trial

موسوعة الفرق

المبحث العاشر: الولاية والوصاية


وتشابه آخر بين الصوفية والشيعة هو أن الصوفية أضفوا على أوليائهم عين تلك الأوصاف والاختيارات التي أضفى الشيعة على أئمتهم وأوصيائهم، فإن الشيعة يقولون: (أن الأئمة ولاة أمر الله، وخزنة علم الله، وعيبة وحي الله   ((الأصول من الكافي))  للكليني (1/ 193). .
ويروي أبو جعفر محمد بن الحسن الصفار المتوفى 290هـ شيخ الكليني، في بصائره، عن محمد الباقر بن علي زين العابدين أنه يقول: (نحن جنب الله ونحن صفوته ونحن خيرته ونحن مستودع مواريث الأنبياء ونحن أمناء الله ونحن حجّة الله، ونحن أركان الإيمان، ونحن دعائم الإسلام، ونحن من رحمة الله على خلقه، ونحن الذين بنا يفتح الله وبنا يختم، ونحن أئمة الهدى، ونحن مصابيح الدجى، ونحن منار الهدى، ونحن السابقون، ونحن الآخرون، ونحن العلم المرفوع للخلق، من تمسك بنا لحق، ومن تخلف عنا غرق، ونحن قادة الغر المحجلين، ونحن خيرة الله، ونحن الطريق، وصراط الله المستقيم إلى الله، ونحن من نعمة الله على خلقه، ونحن المنهاج ونحن معدن النبوة، ونحن موضع الرسالة، ونحن الذين إلينا مختلف الملائكة، ونحن السراج لمن استضاء بنا، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا، ونحن الهداة إلى الجنة، ونحن عز الإسلام، ونحن السنام الأعظم، ونحن الذين بنا تنزل الرحمة وبنا تسقون الغيث، ونحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب، فمن عرفنا ونصرنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا  ((بصائر الدرجات الكبرى)) للصفار الجزء الثاني ص 83  ط منشورات الأعلمي طهران 1404 هجري قمري. .
وروى الكليني عنه أيضا أنه قال: (نحن خزان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء ومن فوق الأرض ((الكافي)) للكليني كتاب الحجة (1/192 ). .
ورووا عنه أيضا أنه قال: (نحن المثاني التي أعطاها الله النبي صلى الله عليه وآله، ونحن وجه الله نتقلب في الأرض بين أظهركم، عرفنا من عرفنا، وجهلنا من جهلنا، من عرفنا فإمامه اليقين، ومن جهلنا فإمامه السعير ((بحار الأنوار)) للمجلسي (2/ 114 ). .
والروايات في هذا المعنى كثيرة جدا، ومن أراد الاستزادة   فليرجع إلى كتبنا الأربعة في هذا الموضوع، أو كتب الشيعة كبصائر الدرجات للصفار، والكافي للكليني، وبحار الأنوار للمجلسي، والفصول المهمة للعاملي، والبرهان للبحراني وغيرها من الكتب الشيعية الكثيرة.
مع العلم بأن كتاب الله القرآن الكريم، وكتب السنة النبوية المطهرة، وتراجم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خالية عن مثل هذه الخرافات والهفوات، والشركيات واليهوديات.
ولكن الصوفية استقوا مبادئهم وأفكارهم ومعتقداتهم من التشيع والشيعة، بدل الكتاب والسنة، فقالوا في أوليائهم ومتصوفيهم نفس ما قاله الشيعة في أئمتهم وأوصيائهم، فانظر ما كتبه أعظم مؤرخ صوفي في التاريخ القديم والحديث أبو نصر السراج الطوسي – حسب ما قاله طه عبد الباقي، والدكتور عبد الحليم محمود – ولاحظ التوافق الكامل والتشابه التام بين ألفاظه وعبارته وبين عبارة الشيعة وألفاظهم فهو ينبئ عن المصدر الأصلي، والمأخذ الحقيقي، والمنبع الأصيل، فيكتب: (أن هذه العصابة أعني الصوفية هم أمناء الله عز وجل في أرضه، وخزنة أسراره وعلمه وصفوته من خلقه، فهم عباده المخلصون، وأولياءه المتقون، وأحباءه الصادقون الصالحون، منهم الأخيار والسابقون، والأبرار و المقربون، والبدلاء والصديقون، هم الذين أحيا الله بمعرفته قلوبهم، وزيّن بمعرفته جوارحهم، وألهج بذكره ألسنتهم، وطهر بمراقبته أسرارهم، سبق لهم منه الحسنى بحسن الرعاية ودوام العناية، فتوجهم بتاج الولاية، وألبسهم حلل الهداية، وأقبل بقلوبهم عليه تعطفاً، وجمعهم بين يديه تلطفاً، فاستغنوا به عما سواه،، وآثروا على ما دونه، وانقطعوا إليه، وتوكلوا عليه، وعكفوا ببابه، ورضوا بقضائه، وصبروا على بلائه، وفارقوا فيه الأوطان، وهجروا له الإخوان، وتركوا من أجله الأنساب، وقطعوا فيه العلائق، وهربوا من الخلائق، مستأنسين به مستوحشين مما سواه:  ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[الحديد:21]الآية:  فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ[فاطر:32]الآية:  قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ[النمل:59] كتاب ((اللمع ))  للطوسي مقدمة ص 19 ). .
ونقلوا عن ذي النون المصري أنه قال: (هم حجج الله تعالى  على خلقه، ألبسهم النور الساطع عن محبّته، ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته، وأفرغ عليهم الصبر عن مخالفته، وطهر أبدانهم بمراقبته، وطيبهم بطيب أهل مجاملته، وكساهم حالا من نسج مودّته، ووضع على رؤوسهم تيجان مسرته، ثم أودع القلوب من ذخائر الغيوب، فهي معلقة بمواصلته، فهمومهم إليه ثائرة، وأعينهم إليه بالغيب ناظرة، قد أقامهم على باب النظر من قربه، وأجلسهم على كرسي أطباء أهل معرفته   ((جمهرة الأولياء))  للمنوفي الحسيني (1/ 102). .
وأيضا: (هم خرس فصحاء، وعمي بصراء، عنهم تقصر الصفات، وبهم تدفع النقمات، وعليهم تنزل البركات، فهم أحلى الناس منقطعا ومذاقا، وأوفى الناس عهدا وميثاقا، سراج العباد، ومنار البلاد، ومصابيح الدجى، معادن الرحمة، ومنابع الحكمة  ((جمهرة الأولياء)) (ص 103). .
وقال ابن عجيبة: (هم باب الله الأعظم، ويد الله الآخذة بالداخلين إلى حضرة الله، فمن مدحهم فقد مدح الله، ومن ذمّهم فقد ذمّ الله ((إيقاظ الهمم))  لابن عجيبة (ص 272 ). .
وقال ابن قضيب البان: (القطب فاروق الوقت، وقاسم الفيض، وإليه مفوّض أزمّة الأمور، وقلب قطب خزانة أرواح الأنبياء، وله بكل وجه وجه، وأرواح الأنبياء خزائن أسرار الحق.... الكون كله صورة القطب... وهو الباب الذي لا دخول ولا خروج إلا منه... وفؤاد القطب شمعة نصبت لفراش أرواح العالم، و نطقه شهد حقائق المعارف، الذي فيه شفاء أسرار المقربين، وصلاح مشاهد العارفين، وغذاء أفئدة الواصلين... نفس القطب صور برزخ الشئون الصفاتية، وعقله اسرافيله، ومن نفسه قيام عمود السماوات الروحية والأرضين الجسمية، وإرادته المأثرة فيهما، ومن إختياره همم أهل زمانه... القطب الفرد الواحد في كل زمان الحقيقة المحمدية، ولكل زمان قطب منها، وهو خطيب سر الولاء بكلمة: بلى ((المواقف الإلهية)) لابن قضيب البان (190). .
هذا وأن ابن عربي قال بصراحة ووضوح بدون إبهام ولا إيهام:


(أنا القرآن والسبع المثاني  





وروح الروح لا روح الأواني



فــؤادي عند معلومي مقيم  


 


يشاهده وعنـــــــــدكم لساني   ((الفتوحات المكية))  لابن عربي (1/ 70) بتحقيق وتقديم دكتور عثمان يحيى  ط  الهيئة المصرية العامة للكتاب 1985 م.


ويعتقد الشيعة أن أئمتهم يعرفون جميع الألسن واللغات، وحتى لغات الطيور والوحوش.
فيذكر الصفار في بصائره العناوين الأربعة لبيان علوم أئمته: (باب في الأئمة عليهم السلام أنهم يعرفون الألسن كلها). (باب في الأئمة أنهم يتكلمون الألسن كلها).
(باب في الأئمة أنهم يعرفون منطق الطير).(باب في الأئمة عليهم السلام أنهم يعرفون منطق البهائم، ويعرفونهم، ويجيبونهم إذا دعوهم انظر ((بصائر الدرجات الكبرى)) للصفار (9/357) وما بعد،  ومثل ذلك في ((الفصول المهمة في أصول الأئمة)) للحر العاملي ص 155،  كذلك في  ((الأصول من الكافي))  (1/ 227 ). .
ثم يورد تحتها روايات كثيرة تنبئ وتدل على كل ما ذكره في العناوين.
فمثلا يروي عن جعفر بن الباقر أنه قال: (قال الحسن بن علي عليه السلام: إن لله مدينتين، إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب، عليهما سوران من حديد، وعلى كل مدينة ألف ألف مصراع من ذهب، وفيها سبعون ألف ألف لغة يتكلم كل لغة بخلاف لغة صاحبه، وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما وما عليهما حجة غيري والحسين أخي  انظر(( بصائر الدرجات)) الجزء السابع (ص 359 ). .ويروي عن محمد الباقر أنه قال: (علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شيء) (( بصائر الدرجات)) ص 362. .
وغير ذلك من الروايات الكثيرة، وأورد مثلها كل من الكليني في كافيّه، والحرّ العاملي في الفصول المهمة.
ومثل ذلك ذكر المتصوفة في كتبهم عن أوليائهم ومشائخهم، فيقول الشعراني في طبقاته عن إبراهيم الدسوقي: (وكان رضي الله عنه يتكلم بالعجمي والسرياني والعبراني والزنجي، وسائر لغات الطيور والوحوش  ((طبقات الشعراني))  (1/ 166). .
وقال عماد الدين الأموي: (العارفون يفهمون كلام المخلوقين من الحيوانات والجمادات انظر ((حياة القلوب)) لعماد الدين الأموي بهامش ((قوت القلوب ))  لأبي طالب المكي (2/ 275 ). .وكتب الشعراني في كتابه (الأنوار المقدسية): (الولي يعطيه الله تعالى  معرفة سائر الألسن الخاصة بالإنس والجن، فلا يخفى عليه فهم كلام أحد منهم)  ((الأنوار المقدسية في معرفة القواعد الصوفية)) للشعراني (2/ 115 ط  دار إحياء التراث العربي بغداد – العراق. .
وذكر القوم حكايات كثيرة عن متصوفيهم تشتمل على تكلمهم مع السباع والطيور وغيرها، سنذكرها في الجزء الثاني من هذا الكتاب في باب مستقل إن شاء الله.
ولكن للطرافة نذكر حكاية واحدة ذكرها الشعراني في طبقاته الكبرى، فيقول: (أقام الشيخ أبو يعزي في بدايته خمس عشرة سنة في البر، لا يأكل إلا من حبّ الشجر في البادية، وكانت الأسود  تأوي إليه والطير يعكف عليه.
وكان إذا قال للأسد: لا تسكني هنا، تأخذ أشبالها وتخرج بأجمعها.
قال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه: زرته مرة في الصحراء وحوله الأسد والوحوش والطير، تشاوره على أحوالها، وكان الوقت وقت غداء، فكان يقول لذلك الوحش: اذهب إلى مكان كذا وكذا، فهناك قوتك، ويقول للطير مثل ذلك فتنقاد لأمره.
ثم قال: يا شعيب، إن هذه الوحوش والطيور أحبت جواري فتحملت ألام الجوع لأجلي، رضي الله عنه ((طبقات الشعراني))  (1/ 136 ). . فهذا هو التطابق الكلي بين الشيعة والصوفية في هذه القضية.التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير/ ص 218

انظر أيضا: