) للباقلاني (ص: 149) و((التبصير)) للإسفراييني (ص: 167).
والجواب:
1- تعارض الأشاعرة هنا بما سبق أن أورد عليهم في صفات الأفعال إذ يلزمهم القول بقيام الصفات الاختيارية بذات الباري, وهم يسمون مثل هذا بحلول الحوادث. ووجه الإلزام أنه ما من شك أن كل مخلوق فهو كائن في وقت مخصوص بعد أن لم يكن فيقال عندئذ: ما الذي أوجب حدوثه في ذلك الوقت المخصوص؟ فإن قالوا الإرادة الأزلية هي التي خصصت ذلك! فيقال لهم: إن الإرادة صالحة لذلك أزلاً، فما من وقت يقدر إلا والإرادة صالحة للإيجاد فيه، قالوا: إن الإرادة وإن كانت صالحة أزلاً للتخصيص إلا أنها تعلقت تنجيزياً في وقت مخصوص بذلك المخلوق المراد. فيقال لهم: هذا التعلق إن كان شيئاً عدمياً فهو ليس بشيء، فلم يحدث شيء إذا، فيلزم عدم وجود شيء أصلاً، وإن كان التعلق وجودياً فهذا هو الفعل الاختياري الذي فررتم منه، فصح إذا أن الله يفعل ما شاء متى ما شاء – فإذا ثبت هذا كان لا محذور من وجود التعاقب في الكلام.
2- ثم إن قولهم: يلزم من القول: بالتعاقب الحدوث، وأن كل حادث فهو مخلوق، فقول لا يسلم لهم، إذ هذا الكلام مبني على القياس الشمولي – وهو لا يجوز في المطالب الإلهية – فإنه وإن ثبت تعاقب في الكلام لكن لا يلزم ثبوت المساواة والمماثلة – بدليل "أن الله سبحانه وتعالى يتولى الحساب بين خلقه يوم القيامة في حالة واحدة، وعند كل واحد منهم أن المخاطب في الحال هو وحده" ((الرد على من أنكر الحرف والصوت)) للسجزي (ص: 168). فثبت من هذا عدم تحقق المماثلة.
3- وإيرادهم الذي ذكروه هو خلاف مجرد للأدلة الكثيرة كقوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] ففي هذه الآية إثبات تعلق الكلام بالمشيئة. وعلقه بإذا الدالة على المستقبل.
الشبهة الثانية: انظر ((الإنصاف)) للباقلاني (ص: 173)، و((قواعد العقائد)) للغزالي (ص: 182-184)، وانظر ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (ص: 273). قالوا إن الحروف تحتاج إلى مخارج: الحلق, واللسان, والشفة، ولابد من اصطكاك الهواء بالمخارج ونحو ذلك ليحدث الصوت، وهذه صفات الخلق لا صفات الخالق، فوجب تنزيه الله عنها.
والجواب انظر: ((الرد على الزنادقة والجهمية)) للإمام أحمد (ص: 35). و((الرد على من أنكر الحرف)). : قولهم إنه لا يعقل حرف ولا صوت إلا بمخارج منقوض بتكلم السموات والأرض: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: 11] وتكلم الجوارح: أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: 21] إلى غير ذلك مما تواتر نقله، فإذا بطلت هذه المقدمة فسدت النتيجة.
ويجاب عليهم ثانياً: بأن هذا قياس للخالق على المخلوق – وهو ممنوع – كما قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11]
ويلزمهم على قولهم هذا ما أورده عليهم المعتزلة من أنه يلزم من إثبات صفة البصر إثبات ما للخلق من الحدقة وغيرها، وهم لا يسلمون بلزوم هذا الاشتراك فلزمهم كذلك.
الشبهة الثالثة انظر هذه الشبهة في ((الإنصاف)) للباقلاني (ص: 173). : قالوا: إذا قلتم إن الحروف والأصوات قديمة لزم أن يكون كل كلام قديماً كذلك، وإذا قلتم إنها حادثة رجع الكلام إلى ما قلناه أولاً، وإذا قلتم إن كلام الله بحروف وأصوات قديمة, وأن الخلق يتكلمون بحرف وصوت حادث لزم أن يكون ما في المصحف ليس كلاماً لله لأنه مكتوب بحروف حادثة، وإذا قرئ فبصوت حادث كذلك.
الجواب: لا يلزم إذا قلنا إن صوت الباري وحروفه غير مخلوقة أن تكون كل الأصوات والحروف غير مخلوقة، لأن الصوت الذي يحصل به إنشاء الكلام ليس مثل الصوت الذي يحصل به أداؤه وتبليغه – يوضحه الآتي:
لو أن شخصاً أنشد شعراً لأحد فحول الشعراء كلبيد مثلاً: فإنه يقال: إن الشعر شعر لبيد، الذي تكلم به بصوته، إلا أن هذا الشخص أداه بصوته، وهو فعله، وليس صوت هذا الشخص هو صوت لبيد, وهذا معلوم ضرورة – فإذا علم هذا الفرق بين المخلوقين، فأولى أن يكون هذا الفرق بين الخالق والمخلوق ثابتاً، وما قيل في الصوت يقال في الحرف انظر ((مجموع الفتاوى)) (12/73-74) و((مختصر الصواعق المرسلة)) (2/435).
ولا يجوز إطلاق القول بأن الحروف قديمة، ذلك لأن الحروف صفة للكلام، فهي وإن كانت واحدة بالنوع إلا أن أعيانها ليست كذلك، والكلام إذا أطلق لا يكون إلا بحرف وصوت، فكلام الله ما قام به وهو ليس مخلوقاً، ففي هذه الحالة لا تكون الحروف مخلوقة. وأما كلام الخلق فهو ما قام بهم وهو مخلوق، إذ هو صفة لهم فحروفهم وأصواتهم إذاً مخلوقة انظر ((مجموع الفتاوى)) (12/64-65).
وأما قولهم إن المصحف مكتوب بحروف حادثة وإذا قرئ فبصوت حادث فيلزم أن يكون ما في المصحف ليس كلاماً لله فجوابه: إن الحروف تطلق ويراد بها الصوت المقطع، وقد يراد بها المداد أو شكله انظر ((مجموع الفتاوى)) (12/69-70) و((درء التعارض)) (4/133).
ولا شك أن المداد مخلوق وشكله كذلك إذ هو فعل الإنسان، ولكن لا يلزم من هذا أن يكون ما في المصحف ليس كلاماً لله – يوضحه: أن الأشياء إما أعيان قائمة بذاتها، أو أشياء قائمة بالأعيان، فالأشياء القائمة بنفسها – وهي الأعيان كالسماء – لها أربع مراتب: وجودها الخارجي بنفسها، ووجودها الذهني، ووجودها اللفظي اللساني، ووجودها الرسمي الكتابي، ولاشك أن كل مرتبة تختلف عن الأخرى.
أما الأشياء التي لا تكون قائمة بنفسها وإنما تقوم بغيرها – فهذه قد تكون لها المراتب الأربع المذكورة سابقاً كالألوان، وقد تكون لها ثلاث مراتب فقط كالكلام فله وجود خارجي: وهو ما قام باللسان، ووجود ذهني هو ما قام بالقلب، ووجود رسمي هو ما ظهر بالكتابة انظر ((مجموع الفتاوى)) (12/112) و(مختصر الصواعق) (2/435).
وعليه فإن المرتبة اللفظية للكلام هي المرتبة الخارجية عينها, ولذلك فإن كلام الله غير مخلوق حيث ما تصرف، فإذا كتب كان هو كلامه، وأما الحبر, والمداد, وشكله فمخلوق، وإذا قرئ فسمع كان المسموع كلامه مسموعاً من المبلغ عنه, لا مسموعاً من الله انظر ((مجموع الفتاوى)) (12/139).
ثم فيما يلي أربعة إلزامات على الأشاعرة في قولهم إن كلام الله بلا حرف وصوت موجهة إليهم بطريقة السؤال:-
الإلزام الأول: إذا كان الكلام نفسياً بلا حرف ولا صوت فما الذي سمعه موسى عليه السلام؟
أجابوا: بأن الله أزال عنه الحجاب وأسمعه الكلام القديم ثم أعاد الحجاب ((تحفة المريد)) (ص: 74) وانظر ((شرح المقاصد)) (4/156).
وهذا القول صريح منهم بأن الله تعالى لا يتكلم، وإنما الذي فعله هو رفع الحجاب، ورفع الحجاب ليس تكليماً، وقد أكد الله أنه تكلم فقال: وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164] فأكد قوله بالمصدر ليفيد الحقيقة. ثم إنه يقال لهم ما شفيتم عليلاً إذ فررتم من الحقيقة, وهي هل يمكن سماع غير الأصوات؟ وهنا اضطربوا فالتزام الغزالي: أنه سمعه بلا حرف ولا صوت, كما أنه يرى في الآخرة بلا كم ولا كيف انظر ((شرح المواقف)) (4/156). ، وهذه الموازنة غلط بيِّن, إذ هو قد أثبت رؤية ذاته, ولم يلتزم أن تكون ذاته ذات كم وكيف, فكان عليه أن يثبت صوتاً لا يشبه أصوات الخلق كما وازن، وإلا فلا فائدة في موازنته ولا مناسبة. مع أن استعماله لتلك العبارات لم يكن معروفاً عند السلف – وأيضاً فإنه لم يأت ببرهان يفيد أنه يمكن سماع غير الأصوات, فلجأ إلى أن ذلك عن طريق خرق العادة – ولم يأت ببرهان على ما ادعاه – بل ناقض صريح الآية في تكليم الله تعالى لموسى عليه السلام كما تقدم قريباً.
والتزم الإسفراييني أن موسى عليه السلام سمع صوتاً تولى الباري خلقه من غير كسب للعباد؟ انظر ((شرح المواقف للجرجاني)) (4/156). قلت: وهذا رجوع صريح لمذهب المعتزلة.
ولهم قول ثالث: وهو أنه سمعه بصوت من جميع الجهات على خلاف ما هو العادة انظر ((شرح المواقف)) (4/156). ولم يبينوا هل الصوت الذي سمعه هو صوت الباري أو لا؟ والذي يظهر أنهم لا يثبتونه صوتاً للباري, لأنهم اتفقوا على أن كلامه نفسي فقط, والفرق بين هذا القول والقول الثاني: هو أن القول الثاني: خص الصوت المخلوق بجهة معينة، والقول الثالث: لم يخص الصوت المخلوق بجهة معينة، وهذا كله محض افتراء وتمويه, والتزام للجهالة, إذ القول الثالث مآله إلى أن الكلام لم يقم بمتكلم أصلاً، وهو مع ذلك مناقض للآية في تحديد جهة الكلام التي سمع منها موسى عليه السلام, كلام الله بلا واسطة، قال تعالى: نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [القصص: 30]
الإلزام الثاني: وهو إذا كان الكلام نفسياً فقط بلا حرف ولا صوت، فما الفرق بين مراتب الوحي الثلاث؟ وبتعبير أوضح، ما مزية موسى عليه السلام الذي اصطفاه الله بكلامه على من سمع الوحي بواسطة الملك أو كان إلهاماً؟
وليس لهم جواب يشفي في هذا الموضوع – فغاية ما قالوه هو قول الباقلاني: "إن الله تعالى يسمع كلامه لخلقه على ثلاث مراتب: تارة يسمع من شاء كلامه بغير واسطة لكن من وراء حجاب – ونعني بالحجاب للخلق لا للحق – كموسى عليه السلام، أسمعه كلامه بلا واسطة لكن حجبه عن النظر إليه، وتارة يسمع كلامه من شاء بواسطة مع عدم النظر والرؤية أيضاً من ملك, أو رسول, أو قارئ... وتارة يسمع كلامه من شاء من الخلق بغير واسطة ولا حجاب كتكليمه لنبينا عليه السلام ليلة المعراج..." ((الإنصاف)) للباقلاني (ص: 145-146).
وهذا كله مع التزامه بنفي الحرف والصوت، فظهر أن تقسيمه السابق لم يفد شيئاً.
الإلزام الثالث: إذا كان الكلام نفسياً بلا حرف ولا صوت، وإنما هو شيء قديم، فما الفرق بينه وبين الإرادة والعلم؟
وليس لهم إلا أن يقولوا: إن تعلق الكلام تعلق دلالة، وتعلق العلم تعلق انكشاف، وتعلق الإرادة تعلق تخصيص بالمراد، وأيضاَ فإن دليل الكلام السمعي, والإرادة, والعلم عقلي، وإن المعنى لغة لكل واحدة يختلف عن الأخرى انظر ((تحفة المريد)) (ص: 86).
والجواب:
إنه إذا رجعتم إلى اللغة لزمكم أن تثبتوا الصفات كما دل على ذلك الوضع اللغوي، ففي اللغة لا يفهم متكلم إلا من قام به الكلام وتكلم به حقيقة، وإن كانت الحقائق تختلف بين الخالق والمخلوق.
والتفريق بين الصفات من حيث نوع الدليل فيه اضطراب واضح، إذ أنه لا يمكن إقامة الدليل على شيء معين إلا بعد تصور ذلك الشيء المعين، وأن الدليل يدل عليه. وهم لم يتصوروا شيئاً من ذلك على وجهه سوى أنهم قالوا: إن تعلق الكلام تعلق دلالة، ولم يلتزموا هذا في تعريف الكلام بأنه يكون بحرف وصوت, فأين الدلالة؟ وسيأتي إلزام خطير في المقصد الرابع – الإلزام الثالث منه – إن شاء الله تعالى.
الإلزام الرابع: إذا كان الكلام بلا حرف, ولا صوت يقوم بالمتكلم، فما المراد بالخرس؟ انظر ((مجموع الفتاوى)) (6/296).
أجابوا بأن الخرس آفة باطنية, تمنع من الكلام النفسي انظر ((تحفة المريد)) (ص: 72).
وهذا الجواب في غاية السقوط، فهم لم يعرفوا الخرس كما هو في اللغة, ويلزمهم على هذا أن يقولوا إن الأخرس متكلم، لأنه لاشك متصور للكلام إلا أنه قامت به آفة فلم يتكلم كلاماً مسموعاً – وفي هذا قلب واضح للحقائق اللغوية والشرعية انظر ((الرد على من أنكر الحرف والصوت)) للسجزي (ص: 146) و((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) ابن تيمية (6/296).
وكل هذا التزموه لاختراعهم قولاً لم يسبقوا إليه قط لا من السلف ولا من المبتدعة قبلهم، وفي هذا يقول الإمام الحافظ أبو نصر السجزي: "لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب, والقلانسي, والصالحي, والأشعري وأقرانهم... في أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق, وإن اختلفت به اللغات" قاله في رسالته إلى أهل زبيد في ((الرد على من أنكر الحرف والصوت)) (ص:80-81)، ونقله عنه شيخ الإسلام في ((درء تعارض العقل والنقل)) (2/83). وقد نقل الشهرستاني قولاً قريباً من هذا ولم يتعقبه بشيء انظر ((نهاية الإقدام في علم الكلام)) للشهرستاني (ص:313-317). – مما يدل أنه قد أقر بخرق الأشاعرة للإجماع.منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - 2/517

انظر أيضا: