trial

موسوعة الفرق

المبحث الثاني: الحلاج


هو الحسين بن منصور الحلاج، صوفي فيلسوف، أصله من بيضاء فارس. وكان جده مجوسياً ولم يذكر شيء عن أبيه منصور.
نشأ الحسين بتستر فصحب سهل بن عبد الله التستري، وصحب ببغداد الجنيد وغيره. ولم يصحح حاله من الصوفية غير أبي العباس بن عطاء، ومحمد ابن خفيف، وإبراهيم أبو القاسم النصرآبادي ((تاريخ بغداد)) (8/112) و((السير)) (14/314). .
وتبرأ منه سائر الصوفية والمشايخ والعلماء لسوء سيرته ومروقه، ومنهم من نسبه إلى الحلول، ومنهم من نسبه إلى الزندقة انظر: ((السير)) (14/314) .
ومعنى هذا الكلام من الخطيب والذهبي أن أحداً من الأئمة المعتبرين لم يزك الحلاج؛ لأن هؤلاء الثلاثة المذكورين في تزكيته ليس الحلاج بأسوأ حالاً منهم، حتى قال الشيخ عبد القادر السندي في وصف هؤلاء الثلاثة: (هم أسوأ حالاً وأشد تنكيلاً، وأعظم فرية فيما كان فيه الحلاج من الكفر والإلحاد والزندقة والسحر والشعبذة) ((التصوف في ميزان البحث والتحقيق)) (ص: 636). .
انتقل الحلاج من تستر إلى البصرة وحج داخل بغداد ثم عاد إلى تستر، وظهر أمره سنة (299هـ) فاتبع بعض الناس طريقته التي كان يتنقل في البلدان لنشرها سراً ((الأعلام)) (2/260). .
عاش بين الناس محتالاً يظهر مذهب الشيعة عند المتشيعين، ويظهر مذهب الصوفية للعامة وهو في تضاعيف ذلك يدعي حلول الإله فيه تعالى وتقدس عما يقول انظر: ((السير)) (14/318). . ويقول تارة بأنه إله صراحة أو بحلول اللاهوت في الناسوت انظر: ((السير)) (14/327). .
واستمر الحلاج في نشر فكره الحلولي حتى استفحل أمره فألقي القبض على بعض أصحابه فوجد عندهم كتب تدل على ما قيل عنه وانتشر خبره وتكلم الناس في قتله، فسلمه الخليفة المقتدر، إلى وزيره فأمر أن يناظر ويناقش بحضرة القضاة، وأن يجمع أصحابه معه لهذا الغرض فجرت في ذلك خطوب، ثم تيقن السلطان أمره، فأمر بقتله وإحراقه لسبع بقين من ذي القعدة سنة (309هـ). فضرب بالسياط نحواً من ألف وقطعت يداه ورجلاه وضرب عنقه وأحرق بدنه ونصب رأسه للناس وعلقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه انظر: ((السير)) (14-335-336). .
هكذا كان الحلاج عاش حلولياً داعياً إلى نحلته بكل ما له من مكر ودهاء ولكن سلطن السنة كان قوياً في نفوس حكام ذلك العصر فقيض الله له من يقيم عليه جزاء وفاقاً لائقاً بكل من يحاول النيل من مقام الربوبية والألوهية، ولكن ما هو فكره الذي تحمس له حتى ذهب ضحيته؟ ذلك الفكر الذي لا زال ساري المفعول عند معتنقيه فينشرونه بألسنة قوالة وأقلام سيالة إلى يومنا هذا.
نماذج من فكره:
لخص ابن حوقل النظرية الحلاجية فقال: ظهر من فارس الحلاج ينتحل النسك والتصوف فما زال يترقى طبقاً عن طبق حتى آل به الحال إلى أن زعم: أنه من هذب في الطاعة جسمه، وشغل بالأعمال قلبه، وصبر على اللذات، وامتنع عن الشهوات، يترق إلى درج المصافاة حتى يصفو عن البشرية طبعه فإذا صفا حل فيه روح الله الذي كان منه إلى عيسى فيصير مطاعاً يقول للشيء: كن فيكون، فكان الحلاج يتعاطى ذلك يدعو إلى نفسه حتى استمال جماعة من الأمراء والوزراء وملوك الجزيرة والجبال والعامة) ((السير)) (14/347). .
ذلك إذاً ملخص النمط الحلاجي الصوفي في التنظير وهو يمثل طريقة سير الصوفية في الجملة: التدرج في الرياضيات  الصوفية رغبة في الوصول إلى الحلول أو الاتحاد أو الوحدة وإن عبروا عنها أحياناً بعبارات أخرى موهمة كالفتح والكشف والمعرفة.
وحتى تتبين صور الفكر الحلاجي الصوفي ننتقل إلى بعض أقواله في تقرير مذهبه: يقول الحلاج:


1- (سبحان من أظهر ناسوته




سر سنا لاهوته الثاقب


ثم بدا في خلقه ظاهراً




في صورة الآكل والشارب


حتى لقد عاينه خلقه




كلحظة الحاجب بالحاجب).

في هذه الأبيات تقرير واضح لحلو اللاهوت في الناسوت، الذي جعل من هذا الآكل الشارب مجرد صورة بشرية مجرد صورة بشرية حلت فيه الروح الإلهية.
2- وفي الطواسين يحكي الحلاج مناظرة جرت بينه وبين إبليس وفرعون فيقول: (تناظرت مع إبليس وفرعون في الفتوة فقال إبليس: إن سجدت سقط عني اسم الفتوة، وقال فرعون: إن آمنت برسوله سقطت من منزلة الفتوة، وقلت أنا أيضاً إن رجعت عن دعواي وقولي سقطت من بساط الفتوة، وقال إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ [الأعراف: 12] حين لم ير غيراً، وقال فرعون. مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: 38] حين لم يعرف في قومه من يميز بين الحق والباطل، وقلت أنا: إن لم تعرفون فاعرفوا آثاره وأنا ذلك الأثر، وأنا الحق، لأني مازلت أبداً بالحق حقاً، فصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون، وإبليس هدد بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أغرق في اليم وما رجع عن دعواه ولم يقر بالواسطة أبداً، وإن قتلت أو صلبت أو قطعت يداي ورجلاي ما رجعت عن دعواي) ((الطواسين)) (ص: 51-52). .
فأنت ترى كيف زعم أن إبليس إنما لم يسجد لله لاعتقاده عدم الغيرية: وأن فرعون لم يتبع موسى عليه السلام لإسقاطه الوسائط، ومعناه عندهم في أخف الأحوال: الأخذ عن الله بالمباشرة، ومعناه الآخر نفي التعددية وهو المقصود هنا قطعاً. كما جعل منهما مثله الأعلى في التمادي على الغي والضلال، وهذا النص مما يؤكد أن الحلاج لم يرجع عن عقيدة الحلولية حتى مات، بل لم يزل يدعو إليها حتى وهو أمام خشبة الصلب حيث كان يقول لأصحابه وهو على تلك الحالة: (لا يهولنكم ما ترون فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوماً). قال الحافظ الذهبي: (فهذه حكاية صحيحة توضح لك أن الحلاج ممخرق كذاب حتى عند قتله) ((السير)) (14/346). .
وليس غريباً أن يتخذ الحلاج من إبليس مثله الأعلى في الكفر فهو القائل: (وما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس حيث إن إبليس تغير عليه العين، وهجر الألحاظ في السير وعبد المعبود على التجريد).
3- ومما صرح فيه بعقيدته أيضاً ما حكاه الخطيب بإسناده والذهبي من طريقه عن أبي بكر بن ممشاد قال: (حضر عندنا بالدينور رجل معه مخلاة لا يفارقها ليلاً أو نهاراً، ففتشوها فوجدوا فيها كتاباً للحلاج عنوانه: (من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان) فوجه على بغداد وعرض عليه، فقال: هذا خطي وأنا كتبته، فقالوا: كنت تدعي النبوة صرت تدعي الربوبية؟ قال: لا، ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله؟ وأنا والوليد آله) ((تاريخ بغداد)) (8/134-135)، و((السير)) (14/338). .
وهذا النص يؤكد مرة أخرى عقيدة الحلول التي كان يعتقدها الحلاج فإن نفيه عن نفسه ادعاء الربوبية مع قوله: (من الرحمن الرحيم) ثم تفسيره بأن الكاتب هو الله، وأنه مجرد آله من آلاته، وهذه الأمور مجتمعة لا معنى لها غير الحلول.
ويؤيد هذا أن بنت الحلاج أمرت بنت السمري زوجة ابن الحلاج بالسجود له، فقالت على الفطرة: أو يسجد لغير الله، فما كان من الحلاج لما سمع كلامها إلا أن قال: (نعم، إله في السماء، إله في السماء، وإله في الأرض) ((الطواسين) (ص: 134). .
4- ومن أقاويله في الحلول قوله:


(أنا من أهوى ومن أهو أنا




نحن روحان حللنا بدنا


فإذا أبصرتني أبصرته




وإذا أبصرته أبصرتنا) ((الطواسين)) (ص: 134). . 0

تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي لمحمد أحمد لوح - 1/488


انظر أيضا: