trial

موسوعة الفرق

المبحث السادس: منع المتأخرين من الأشاعرة حمل الآيات التي نزلت في المشركين على من عمل عملهم ممن انتسب إلى الإسلام


فمن أقوالهم قول دحلان: "وتمسك ويعني به الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، وأحمد دحلان قد افترى على الشيخ بهذا الكلام فإنه لم يحمل قط الآيات التي نزلت في المشركين على الموحدين، ولكن الأمر هو في أناس عملوا أعمال المشركين فدخلوا في عموم الآيات، وأما قضية التكفير فللشيخ رحمه الله تفصيل حسن ذكره وبينه الشيخ صالح العبود في كتابه: ((عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب السلفية)) من (ص: 206 إلى 215). في تكفير المسلمين بآيات نزلت في المشركين فحملها على الموحدين" ((الدرر السنية)) لدحلان (ص: 51) و((انظر رسالة قوة الدفاع والهجوم)) (ص: 22). .
والجواب:
هذه الشبهة مبناها على أن الشرك لا يتم إلا إذا اعتقد الإنسان التأثير لغير الله تعالى، ويعنون به الشرك في الربوبية، وقد تقدم الرد على هذا الزعم سابقاً بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وإذا ألزموا بعبارات صريحة مفادها أن المستغيث بغير الله يعتقد تأثير من استغاث به, حملوا ذلك على المجاز. وقالوا إنه لا يتصور من مسلم ذلك، وجعلوا القرينة الصارفة للمجاز هي: إقرار من فعل ذلك الفعل بالشهادتين انظر ((الدرر السنية)) (ص: 16-17) و((شواهد الحق)) للنبهاني (ص: 150) ((رسالة قوة الدفاع والهجوم)) (ص: 16-17). .
فالكلام معهم إذاً في مسألتين:
الأولى: الأدلة على تعميم الآيات.
الثانية: رد شبهة المجاز العقلي.
المسألة الأولى: الأدلة على تنزيل الآيات التي نزلت في المشركين على من أشبه حالتهم اليوم:
والأدلة في هذا المجال كثيرة جداً – فمنها:
قول الله تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذركم بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام: 19] والخطاب من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لقومه إن الله قد أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به وأنذر من بلغه غيركم من المشركين فقوله: وَمَن بَلَغَ يشمل من كان في عصره ومن جاء بعد ذلك. ومن قال بخلاف ذلك فقد عطل الرسالة. ومنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد يحذر ما صنعوا)) رواه البخاري (435,436), ومسلم (531) من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهما. . فتحذير الرسول صلى الله عليه وسلم أمته من فعل اليهود والنصارى يدل على أن من عمل عملهم فقد شابههم ويعمه الحكم الذي ورد فيهم من اللعن.
والأدلة في هذه المسألة كثيرة جداً، والمتتبع لآيات الكتاب يجدها وردت بألفاظ عامة، فوجب حملها على عمومها، كيف وإذا كان جماهير أهل العلم – بمن فيهم الأشعرية – يرون أن اللفظ العام إذا ورد بسبب خاص أنه يعم حكمه انظر ((شرح الكوكب المنير)) (3/177-178). ، فكيف بهذه المسألة التي عم بها البلاد, ووقع فيها طوائف من الخلق!
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لمن طلب منه أن يجعل لهم ذات أنواط: ((قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)) رواه الترمذي (2180), والنسائي في ((السنن الكبرى)) (6/346), من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه, قال الترمذي حسن صحيح, وقال ابن القيم في ((إغاثة اللهفان)) (2/418): ثابت, وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)), وقال في ((جلباب المرأة)) (203): إسناده صحيح على شرط الشيخين. . فهذا واضح في تعميم الحكم على من أشبه عمله عمل المشركين. فقصر الآيات على من نزلت فيهم يعد جهلاً بحقيقة الرسالة ومقصودها, وبحكمة التكليف انظر ((تحفة الطالب والجليس في كشف شبه ابن جرجيس)) للشيخ عبداللطيف (ص: 58، 87). .
المسألة الثانية: شبهة المجاز العقلي:
ومقصودهم أن من دعا غير الله تعالى فإنه لا يعتقد تأثيره، فإذا ورد لفظ صريح وصفوه بأنه موهم فقالوا: "فإن قال قائل: إن شبهة هؤلاء المانعين للتوسل أنهم رأوا بعض العامة يأتون بألفاظ توهم أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتاً أشياءً جرت العادة بأنها لا تطلب إلا من الله تعالى... (إلى أن قال) مع أن تلك الألفاظ الموهمة يمكن حملها على المجاز..." ((الدرر السنية)) لدحلان (ص: 15) وانظر ((شواهد الحق للنبهاني)) (ص: 150). .
الجواب:
1- إن الألفاظ التي يقولها هؤلاء المشار إليهم ليست موهمة بل هي صريحة، يعرف ذلك كل من خالطهم, ورأى عملهم, وسمع قولهم، وإنما عبر بقوله موهمة ليتسنى له القول بالمجاز العقلي!
2- لقد تقدمت الإجابة عن مسألة اعتقاد التأثير – مع أنه لا يتصور فيمن رأيناه يعمل هذه الأعمال الشركية عدم اعتقاد التأثير! ثم إنه على فرض عدم وجوده فخضوعه وتذلله ورجاؤه وغير ذلك من أنواع العبودية التي لا ينبغي إلا لله يصرفها للذي يدعوه من دون الله، وذلك وحده كاف في إثبات الشرك.
3- قد تقدم أن أقوال المشار إليهم صريحة, ونص في مسائل الشرك، ومعلوم أن المجاز لا يدخل على النص، فإن أدخل ترتبت مفاسد كثيرة منها: عدم التمكن من الحكم بالردة على أحد ممن يفعل ما يرتد به انظر ((صيانة الإنسان)) (ص: 214) و((الصواعق المرسلة الشهابية)) لابن سحمان (ص: 136). !
4- ثم على فرض أن أقوالهم ليست نصاً فهي ظاهر، ويجب حمل الشيء على ظاهره إلا أن يدل على حمله خلاف ظاهره – ومعلوم أن الاطلاع على بواطن الناس ومقاصدهم مما لا سبيل لنا إلى العلم به, فيبقى إجراء أقوالهم على ظاهرها هو المتعين – خاصة وقد ثبت التلازم بين اعتقاد التأثير والعبودية – وقد قال عمر رضي الله عنه قولة مشهورة في هذا الأمر فقال: ((إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمناه, وقربناه, وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه, ولم نصدقه, وإن قال إن سريرته حسنة!)) رواه البخاري (2641). .
5- إن المدافع عن أقوال هؤلاء العوام لا يمكنه أن يدافع عن أعمالهم، فإذا سلم له الدفاع عن أقوالهم فلا يمكنه أن يدافع عن أعمالهم, كالذبح لغير الله, والنذر لغيره, ونحو ذلك. فالأعمال لا يدخلها مجاز انظر ((صيانة الإنسان)) (ص: 214-215). و((الصواعق المرسلة الشهابية)) لابن سحمان (ص: 137). . وقد وقع ذلك كله من كثير من العوام. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – 1/202


انظر أيضا: