trial

موسوعة الفرق

المبحث الأول: عقيدة المتصوفة في الله عزَّ وجل


الله عز وجل هو الواحد الأحد الفرد الصمد، خلق المخلوقات وأوجدها، وأمر الثقلين والجن والإنس بأوامر، ونهاهم عن نواه، من قام بامتثال أمره فيها دخل في طاعته، ومن أبى صار من أعدائه، وهو غني عن الخلق وعبادتهم، وجعل لكلا الفريقين جزاء عادلاً إما الثواب وإما العقاب.
وقد وصف الله نفسه في كتابه الكريم ووصفه نبيه بالصفات الثابتة له عز وجل فهو رب كل شيء ومالكه،  إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا[مريم:93- 95]
ولقد استقر في أذهان العقلاء مباينة الله لخلقه وقربه منهم بعلمه وإحاطته وأنه متفرد بالأسماء الحسنى والصفات العليا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأمرنا عز وجل أن نصفه بما وصف به نفسه في كتابه الكريم وبما وصفه به نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم غير معطلين ولا محرفين ولا مكيفين، ذاته لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفات خلقه حتى وإن اتفقت التسمية فإنها لا تتفق في الحقيقة وتبقى المباينة بين الحقائق مما لا يخفى إلا على من لم يفهم الحق.
هذا هو الاعتقاد الذي أمر الله العباد به فما هو موقف الصوفية منه. إن المتتبع لعقائد زعماء الصوفية يجد أنهم يعتقدون بوجود معبود لا حقيقة له قائمة بذاته، معبود لهم يذكر في الشريعة الإسلامية ولم تدل عليه العقول ولا الفطر السليمة إنه معبود غير رب العالمين تعالى  وتقدس.
يظهر في صورة الصوفي العابد الذي وصل إلى مرتبة النيابة عن الله في تصريف أمور هذا الكون والتحكم فيه بحكم نيابته عن الله وعلمه بكل المغيبات ورؤيته لله في كل وقت لارتفاع الإنية بينه وبين الله عز وجل الذي يظهر أحياناً في صورة شاب وأحياناً في صورة الآكل والشارب، وأحياناً في صورة شخص كأنه محجور عليه تعالى  بعد أن فوض الكون وما فيه إلى أقطاب الصوفية يتصرفون فيه بما يشاءون، كما تفيد أقوالهم وتبجحهم بذلك.
الحلول:
لقد أصبح الحلول من لوازم الصوفية الغلاة ومن المبادئ الأساسية عندهم، وكتبهم مملوءة بذلك نثراً ونظماً، وقد اختلف العلماء في تعريف الحلول:
فمنهم من قال: هو اتحاد جسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر كحلول ماء الورد في الورد.
ومنهم من قال: هو اختصاص شيء بشيء، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر.
واستعمل بعض المتصوفة لفظ الحلول ليشيروا به إلى صلة الرب والعبد واللاهوت والناسوت، بمعنى أن الله تعالى  يحل في بعض الأجساد الخاصة، وهو مبدأ نصراني وأول من أعلنه من الصوفية الحسين بن منصور الحلاج، حين عبر عن ذلك في أبياته الشعرية التي يقرر فيها أن الله تعالى  حل في كل شيء، وأنه لا فارق بين الخالق والمخلوق.


أنا من أهوى ومن أهوى أنا  




نحن روحان حللنا بدنا


فإذا أبصرتني أبصرته




وإذا أبصرته أبصرتني ((عوارف المعارف))  (ص 353)

والقائلون بالحلول منهم من قصر الحلول وخصه ببعض الناس، كقول النصارى بالحلول في عيسى عليه السلام، وكقول بعض غلاة الشيعة كالخطابية الذين اعتقدوا أن الله حل في جعفر الصادق، والسبئية الذين قالوا بحلول الله في عليّ، ومثله قول النصيرية فيه، وقول الدروز بحلوله عز وجل في شخص الحاكم.
وفريق آخر قال بالحلول العام، وأن الله حال في كل شيء، وأنه في كل مكان، وهؤلاء تأثروا بالفلسفة الطبيعية عند اليونان – وهم الجهمية ومن قال بقولهم.
ويمثل الحلول العام البسطامي في قوله: "رفعني مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك وألبسني أنانيتك وارفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا رأيناك، فتكون أنت ذلك ولا أكون أنا هناك". مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا[الكهف:5] .
وهذا الطلب الغريب العجيب يريد به أبو يزيد البسطامي كما تقدم أن يحتال على الله عز وجل ليصبغ عليه الوحدانية ويرفع ما بينه وبين البسطامي من الإنية بحيث إذا قال الله عز وجل "أنا" وقال البسطامي "أنا" انعدم الفرق بينهما، وحينئذ يمثل البسطامي الله عز وجل تمام المماثلة، فإذا شوهد البسطامي شوهد عند ذلك الخلاق العظيم – سبحانه وتعالى  عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وليس هذا فقط، بل أحياناً يختلط الحابل بالنابل فيحصل بين الرب والعبد مدّ وجزر حسب ما يتصوره ابن عربي في قوله:


ففي حال أقربه  




وفي الأحيان أجحده


فيعرفني وأنكره




وأعرفه فأشهده


فإني بالغني وأنا  




أساعده وأسعده


فيحمدني وأحمده




ويعبدني وأعبده ((الفتوحات المكية))  (3/ 498).

ولعله بعد هذه المراوغة استقر الأمر على أن الله هو نفسه كل موجود على ظهر الأرض؛ فهو العاشق والمعشوق، والرجل والمرأة، فالأجسام صور عنه، وذلك في قوله:


فمن ليلى ومن لبنى




ومن هند ومن بثينه


ومن قيس ومن بشر




أليسوا كلهم عينه ((الفتوحات المكية))  (ص521).

وفي قوله أيضاً:


فعين الخلق عين الحق فيه




فلا تنكر فإن الكون عينه


فإن فرقت فالعرفان باد




وإن لم فاعتبر فالبين بينه ((الفتوحات المكية)).

وقد ملأ كتابه الذي سماه بـ (الفتوحات المكية) أشعاراً وشروحاً لها حول هذا الاتحاد والحلول.
ويقول ابن الفارض عن الذات الإلهية كما يتصور:


ففي النشأة الأولي تراءت لآدم




بمظهر حوا قبل حكم النبوة


وتظهر للعشاق في كل مظهر




من اللبس في أشكال حسن بديعة


ففي مرة لبنى وأخرى بثينة




وآونة تدعى بعزة عزت ((تائية ابن الفارض)).

ومن هنا نشأ عند ابن الفارض الفوضى الفكرية في تداخل جميع الأديان الحق منها والباطل، حتى صارت بجميع أشكالها شكلاً واحداً، فكأنه أراد أن يجمع بين الليل والنهار، والحار والبارد، والحق والباطل، فتصور أن الملل كلها سواء كانت شركية وثنية أو مجوسية أو نصرانية أو يهودية، الكل عنده يرجع إلى مصدر واحد وحقيقة واحدة هي الله.
وتائيته المشهورة مليئة بتأكيد هذا الخلط والاضطراب، فهو بعد أن قرر أن جميع العبادات وجميع الأفعال التي تصدر عن الناس هي نفسها أفعال الله قال عن المجوس:


وإن عبد النار المجوس وما انطفت




كما جاء في الأخبار في ألف حجة  


فما عبدوا غيري وإن كان قصدهم




سواي وإن لم يعقدوا عقد نيتي


رأوا ضوء ناري مرة فتوهموه




ناراً فضلوا في الهدى بالأشعة ((تائية ابن الفارض)).

وكثير من مثل هذا الهذيان في أشعارهم هو وسائر غلاة الصوفية ممكن هم على شاكلته أنهم يتصورون معبودهم يتجلى في صورة امرأة؛ ولهذا نجد أن الصوفية يلهجون بذكر النساء، ويرونهم أكمل وأتم وأجمل لتعينات الذات الإلهية التي يعتقدونها فيهن، وهذا واضح جداً في تلك العناية التي لقيتها المرأة في الأدب الصوفي من التذلل لها والتشبث بها والتفتن في وصفها.
ومما قاله ابن عربي في تقريره حول الله تعالى  عن كلامه في المرأة أن الأمر بالغسل؛ لأن الحق غيور على عبده أن يعتقد أن يلتذ بغيره، فلهذا أحب النبي صلى الله عليه وسلم النساء لكمال شهود الحق فيهن، إذ لا نشاهد الحق مجرداً عن المراد، فشهود الحق في النساء أعظم شهود وأكمله، وأعظم الوصلة والنكاح… قال: فمن جاء لامرأته أو لأنثى بمجرد الالتذاذ ولكن لا يدري بمن كما قال:


صح عند الناس أني عاشق




غير أنهم لا يعرفوا عشقي لمن  

كذلك هذا أحب الالتذاذ فأحب المحل الذي يكون فيه، - هو المرأة -، ولكن غاب عنه روح المسألة فلو علمها لعلم بمن التذ؟ ومن التذ؟ وكان كاملاً قال من شاهد الحق في المرأة كان شهوده في منفعل وهو أعظم الشهود ويكون حباً إلهياً" كتاب ابن عربي الصوفي (ص 270) نقلا عن العلم الشامخ (ص 550). .
ومن هذا المفهوم الباطل تجرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأساء الأدب في حقه وافترى عليه بما لا يقدم عليه مسلم يعرف ولو شيئا يسيراً عن الإسلام وعن نبيه العظيم الذي اعترف له كل من عرفه أو سمع عنه بأنه خير منقذ للبشرية، عابداً لربه حق عبادته، متواضعاً، بالمؤمنين رءوف رحيم، لكن ابن عربي يقرر حسب مذهبه الرديء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يحب النساء لكمال شهود الحق فيهن، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا البهتان.
بل قرر زعماء الإباحية والزنادقة العتاة ابن عربي وابن الفارض وغيرهما أن الله تعالى  يتجلى في كل صورة حسنة في صورة الرجل أو المرأة فيكون فاعلاً ومفتعلاً – تعالى الله عن كفرهم وإلحادهم علواً كبيراً، وأن الله تجلى في صور العاشقات والمعشوقات ((ترجمان الأشواق))  لابن عربي، و((فصوص الحكم))  له، وانظر ما ينقله عنهم د. صابر طعيمة في الصفحات من (165 – 183). ، ويطول النقل عنهم ولو أردنا ذلك مما يأباه الدين وتشمئز منه النفوس وتمجه الفطر السليمة ويأباه الذوق.
"وفي تفسير الحديث: ((فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به)) رواه البخاري (6502)
"يذكر السهروردي أن المحب يعود بفوائد اكتساب الصفات من المحبوب، أي بحيث تشترك الصفات بين المحب والمحبوب فلا يحصل بينهما أي فارق، ثم استشهد على هذا في الاتحاد والحلول بمبدأ الحلاج:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا … الخ.
ويقول ابن عطا السكندري في بيان حقيقة الولي: "ولقد سمعت شيخنا أبا العباس رضي الله عنه يقول: لو كشف عن حقيقة الولي لعُبِد؛ لأن أوصافه من أوصافه ونعوته من نعوته" ((لطائف المنن))  (ص 95). وقال أيضاً في وجود الله تعالى  أنه لا خفاء به ولا حجاب عليه:
"كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء" ((لطائف المنن))  (ص 103) .
وفي الشطحات الصوفية وجرأتهم على قول كل ما يريدون ما لا يخفى على طلاب العلم.
ومما يذكر في سيرة ابن عربي أنه شغف حين كان بمكة بحب امرأة هي ابنة رجل يسمى الشيخ مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الأصفهاني، ووصفها بأوصاف من الغزل بجمالها ما لا يحتمل المقام ذكره هنا ضمنه كتابه (ترجمان الأشواق)، ثم شرحه بطلب من رجلين من خاصته فشرحهُ في كتاب سماه (ذخائر الأعلاق).
حاول جاهداً أن يغطي ما قاله في تلك المرأة من العشق والغرام ليحوله على أنه قاله في الحب الإلهي، ولكن لم يتم ذلك؛ حيث غلب الطبع على التطبع، وليست هذه معشوقته الوحيدة، بل هناك أخرى عشقها وهو يطوف حول البيت، وقال فيها أشعاراً غزلية ماجنةً، ولم يستشعر مقدار جرمه في الحرم الذي يعاقب الله فيه على مجرد النية، ثم وصف تلك الأشعار بعد ذلك بالحب الإلهي تمويهاً وتغطية لمجون هذا الشيخ الصوفي الكبير، فأين الحب الإلهي في مثل قوله:


ليت شعري هل دروا




أي قلب ملكوا


وفؤادي لو درى




أي شعب سلكوا


أتراهم سلموا




أم تراهم هلكوا


حار أرباب الهوى




في الهوى وارتبكوا انظر ((التصوف المنشأ والمصادر))  (ص 269 – 271).

وحدة الوجود:
وحدة الوجود عقيدة إلحادية تأتي بعد التشبع بفكرة الحلول في بعض الموجودات، ومفادها لا شيء إلا الله وكل ما في الوجود يمثل الله عز وجل لا انفصال بين الخالق والمخلوق، وأن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى  ليس وجودها غيره ولا شيء سواه البتة، وهي فكرة هندية بوذية مجوسية.
وهذا هو المبدأ الذي قام عليه مذهب ابن عربي الذي قال: سبحان من خلق الأشياء وهو عينها، وتجرأ على تفسير كتاب الله بغير علم فاستدل بآيات من القرآن الكريم زعماً أن الله أطلق اسم الوجود على نفسه كما في قوله تعالى:  وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ[النــور:39]،  لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا[النساء:64] ، يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا[النساء:110] ، واستدل بأحاديث موضوعة مثل حديث: ((من عرف نفسه فقد عرف ربه)) قال السخاوي في المقاصد (1/657) قال أبو المظفر بن السمعاني في الكلام على التحسين والتقبيح العقلي من القواطع إنه لا يعرف مرفوعا وإنما يحكى عن يحيى بن معاذ الرازي يعني من قوله وكذا قال النووي إنه ليس بثابت، وقال القاري في المصنوع (1/189) قال ابن تيمية موضوع وهو كما قال، وقال الألباني في الضعيفة (66) لا أصل له. .
وهذا الاستدلال من أغرب وأنكر ما تلفظ به قائل.
إذ كيف يتأتى لهم القول أن القرآن والسنة يدعون إلى الإلحاد والكفر بالله؟ ولا شك أن هذه العقائد الإلحادية قديمة جداً في العبادات الهندية والديانات البوذية. وقد انقسم أصحاب هذه المبادئ الإلحادية إلى فريقين:
1 - الفريق الأول: يرى الله سبحانه وتعالى روحاً وأن العالم جسماً لذلك الروح، فإذا سما الإنسان وتطهر التصق بالروح أي الله.
2 - الفريق الثاني: هؤلاء يزعمون أن جميع الموجودات لا حقيقة لوجودها غير وجود الله، فكل شيء في زعمهم هو الله تجلى فيه ((الصوفية معتقداً ومسلكاً))  (ص 206 – 207)، نقلاً من ((التصوف الإسلامي والإمام الشعراني))  للأستاذ طه عبد الباقي سرور: (1/89). .
والإسلام بريء من هذه الأفكار المنحرفة الخرافية كلها هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[الحديد: 3]، وهؤلاء يقولون أن الله ما دام هو أصل وجود هذه الممكنات المشاهدة فكأن الموجودات في حكم العدل، والوجود الحقيقي هو الله الذي تجلى في أفعاله ومخلوقاته، وبالتالي فإن العقائد كلها حقائق والناس لا خلاف بينهم حقيقة، والديانات كلها ترجع إلى حقيقة واحدة، هذا ولا شك أنه خلط وانحراف شنيع أدى بمن أعتنقه إلى خذلان المسلمين وترك أمر الجهاد.
ولهذا نجد أن المستشرقين اهتموا كثيراً بدراسة ظاهرة التصوف؛ لأنها تحقق أهدافهم في إلهاء المسلمين وتفرق كلمتهم، وبالتالي فإنهم وجدوا فيها معيناً لهم على نشر الإلحاد وإنكار النبوات ونبذ التكاليف الشرعية والدعوة إلى القول بوحدة الأديان وتصويبها جميعاً مهما كانت، حتى وإن كانت عبادة الحجر والشجر.
والواقع أنه ما من مسلم يشك في كفر أو ارتداد من قال بوحدة الوجود، وعلماء الإسلام حين حكموا بكفر غلاة المتصوفة من القائلين بوحدة الوجود والحلول والاتحاد حكموا أيضاً بكفر من لم ير تكفيرهم.
ولقد قال شيخ الإسلام عن هؤلاء: "إن كفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى ومشركي العرب".
ولقد وصل الهوس والجنون بابن الفارض – بناء على عقيدته أن الله هو عين كل شيء – وصل به الحال إلى أن يعتقد أنه هو الله حقيقة؛ لأن الله حسب خرافاته هو عين كل شيء فهو على هذا يمثل الله – تعالى  عن قولهم.
وابن عربي من أساطين القائلين بوحدة الوجود والحلول والاتحاد وصحة الأديان كلها، مهما كانت في الكفر إذ المرجع والمآل واحد، ومن هنا فهو يقول:


عقد الخلائق في الإله عقائداً




وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه

ويقول:


العبد رب والرب عبد




يا ليت شعري من المكلف


إن قلت عبد فذاك رب




أو قلت رب فأنى يكلف

ولابن عربي في كتابه (فصوص الحكم)، وكتابه الآخر (الفتوحات المكية) من الأقوال في وحدة الوجود ونفي الفرق بين الخالق والمخلوق وثبوت اتحادهما تماماً أقوال لا تكاد تحصر نثراً ونظماً.
وأما ابن الفارض فإذا أراد الشخص أن يعرف عقيدته تمام المعرفة فليقرأ تائيته التي باح فيها بكل صراحة وتحد أن الله متحد بكل موجود، وأن ابن الفارض نفسه هو المثل الكبير لله تعالى  في صفاته وأفعاله؛ ولهذا فهو يفسر كل ما في الوجود بأنه يصح أن يقال فيه: إن الله أوجده أو كل موجود هو أيضاً ذلك الموجد.
وأن كل عبادة تقام فإنها توجه له أو لله لا فارق بينهما إلا في ذكر الاثنينية التي هي أيضاً لا وجود لها عند استجلاء الحقيقة حيث تتلاشى الاثنينية ويصبح الوجود واحداً ممثلاً في كل شيء.
وإذا أردت تفصيل كل تلك الحقائق عنه فاقرأ تائيته أو الأبيات الآتية، وانظر شرحها عند الشيخ عبد الرحمن الوكيل ((هذه هي الصوفية))  (248). .
ويقول ابن الفارض عن الذات الإلهية وتجليها له:


جلت في تجليها الوجود لناظري  




ففي كل مرئى أراها برؤية


ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها




وذاتي بذاتي إذا تحلت تجلت


فوصفي إذا لم تدع باثنين وصفها




وهيئتها إذ واحد نحن هيئتي


فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن




منادى أجابت من دعاني ولبت


فقد رفعت تاء المخاطب بيننا




وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي


وكل الجهات الست نحوي توجهت




بما تم من نسك وحج وعمرة


لها صلواتي في المقام أقيمها




وأشهد فيها أنها لها صلت


كلانا مصل واحد ساجد إلى




حقيقته بالجمع في كل سجدة


وما كان لي صلى سواي ولم تكن




صلاتي لغيري في أداء كل سجدة ((تائية ابن الفارض)).

ويقول عن معنى سجود الملائكة لآدم، وأن الملائكة إنما هم صفة من صفاته لا خلق مستقل:


وفيَّ شهدت الساجدين لمظهري




فحققت أني كنت آدم سجدتي

شرحه الصوفي القاشاني بقوله:
"أي عاينت في نفسي الملائكة الساجدين لمظهري فعلمت حقيقة أني كنت في سجدتي آدم تلك السجدة وأن الملائكة يسجدون لي والملائكة صفة من صفاتي، فللساجد صفى مني تسجد لذاتي" ((كشف الوجوه الغر على هامش شرح الديوان))  (2/ 89) نقلاً عن ((هذه هي الصوفية))  (ص33). .
ومن عتاة دعاة وحدة الوجود الجيلي صاحب كتاب (الإنسان الكامل) وقد ترجم له الشعراني وأطال في ترجمته، ابتدأها بقوله: "ومنهم أبو صالح سيدي عبد القادر الجيلي رضي الله عنه" انظر ((طبقات الشعراني))  من (ص 126 – 132). . ثم جاء في أخباره بما لا يصدقه عاقل.
ومما يدل على تعمق الجيلي في القول بوحدة الوجود وأنه لم يعد بينه وبين الله أي فارق، ولا بينه وبين كل المخلوقات في هذا الكون أي فارق أيضاً ما أورده في كتابه (الإنسان الكامل) يقول الكشخانلي في ((شرح وحقيقة الإنسان الكامل)): " ((الإنسان الكامل))  المتحقق بحقيقة البرزخية الكبرى عين الله وعين العالم" ((جامع الأصول في الأولياء))  (ص 111) نقلاً عن هذه (هي الصوفية) (ص 44). :


لي الملك في الدارين لم أر فيهما




سواي فأرجو فضله أو فأخشاه


وقد حزت أنواع الكمال




جمال جلال الكل ما أنا إلا هو


لي الملك والملكوت نسجي وصنعي




لي الغيب والجبروت مني منشاه


فمهما ترى من معدن ونباته




حيوانه مع أنسه وسجاياه


ومهما ترى من أبحر وقفاره




ومن شجر أو شاهق طال أعلاه


ومهما ترى من صور معنوية




من مشهد للعين طاب محياه


ومهما ترى من هيئة ملكية




ومن منظر إبليس قد كان معناه


ومهما ترى من شهوة بشرية




طبع وإيثار لحق تعاطاه


ومهما ترى من عرشه ومحيطه




كرسيه أو رفرف عز مجلاه


فإني ذاك الكل والكل مشهدي




أنا المتجلي في حقيقته لا هو


وإني رب للأنام وسيد




جميع الورى اسم وذاتي مسماه هذه ((هي الصوفية))  (ص 56- 57).

فالجيلي هو كل شيء والله هو أيضاً  كل شيء، من خير أو شر، من فسق أو فجور، الكل هو الله على حسب هذه العقيدة المجوسية.
ومن القائلين بوحدة الوجود ووحدة الشهود هو أبو حامد الغزالي، ولقد تأثر الناس به كثيراً؛ لأنه كان في وقته يداري كل طائفة ويتودد إليها بالموافقة، وخفي أمره على كثير من الناس فلم يفطنوا إلى تعلقه بوحدة الوجود، وإن كان قد صرح بها كثيراً في كتبه، وخصوصاً إحياء علوم الدين، وفي هذا يقول عنه عبد الرحمن الوكيل: "لا تعجب حين ترى الغزالي  يجنح في دهاء إلى السلفية في بعض ما كتب فللغزالي وجوه عدة كان يرائي بها صنوف الناس في عصره، فهو أشعري؛ لأن نظام الملك صاحب المدرسة النظامية أراده على ذلك، وهو عدو للفلسفة؛ لأن الجماهير على تلك العداوة، وهو متكلم ولكنه يتراءى بعداوته للكلاميين اتقاء غضب الحنابلة.
وأما بالنسبة لرجوعه عن غلوه في التصوف، وأو عدم رجوعه فقد قرر بعض العلماء أن الغزالي  رجع عن تلك الاقوال الصوفية، إلا أن بعضهم شكك في رجوعه وتوبته، ومن هنا يقول عبد الرحمن الوكيل: "يحاول السبكي في كتابه( طبقات الشفاعية) تبرئة ساحة الغزالي  بزعمه أنه اشتغل في أخريات أيامه بالكتاب والسنة ونحن نسأل الله أن يكون ذلك حقاً، ولكن لا بد من تحذير المسلمين جميعاً من تراث الغزالي، فكل ما له من كتب في أيديهم تراث صوفي ولم يترك لنا في أخريات أيامه كتاباً يدل على أنه اشتغل بالكتاب وبالسنة" هذه ((هي الصوفية))  (ص 52). .
ومن أقوال الغزالي  في وحدة الوجود كما جاءت في كتابه (إحياء علوم الدين) قوله في ثنايا بيانه لما سماه مراتب التوحيد ……
"والثانية: أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه كما صدق عموم المسلمين، وهو اعتقاد العوام.
والثالثة: أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار.
والرابعة: ألا يرى في الوجود إلا واحداً، وهي مشاهدة الصديقين وتسمية الصوفية الفناء في التوحيد؛ لأنه من حيث لا يرى إلا وحداً فلا يرى نفسه أيضاً، وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقاً بالتوحيد كان فانياً عن نفسه في توحيده بمعنى أنه فنى عن رؤية نفسه والحق" ((إحياء علوم الدين))  (ص 4/ 245 – 246). .
وفي هذا التعبير أمور تدل على وحدة الوجود، وذلك فيما يلي:
 وصفه لعموم المسلمين بأنهم عوام في الاعتقاد، ويقصد به العقيدة السهلة الواضحة التي جاء بها الإسلام.
 في تقريره أن الذي يشاهد تلك الأمور عن طريق الكشف يراها كلها صادرة عن فاعل واحد هو الله تعالى، وأنها عبارة عنه على ما فيها من خير وشر.
 قوله: لا يرى في الوجود إلا واحداً، هذا هو عين القول بوحدة الوجود.
وعندما أورد استشكالاً قد يرد في الذهن، وهو قوله: "فإن قلت كيف يتصور ألا يشاهد إلا واحداً، وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة فكيف يكون الكثير واحداً؟
ولا شك أن هذا الاستشكال وارد، وهو استشكال قوي جداً ويحتاج إلى جواب شاف، فبماذا أجاب الغزالي عن هذا؟ أجاب عن إيراد هذا السؤال بقوله: "فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات وأسرار هذا العلم، لا يجوز أن تسطر في كتاب، فقد قال العارفون: إفشاء الربوبية كفر".
وهذا الجواب فيه اتهام لله بالتقصير في بيان أمر التوحيد؛ حيث لم يبينه الله تمام البيان، ولا بينه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يعرفه أحد إلا أرباب الكشف الصوفي الذين يعرفون كل تفاصيل التوحيد إلا أنهم لا يحبون إفشاء سر الربوبية؛ لأنه يؤدي إلى الكفر حسب هذا الزعم، والواقع أنه قد صدق، فإن هذا التوحيد الذي لا يعرفه إلا أصحاب الكشف هو نفسه التوحيد الذي لا يفرق بين الخالق والمخلوق وهو أمر لا يقر به أحد من المسلمين.
أما الجواب الثاني فهو مثل ضربه يفيد أنه قد يحصل تعدد أشياء في شيء واحد دون فارق بينهما؛ وذلك كالإنسان وأعضائه فهو إنسان واحد ولكن له أعضاء كثيرة؛ روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشاؤه، وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد أي إنسان.
وهذا الجواب أردأ من الذي قبله، يريد أن يثبت لنا القول بوحدة الوجود قياساً على الوحدة المتكاملة بين الإنسان وأعضائه، وأراد من هذا أيضاً جعله هذه الأوصاف هي نفسها الفناء في التوحيد حسب ما أورده عن موقف جرى بين الحلاج والخواص.
حيث رأى الخواص يدور في الأسفار فقال: في ماذا أنت؟ فقال: أدور في الأسفار لأصحح حالتي في التوكل، فقال الحسين – الحلاج-: قد أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد؟ فكأن الخواص كان في تصحيح المقام الثالث فطالبه بالمقام الرابع.
أي أن الحلاج كان في المقام الثالث أو الرتبة الثالثة في التوحيد، وهي أنه يرى الأشياء هي نفسها "الله"، ولكن بطريق الواسطة والكشف فطالبه الخواص – والغزالي  لإقراره كلام الخواص – بأن يرتقي إلى الدرجة الرابعة انظر: ((إحياء علوم الدين))  (4/212)، وانظر تعليقات الشيخ عبد الرحمن الوكيل في كتابه ((هذه هي الصوفية))  من (ص 47-56). في تحقيق التوحيد، وهي أن لا يرى في الوجود إلا واحداً وهي (الفناء في التوحيد) بدون واسطة ولا كشف وبها يتحقق التوحيد.
وفي كتاب (مشكاة الأنوار) للغزالي تصريح بوحدة الوجود في أكثر من موضع انظر: (ص122-125). وقد فندها الشيخ عبد الرحمن الوكيل وأظهر عوارها انظر: (ص54-56). .
ومن كبار القائلين بوحدة الوجود عامر بن عامر أبو الفضل عز الدين حيث قال محاكياً الفارض في تائيته وفي معتقده أيضاً:


تجلى لي المحبوب من كل وجهة




فشاهدته في كل معنى وصورة


وخاطبني مني بكشف سرائر




تعالت عن الأغيار لطفاً وجلت أي تعالى  الله عن أن يكون له غير إذ هو عين كل شيء، والمسلم يقول: تعالى  الله عن الشريك والمثيل؛ لأنه العظيم. انظر: هذه ((هي الصوفية))  (ص 57).  


فقال أتدري من أنا قلت أنت أنا




منادى أنا إذ كنت أنت حقيقتي


نظرت فلم أبصر محض وحدة




بغير شريك قد تغطت بكثرة


تكثرت الأشياء والكل واحد




صفات وذات ضمناً في هوية


فأنت أنا لا بل أنا أنت وحدة




منزهة عن كل غير وشركة تائية ابن عامر.

وقد اختار نقل هذه الأبيات من تائية ابن عامر الشيخ عبد الرحمن الوكيل وهي صريحة لا لبس فيها على ما يذهب إليه أهل وحدة الوجود الذين يرون أنه لا يكتمل إيمان العبد ولا يصل إلى الله إلا إذا تلاشت "أنا" من نفسه فأصبح في لجة جمع الجمع ورفع الاثنينية.
وقد سلك هذا المسلك في الاعتقاد بوحدة الوجود جماعة أخرى من الصوفية يمكن إحالة القارئ للاطلاع على كلامهم إلى كتاب الشيخ عبد الرحمن الوكيل، حيث ذكر نصوصاً كثيرة عنهم نثراً ونظماً، ومن أولئك محمد بن إسحاق المشهور بالقونوى له كتاب ((مراتب الوجود))  مخطوط بالظاهرية بدمشق (رقم 5895). ، وعبد الغني بن إسماعيل المشهور بالنابلسي رسالة اسمها ((حكم شطح الولي))  مخطوط بالظاهرية بدمشق (رقم 4008). ، وعبد السلام بن بشيش أو مشيش وهو من كبار شيوخ الشاذلية، ومحمد الدمرداش المحمدي له كتاب ((القول الفريد)). ، وأحمد بن عجيبة الإدريسي له كتاب ((إيقاظ الهمم في شرح الحكم)). ، وحسن رضوان له كتاب ((روض القلوب المستطاب)). .
وكل واحد من هؤلاء قد أدلى بدلوه وخاض فيما ليس له بحق وحاول تثبيت عقيدة وحدة الوجود بكل ما أمكنه من الكلام نثراً ونظماً مما قد يطول نقله وتثقل قراءته، إذ إنهم لا يختلفون إلا في الألفاظ فقط والمورد واحد.فرق معاصرة لغالب عواجي 3/986

انظر أيضا: