موسوعة الفرق

المطلب الثاني: صفة العلم الأدلة النقلية على إثبات صفة العلم كثيرة، أما أدلة العقل فقد قررها شيخ الإسلام بعدة طرق، انظر: ((درء التعارض)) (10/113-126)، و((شرح الأصفانية)) (ص: 24-26)) – ت مخلوف -


يقول شيخ الإسلام موضحاً الخلاف في علم الله, وتعلقه بالمستقبل: "الناس المنتسبون على الإسلام في علم الله باعتبار تعلقه بالمستقبل على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته، ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة، وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم، وهذا قول طائفة من الصفاتية من الكلابية والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء, والصوفية, وأهل الحديث من أصحاب أحمد, ومالك, والشافعي, وأبي حنيفة، وهو قول طوائف من المعتزلة, وغيرهم من نفاة الصفات، لكن هؤلاء يقولون: يعلم المستقبلات, ويتجدد التعلق بين العالم والمعلوم، لا بين العلم والمعلوم.
وقد تنازع الأولون: هل له علم واحد, أو علوم متعددة؟ على قولين: والأول قول الأشعري وأكثر أصحابه، والقاضي أبي يعلى وأتباعه، ونحو هؤلاء والثاني قول أبي سهل الصعلوكي.
والقول الثاني: أنه لا يعلم المحدثات إلا بعد حدوثها، وهذا أصل قول القدرية الذين يقولون: لم يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وأن الأمر أنف، لم يسبق القدر لشقاوة ولا سعادة، وهم غلاة القدرية....
والقول الثالث: أنه يعلمها قبل حدوثها، ويعلمها بعلم آخر حين وجودها" ((رسالة في تحقيق علم الله جامع الرسائل)) (1/177-179) – ت رشاد سالم. وهذا قول السلف، وهو قول أبي البركات صاحب المعتبر من الفلاسفة، وقول الرازي في المطالب العالية، وهو مخالف لما ينسب إلى الجهم الذي يقول بتجدد علم قبل الحدوث، والذي في القرآن أن التجدد يكون بعد الوجود انظر: ((رسالة في تحقيق علم الله جامع الرسائل)) (1/179-181) – ت رشاد سالم -. يقول شيخ الإسلام: "لا ريب أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، ثم إذا كان: فهو يتجدد له على آخر؟ أم علمه به معدوماً هو علمه به موجوداً؟ هذا فيه نزاع بين النظار" ثم قال عن القول الأول – وهو أنه يتجدد له علم آخر – "وإذا كان هو الذي يدل عليه صريح المعقول، فهو الذي يدل عليه صحيح المنقول، وعليه دل القرآن في أكثر من عشر مواضع، وهو الذي جاءت به الآثار عن السلف" ((درء التعارض)) (10/17).
فقول الأشاعرة إنه لا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة هذا بناء على نفيهم لحلول الحوادث، لأنه يلزم من ذلك التغير في ذات الله، وقد ذكر شيخ الإسلام أن "التغير" من حجج الفلاسفة على نفي علم الله وأنهم قالوا: "العلم بالمتغيرات يستلزم أن يكون علمه بأن الشيء سيكون غير علمه بأنه قد كان، فيلزم أن يكون محلاً للحوادث" ((الرد على المنطقيين)) (ص: 463). قال شيخ الإسلام: "وهم ليس لهم على نفي هذه اللوازم حجة أصلاً – لا بينة ولا شبهة – وإنما نفوه لنفيهم الصفات، لا لأمر يختص بذلك" ثم قال: "بخلاف من نفي ذلك (أي التغير) من الكلابية ونحوهم، فإنهم لما اعتقدوا أن القديم لا تقوم به الحوادث قالوا: لأنها لو قامت به لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث" ((الرد على المنطقيين)) (ص: 463). ، ثم بين شيخ الإسلام أن الرازي والآمدى بينا فساد المقدمة الأولى – وهي أنه لو قامت به الحوادث لم يخل منها – وأن الفلاسفة, وكثيراً من النظار منعوا المقدمة الثانية المبنية على منع حوادث لا أول لها، وقالوا: إن القديم تحله الحوادث، وجوزوا حوادث لا أول لها ((الرد على المنطقيين)) (ص: 463-464).
أما شبهة التغير في مسألة العلم – التي جاء بها الفلاسفة – المبنية على المقدمتين السابقتين: ما قامت به الحوادث لم يخل منها – وما لم يخل من الحوادث فهو حادث – فللنظار في جوابها طريقان:
أحدهما: منع المقدمة الأولى بالنسبة للعلم, وأنه لا يلزم منه حلول الحوادث، وهذا قول الأشاعرة الذين قالوا: "إن العلم بأن الشيء سيكون هو عين العلم بأنه قد كان، وأن المتجدد إنما هو نسبته بين المعلوم والعلم، لا أمر ثبوتي" ((الرد على المنطقيين )) (ص: 464).
والثاني: منع المقدمة الثانية، وهي أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فهؤلاء قالوا: "لا محذور في هذا، وإنما المحذور في أن لا يعلم الشيء حتى يكون، فإن هذا يستلزم أنه لم يكن عالماً، وأنه أحدث بلا علم، وهذا قول باطل" ((الرد على المنطقيين)) (ص: 464). ، وهذا قول هشام بن الحكم, وابن كرام, والرازي, وطوائف غير هؤلاء.
ومما سبق يتبين حقيقة الخلاف، وعلاقته بمسألة حلول الحوادث التي جعل الأشاعرة منعها أحد أصولهم التي لا يتنازلون عنها، ومما سبق أيضاً يتبين المذهب الحق في ذلك، وأن الله يعلم الشيء كائناً بعد وجوده مع علمه السابق به قبل وجوده، وأن علمه الثاني والأول ليس واحداً، وهذا هو الذي دل عليه القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة: 143] ، وقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 142] ، وقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ – إلى قوله - وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت: 3-11] وقوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد: 31]، وغيرها.
يقول شيخ الإسلام حول هذه الآيات: "وعامة من يستشكل الآيات الواردة في هذا المعنى، كقوله: إِلاَّ لِنَعْلَمَ و حَتَّى نَعْلَمَ، ويتوهم أن هذا ينفي علمه السابق بأن سيكون، وهذا جهل؛ فإن القرآن قد أخبر بأنه يعلم ما سيكون في غير موضع، بل أبلغ من ذلك أنه قدر مقادير الخلائق كلها، وكتب ذلك قبل أن يخلقها، فقد علم ما سيخلقه علماً مفصلاً، وكتب ذلك، وأخبر بما أخبر به من ذلك قبل أن يكون، وقد أخبر بعلمه المتقدم على وجوه، ثم لما خلقه علمه كائناً مع علمه الذي تقدم أنه سيكون، فهذا هو الكمال، وبذلك جاء القرآن في غير موضع، بل وإثبات رؤية الرب له بعد وجوده، كما قال تعالى: وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 105] ، فأخبر أنه سيرى أعمالهم..." ((الرد على المنطقيين)) (ص: 464-465).
ثم ذكر شيخ الإسلام أقوال المفسرين في قوله إِلاَّ لِنَعْلَمَ [البقرة: 143] فقال: "وروى عن ابن عباس في قوله: إِلاَّ لِنَعْلَمَ أي لنرى، وروى لنميز وهكذا قال عامة المفسرين: إلا لنرى ونميز، وكذلك قال جماعة من أهل العلم، قالوا: لنعلمه موجوداً واقعاً بعد أن كان قد علم أنه سيكون، ولفظ بعضهم قال: العلم على منزلتين: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحكم للعلم به بعد وجوده لأنه يوجب الثواب والعقاب، قال فمعنى قوله لِنَعْلَمَ أي لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب، ولا ريب أنه كان عالماً سبحانه بأنه سيكون، لكن لم يكن المعلوم قد وجد، وهذا كقوله: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ [يونس: 18] ، أي بما لم يوجد، فإنه لو وجد لعلمه، فعلمه بأنه موجود ووجوده متلازماً، يلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه" ((الرد على المنطقيين)) (ص: 466-467).
فالعقل والقرآن يدلان على أن علمه تعالى بالشيء بعد فعله قدر زائد عن العلم الأول انظر: ((مجموع الفتاوى)) (16/304). وتسمية ذلك تغيراً أو حلولاً لا يمنع من القول به ما دام دالًّا على الكمال لله تعالى من غير نقص، وما دامت أدلة الكتاب والسنة تعضده.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1054
وقال الأشعري في أحد قوليه لا يقال (أي عن علم الله) هو الله ولا هو غير الله، وقال في قول له آخر وافقه عليه الباقلاني وجمهور أصحابه: "إن علم الله تعالى هو غير الله, وخلاف الله, وأنه مع ذلك غير مخلوق لم يزل" "الفصل 2/126".
أما قولهم في أن ليس لله تعالى علم فمخالف للقرآن, وما خالف القرآن فباطل، ولا يحل لأحد أن ينكر ما نص الله تعالى عليه، وقد نص الله تعالى على أن له علماً فمن أنكره فقد أنكر على الله تعالى، وأما اعتراضاتهم التي ذكرنا ففاسدة كلها وسنوضح فسادها إن شاء الله تعالى في إفسادها لقول الجهمية والأشعرية، لأن هذه الاعتراضات هي اعتراضات هاتين الطائفتين وبالله التوفيق "الفصل 2/127".
قول من قال أن علم الله تعالى هو غير الله تعالى, وخلافه, وأنه ما يزل مع الله تعالى.
هذا قول لا يحتاج في رده إلى أكثر من أنه شرك مجرد, وإبطال للتوحيد، لأنه إذا كان مع الله تعالى شيء غيره لم يزل معه، فقط بطل أن يكون الله تعالى كان وحده, بل قد صار له شريك في أنه لم يزل: وهذا كفر مجرد, ونصرانية محضة، مع أنها دعوى ساقطة بلا دليل أصلاً، وما قال بهذا أحد قط من أهل الإسلام قبل هذه الفرقة المحدثة بعد الثلاث مئة عام، فهو خروج عن الإسلام, وترك للإجماع المتيقن.
وقد قلت لبعضهم: إذا قلتم إنه لم يزل مع الله تعالى شيء آخر هو غيره وخلافه، ولم يزل معه, فلماذا أنكرتم على النصارى في قولها إن الله ثالث ثلاثة، فقال لي مصرحاً: ما أنكرنا على النصارى إلا اقتصارهم على الثلاثة فقط ولم يجعلوا معه تعالى أكثر من ذلك, فأمسكت عنه أن صرح بأن قولهم أدخل في الشرك من قول النصارى، وقولهم هذا رد لقول الله عز وجل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]، فلو كان مع الله غير الله لم يكن الله أحد.
وما كنا نصدق من أن ينتمي إلى الإسلام يأتي بهذا لولا أنا شاهدناهم, وناظرناهم, ورأينا ذلك صراحاً في كتبهم ,ككتاب السمناني قاضي الموصل في عصرنا هذا وهو من أكابرهم, وفي كتاب (المجالس) للأشعري وفي كتب لهم أخر "الفصل 2/135".
ووجدنا المتأخرين من الأشعرية كالباقلاني, وابن فورك وغيرهما قالوا: إن هذه الأسماء ليست أسماء الله تعالى، ولكنها تسميات له, وأنه ليس لله إلا اسم واحد.
لكنه قول إلحاد, ومعارضة لله عز وجل بالتكذيب بالآيات التي تلونا, ومخالفة لرسول الله فيما نص عليه من عدد الأسماء, وهتك لإجماع أهل الإسلام عامهم وخاصهم قبل أن تحدث هذه الفرقة.
وهذا لا يجوز البتة, لأنه لم يصح به نص البتة، ولا يجوز أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه، وقد قال تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: 39] فصح أن القديم من صفات المخلوقين، فلا يجوز أن يسمى الله تعالى بذلك، وإنما يعرف القديم في اللغة من القديمة الزمانية, أي أن هذا الشيء أقدم من هذا بمدة محصورة، وهذا منفي عن الله تعالى, وقد أغنى الله عز وجل عن هذه التسمية بلفظة أول، فهذا هو الاسم الذي لا يشاركه تعالى فيه غيره, وهو معنى أنه لم يزل "الفصل 2/151-152".
وقد رأيت لابن فورك وغيره من الأشعرية في الكلام في هذا الحديث أنهم قالوا في معنى قوله عليه السلام: أن الله خلق آدم على صورته، إنما هو على صفة الرحمن من الحياة, والعلم, والاقتدار, واجتماع صفات الكمال فيه, وأسجد له ملائكته كما أسجدهم لنفسه, وجعل له الأمر والنهي على ذريته كما كان لله كل ذلك.
هذا نص كلام أبي جعفر السمعاني عن شيوخه حرفاً حرفاً، وهذا كفر مجرد لا مرية فيه لأنه سوى بين الله عز وجل وآدم في الحياة, والعلم, والاقتداء, واجتماع صفات الكمال فيهما، والله يقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]
ثم لم يقنعوا بها حتى جعلوا سجود الملائكة لآدم كسجودهم لله عز وجل، ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن سجودهم لله تعالى سجود عبادة, ولآدم سجود تحية وإكرام، ومن قال: إن الملائكة عبدت آدم كما عبدت الله عز وجل فقد أشرك "الفصل 2/168".موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص 33

انظر أيضا: