trial

موسوعة الفرق

المبحث الرابع عشر: الظاهر والباطن


وأما الفكرة الأخرى التي تسربت إلى التصوف من التشيع، واعتنقها الصوفية بتمامها هي فكرة تقسيم الشريعة إلى الظاهر والباطن، والعام والخاص.
ومنها تدرّجت وتطرقت إلى التأويل الباطني والتفسير المعنوي، وتفريق المسلمين بين العامة والخاصة، فإن الشيعة بجميع فرقها، وخاصة الإسماعيلية منهم يعتقدون أن لكل ظاهر باطنا، وقد اختص بمعرفة الباطن عليّ رضي الله عنه، وأولاده أي أئمتهم المعصومون حسب زعمهم، فسمّوا الموالين لهم بالخاصة، وغير المؤمنين بهذه الفكرة بالعامة.
فلقد قالوا: (لا بدّ لكل محسوس من ظاهر وباطن، فظاهره ما تقع الحواسّ عليه، وباطنه يحويه ويحيط العلم به بأنه فيه، وظاهره مشتمل عليه كتاب ((أساس التأويل ))  للنعمان القاضي (ص 28). ط  دار الثقافة بيروت. .
وكذبوا  ((أعلام النبوة ))  لأبي حاتم الرازي تحقيق صلاح الصادي. ط  انجمن فلسفة إيران 1397 هـ. على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما نزلت عليّ آية إلا ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ، ولكل حدّ مطلع)) رواه أبو عبيد في الفضائل وابن المبارك في ((الزهد ))  (1/23) (93) عن الحسن البصري مرسلا، ورواه الطحاوي في ((المشكل ))   (2629) وأبو يعلى (10/410) (5024) وابن حبان بالشطر الأول (1/147) (75) والبغوي في ((شرح السنة ))  (1/114) عن ابن مسعود مرفوعا، قال ابن عبدالبر في ((التمهيد ))  (8/282) صحيح، وضعفه الألباني في ((الضعيفة ))  (2989) .
ثم قسموا الظاهر والباطن بين النبي والوصيّ حيث قالوا: (كانت الدعوة الظاهرة قسط الرسول صلوات الله وسلامه عليه، والدعوة الباطنة قسط وصيّه الذي فاض منه جزيل الإنعام كتب ((الذخيرة في الحقيقة ))  للداعي الإسماعيلي علي بن الوليد المتوفى سنة 612 هـ ص 113. ط  دار الثقافة بيروت. .
ثم قالوا: (إن الظاهر هو الشريعة، والباطن هو الحقيقة، وصاحب الشريعة هو الرسول محمد صلوات الله عليه، وصاحب الحقيقة هو الوصيّ عليّ بن أبي طالب  انظر ((الإفتخار ))   للداعي أبي يعقوب السجستاني (ص 71). ط  لبنان. .
هذا ولقد فصلنا القول في ذلك في كتابنا (الإسماعيلية القدامى تاريخ وعقائد) حيث بوبنا بابا مستقلا لبيان هذه العقيدة الخطرة للتلاعب بنصوص القرآن والسنة فمن أراد الاستزادة   فليرجع إليه.
وأن الشيعة الآخرين كالشيعة الإثني عشرية يقولون بهذا القول كما روى كلينيهم في كافيّه عن موسى الكاظم – الإمام السابع عندهم – أنه قال: (إن القرآن له ظهر وبطن انظر ((كتاب الحجة من أصول الكافي ))  للكليني (1/ 374 ). ط  طهران. .
وأيضا ما رواه ابن بابويه القمي  كتاب ((الخصال ))  لابن بابويه القمي أبواب السبعين وما فوقه (ص 572). ط  مكتبة الصدوق 1389 هجري قمري. عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حديث طويل أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله علمني ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب، ولم يعلم ذلك أحد غيري) قال ابن حبان في المجروحين (1/507) فيه ابن لهيعة وقال ابن عدي في ((الكامل ))  (3/389) منكر ومثله قال ابن القيسراني في الذخيرة (2/773) وقال الذهبي في ((السير ))  (8/24) منكر وكأنه موضوع، وقال ابن حجر في ((الفتح ))  (5/427) عن الحديث من رواية زيد بن علي، من أكاذيب الرافضة أو معضل، وقال الألباني في ((الضعيفة ))  (6627) موضوع .
ويقولون: أن هذه العلوم توارثها أئمتهم بعده، فعلى ذلك يقول الكليني محدّث الشيعة في خطبه كتابه: (فأوضح الله بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله عن دينه، وأبلج بهم عن سبيل مناهجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، وجعلهم مسالك لمعرفته، ومعالم لدينه، وحجّابا بينه وبين خلقه، والباب المؤدي إلى معرفة حقه، وأطلعهم على المكنون من غيب سره.
كلّما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماما بيّنا، وهاديا نيّرا، وإماما قيّما، يهدون بالحق وبه يعدلون   ((الأصول من الكافي))  خطبة الكتاب (1/ 4). .
والجدير بالذكر أن التفريق بين الشريعة والحقيقة، وبين الظاهر والباطن من خواص التشيع إلا أنه لا توجد طائفة شيعية إلا وتؤمن بذلك، وكتب الفرق والكلام شاهدة على هذا، بل أنهم لم يختلفوا فيما بينهم في تعيين الإمام إلا بناء على هذا المبدأ، حيث أنهم اختلفوا: (إلى من أفضى الإمام الراحل أسرار العلوم واطلاعه على مناهج تطبيق الآفاق على الأنفس، وتقدير التنزيل على التأويل، وتصوير الظاهر على الباطن، لأنهم كلهم مؤمنون بأن لكل ظاهر باطنا، ولكل شخص روحا، ولكل تنزيل تأويلا، ولكل مثال حقيقة في هذا العالم انظر ((الملل والنحل ))  للشهرستاني (1/ 201) بهامش ((الفصل ))  لابن حزم. .
فحاصل ما قلناه أن تقسيم الشريعة والعلوم إلى الظاهر والباطن من أهم الميزات التي تتميّز بها الشيعة بفرقها عن الآخرين من المسلمين، وهم الذين تقوّلوا بها متأثرين باليهودية التي استقوا منها أفكارهم، بوساطة عبد الله بن سبأ اليهودي، المؤسس الحقيقي الأول لديانتهم ومذهبهم.
ثم أخذ المتصوفة بدورهم أفكار الشيعة ومعتقداتهم، فآمنوا بها واعتقدوها، وجعلوها من الأصول والقواعد لعصابتهم، فقالوا مثل ما قاله الشيعة والفرق الباطنية:
(العلوم ثلاثة: ظاهر، وباطن، وباطن الباطن، كما أن الإنسان له ظاهر، وباطن، وباطن الباطن.
فعلم الشريعة ظاهر، وعلم الطريقة باطن، وعلم الحقيقة باطن الباطن انظر ((الفتوحات الإلهية ))  لابن عجيبة (ص 333). .
وقال الطوسي أبو نصر السراج: (إن العلم ظاهر وباطن... ولا يستغني الظاهر عن الباطن، ولا الباطن عن الظاهر، وقد قال الله عز وجل: ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم: فالمستنبط هو العلم الباطن، وهو علم أهل التصوف، لأن لهم مستنبطات من القرآن والحديث وغير ذلك... فالعلم ظاهر وباطن، والقرآن ظاهر وباطن، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهر وباطن، والإسلام ظاهر وباطن  كتاب ((اللمع ))  للطوسي (ص 43،  44). .
وذكر المتصوفة نفس تلك الرواية التي نقلها الشيعة والإسماعيلية، وهي: (لكل آية ظاهر وباطن، وحدّ ومطلع   ((لطائف المنن))  لابن عطاء الله الإسكندري (ص 248) بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود. ط  مطبعة حسان القاهرة 1974 م،  أيضا ((عوارف المعارف ))  للسهروردي (ص 25)،  أيضا ((روضة التعريف ))  للسان الدين بن الخطيب (ص 431)،  أيضا ((إيقاظ الهمم))  لابن عجيبة (ص 461)،  ومثله في  ((جمهرة الأولياء))  للمنوفي (1/ 160)،  ((تفسير ابن عربي ))   (1/ 2). .
ولم يكن التشابه والتوافق مع الشيعة، والاستفادة والاقتباس منهم منحصرا في هذا فحسب، بل كان هناك تجانس وتداخل في أكثر من هذا، حيث قالوا باختصاص علي رضي الله عنه دون الآخرين بعلم الباطن، فقال قائلهم: (إن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا بالشريعة، فلما تقررت ظواهر الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة، والحكمة المرجوة من أعمال الشريعة، هي: الإيمان والإحسان، فخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض.
وكان أول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا علي كرم الله وجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم... ثم انتشر هذا الطريق انتشارا لا ينقطع حتى ينقطع عمر الدنيا   ((جمهرة الأولياء))  لأبي الفيض المنوفي الحسيني (1/ 159). .
وأوردوا في كتبهم تلك الرواية الشيعية بعينها، التي نحن ذكرناها منهم عن علي رضي الله عنه أنه قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين بابا من العلم لم يعلم ذلك أحد غيري انظر ((درر الغواص على فتاوى سيدي علي الخواص ))   (ص 73) بهامش ((الإبريز ))  للدباغ. ط  مصر. .
وهناك روايات شيعية أخرى كثيرة أوردها المتصوفة في كتبهم ومؤلفاتهم انظر ((مطالع المسرات ))  لمحمد المهدي بن أحمد. ط مصطفى البابي الحلبي 1970م. ، مؤيدين لها، مؤمنين بها، مستدلين منها، مثل هذا الحديث الموضوع: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) رواه الحاكم (4637) والطبراني (11083) والعقيقلي في ((الضعفاء ))  (5/457) قال الهيثمي في ((المجمع))  (9/114) فيه عبد السلام بن صالح الهروي وهو ضعيف، وقال الحاكم إسناده صحيح، وقال الذهبي بل موضوع، وقال العقيلي لا يصح في هذا المتن حديث، وقال القرطبي في التفسير (9/336) باطل، وقال الدارقطني في ((العلل ))  مضطرب غير ثابت، وقال الترمذي: منكر، وكذا البخاري، وقال: إنه ليس له وجه صحيح، وقال ابن معين فيما حكاه الخطيب في ((تاريخ بغداد ))   إنه كذب لا أصل له، وأورده ابن الجوزي في ((الموضوعات ))  وأشار إلى هذا ابن دقيق العيد، بقوله: هذا الحديث لم يثبتوه، وقيل: إنه باطل، وكذلك أورده ضمن الموضوعات كل من الشوكاني وابن عراق والألباني. قال يحيى بن معين في ((سؤالات ابن جنيد))  ص(185): كذب ليس له أصل. وقال الإمام أحمد في ((تاريخ بغداد))  (11/49):(فيه) فيه أبو الصلت روى أحاديث مناكير. وقال ابن حبان في (المجروحين) (2/136): لا أصل له. وقال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى))  (18/377): ضعيف بل موضوع. .
ومنها ما رووه   ((جمهرة الأولياء))  لأبن الفيض المنوفي الحسيني (2/ 28). عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه كذبا عليه أنه قال: ((كنا نمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم فانقطع نعله، فتناولها علي يصلحها، ثم مشى، فقال: يا أيها الناس، إن منكم من يقاتله علي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله)) الحديث رواه أحمد (3/33) (11307) والنسائي في ((الكبرى ))  (5/154) وابن حبان (15/385) (6937) والحاكم (3/132) (4621) وأبو يعلى (2/341) (1086) قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ومثله الذهبي وقال الهيثمي في ((المجمع ))  (5/186) رجال أبي يعلى رجال الصحيح، وصححه الألباني في ((الصحيحة ))  (2487) .
ومثل ذلك ذكر عبد الرحمن الصفوري في كتابه (نزهة المجالس ومنتخب النفائس  انظر (ص 209). ط  دار الكتب العلمية بيروت لبنان. .
وقال ابن الفارض في تائيته:


وأوضح بالتأويل ما كان مشكلا    




عليّ بعلم ما ناله بالوصيـــــة  ((ديوان ابن الفارض ))  (ص 81). ط  مكتبة القاهرة 1399 هـ. .

وهذا تشيع محض بدون شك ولا شبهة.
وكذلك ما قاله ابن عربي في تفسيره مفسرا قول الله عز وجل: عَمَّ يَتَسَاءلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ[النبأ:1-2].
 (إنه القيامة الكبرى، ولهذا قيل: إن أمير المؤمنين علي هو النبأ العظيم، وهو فلك نوح أي الجمع والتفصيل – باعتبار الحقيقة والشريعة – لكونه جامعا لهما   ((تفسير ابن عربي ))   (2/ 184). .
وعلى ذلك قال الهجويري: (علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو ابن عم المصطفى، وغريق بحر البلاء، وحريق نار الولاء، وقدرة الأولياء والأصفياء أبو الحسن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
وله في هذه الطريقة شأن عظيم، ودرجة رفيعة. وكان له حظ تام في دقة التعبير عن أصول الحقائق إلى حدّ أن قال الجنيد رحمه الله: شيخنا في الأصول والبلاء علي المرتضى رضي الله عنه. أي أن عليا رضي الله عنه هو إمام هذه الطريقة في العلم والمعاملة، فأهل الطريقة يطلقون على علم الطريقة اسم الأصول، ويسمون تحمل البلاء فيها بالمعاملات ((كشف المحجوب ))   للهجويري ترجمة عربية (ص 273،  274). .
والطوسي قال نقلا عن أبي عليّ الروذباري أنه قال: (سمعت جنيدا رحمه الله يقول: رضوان الله على أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه، لولا أنه اشتغل بالحروب لأفادنا من علمنا هذا معاني كثيرة، ذاك امرؤ أعطى علم اللدنّي، والعلم اللدنّي هو العلم الذي خص به الخضر عليه السلام، قال الله تعالى: وعلمناه من لدنّا علما كتاب ((اللمع ))  للطوسي (ص 179). ط  دار الكتب الحديثة مصر. .
ثم نقل عن علي رضي الله عنه أشياء وقال بعده: (ولعلي رضي الله عنه أشباه في ذلك كثير من الأحوال والأخلاق والأفعال التي يتعلق بها أرباب القلوب وأهل الإشارات وأهل المواجيد من الصوفية  أيضا (ص 182). .
فهذه العبارات كلها لم تكن مقتبسة منقولة من التشيع وبل إنها شيعية وصرفة.
وبعد هذا كله نريد أن نبيّن توغل الصوفية في علم الباطن وعلاقتهم به، وسبب التجائهم إليه، فنقول: (إن الصوفية يقولون: إن علم الباطن المسمى بعلم القلب وبعلم التصوف، علم جليل شريف نفيس، وهو أجلّ العلوم وأشرفها، وهو الزبدة الممخوضة من الشريعة التي لم تبعث الأنبياء عليهم السلام إلا لأجلها... وهو علم طريق الآخرة، وهو العلم الذي درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهو العلم الذي لم يبعث الله الأنبياء إلا لأجله. وقد سماه الله تعالى  في كتابه فقها وعلما وضياء ونورا وهدى ورشدا، وهو مستخرج من القرآن والسنة، ومدلول عليه منهما نصّا وتصريحا وتلويحا وكتابة وإشارة وغير ذلك من أصناف الدلالة.
قال الغزالي: علم الباطن هو علم يقين المقربين، وثمرته الفوز برضا الله تعالى، ونيل سعادة الأبد، وبه تزكية النفس وتطهيرها، وتنوير القلب وصفاؤه بحيث ينكشف بذلك النور أمور جليلة، ويشهد أحوالا عجيبة، ويعاين ما نمت عنه بصيرة  ((حياة القلوب في كيفية الوصول إلى المحبب ))  لعماد الدين الأموي (1/ 259،  261) بهامش ((قوت القلوب))  لأبي طالب المكي. ط  دار صادر بيروت. .
وقالوا:


هل ظاهر الشرع وعلم الباطــن   




إلا كجـــــسم فيه روح ســـــاكن


والعلم الظاهر هو علم العبودية    




والعلم الباطن هو علم الربوبية   ((الفتوحات الإلهية ))  لابن عجيبة (ص 333).


وقالوا:
(لا تجعلوا أحدا من أهل الظاهر حجة على أهل الباطن  ((قواعد التصوف). .
وخلاصة هذا أن علم الباطن هو التصوف بعينه، وهو ما أشار الكلاباذي نقلا عن عبد الواحد بن زيد أنه قال: (سألت الحسن عن علم الباطن فقال: سألت حذيفة بن اليمان عن علم الباطن فقال: سألت رسول الله عن علم الباطن فقال: سألت جبريل عن علم الباطن فقال: سألت الله عز وجل عن علم الباطن فقال هو سرّ من سرّي، أجعله في قلب عبدي، لا يقف عليه أحد من خلقي.
قال أبو الحسن بن أبي ذر قي كتابه (منهاج الدين) أنشدونا للشلبي:


علم التصوف لا نفــــاذ لــه




علم سنيّ ســــــــماويّ ربــــــوبيّ


فيه الفوائد للأرباب يعرفها




أهل الجزالة والصنع الخصوصي   ((التعرف لمذهب أهل التصوف))  للكلاباذي (ص 105،  106).

وبالغوا في مدحه حتى قالوا: (سئل بعض العلماء عن علم الباطن: أي شيء هو ؟
فقال: سرّ من سرّ الله تعالى  يقذفه في قلوب عباده لم يطلع عليه ملكا ولا بشرا ((قوت القلوب))  لأبي طالب المكي (1/ 120). .
و (علم الباطن سر من أسرار الله   ((جامع الأصول في الأولياء))  للكمشخانوي (ص 258). .
وكذب الآخر   ((جمهرة الأولياء))  للمنوفي الحسيني (1/ 88). على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نسب هذا الكلام إليه صلوات الله وسلامه عليه فقال: ((علم الباطن سر من أسرار الله تعالى  وحكمة من حكمته يقذفه في قلوب من يشاء من عباده)) أخرجه ابن الجوزي في ((الواهيات ))   (1/83) (90) وقال لا يصح وعامة رواته لا يعرفون، وقال الذهبي في تلخيصه باطل، وقال الألباني موضوع كما في ((السلسلة الضعيفة ))  (1227) .
ولقد بين داود القيصري من هم أصحاب العلم الباطن، وما هي قيمتهم ومنزلتهم مقابل أصحاب الظاهر، شارحا مبيّنا الحديث الموضوع الذي ذكرنا فيما سبق، فيقول:
(ولما كان للكتاب ظهر وبطن وحد ومطلع، كما قال عليه السلام: ((إن للقرآن ظهراً وبطناً وحداً ومطلعاً)) رواه أبو عبيد في ((الفضائل ))  وابن المبارك في ((الزهد ))  (1/23) (93) عن الحسن البصري مرسلا، ورواه الطحاوي في ((المشكل ))   (2629) وأبو يعلى (10/410) (5024) وابن حبان بالشطر الأول (1/147) (75) والبغوي في ((شرح السنة ))  (1/114) عن ابن مسعود مرفوعا، قال ابن عبدالبر في ((التمهيد ))  (8/282) صحيح، وضعفه الألباني في ((الضعيفة ))  (2989) ، وقال عليه السلام: ((إن للقرآن بطناً ولبطنه بطناً، إلى سبعة أبطن)) وفي رواية ((إلى سبعين بطناً)) قال ابن تيمية في ((الفتاوى ))  (3/179) من الأحاديث المختلقة التي لم يروها أحد من أهل العلم، ولا يوجد في شىء من كتب الحديث ، وظهره: ما يفهم من ألفاظه ويسبق الذهن إليه. وبطنه: المفهومات اللازمة للنظر الأول. وحدّه: ما إليه ينتهي غاية إدراك الفهوم والعقول، ومطلعه: ما يدرك منه على سبيل الكشف والشهود، من الأسرار الإلهية والإشارات الربانية. والمفهوم الأول، الذي هو الظهر، للعوام والخواص. والمفهومات اللازمة له (هي) للخواص ولا مدخل فيها للعوام. والحدّ للكاملين. والمطلع لخلاصة أخص الخواص كأكابر الأولياء. وكذلك التقسيم في الأحاديث القدسية والكلمات النبوية: فإن لكل من العوام والخواص وأخص الخواص فيها إنباءات رحمانية وإشارات إلهية – من أجل هذا كله – كان للشريعة ظاهر وباطن.
(ومراتب العلماء أيضا فيهما متكثرة. ففيهم فاضل ومفضول، وعالم وأعلم، والذي نسبته إلى نبيه أتم وقربه من روحه أقوى، كان علمه بظاهر شريعته وباطنها أكمل. والعالم بالظاهر والباطن منه أحق أن يتبع، لغاية قربه من نبيه، وقوة علمه بربه، وأحكامه، وكشفه حقائق الأشياء، وشهوده إياها. ثم من هو دونه في المرتبة إلى أن ينزل إلى مرتبة علماء الظاهر فقط  ((مقدمة التائية الكبرى ))  للقيصري مخطوط (ص 207،  208)  المنقول من ملحقات كتاب  ((ختم الأولياء))  (ص 493). .
و (هو العلم المخزون والعلم اللدني الذي اختزنه عنده، فلم يؤته إلا للمخصوصين من الأولياء كما قال الله تعالى  في شأن الخضر عليه السلام: وعلّمناه من لدنا علما... وقال بعضهم: هي أسرار الله تعالى  يبديها الله إلى أنبيائه وأوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة، وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها أحد إلا الخواص.
وقال أبو بكر الواسطي رضي الله عنه في قوله تعالى: والراسخون في العلم: وهو الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب، وفي سر السر، فعرفهم ما عرفهم، وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادة، فانكشف لهم من مذخور الخزائن والمخزون تحت كل حرف وآية من الفهم وعجائب النظر بحارا، فاستخرجوا الدرر والجوهر، ونطقوا بالحكمة ((غيث المواهب العلية ))  للنفزي الرندي (2/ 238،  239). .
وقالوا: (أهل الظاهر هم: أهل الخبر واللسان، وعلماء الباطن هم: أرباب القلوب والعيان... وعلم الظاهر حكم، وعلم الباطن حاكم، والحكم موقوف حتى يأتي الحاكم بحكم فيه  ((قوت القلوب))  لأبي طالب طالب المكي (1/ 158). .
و (أهل الظاهر هم أهل الشريعة، وأهل الباطن هم أهل الحقيقة  انظر  ((جامع الأصول في الأولياء))  للكمشخانوي (ص 258). .
وأما سبب التجاء المتصوفة إلى علم الباطن، ومنه إلى التأويل هو أن الصوفية لم يجدوا في القرآن والسنة ما يمكن أن يكون سندا لهم على منهجهم ومسلكهم، ودليلا على طرقهم التي اختاروها، والمناهج التي اخترعوها للوصول إلى الله، والحصول على معرفته ورضائه، فالتجأوا إلى علم الباطن والتأويل الباطني كما قال نيكلسون:
(لا يمكن أن يكون القرآن أساسا لأي مذهب صوفي، ومع ذلك استطاع الصوفية متبعين في ذلك الشيعة أن يبرهنوا بطريقة التأويل نصوص الكتاب والسنة معنى باطنا لا يكشفه الله إلا للخاصة من عباده الذين تشرق هذه المعاني في قلوبهم في أوقات جدهم. ومن هنا نستطيع أن نتصور كيف سهل على الصوفية بعد سلموا بهذا المبدأ أن يجدوا دليلا من القرآن لكل قول من أقوالهم ونظرية من نظرياتهم أيا كانت، وأن يقولوا إن التصوف ليس في الحقيقة إلا العلم الباطن الذي ورثه علي بن أبي طالب عن النبي. ويلزم من هذا المبدأ أيضا (مبدأ التأويل) أن تأويل الصوفية لتعاليم الإسلام قد يأتي على أنحاء وأشكال لا حصر لعددها، وربما أدى إلى تناقض في العبادات والمسائل العلمية. وكل ذلك مفروض صدقه في النوع لا في الدرجة، لأن معاني القرآن لا حصر لها، وهي تنكشف لكل صوفي بحسب ما منحه الله من الإستعداد الروحي. ولهذا لم تتألف من الصوفية فرقة خاصة، ولا كان لهم مذهب محدود يصح أن نسميه مذهب التصوف. بل إن التعريفات العديدة التي وضعت للفظ التصوف نفسه لتدل على تعدد وجوه النظر في فهم معناه.
كذلك الحال في موقف الصوفية من الشريعة، فإن هذا الموقف يختلف بحسب حال كل صوفي. ولذلك تجد بعضهم قد قام بشعائر الدين بكل دقة بالرغم من أنهم كانوا يعتبرون أن صور العبادات ليس لها من القيمة ما لأعمال القلوب، أو أنها لا قيمة لها البتة إلا من حيث دلالتها على الحقائق الروحية. فالحج مثلا رمز للبعد عن المعاصي، والإحرام خلع الشهوات والملذات مع خلع الثياب. وهذا الأسلوب من البحث أسلوب معروف عند الإسماعيلية الباطنية، والظاهر أن الصوفية أخذوه عنهم.
وآخرون منهم قالوا برفع التكاليف الدينية سواء أكانوا من الصوفية الذين تحرروا من القيود الشرعية في تفكيرهم وأعمالهم، أم من الصوفية الصادقين في تصوفهم كالملامتية الذين دفعهم الخوف من مدح الناس إلى الظهور فيهم بما يستجلب الملامة والذم، أم من (العارفين) الذين لم يأبهوا بمظاهر الشرع ورسومه ولا بأخلاق هذا العالم الزائل.... وقد سبق أن ذكرنا أن الصوفية اعتبروا أنفسهم خاصة أهل الله الذين منحهم الله أسرار العلم الباطن المودع في القرآن والحديث، وأنهم استعملوا في التعبير عن هذا العلم لغة الرمز والإشارات التي لا يقوى على فهمها غيرهم من المسلمين في ((التصوف الإسلامي وتاريخه ))  لنيكلسون ترجمة عربية لأبي العلاء العفيفي (ص 76،  77). .
وسبب آخر أنهم تقوّلوا بكلمات كلها كفر وإلحاد، ونقل عن الباطنية والتشيع والفرق الباطلة الأخرى، فلما سمع العلماء هذه المقولات كفروهم بها، ورموهم بالإلحاد والزندقة فلم يسعهم آنذاك إلا القول بالظاهر والباطن، والهروب إلى التأويل، وفي كتب التصوف أمثلة كثيرة مبعثرة في ذلك.
فمثلا الطوسي يذكر متصوفة كثيرين رموا بالزندقة والإلحاد، ولكنه يبرّء ساحتهم من هذه التهم بهذه المقولة، فمثلا يقول عن عبد الله الحسين بن مكي الصبيحي أنه (تكلم بشيء من علم الأسماء والصفات وعلم الحروف فكفره أبو عبد الله الزبيري، وهيّج عليه العامة، فقال: إن سهل بن عبد الله قال له: نحن فتحنا للناس جراب الهلتيت فلم يصبروا علينا، فلم كلمتهم أنت بما لا يعرفون، فكان ذلك سبب خروجه من البصرة، ثم قال: وكان إذا تكلم بعلوم المعارف يدهش العالم انظر كتاب ((اللمع ))  للطوسي (ص 500). .
ومثل ذلك ذكر أبا سعيد أحمد بن عيسى الخراز فقال: (أنكر عليه جماعة من العلماء، ونسبوه إلى الكفر بألفاظ وجدوها في كتاب صنّفه وهو: كتاب (السرّ)، فلم يفهموا معناه، وهو قوله: عبد رجع إلى الله، وتعلق بالذكر، وذكر في قرب الله وطالع ما أذن له من التعظيم لله، ونسي نفسه وما سوى الله، فلو قلت له: من أين أنت وأين تريد ؟ لم يكن جواب غير قول (الله انظر كتاب ((اللمع ))  للطوسي  (ص 499). .
هذا، وذكر الآخرين كذلك، وقبل ذلك عللّ سبب تكفير العلماء إياهم بقوله: (فمنهم قوم لم يفهموا معاني ما أشاروا إليه في كلامهم من غامض العلم وجليل الخطب، ولم يكن لهم زاجر من العقل ولا واعظ من الدين أن يستبحثوا عن المعاني التي أشكلت عليهم ويسألوا ذلك عن أهلها، وقاسوا من ذلك بما علموا من العلوم المبثوثة بين عوام الناس حتى هلكوا انظر كتاب ((اللمع ))  للطوسي (ص 497). .
والأمثلة في هذا الباب كثيرة لا تعدّ ولا تحصى.
وأخيرا يحسن بنا أن نورد بعض الأمثلة للتأويلات الصوفية في القرآن والحديث النبوي الشريف لتمام الفائدة وإكمال البحث.
فيذكر ابن عطاء الله الإسكندري في لطائفه نقلا عن بعض مشائخه أنه فسّر الآية  يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا [الشورى: 49] الحسنات وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ [الشورى: 49] العلوم، وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا [الشورى: 49] لا علم ولا حسنة، كما مضى أيضا من قول الله عز وجل: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً [البقرة: 67] .
فقال الشيخ: بقرة كل إنسان نفسه، والله يأمرك بذبحها... فذلك ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت له الآية، ودلت عليه في عرف اللسان، وثمّ أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث، لمن فتح الله على قلبه   ((لطائف المنن))  لابن عطاء الإسكندري (ص 248) بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر السابق. .
وقال الجيلي مفسرا قول الله عز وجل:  هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا [الإنسان: 1] يقول في تفسيره:
(اتفقت العلماء على أن (هل) في هذا الموضوع بمعنى قد: يعني قد أتى الإنسان حين من الدهر، والهر هو الله، والحين تجل من تجلياته (لم يكن شيئا) يعني أن الإنسان لم يكن شيئا (مذكورا)، ولا وجود له في ذلك التجلي، لا من حيث الوجود العيني ولا من حيث العملي، لأنه لم يكن شيئا مذكورا، فلم يكن معلوما، وهذا التجلي هو أزل الحق الذي لنفسه   ((الإنسان الكامل))  للجيلي (ص 101،  102). .
ثم يؤوّل الجيلي الصوم والصلاة والزكاة والحج تأويلا باطنيا محضا، كالإسماعيلية تماما، فيقول: (وأما الصلاة فإنها عبارة عن واحدية الحق تعالى، وإقامتها إشارة إلى إقامة ناموس الواحدية بالاتصاف بسائر الأسماء والصفات، فالطهر عبارة عن الطهارة من النقائص الكونية... وقراءة الفاتحة إشارة إلى وجود كماله في الإنسان لأن الإنسان هو فاتحة الوجود.... وأما الزكاة فعبارة عن التزكي بإيثار الحق على الخلق... وأما كونه واحدا في كل أربعين في العين فلأن الوجود له أربعون مرتبة، والمطلوب المرتبة الإلهية، فهي المرتبة العليا، وهي واحدة من أربعين...وأما الصوم فإشارة إلى الامتناع عن استعمال المقتضيات البشرية ليتصف بصفات الصمدية، فعلى قدر ما يمتنع: أي يصوم عن مقتضيات البشرية تظهر آثار الحق فيه...
وأما الحج فإشارة إلى استمرار القصد في طلب الله تعالى، والإحرام إشارة إلى ترك شهود المخلوقات... ثم ترك حلق الرأس إشارة إلى ترك الرياسة البشرية... ثم مكة عبارة عن المرتبة الإلهية، ثم الكعبة عبارة عن الذات، ثم الحجر الأسود عبارة عن اللطيفة الإنسانية....  ((الإنسان الكامل))  للجيلي (2/ 134) وما بعدها ملخصا.
وبمثل ذلك ذكر الكلاباذي عن بعض مشائخه أنه قال: (معنى الصلاة: التجريد عن العلائق، والتفريد بالحقائق، والعلائق ما سوى الله، والحقائق ما لله ومن الله.
وقال آخر: الصلاة وصل.
قال: سمعت فارسا يقول: معنى الصوم: الغيبة عن رؤية الخلق برؤية الحق عز وجل   ((التعرف لمذهب أهل التصوف))  للكلاباذي (ص 120). .
والسهروردي المقتول يفسر قول الله عز وجل:  يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ[النــور:35]: أي ليست عقلية محضة، ولا غربية: أي ليست هيولانية محضة، وهي بعينها شجرة موسى التي سمع منها النداء، في البقعة المباركة من الشجرة، وقوله: ولو لم تمسسه نار: هذه النار هو الأب المقدس – روح القدس – وهو النار التي جاءت في قوله:  أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ[النمل:8] أي المتصلين بها   ((الألواح العمادية ))  لشهاب الدين السهروردي المقتول (ص 72) من مجموعة الرسائل الثلاثة له. ط  مركز تحقيقات فارسي إيران وباكستان. .
وقال أيضا: (ألم تر أن موسى لما طلب الرؤية، قيل له:  وَلَكِنِ انظُرْ إلى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي[الأعراف:143] : لأن هذا الجبل حائل دائم التحرك، شاغل للنفس. فلما تعدى السانح القدسيّ إلى معدن التخيل، قهره. كما قال الله تعالى:  فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا[الأعراف:143] : انقطع سلطان البشرية بظهور نور الحقيقة، فاصطلمت النفس، وفنيت عن مشاهدة الكثرة بنور القيومية أيضا (ص 74). .
وأما ابن عربي الذي قال فيه الدكتور أبو العلاء العفيفي محللاً أسلوبه التأويلي والتفسيري:
(إنه يحول القرآن بمنهجه الخطير في التأويل إلى قرآن جديد  ((ابن عربي في دراساتي ))   للدكتور أبي العلاء العفيفي الكتاب التذكاري (ص 13). .
وينقل الشيخ رشيد رضا المصري، عن شيخه محمد عبده رأيه في تفسيره بقوله: (وفيه من النزعات ما يتبرء منه دين الله وكتابه العزيز انظر ((تفسير الظلال ))   (1/ 18). .
يقول ابن عربي هذا في تفسير قول الله عز وجل: الم: أشار بهذه الحروف إلى كل الوجود حيث هو كل، لأن (أ) إشارة إلى ذات الله الذي هو أول الوجود... و (ل) إلى العقل الفعال المسمى جبريل، وهو أوسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ، ويفيض إلى المنتهي. و (م) إلى محمد الذي هو آخر الوجود تتمّ به دائرته، وتتصل بأولها، ولهذا ختم تفسير ((ابن عربي ))   (1/ 5). .
ويقول السلمي الذي قال فيه الذهبي: (أتى السلمي في حقائقه بمصائب وتأويلات باطنية نسأل الله العافية   ((تذكرة الحفاظ ))  للذهبي (3/ 249). ط  القاهرة. .
يقول في تفسير آلم: (الألف ألف الوحدانية، واللام لام اللطف، والميم ميم الملك، معناه من وجدنا على الحقيقة بإسقاط العلائق والأغراض تلطف له في معناه فأخرجته من رقّ العبودية إلى الملك الأعلى ((تفسير السلمس ))  (ص 17). .
وأما القشيري ففسر آلم: (فالألف من اسم (الله)، واللام يدل على (اللطيف)، والميم يدل على اسمه (المجيد) و (الملك).
وقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها لأنها بسائط أسمائه وخطابه.
وقيل إنها أسماء السور.
وقيل الألف تدل على اسم (الله) واللام تدل على اسم (جبريل) والميم تدل على اسم (محمد) صلى الله عليه وسلم، فهذا الكتاب نزل من الله على لسان جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
والألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف في الخط وسائر الحروف يتصل بها إلا حروف يسيرة، فيتنبه العبد عند تأمل هذه الصفة إلى احتياج الخلق بجملتهم إليه، واستغنائه عن الجميع.
ويقال يتذكر العبد المخلص من حال الألف تقدس الحق سبحانه وتعالى  عن التخصص بالمكان، فإن سائر الحروف لها محل من الحلق أو الشفة أو اللسان إلى غيره من المدارج غير الألف فإنها هويته، لا تضاف إلى محل.
ويقال الإشارة منها إلى انفراد العبد لله سبحانه وتعالى  فيكون كالألف لا يتصل بحرف، ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه.
ويقال بطالب العبد في سره عند مخاطبته بالألف بانفراد القلب إلى الله تعالى، وعند مخاطبته باللام بلين جانبه في (مراعاة) حقه، وعند سماع الميم بموافقة أمره فيما يكلفه.
ويقال اختص كل حرف بصيغة مخصوصة وانفردت الألف باستواء القامة، والتميز عن الاتصال بشيء من أضرابها من الحروف، فجعل لها صدر الكتاب إشارة إلى أن من تجرد عن الاتصال بالأمثال والأشغال حظي بالرتبة العليا، وفاز بالدرجة القصوى، وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هي غير مركبة، على سنة الأحباب في ستر الحال، وإخفاء الأمر الأجنبي من القصة – قال شاعرهم:
قلت لها قفي لنا قالت قاف    لا تحسبي أنا نسينا لا يخاف
ولم يقل وقفت ستراً على الرقيب ولم يقل لا أقف مراعاة لقلب الحبيب بل (قالت قاف ((لطائف الإشارات ))   للقشيري (1/ 53،  54)  بتحقيق دكتور إبراهيم بسيوني الطبعة الثانية الهيئة المصرية العامة للكتاب 1981. .
ويكتب الجيلي تحت قول الله عز وجل: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ[البقرة:1-3] :
(أشار بذلك إلى حقيقة ألف لام ميم، وذلك من طريق الإجمال إشارة إلى الذات والأسماء والصفات ذَلِكَ الْكِتَابُ والكتاب الإنسان الكامل (فألف لام ميم بما أشار إليه هو حقيقة الإنسان لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الذين هم وقاية عن الحق، والحق وقاية عنهم، فإن دعوت الحق فقد كنيت به عنهم، وإن دعوتهم فقد كنيت بهم عنه الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ[البقرة:3] الغيب هو الله لأنه غيبهم آمنوا به أنه هويتهم وأنهم عينه  وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ[البقرة:3] يعني يقيمون بناموس المرتبة الإلهية في وجودهم بالاتصاف بحقيقة الأسماء والصفات وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ يعني يتصرفون في الوجود من ثمرة ما أنتجته هذه الأحدية الإلهية في ذواتهم   ((الإنسان الكامل))  للجيلي عبد الكريم (2/ 138،  139). .
ونقل عبد الحليم محمود عن أبي الحسن الشاذلي تفسير قول الله عز وجل على لسان موسى عليه السلام: (هي عصاي) معرفتي بك، أعتمد عليها.
(أهش بها على غنمي) أولادي في التربية.
(ولي فيها مآرب أخرى)  من باب لي وقت مع ربّي لا تسعني فيه أرض ولا سماء ((المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي ))   لعبد الحليم محمود (ص 403). ط القاهرة. .
وفسر ابن عجيبة الآية القرآنية: (رب أدخلني) في الأشياء حقوقا كانت أو حظوظا (مدخل صدق) أي إدخال صدق، بأن يكون ذلك الإدخال بك، معتمدا فيه على حولك وقوتك، متبرئا من حولي وقوتي ومن شهود نفسي.
(وأخرجني) منها (مخرج صدق) أي إخراج صدق، بأن أكون مأذونا فيه بإذن خاص، مصحوبا بالخشية وسر الإخلاص، وهذا معنى قوله (ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني) في الأشياء (وإنقيادي إليك إذا أخرجتني) منها.
(وأجعل لي من لدنك) أي من مستبطن أمورك بلا واسطة ولا سبب (سلطانا) أي برهانا قويا، وليس ذلك إلا وارد قويّ من حضرة قهار لا يصادمه شيء ألا دمغه، فيحق الحق ويزهق الباطل، ويكون ذلك السلطان ينصرني ولا ينصر عليّ، أي ينصرني على الغيبة عن الحس وعن شهود السوى حتى نبعد عنهما برؤية مولاهما ولا ينصر على الوهم والحس وشهود الغيرية.
ثم بين ذلك فقال: (ينصرني على شهود نفسي) أي يقويني على الغيبة عنها فإذا انتصرت على شهودها انهزم عني وذهب شهودها وبقي شهود ربها، فالنصرة على الشيء هو غلبته حتى يضمحل وينقطع وكـأن شهود النفس عدو يحاربك ويقطعك عن شهود ربك، فإذا نصرك الله عليه ودفعته عنك، فتتصل حينئذ بشهود محبوبك، وإذا فني شهود النفس فني حينئذ وجود الحس، وهو معنى قوله (ويفنيني عن دائرة حسي) فإذا فنيت دائرة الحس بقي متسع المعاني وقضاء الشهود، وهذه هي الولادة الثانية، فإن الإنسان بعد أن خرج من بطن أمه وهي الولادة الأولى بقي مسجونا بمحيطاته، محصورا في هيكل ذاته، قد التقمه الهوى، وصار في بطن الحس والوهم. وسجن الأكوان المحيطة بجسمانيته، فإذا فنيت دائرة حسه وخرج من بطن عوائده وشهوات نفسه، نقبت روحه الكون بأسره، وخرجت إلى شهود مكونها فقد ولد مرة ثانية، وهذه الولادة لا يعقبها فناء ولا موت ((إيقاظ الهمم))  لابن عجيبة (ص 451،  452). ط  القاهرة. .
وقال الشعراني ناقلا عن سيده علي الخواص في تفسيره قول الله عز وجل:
 إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ[فصلت:30]كمّل الأنبياء ثُمَّ اسْتَقَامُوا[فصلت:30]محمد صلى الله عليه وسلم تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ[فصلت:30]عامة النبيين أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا[فصلت:30]كمّل العارفين وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ[فصلت:30]جميع المؤمنين فقد بيّنت هذه الآية مراتب الكمّل، كما بيّنت التي تليها صفاتهم وأحوالهم. وهذه الآية من الجوامع.
قال: ولولا خوف الهتك لأستار الكمّل لأظهرنا لك من هذه الآية عجبا ((درر الغواص للشعراني ))  (ص 50) بهامش ((الإبريز ))  للدباغ. ط  مصر. .
والتأويلات كهذه لا عدّ لها ولا حصر، والقوم أشبعوا الكلام في علم الباطن والتأويل الباطني، وملؤا كتبهم به، وهذه الفكرة لم تتدرج إليهم إلا من التشيع والشيعة، كالأفكار الأخرى.والشيعة بدورهم أخذوها من اليهودية. وهكذا أدخل الصوفية أنفسهم في الفرق الباطنية لأن الإسماعيلية والنصيرية والدروز وغيرها من الفرق الباطنية لم يسمّوا بالباطنية إلا لقولهم: إن لكل ظاهر باطنا، حسب اعتراف الشعراني نفسه، حيث يقول: (الإسماعيلية: وهم قوم يسمون بالباطنية لكونهم يقولون: لكل ظاهر باطن  انظر ((اليواقيت والجواهر ))  للشعراني (2/ 128). .
وأما تسمية المتصوفة العلماء والفقهاء والمسلمين الآخرين الذين لا يؤمنون بباطنيتهم، بأهل الظاهر،، والعامة،، وأهل الرسوم، والنكير عليهم فمنتشر في كتبهم، كما يقول ابن عربي: (ما خلق الله أشق ولا أشد من علماء الرسوم على أهل الله المختصين بخدمته، العارفين به من طريق الوهب الإلهي، الذين منحهم أسراره في خلقه، وفهم معاني كتابه وإشارات خطابه، فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل عليهم السلام  ((الفتوحات المكية ))  لابن عربي الباب الرابع والخمسون. .
وقال لسان الدين بن الخطيب: (إن كل الخلق قعدوا على الرسوم، وقعدت الصوفية على الحقائق ((روضة التعريف ))  (ص 370). .أي أن الصوفية هم أهل الحقائق، وسائر الناس أهل الرسوم.
ويقول الكمشخانوي: (الذين اقتصروا على الشريعة فهم العامة انظر ((جامع الأصول  في الأولياء))  للكمشخانوي  (ص 89). . والترمذي الملقب بالحكيم يقول في كتابه (ختم الأولياء): (أكثر الشريعة جاءت على فهم العامة)   ((ختم الأولياء))  للترمذي (ص 237). ط  المطبعة الكاثوليكية. بيروت. التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير/ ص 243

انظر أيضا: