trial

موسوعة الفرق

المبحث السادس: حكم الذكر الجماعي عند فقهاء الإسلام


سبق ذكر موقف السلف من الذكر الجماعي، وأنهم يعدونه محدثاً في الدين لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة رضي الله عنهم، ولا من بعدهم. وكذلك الدعاء جماعة، سواء بعد الفريضة أو غيرها فهم يعدونه بدعة، إلا ما ورد به الدليل، وقد تعددت النقول عنهم في ذلك، وقد تقدم ذكر بعضها، ودرج على منوالهم فقهاء الإسلام على اختلاف مذاهبهم، فمن ذلك:
1 - ذكر الإمام علاء الدين الكاساني الحنفي في كتابه (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) ((بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع))  (1 / 196). ، عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أن رفع الصوت بالتكبير بدعة في الأصل، لأنه ذكر. والسنة في الأذكار المخافتة ؛ لقوله تعالى: ادعوا ربكم تضرعاً وخفية[الأعراف: 55]. ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((خير الدعاء الخفي)) لم نجده بهذا اللفظ، وورد بلفظ (خير الذكر الخفي) رواه أحمد (1/172) (1477) وابن حبان (809) قال الهيثمي في ((المجمع ))   (10/81) رواه أحمد وأبو يعلى وفيه محمد بن عبدالرحمن بن لبينة وقد وثقه ابن حبان وقال روى عن سعد بن أبي وقاص، قلت وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح، قال النووي في ((المنثورات ))  (295) ليس بثابت وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند إسناده ضعيف، وضعفه الألباني . ولذا فإنه أقرب إلى التضرع والأدب، وابعد عن الرياء فلا يترك هذا الأصل إلا عند قيام الدليل المخصص. انتهي.
وقال العلامة المباركفوري في (تحفة الأحوذي) ((تحفة الأحوذي شرح الجامع للترمذي))  (1 / 246). : اعلم أن الحنفية في هذا الزمان، يواظبون على رفع الأيدي في الدعاء بعد كل مكتوبة مواظبة الواجب، فكأنهم يرونه واجباً، ولذلك ينكرون على من سلم من الصلاة المكتوبة وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. ثم قام ولم يدع ولم يرفع يديه. وصنيعهم هذا مخالف لقول إمامهم الإمام أبي حنيفة، وأيضاً مخالف لما في كتبهم المعتمدة. انتهي.
2 - ومما يتعلق بمذهب مالك رحمه الله في الذكر الجماعي ما جاء في كتاب (الدر الثمين) للشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي ((الدر الثمين والمورد المعين))، للشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي (ص 173، 212). : كره مالك وجماعة من العلماء لأئمة المساجد والجماعات الدعاء عقيب الصلوات المكتوبة جهراً للحاضرين. ونقل الإمام الشاطبي في كتابه العظيم (الاعتصام) ((الاعتصام))، للشاطبي (2 / 275)، بتصرف. قصة رجل من عظماء الدولة ذوي الوجاهة فيها موصوف بالشدة والقوة، وقد نزل إلى جوار ابن مجاهد. وكان ابن مجاهد لا يدعو في أخريات الصلوات، تصميماً في ذلك على المذهب - مذهب مالك - لأن ذلك مكروه فيه. فكأن ذلك الرجل كره من ابن مجاهد ترك الدعاء، وأمره أن يدعو فأبى  فلما كان في بعض الليالي قال ذلك الرجل: فإذا كان غدوة غد أضرب عنقه بهذا السيف. فخاف الناس على ابن مجاهد فقال لهم وهو يبتسم: لا تخافوا، هو الذي تُضرب عنقه في غدوة غد بحول الله. فلما كان مع الصبح وصل إلى دار الرجل جماعة من أهل المسجد فضربوا عنقه. انتهي.
3 - وأما مذهب الشافعي رحمه الله، فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى  في (الأم) ((الأم))، للشافعي (1 / 111). : واختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله بعد الانصراف من الصلاة، ويخفيان الذكر إلا أن يكون إماماً يجب أن يُتعلم منه فيجهر حتى يرى أنه قد تُعُلِّم منه ثم يُسِرُّ، فإن الله عز وجل يقول: وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا[الإسراء: 110]يعني - والله تعالى  أعلم - الدعاء، ولا تجهر: ترفع. ولا تخافت: حتى لا تسمع نفسك. انتهي.
وقال الإمام النووي في المجموع ((المجموع))  للنووي (3 / 465 - 469). : اتفق الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى  على أنه يُستحب ذكر الله تعالى  بعد السلام، ويُستحب ذلك للإمام والمأموم والمنفرد والرجل والمرأة والمسافر وغيره... وأما ما اعتاده الناس أو كثير منهم من تخصيص دعاء الإمام بصلاتي الصبح والعصر، فلا أصل له. انتهي. قلت: ولقائل أن يقول: نفيه للتخصيص في هذين الوقتين يدل على جواز الدعاء في جميع الصلوات، ويبطل هذا الزعم قول النووي نفسه في (التحقيق) كتاب ((التحقيق))  للنووي (219).  ((كمال في كتاب مسك الختام))  (137 - 141). : يندب الذكر والدعاء عقيب كل صلاة ويسر به، فإذا كان إماماً يريد أن يعلمهم جهر، فإذا تعلموا أسر. انتهي.
4 - وأما ما يتعلق بمذهب الحنابلة، فقد قال ابن قدامة في (المغني) ((المغني))  لابن قدامة (2 / 251). : ويُستحب ذكر الله تعالى  والدعاء عقيب صلاته، ويُستحب من ذلك ما ورد به الأثر، وذكر جملة من الأحاديث، فيها شيء من الأذكار التي كان صلى الله عليه وسلم يقولها في دبر كل صلاة مكتوبة. وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية))  (22 / 515). عن الدعاء بعد الصلاة، فذكر بعض ما نقل عنه صلى الله عليه وسلم من الأذكار بعد المكتوبة، ثم قال: وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعاً عقيب الصلاة فلم ينقل هذا أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم. انتهي.
قلت: وفيما يختص بدعاء الإنسان منفرداً من غير جماعة فإنه إذا كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً فليس ثم مانع يمنعه من الدعاء إذا بدأ بالأذكار المسنونة والتسابيح المشروعة في أعقاب الصلوات، وقد دل على ذلك كتاب الله تعالى  وسنَّة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الصالح رضي الله عنهم. أما الدليل من الكتاب العزيز، فقول الله تعالى:  فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإلى رَبِّكَ فَارْغَبْ[الشرح: 7 - 8].
وقد ورد في الكلام على هاتين الآيتين، في إحدى الروايتين: فإذا فرغت من صلاتك، فانصب إلى ربك في الدعاء وسله حاجـتك. نقل هذا ابن جرير الطبري ((تفسير الطبري))  (12 / 628 - 629). في تفسيره وابن أبي حاتم ((تفسير ابن أبي حاتم))  (10 / 3446). ، والسمعاني ((تفسير السمعاني))  (6 / 252)، ط دار الوطن. ، والقرطبي ((تفسير القرطبي))  (20 / 74)، ط دار الكتب العلمية. ، وابن الجوزي ((تفسير ابن الجوزي))  (9 / 166)، ط المكتب الإسلامي. ، وابن كثير ((تفسير ابن كثير))  (4 / 497)، ط دار الكتب العلمية. ، والشوكاني ((تفسير الشوكاني))  (5 / 462)، ط دار الوفاء. ، والسعدي، وغيرهم من المفسرين.
قال السعدي رحمه الله في تفسير هاتين الآيتين: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ أي إذا تفرغت من أشغالك، ولم يبق في قلبك ما يعوقه فاجتهد في العبادة والدعاء. وَإلى رَبِّكَ وحده فَارْغَبْ أي أعظم الرغبة في إجابة دعائك، وقبول دعواتك ولا تكن ممن إذا فرغوا لعبوا وأعرضوا عن ربهم وعن ذكره، فتكون من الخاسرين. وقد قيل: إن معنى هذا: فإذا فرغت من الصلاة، وأكملتها فانصب في الدعاء. وَإلى رَبِّكَ فَارْغَبْ في سؤال مطالبك. واستدل من قال هذا القول على مشروعية الدعاء والذكر عقب الصلوات المكتوبات. والله أعلم ((تيسير الكريم الرحمن))  (859)، ط مؤسسة الرسالة. . انتهي.
وأما من السنة، فعن أبي أمامة قال: قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع ؟ قال ((جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات)) رواه الترمذي (3499) والنسائي في ((الكبرى ))  (6/32) قال الترمذي حسن، وكذلك حسنه الألباني .
وقد جاءت بذلك فتاوى العلماء قديماً وحديثاً:
فمن القديم ما ذكره ابن مفلح قال: قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن الرجل يجلس إلى القوم، فيدعو هذا، ويدعو هذا ويقولون له: ادع أنت. فقال: لا أدري ما هذا ؟! أي: أنه استنكره.
وقال الفضل بن مهران: سألت يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قلت: إن عندنا قوماً يجتمعون، فيدعون، ويقرأون القرآن، ويذكرون الله تعالى، فما ترى فيهم ؟
قال: فأما يحيى بن معين فقال: يقرأ في مصحف، ويدعو بعد الصلاة، ويذكر الله في نفسه، قلت: فأخ لي يفعل ذلك. قال: أنهه، قلت: لا يقبل، قال: عظه. قلت: لا يقبل. أهجره ؟ قال: نعم. ثم أتيت أحمد فحكيت له نحو هذا الكلام فقال لي أحمد أيضاً: يقرأ في المصحف ويذكر الله في نفسه ويطلب حديث رسول الله. قلت: فأنهاه ؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يقبل ؟ قال: بلى إن شاء الله، فإن هذا محدث، الاجتماع والذي تصف ((الآداب الشرعية))  (2 / 75). .
وقال الإمام الشاطبي في بيان البدع الإضافية ما نصه: كالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان. فإن بينه وبين الذكر المشروع بوناً بعيداً إذ هما كالمتضادين عادة.
وقال ابن الحاج:  ينبغي أن ينهي  الذاكرون جماعة في المسجد قبل الصلاة، أو بعدها، أو في غيرهما من الأوقات. لأنه مما يشوش بها.
وقال الزركشي:  السنة في سائر الأذكار الإسرار. إلا التلبية
جاء في (الدرر السنية): فأما دعاء الإمام والمأمومين، ورفع أيديهم جميعاً بعد الصلاة، فلم نر للفقهاء فيه كلاماً موثوقاً به. قال الشيخ تقي الدين: ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم كان هو والمأمومون يدعون بعد السلام. بل يذكرون الله كما جاء في الأحاديث.
وجاء في فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا ما يلي:  ختام الصلاة جهاراً في المساجد بالاجتماع، ورفع الصوت، من البدع التي أحدثها الناس، فإذا التزموا فيها من الأذكار ما ورد في السنة، كانت من البدع الإضافية
وقال في موضع آخر:  إنه ليس من السنة أن يجلس الناس بعد الصلاة بقراءة شيء من الأذكار، والأدعية المأثورة، ولا غير المأثورة برفع الصوت وهيئة الاجتماع.. وأن الاجتماع في ذلك والاشتراك فيه ورفع الصوت بدعة.
وجاء في الفتاوى الإسلامية للشيخ ابن عثيمين:  الدعاء الجماعي بعد سلام الإمام بصوت واحد لا نعلم له أصلاً على مشروعيته.
وقال الشيخ صالح الفوزان:  البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة، لأن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع شيء منها إلا بدليل. وما لم يدل عليه دليل فهو بدعة... ثم ذكر بعض البدع. وقال: ومنها الذكر الجماعي بعد الصلاة لأن المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفرداً.
فأصل الدعاء عقب الصلوات بهيئة الاجتماع بدعة، وإنما يباح منه ما كان لعارض، قال الإمام الشــاطبي - رحمه الله -:  لو فرضنا أن الدعاء بهيئة الاجتماع وقع من أئمة المساجد في بعض الأوقات: للأمر يحدث عن قحط أو خوف من ملم لكان جائزاً.. وإذا لم يقع ذلك على وجه يخاف منه مشروعية الانضمام، ولا كونه سنة تقام في الجماعات، ويعلن به في المساجد كما دعا رسول الله دعاء الاستسقاء بهيئة الاجتماع وهو يخطب.
وإنما كان هذا الدعاء بعد الصلوات بهيئة الاجتماع بدعة، مع ثبوت مشروعية الدعاء مطلقاً، وورود بعض الأحاديث بمشروعية الدعاء بعد الصلوات خاصة، وذلك لما قارنه من هذه الهيئة الجماعية، ثم الالتزام بها في كل الصلوات حتى تصير شعيرة من شعائر الصلاة. فإن وقع أحياناً فيجوز إذا كان من غير تعمد مسبق، فقد روي عن الإمام أحمد - رحمه الله - أنه أجاز الدعاء للإخوان إذا اجتمعوا بدون تعمد مسبق، وبدون الإكثار من ذلك حتى لا يصير عادة تتكرر ((الاقتضاء))  (304). ، وقال شيخ الإسلام:  الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم يتخذ ذلك عادة راتبة كالاجتماعات المشروعة ولا اقترن به بدعة منكرة  وقال:  أما إذا كان دائماً بعد كل صلاة فهو بدعة، لأنه لم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف الصالح.الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع لمحمد بن عبد الرحمن الخميس - ص 43- 51

انظر أيضا: