موسوعة الفرق

المبحث الثاني: نشأة الذكر الجماعي


كان مبتدأ نشأة الذكر الجماعي وظهوره في زمن الصحابة رضي الله عنهم... وقد أنكر الصحابة هذه البدعة لما ظهرت وقد قل انتشار هذه الظاهرة، وخبت بسبب إنكار السلف لها. ثم لما كان زمن المأمون، أمر بنشر تلك الظاهرة. فقد كتب إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير بعد الصلوات الخمس. فقد ذكر الطبري في (تاريخه) في أحداث عام 216 هـ. ما نصه: وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا، فبدؤوا بذلك في مسجد المدينة والرصافة، يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان، من هذه السنة ((تاريخ الأمم والملوك))  (10 / 281). وجاء في تاريخ ابن كثير: وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد، يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقب الصلوات الخمس ((البداية والنهاية))  (10 / 282). فكان هذا مبتدأ عودة ظاهرة الذكر الجماعي إلى الظهور وبقوة، بسبب مناصرة السلطان لها. ومن المعلوم أن السلطان إذا ناصر أمراً، أو قولاً ما، ونشره بالقوة بين الناس، فلابد أن ينتشر ويذيع، إذ إن الناس على دين ملوكهم.
واستمرت هذه الظاهرة منتشرةً بين الرافضة والصوفية ومن تأثر بهم ((دراسات في الأهواء))  (ص 282).
هذا وقد جمعوا بين أمرين، هما: الذكر الجماعي، والذكر بالاسم المفرد.
وقد اختلف في جواز الذكر بالاسم المفرد، فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لابد من الذكر في جملة لأنها هي المفيدة ولا يصح الاسم المفرد، مظهراً أو مضمراً، لأنه ليس بكلام تام ولا جملة مفيدة. ولم ينقل ذلك عن أحد من السلف.
ومن صور هذا الذكر كذلك أن يزيدوا ياءً في (لا إله إلا الله) بعد همزة لا إله. ويزيدون ألفاً بعد الهاء في كلمـــة (إله) فتصبح (لا إيلاها). ويزيدون ياءً بعد همزة إلا وبعد (إلا) يزيدون ألفاً فتصبح (إيلا الله) وكل ذلك حرام بالإجماع في جميع الأوقات(12)  انظر: ((الإبداع في مضار الابتداع))  (317).
وكذلك يلحن بعضهم في (لا إله إلا الله). فيمد الألف زيادة على قدر الحاجة، ويختلس كسرة الهمزة المقصورة بعدها ولا يحققها أصلاً، ويفتح هاء إله فتحة خفيفة كالاختلاس، ولا يفصل بين الهاء وبين إلا الله(13) ((الإبداع في مضار الابتداع))  (316 ).
وكذلك من صوره أنهم يذكرون بالحَلْقِ، أي يحاولون إخراج الحروف من الحلق، وهذا يلزمهم بفتح أشداقهم، والتقعر في الكلام، والتكلف في النطق، ومعلوم أن مورد الذكر اللسان والحلق والشفتان لأنها هي التي تجمع مخارج الحروف ((الإبداع في مضار الابتداع))  (317 ).
وقد تعددت صور ذلك؛ فمنهم من يجتمعون في بيت من البيوت، أو مسجد من المساجد فيذكرون الله بذكر معين وبصوت واحد: كأن يقولوا: لا إله إلا الله. مائة مرة. ((السنن والمبتدعات))  (60)، و((علم أصول البدع))  (151). قال الشقيري: والاستغفار جماعة على صوت واحد بعد التسليم من الصلاة بدعة. والسنة استغفار كل واحد في نفسه ثلاثاً، وقولهم بعد الاستغفار: يا أرحم الراحمين - جماعةً - بدعة، وليس هذا محل هذا الذكر. ((السنن والمبتدعات))  (60).
ومن صور الذكر الجماعي مما هو موجود عند جماعات من الناس:
1 - الاستغفار عقب الصلاة، والاتيان بالأوراد الواردة أو غيرها بصوت واحد مرتفع انظر: ((علم أصول البدع))  (151). قال الأذرعي: حمل الشافعي رضي الله عنه أحاديث الجهر على من يريد التعليم  ((إصلاح المساجد))  (ص 111).
2 - أو أن يدعو الإمام دبر الصلاة جهراً رافعاً يديه، ويؤمن المأمومون على دعائه وبصوت واحد ((مسك الختام في الذكر والدعاء بعد السلام))  (123).
3 - ومنه أن يجتمع الناس في مكان - مسجد أو غيره - ويدعون الله، وبصوت واحد إلى غروب الشمس ويجعلون الاجتماع لهذا الذكر شرطاً للطريقة ((الحوادث والبدع))  (126).
وقد قال التجاني: من الأوراد اللازمة للطريقة ذكر الهيللة بعد صلاة العصر يوم الجمعة مع الجماعة، وإن كان له إخوان في البلد فلابد من جمعهم وذكرهم جماعة. وهذا شرط في الطريقة ((تقديس الأشخاص))  (3361). وقال الرباطي: وترك الاجتماع من غير عذر شرعي يعرض في الوقت ممنوع عندنا في الطريقة، ويعد تهاوناً، ولا يخفى وخامة مرتع التهاون ((تقديس الأشخاص))  (1 / 336)
وقد أفتى العلماء ببطلان الذكر الجماعي، فقد جاء في بعض الأسئلة الواردة إلى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ما نصه:
قال السائل: لنا جماعة هم أصحاب الطريقة التجانية يجتمعون كل يوم جمعة ويوم الاثنين ويذكرون الله بهذا الذكر (لا إله إلا الله)، ويقولون في النهاية (الله الله...) بصوت عال. فما حكم فعلهم هذا ؟
الجواب:
(بعد بيان ضلال هذه الطريقة). والاجتماع على الذكر بصوت جماعي لا أصل له في الشرع، وهكذا الاجتماع بقول: (الله الله...) أو: (هو هو...) والاجتماع بصوت واحد هذا لا أصل له، بل هو من البدع المحدثة ((البدع وما لا أصل له))  (ص 425).
4 - ومن صور الذكر الجماعي الموجودة أن يجتمع الناس في مسجد وقد وقع البلاء في بلد فيدعون الله بصوت واحد لرفعه.
5 - ومن هذه الصور كذلك ما يحصل عند بعض الناس في أعمال الحج من الطواف والسعي وغيرها، حيث إن بعضهم يؤجرون من يدعو لهم، ويرددون وراءه أدعية معينة لكل شوط، بدون أن يكون لكل أحد الفرصة للدعاء فيما يتعلق بحاجته الخاصة التي يريدها. وقد يكون بعض هؤلاء المرددين لصوت الداعي لا يعرفون معنى ما يدعو به الداعي: إما لكونهم لا يعرفون اللغة العربية. أو للأخطاء التي تحصل من الداعي، وتحريفه للكلام. ومع هذا يحاكونه في دعائه، وهذه الأدعية إنما صارت بدعة من وجهين:
الأول: تخصيص كل شوط بدعاء خاص، مع عدم ورود ذلك. قال الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -: وأما ما أحدثه بعض الناس: من تخصيص كل شوط من الطواف أو السعي بأذكار مخصوصة، أو أدعية مخصوصة فلا أصله له، بل مما تيسر من الذكر والدعاء كافي ((التحقيق والإيضاح لكثير من مناسك الحج والعمرة))  (35).
الثاني: الهيئة الجماعية، مع رفع الصوت، وحكاية ألفاظ بدون تدبر واستحضار معنى.
6 - ومن صور الذكر الجماعي كذلك ما يقع عند الزيارة للقبر النبوي، أو قبور الشهداء، أو البقيع، أو غير ذلك من ترديد الزائرين صوت المزورين، قال الشيخ الألباني - رحمه الله - عند تعداده لبدع الزيارة في المدينة المنورة: تلقين من يعرفون بالمزورين جماعات الحجاج بعض الأذكار والأوراد عند الحجرة، أو بعيداً عنها بالأصوات المرتفعة، وإعادة هؤلاء ما لقنوا بأصوات أشد منها ((مناسك الحج والعمرة في الكتاب والسنة وآثار السلف))  للألباني (63) رقم (166).
7 - ومن هذه الصور كذلك اجتماع الناس في المساجد وأماكن الصلوات - ولاسيما في العيدين - ليرددوا التكبير جماعة خلف من يتولى التكبير في مكبر الصوت، ويرددون وراءه جماعة بصوت واحدٍ، فهذا كذلك من البدع. الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع لمحمد بن عبد الرحمن الخميس - ص 12- 17

انظر أيضا: