trial

موسوعة الفرق

المبحث الثالث: البطالة والانحِلاَل


كان أوائل الصوفية أصحاب مجاهدات وعبادات، صادقين مع أنفسهم وإن كانت بعض أعمالهم فيها تعمق وتشدد ومخالفة للسنة ما سبق أن قررنا، ثم ظهر بعد ذلك أجيال بنوا التكايا والزوايا وهي دكاكين للبطالة والطبل، مستريحين من كدِّ المعاش، متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص، يطلبون الدنيا من كل ظالم، وأين جوع (بشر) وورع (السري) وأين جد (الجنيد انظر ما كتبه ابن الجوزي وأطال في بطلات الصوفية في كتابه: ((تلبيس إبليس)). ، مع أن بناء الربطة والتكايا ولو لتعبد والإنفراد هو بدعة في حد ذاته لأن بناء أهل الإسلام المساجد، وبناء التكايا فيه تشبه بالنصارى لإنفراده بالأديرة. وقد قيل لبعض الصوفية أتبيع جبتك؟ قال: إذا باع الصياد شبكته فبأي شيء يصطاد، وقد استغرب الإمام محمد بن الحسن الشيباني من أكلهم الطعام عند الناس لا يسألون عن حلال أو حرام ((الكسب)) (44). .
ونسو أو تناسوا أن الإسلام يأبى الركون إلى الكسل والبطالة، وأن الزهد هو ترك ما في أيدي الناس والاستغناء عنه تنزهاً، وليس الحصول على ما في أيدي الناس تنطعاً، وقد نهي  رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السؤال وأمر بالاكتساب والعمل فقال: ((لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب على ظهره فيبيعها خير من أن يسأل رجلاً فيعطيه ؟ أو يمنعه) رواه مسلم (1042). ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) رواه البخاري (1427) واللفظ له ومسلم (1042). .
  وكان سعيد بن المسيب يتجر بالزيت وكان أبو حنيفة يتجر بالقماش... هكذا كان كبار العلماء والزهاد يعملون بأيديهم ويتحرون الكسب الحلال.
  وكان الأوائل يمتنعون عن الزواج تشدداً وتعمقاً، ثم تطور الأمر بالمتأخرين من الصوفية إلى مؤاخاة النساء وإعطاء الطريقة للمريد، وحفلات الذكر المختلطة، مما يشعر بدنوهم من مذهب الإباحية عند الباطنية، لأن نظرية وحدة الوجود – التي استفحلت عند متأخري الصوفية – تشجع على الإباحية " لأن الثواب والعقاب يصبح من المشكلات فمن الذي يثيبنا حين نحسن ؟ ومن الذي يعاقبنا حين نسيء ؟ إذا كان الإنسان جزأ من الله، إنها خطر على عالم الأخلاق، بل تأتي على قواعده من الأساس، ولذلك عاش بعض الصوفية عيشة التفكك والانحلال زكي مبارك: ((التصوف ))  (1/155) وانظر ابن حزم: ((الملل والنحل ))  (4/226). ، وقد كان لابن الفارض وهو من شيوخ وحدة الوجود، كان له مغنيات بالقرب من قرية (البهنسا) يذهب إليهن فيغنين له بالدف والشابة، وهو يرقص ويتواجد الآلوسي: ((جلاء العينين ))  (75). .
  لم يرض عن هذا التطور بعض الصوفية المعتدلون، كالشيخ أبي سعيد الأعرابي الذي يقول في كتابه (طبقات النساك): (إن آخر من تكلم في هذا العلم الجنيد وأنه ما بقي بعد إلا من يستحي من ذكره آدم متز: ((الحضارة الإسلامية ))  (2/39). ، كما حكى عن سهل التستري قوله: (بعد سنة ثلاثمائة لا يحل أن يتكلم بعلمنا هذا لأنه يحدث قوم يتصنعون للخلق) آدم متز: ((الحضارة الإسلامية ))  (2/39). ولكن الصوفية استمرت في تدهورها وأصبحت اكتساباً وتملقاً، ولبسوا جلود الضأن وحملوا قلوب الذئاب الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم/ ص 86


انظر أيضا: